سينما

عن العزلة وأصول التوتاليتارية – جان لوك غودار

تجربتي الثالثة في ترجمة الفيديو، وهذه المرة مقطع للمخرج الفرنسي العظيم جان لوك غودار وهو يقدم مونولوج عن العزلة أصول التوتاليتارية مستوحىً من أعمال الفيلسوفة حنة أرنت. يُذكر أن المشهد مجتزء من فيلم ” ما زلنا هنا ” للمخرجة الفرنسية آن ميفييل من إنتاج عام 1997.

 

Advertisements

تحديقة عوليس – عبدالله حبيب

 

ليس “عوليس” في عنوان الفيلم هو عوليس “إلياذة” هومر Homer، ولا “عوليس” جيمس جويس James Joyce أو نيكوس كازانتزاكي Nikos Kazantzakis (مادام المخرج مهتماً بالتاريخ والزمن في كافة أفلامه) كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى. في الحقيقة ليس هناك شخصية باسم “عوليس” في الفيلم الذي لا تدور أحداثه أصلاً في عصر الملاحم الإغريقية مثلاً، بل في تسعينيات القرن الماضي. وبذلك فإن الاسم الأسطوري العتيد “عوليس” قد يكون الكاميرا الملحميَّة التي تقدِّم لمدة ثلاث ساعات تقريباً رؤيا هومريَّة معاصرة لتاريخ حديث لكنه غارق في ضباب ملغز مثل ضباب الأسطورة الإغريقية القديمة. أو قد يكون “عوليس” هو التجسيد الرمزي في بطل العمل، أي شخصية المخرج السينمائي اليوناني الذي قام بدورها باقتدار استثنائي هارفي كيتيل، والتي ليس لها اسم في الفيلم نفسه؛ ولكن عندما ينتهي الفيلم، وتظهر “التترات” حاملة أسماء الممثلين مقابل أسماء الشخصيات التي قاموا بأدوارها فإننا نكتشف للمرة الأولى أن هارفي كيتيل قد قام بدور شخصية تدعى “أ”!. وبما أن “أ” هو أول حروف اسم “أنغِلوبولُس” المخرج، فربما كان “عوليس” الفيلم هو أنغِلوبولُس نفسه، خاصة وأن هذا المخرج معروف ببصماته البيوغرافية في أفلامه. ولكن، أليس من شأن تسمية شخص بحرف واحد فقط هو الحرف الأول من اسمه أن يُذَكِّر المرء تلقائياً بمبدع كبير آخر، أعني كافكا Kafka الذي أسمى إحدى شخصياته في عدة أعمال بالحرف الأول من اسمه: “ك”؛ نعم إنه “ك” الذي تاهَ في زمن “القلعة” الملغز مثلاً، والذي يتوه عندما تكون فكرة الرحلة- كما هو الحال في “تحديقة عوليس”- بنية للحبكة السردية. أنحن هنا، إذن، بصدد فيلم ٍهومريٍّ مُعَمَّدٍ ببصيرة كافكاويَّة؟. أعتقد أن الأمر كذلك.
يسرد فيلم “تحديقة عوليس”، إذن، قصة مخرج سينمائي يوناني يعود إلى بلاده في ليلة ماطرة بعد أن قضى خمساً وثلاثين سنة في المنفى في الولايات المتحدة ليشهد في مدينته الأم العرض الافتتاحي لفيلمه الأخير. نحن لا نعلم شيئاً عن هذا الفيلم، لكننا نعلم أن دخول قصة فيلم في فيلم يأتي بمثابة إلماح أصبح استخدامه مكروراً بعض الشيء في السينما الطليعية والبديلة منذ سينما “الموجة الجديدة” فصاعداً. لكن ينبغي هنا أن نحفل لهذا الأمر لجهة سياقيَّته من حيث ارتباطه بالثيمة الأساس للفيلم التي تنفي فوراً تهمة اللجوء إلى “الكلاشيه” الطليعي. كما أننا، في سياق الفيلم الأكبر الذي نشاهِدُ، نستطيع أن نحدس بمضمون الفيلم الأصغر ذاك حتى ولو لم، ولن، نشاهده، وذلك عبر مشاهدة عشرات من العربات المدرَّعة، ومئات من رجال الشرطة ومكافحة الشغب مدججين بالسلاح والدروع الواقية في شوارع المدينة التي يجري فيها عرض الفيلم الأصغر، ومن خلال معرفتنا- التي تحدث بالتزامن مع معرفة المخرج نفسه من طريق أحد أصدقائه- بأن جميع دور السينما في المدينة قد اعتذرت (أو أُجبرت على “الاعتذار”) عن عرض الفيلم.. تكفينا كل هذه المعطيات، إذن، من أجل استنتاج أن الفيلم مثير للجدل من الناحية السياسية. ولذلك لم يكن هناك بديل لإقامة العرض السينمائي في الهواء الطلق على الرغم من هطول الأمطار الغزيرة. ويا لهذا من مَجَازٍ حاذق وكثيف لدور الطبيعة في أفلام أنجيلوبولس (سأعود إلى هذه النقطة لاحقاً). 
لا تنقل لنا كاميرا الفيلم الأكبر شيئاً من أحداث الفيلم الأصغر على الإطلاق، بل تكتفي بأن ترينا التوتر الذي يتسبب به الثاني من خلال تقابُل المعترضين عليه ومؤيديه؛ إي تلك الحشود التي تشاهده تحت المطر باستغراق يبدو مغناطيسياً تحت المظلات الفرديَّة عبر ترتيب المشهد إخراجياً بشيىء من الأسلبة (stylization)؛ ذلك ان الفيلم الأكبر هذا لا يريد أن يُري ما هو مؤسَّس، بل يطمح إلى أن يَرى ما يتأسس. والإلماحة هذي تكفي المُشاهد الفَطِن. ومع فضاء السرد الذي يتسع تحت زخَّات المطر في لقطات تتساوى فيها درجات التركيز البؤري في المناطق الكلاسيكية الثلاث للكادر السينمائي (الخلفيَّة والوسط والمقدمة) فإننا نكون بصدد بعض خصائص لغة أنغِلوبولُس السينمائية: ضَمُّ الزمان والمكان الواقعين في خارج الكادر السينمائي إلى السرد (أو قذف السرد إلى خارج الشاشة)، وإضفاء الصبغة الملحميَّة على اللقطات الكبيرة من خلال استخدام تقنية التركيز البؤري العميق deep focus؛ وهما تقنيتان يقول أنغِلوبولُس في حوار صحفي قديم إنه تعلمهما بالتتابع من الياباني كِنجي مِزوغوتشي Kenji Mizoguchi-الذي تحدث بعض مشاهِدِهِ “خارج” الشاشة حقاً- والأمريكي التشريعي في هذه التقنية أرسُن ويلز Orson Welles في فيلمه الأشهر “المواطن كين” (1941). (وإن كان من الممكن لي الاستطراد فسأقترح بسرعة أن المصوِّر السينمائي الأمريكي العتيد غْرِغ تولَند Gregg Toland الذي لا تذكره إلا قِلّة اليوم، والذي تعاون مع ويلز في “المواطن كين”، يستحق أن يُذْكَرَ بنفس المقدار الذي يُذْكَرُ به ويلز الجدير بالتأكيد بكل احترام. لكن لا بأس في ذلك، فنظرية “المؤلِّف السينمائي”، مثل نظرية السرد ونظرية الأُمَّة ونظرية الدولة، لها ضحياها غير النظريين وغير القليلين أيضاً!)، إضافة إلى التعامل مع الطبيعة (المطر مثلاً) بوصفها عنصراً سردياً فاعلاً وليس ديكوراً مكانياً أو طبيعياً لتزويق السرد بصرياً.
وفي هذه الأثناء يلتقي المخرج السينمائي اليوناني العائد إلى وطنه بعد منفى طويل بامرأة غامضة لا نستطيع أن نعلم الكثير عن علاقته السابقة أو الحاليَّة بها من خلال حديثهما العابر في حنينه وتوتره، خاصة وأن الكاميرا تلتقط لقاءهما بحيادٍ لَقَطاتيٍّ. إن المُشاهدَ هنا مُغَيَّبٌ تماماً عن سؤال الزمن في العلاقة، بل إنه مضطر إلى التساؤل عما إذا كان لذلك أي أهميَّة. غير ان ما يتضح بعد قليل هو أن مناسبة عرض الفيلم الأصغر ليس بِكُلِّ ما أعاد المخرج السينمائي المنفي إلى بلاده في تلك الليلة “السينمائية” الماطرة (هذا إذا كان بين الأمرين أدنى علاقة أصلاً)؛ حيث نبدأ هنا في التعرف إلى ما هو واقع وراء هذا الأثر الطفيف من تقنية الـ”مَجَافِن” MacGuffin في أفلام هِتْشُكُكْ؛ بمعنى الذريعة الحدَثيَّة التي تقدم السرد للوهلة الأولى باعتبارها العنصر السردي الأهم، لكنها لا تلبث إلا أن تنسحب مفسحة المجال لعناصر سرديِّة أخرى سيتضح أن الأهمية تكمن فيها في إرباكها للقارب والصيَّاد والسمك جميعاً (وقد قلت إن ذلك الأثر “طفيف” فحسب لأن الذريعة التي تؤسس السرد هنا لن تنفصل لاحقاً عن جوهر الهاجس الثيماتي؛ فـ”المجافن” هنا ممزوج بـ “الليتموتيف” أو الفكرة الثيماتيَّة المهيمنة من حيث تعاقب ظهورها على الرغم من اختفائها أحياناً). 
يتضح لنا من السرد الفيلميِّ والتاريخي في “تحديقة عوليس”، إذن، انه في بدايات القرن العشرين، وبُعَيْدَ اختراع السينما في نهاية القرن التاسع عشر، كان الأَخَوان ماناكياس Manakias يجوبان منطقة البلقان بحريَّة وانطلاق تامَّين، ويصوران أفلاماً وثائقية حول أنشطة حياة الناس القاطنين فيها. حسن جداً، فالأمر يتعلق بتاريخ السينما في رقعةٍ ما من هذا العالم في نقطة يتعالق معها تاريخ المنطقة نفسه. ولذلك فإني لا أستطيع ابداً أن أغض النظر والسمع والذاكرة عن حقيقة أن اسم “الأخوان ماناكياس” يجلب، تاريخياً، صدى اسمياً للأخوان لوميير Lumière، مخترعا السينما. وفي هذا الصدى ما يقابل أهمية الأخوان ماناكياس التأسيسية على الصعيد البلقاني بأهمية الأخوان لوميير على الصعيد الفرنسي أو الأوروبي.
وفي دأبهما للتوثيق السينمائي للأنشطة الحياتية- اقتصاديَّة واجتماعيّة وثقافيَّة – في البلقان لم يكن الأخوان ماناكياس يُفَرِّقان أو يُمَيِّزان بين سكان المنطقة الواسعة بناء على اعتبارات الدين، أو اللغة، أو اللون، أو الإثنية، أو العرق، أو الطائفة، أو غيرها من الاعتبارات التي نعلم انها ستدخل لاحقاً في تشكيل النسيج الخصائصي للأُمّم التي انبثقت في البلقان؛ ذلك أنهما كانا يتحركان على أرض بلا حدود “سياسية” أو “وطنيَّة” أو “ثقافيَّة” بالمعانى المعاصرة لهذه الكلمات. وفي هذا السياق يتقاطع السرد عدة مرات في “تحديقة عوليس” مع إدخالٍ (insertion) لشريط وثائقي قديم بالأبيض والأسود في نسيج الفيلم الملوَّن نرى فيه نساء يغزلن النسيج بطريقة بدائيَّة كما كانت تفعل النساء في مختلف أنحاء الوطن العربي مثلاً. وليس أمامنا هنا سوى تصديق أننا نشاهد أحد أعمال الأخوان ماناكياس الوثائقية. لقد عاد المخرج إلى بلاده، إذن، لأن لديه مشروعاً لعمل فيلم وثائقي عن ذينك الرائدين السينمائيين في منطقة البلقان يوم كانت البلقان بلقاناً فحسب وليست دولاً وأمماً. وهو قد حصل على معلومات وثيقة مؤدَّاها أن ثلاثة من أشرطتهما التسجيلية السينمائية القصيرة التي لم تُحَمَّض بعد مفقودة، وانها ربما كانت موجودة في الأرشيف الوطني السينمائي في رومانيا، أو في البوسنة، وأنه مقتفٍ أثرها إلى هناك.
أوديسة التحديقة العوليسيَّة
يا له من بحث هائل ذاك الذي سيقود المخرج العائد من المنفى في رحلته الأوديسيَّة من اليونان إلى ألبانيا، ومقدونيا، وبلغراد، ورومانيا، وأوكرانيا، وصربيا، وكرواتيا، والبوسنة. لاشك أنكم لاحظتم معي أن بعض هذه “الدول” لم يكن موجوداً على خريطة “العالم” حين كان الأخوان ماناكياس يصوران أفلامهما الوثائقية في بدايات القرن الماضي وفي نفس المنطقة. بلى، لقد كان الناس هناك، وكانت المواشي هناك، وكانت الأنهار والبحار والأسماك والطحالب والقواقع هناك، وكانت الأحلام والشموس والنجوم والأقمار والخبز والأجبان والنبيذ والآلام هناك، وكان العشّاق وجراحاتهم هناك؛ كانت الأماكن هناك، لكن الدول والحدود السياسية لم تكن هناك؛ ويا له من فرق!. وفي البحث المضني هذا سيستمع المخرج السينمائي، وسنستمع معه بدورنا، إلى عدد كبير من اللغات واللهجات التي تتهجى تاريخاً ممزَّقاً ومسفوحاً في سرد المكان وذاكرة الزمن؛ إذ أن البحث عن الأفلام المفقودة حول الأنشطة الحياتية لسكان منطقة البلقان سيكون بحثاً من خلال السرد السينمائي عن تاريخ المنطقة التي يتشكل فيها الآن تاريخ جديد على أنقاض السرد التاريخي السابق، وعلى أنقاض الذاكرة القديمة.
وفي رحلته من اليونان إلى ألبانيا يستقل المخرج السينمائي اليوناني العائد من المنفى سيارة أجرة يقودها سائقٌ “زورباويُّ” الحساسيِّة والطباع من حيث توفر قنينة المشروب وكرعها أثناء القيادة على الطريق الجبليَّة الخطرة، ومن حيث توافر اللسان اللاذع بكميَّة وفيرة، ومن حيث امكانية الإدلاء بالحكمة البليغة والعفوية، ومن حيث فَوَرَان النزعة الصداقية الفائرة. “إن اليونان تموت!”، هكذا يتفجع السائق “الزورباويُّ” بحشرجةٍ أليمة كانت قد نَخَرَت صدر نيكوس كازانتزاكيس لزمنٍ طويل!. وفي هذه الرحلة التي يستفيق فيها “هوميروس” الإغريقي سينمائيَّاً يساعدُ المخرج السينمائي اليوناني المعاصر امرأة مسنَّة على عبور الحدود بين اليونان وألبانيا بحثاً عن أختها التي تقول انها لم ترها منذ سبع وأربعين سنة؛ فهي مثله منفيَّة أيضاً، وهي مثله تبحث عن زمن ضائع في ما استجدَّ على سرد المكان؛ إذ أن المرأة تلك، في بحثها عن أختها الضائعة والمفقودة، إنما تحاول العثور على مُعادِلها الشخصيِّ للسرد التاريخي الجمعي الذي أصبحت تفصله حدود بين الدول والأمم الجديدة. هذه الإشارة لإقامة الحدود ونفي الإنسان في سرد الأمة وتبرؤ الذاكرة هي قطعاً مُرَاد مشاهدتنا مع المخرج المسافر في الفيلم، وفي التاريخ أيضاً، عشرات من العمال الألبان الذين تم طردهم من مكان عملهم في اليونان إلى بلادهم التي لم يعد فيها “اشتراكية” موهومة ولا يوجد بها “رأسمالية” واهمة. إنها لحظة طاحنة ومطحونة معاً؛ فقد كان نظام تشاوتشيسكو Ceausescu قد أصرَّ على ضرورة هدم كل الدور العبادة اليهودية (المعابد) والمسيحية (الكنائس) والإسلامية (المساجد). غير أنه في ألبانيا تلك تحديداً ها هي المرأة العجوز تترجَّلُ من السيارة في ساحة المدينة الحدوديَّة حيث نسمع معها في الخلفية الزمانيّة لذاكرة الفيلم أذاناً يُرفع وآيات قرآنية تُتلى مُذَكِّرة بأحد مكونات السرد الثقافي لتاريخ المنطقة.
وبعد أن تكون السماء قد أمطرت لدى عودة المخرج السينمائي اليوناني المنفي إلى بلاده في بداية الفيلم، تواصل الطبيعة حضورها الغامر في السرد على اثر مغادرة السيارة إلى ألبانيا، حيث نرى عبر لقطات بانوراميَّة الجبال المغطاة بالثلوج وهي تشكل لوحة مقفرة، وشاحبة، و”باردة” في ما هو مثال نموذجي لدور الطبيعة في السرد لدى أنغِلوبولُس؛ حيث غالباً ما تقوم الطبيعة لديه مقام الشخصية الموازية، وذلك من حيث تعبير الطبيعة عما يعتمل في أعماق الشخصيات الآدمية التي تسافر فيها وعبرها وتجوس. وهذا يختلف تماماً عما يحدث في أفلام مخرج سينمائي كبير يهتم بالطبيعة اهتماماً خاصاً؛ أعني الياباني أكيرا كوروساوا Akira Kurosawa الذي يلجأ إلى الطبيعة من باب النذير والتكهن والاستباق والتنبوء، بمعنى أن هبوب عاصفة في أفلامه “الساموراييَّة” خاصةً يعني أن العاصفة القوية في هذا المشهد ستتبعها قريباً معركة ضروس في المشهد التالي أو الذي بعده (فيلمه الأشهر “الساموراي السبعة” (1954) مثلاً). لدى أنجيلوبولس، إذن، تفصح الطبيعة عن جوانيَّة الشخصيات ومناخاتها غير المرئيَّة، وأحياناً غير المعروفة، الغائرة، كما أنها تبوح بما يعتمل في روح المكان وذاكرته. وفي ذلك فإن عناصر الطبيعة في السرد السينمائي لدى أنغِلوبولُس عناصر شتائيَّة في الغالب: المطر أو الرذاذ؛ البَرَدُ أو الثلج؛ الصقيع؛ الضباب أو الغيوم؛ السَّديم؛ الوحل؛ والستائر البيضاء التي تحركها الريح في ما يبدو إنه لمسةُ تقديرٍ وعرفان (homage) إلى بيرغمَن Berman وتاركوفسكي المعروفين بولعهما بلقطات الستائر البيض التي يحركها الهواء. والحقيقة أن فيلم أنغِلوبولُس “منظر طبيعي في السديم” (1988) كان بمثابة عرض عملي للقوة الإبداعية في القدرة على إنطاق تلك العناصر بصورة بليغة للغاية.
وإشراك الطبيعة في السرد والذاكرة في “تحديقة عوليس” إنما يتم بصريَّاً عبر طرائق من قبيل الاعتماد على العدسات العريضة، ولقطات الرافعة في تحركها أفقياً ورأسياً، يميناً ويساراً، أماماً وخلفاً، على المِحور. وفي هذا فإن النَّفَس الملحمي لبصريات الفيلم عَزَّزَه الاقتصاد في القطع، وتكريس اللقطات الطويلة والكبيرة التي تنتقل مباشرة إلى تالياتها من دون كثير إضاءات تدريجية (fade-ins) أو أفولات تدريجية (fade-outs) للكادرات الأولى والأخيرة من كل لقطة. ولن يكون من الإنصاف الحديث عن الحضور الجمالي الاستثنائي للطبيعة لدى أنغِلوبولُس من دون ذكر الدور الذي قام به المصور السينمائي البارع يورغوس أرفانيتيس Yorgos Arvanitis (تماماً كما اعتقدتُ في مكان سابق من هذه المادة إنه من غير الإنصاف ذكر أرسون ويلز من دون الإشارة إلى غْرِغْ تولَند). 
وفي ألبانيا يتجه المخرج السينمائي اليوناني العائد من المنفى إلى رحلة عبر ذاكرة السرد والمكان والأُمَّة والزمان إلى مقر الأرشيف الوطني للسينما، لكنه لا يجد ما يعنيه كثيراً في ما يخص أشرطة الأخوان ماناكياس المفقودة، بل يجد بدلاً من ذلك المرأة الغامضة التي قابلها فور العودة إلى بلاده وقد تجسدت في شخصية امرأة أخرى. وسوف تواصل المرأة الغامضة هذي تناسخها المتجدد دوماً بظلال مختلفة لكل شخصية في المحطات القادمة من رحلة المخرج. إنها الإنسان نفسه وقد أصبح تمرئياً حنينيَّاً مثل السرد والزمان والمكان والأمة (وقد قيل كلام كثير في نظرية السينما سلباً وإيجاباً حول شَخْصَنَةِ الأمة في شخصية المرأة). والمرأة هذي، في الحقيقة، تُذَكِّرُ المرء إلى حدٍّ ما بالتمرئيات المختلفة لزوجة الراوي في فيلم “المرآة” لتاركوفسكي (1975)؛ غير أن المرأة ذي تجلب معها أيضاً أصداء وترانيم فِقْدٍ غائرٍ لعلاقات بعيدة من التاريخ الشخصي للمخرج الذي يعيد الآن التعرف على تعالق ماضيه مع ماضي وسرد وذاكرة المنطقة التي جاء منها. قد تكون تلك المرأة الحبّ الذي يجيء فجأة حيث نرى ما يأتي به من رغبة وحنان في لقطات مقرَّبة واسعة، ولقطات متوسطة، ويختفي فجأة في اللقطات البانوراميَّة الكبيرة التي يتضاءل فيها كل شيىء أمام الحضور الغامر للأرض، محرِّضاً على التنقيب عنه في سياق قراءة الوجدان الجمعي، وسرد الذاكرة الجمعيَّة. كما أن الحضور والغياب اللذين تجسدهما المرأة تلك في صورها وتجلياتها المختلفة إنما يحيلان إلى الطبيعة الجوهريَّة للحب، والعذاب والشفافية اللذين يغلِّفانه بحثاً، ولقاءً، وفراقاً.
أنغِلوبولُس وأوفيد 
وفي منطقة كونزتانسا الرومانيَّة (المكان) يلتقي المخرج بعائلته التي يراها ونراها معه وهي تحتفل بالسنة الجديدة للأعوام من 1945 إلى 1950 (الزمان)، ويحدث ذلك استرسالاً في لقطة واحدة مُتَّصِلة طويلة (sequence shot). ليس هناك “فلاشباك”، ولا تغيير لدرجة اللون أو درجة التركيز البؤري للحقل البصري أو نوعية الفيلم الخام المستخدَم في تصوير تلك اللقطة/المشهد، ولا مزجاً إحلاليَّاً (dissolve) وذلك من أجل الإيحاء بزمنٍ آخر. ليس هناك أي استخدام لأي من تقنيات الانتقال السردي أو الزمني التقليدية، وذلك لأن السرد هنا- ببساطة شديدة- لا “ينتقل” من زمن إلى آخر، بل يوحد زمنين تاريخيين في المكان وفي الزمن السينمائي، حيث أن المخرج حين يدلف إلى البيت القديم لعائلته بثيابه التي عرفناه بها في الفيلم، وبهيئته الفيزيقية والعُمْرِيَّة الحالية، فإنه إنما يدلف إلى الحاضر الأبدي للسرد السينمائي إلى الزمنين التاريخي والعاطفي اللذين كانا يؤثثان البيت من منتصف أربعينيات القرن الماضي وحتى نهايتها. إنها اللحظة الأكثر “كرونوتوبيَّة” بالمعنى الباختيني للكلمة بامتياز شديد في الفيلم، وهي لحظة تدفع الروح فوراً إلى التعلق بأحد أغصان أقرب شجرة في مقبرة من أجل الانتحاب حتى الصباح. والمُخرج بذلك يعود شاهد عيان للذاكرة على ما كان ومن كانوا، تماماً كما عاد العجوز المتقاعد إلى بيت طفولته ليجد كل شيىء كما كان عليه، بمن في ذلك البشر المحتفظون بنفس هيئاتهم الفيزيقية القديمة قبل عقود طويلة من الزمن ولكن في الزمن الحاضر، وذلك في فيلم إنغمار بيرغمَن “الفراولة البريَّة” (1957) الذي يشير معناه المستتر في السويدية إلى “الذهاب إلى مكانٍ بعيد”، والذي يسرد بدوره قصة “رحلة” إلى الماضي. لكن الدخول إلى المكان الأليف (بالمعنى الباشلاريِّ للتعبير) في “تحديقة عوليس” هو أيضاً دخول في منفى الزمن وذاكرة السرد والمكان التاريخي. ولعلها ليست صدفة ان منطقة كونزتانسا التي تقوم فيها هذه القيامة السرديَّة الآن هي نفسها المنطقة التي نُفِيَ إليها أوفيد Ovid الشاعر صاحب “تَحَوُّل الكائنات” (هكذا يقترح أدونيس ترجمة العنوان عوضاً عن الترجمة العربية القديمة له وهي “مَسْخُ الكائنات”)، وذلك يوم كانت المنطقة هذي تقع على أطراف الامبراطورية الرومانية البائدة.
وفي واحد من أقوى مشاهد الفيلم يسافر المخرج إلى بلغراد عبر نهر الدانوب في مركب شحن لا يحمل غيره سوى قبطانه وتمثال عملاق مهشَّم لِلينين Lenin ترقد أوصاله على طول سطح المركب، بينما المخرج متكىء إلى إحدى تلك المِزَق الخرسانيَّة وهو يقرأ كتاباً. يا للمشهد الرهيب حقاً الذي يقرأ فيه المبدع سرداً مهشِّماً ومهشَّماً ومغدوراً لمشروع تاريخي ضخم لم يُقَيَّض له الاكتمال؛ فمشروع الأمَّة والذاكرة الجديدة للسرد لمشروع غير مكتمل دوماً وأبداً على الرغم من كل شيىء. وفي ما قد يكون العاصمة الصربيَّة أو بوخارست يلتقي المخرج بصديقٍ صحفيٍّ قديم حيث يكرعان ذكرياتهما في حانة، ثم يخرجان في حالة تَرَنُّحٍ إلى الشارع المقفر وهما يشربان أنخاب شخصيات رحلت بعد أن تركت بصماتها على السينما والأدب والفكر الثوري في قصة وذاكرة القرن العشرين مثل أرسون ويلز، ودريير Dreyer، ودوستويفسكي Dostoyevsky، ومايكوفسكي Mayakovsky، وتشي غيفارا Che Guevara.
ويصل المخرج بعد ساعتين من الزمن الفيلمي إلى المحطة النهائية لرحلته، أي سراييفو التي نراها وهي تحترق بنيران الحرب المسعورة. “أهذه هي سراييفو؟!”، هكذا يسأل المخرج أحد المارَّة الهاربين من نيران القصف المجنون وذلك من باب الدهشة لفظاعة ما يحدث وليس من باب رغبة المسافر في التيقن من محطَّته. “أهذه هي سراييفو؟!” سؤال استنكاري يُلَخِّص حال المدينة وسردها الجديد، وذاكرتها الجديدة. وسأتجرأ هنا على القول بأن هذا السؤال البسيط والجارح الذي يستهلُّ الفصل البوسنيَّ من الفيلم يَبُزُّ كامل فيلم “تحت الأرض” (1996) للمخرج البوسني أمير كوستريكا Emir Kusturica الذي كان فيلمه المخيِّب للآمال من الناحية الأخلاقيَّة والسياسيَّة كرنفالاً باذخاً من الصور يتحاشى الإدانة، بل إنه يرينا صوراً من مآسي تلك الحرب- المُجْمَع على بواعثها الدينيَّة والعرقيَّة- في مجسَّمات لكنائس تحترق!. إنه “إلقاء اللوم على الضحيَّة” كما قال إدوَرد سعيد Edward Said في سياق مختلف ولكن ليس بالكامل. لقد كان “تحت الأرض” فيلماً جعل كوستريكا يستحق بجدارة مؤسفة اللقب الذي أطلقه عليه أبناء بلده: “رايفنشتالُ كرادتش!”، الأولى نسبة إلى المخرجة السينمائية الألمانية النازيَّة ليني رايفنشتال Leni Riefenstahl التي كان هتلر Hitler يتباهى بها باعتبارها “امرأتي الألمانيَّة المثاليَّة”، والثاني نسبة إلى مجرم الحرب الصِّربي رادوفان كارادِتش Radovan Karadžić. (وإن أنتم سمحتم لي مشكورين باستطرادٍ شخصيٍّ صغير فسأبوح إني كنت مقيماً في مسقط يوم فاز فيلم “تحت الأرض” بجائزة مهرجان كان السينمائي. ولأن أهل البوسنة كانوا يُذبحون ويُغتصبون ويُطمرون في المقابر الجماعيَّة في ذلك الوقت، ولأني معجب بأفلام كوستريكا السابقة خاصة “زمن للغجر” (1989) فقد سارعت إلى كتابة مقالة بعينين مغرورقتين بالرماد والدموع على شكل رسالة تهنئة لكوستريكا، حيث اعتبرتُ فوز فيلمه في المهرجان العتيد نصراً ثقافياً للبوسنة في الوقت الذي كان فيه أهلها يُبادون عبر تلك المجازر الرهيبة. لكن قبيل تسليم مقالتي/التهنئة للنشر في إحدى الصحف العمانية، والتي لم أتعرض فيها للفيلم نفسه لأني ببساطة لم أشاهده بل كتبت حول السياق الثقافي والفكري والسياسي الذي يتموضع فيه فوز الفيلم بجائزة عالمية كبرى، خطر لي فجأة انه من الحماقة أن أنشر مادة باعِثها فيلمٌ لم أشاهده حتى وإن كنت “أحترمُ” المخرج و”أَثِقُ” به. بهذا تراجعت في اللحظة الأخيرة عن نشر المادة. وحين سافرت إلى الولايات المتحدة بعد ذلك كان من أوائل الأشياء التي فعلتُ مشاهدة فيلم “تحت الأرض” التي سبَّبت لي ليلة طويلة من الغضب والخذلان والمرارة. لكني، على الأقل، شعرت بسعادة رمزيَّة أني لم أنشر تلك المادة التي مزَّقتُها في نفس الليلة من غير أدنى أسف).
لكن، عودة إلى سراييفو التي تحترق، في التاريخ وفي فيلم “تحديقة عوليس”، ثَمَّةَ في المدينة قبو يحتوي على ما أمكن إنقاذه من الإرشيف السينمائي. ومن ضمن محفوظات هذا الأرشيف توجد فعلاً الأشرطة السينمائية الثلاثة للأَخوين ماناكياس التي تم تصويرها في بدايات القرن الماضي التي يبحث عنها المخرج اليوناني العائد من المنفى، ولم يخطر ببال الأَخوان ماناكياس يومها انهما كانا يحفظان جزءاً من ذاكرة القرن التي ستهشم نفسها في تفاقم السرد البربري لدولة الأمَّة أو دولة الشعب في أوروبا، حيث يلتقي المخرج بالقَيِّم على الأرشيف الذي قام بدوره باقتدار معهود السويدي إرلاند جوزيفسُن Erland Josephson الذي يقترن اسمه ببعض أهم أفلام بيرغمَن. (وللمفارقة ذات المغزى فإن دور القيِّم على الإرشيف هذا كان في الأصل مناطاً بالممثل الإيطالي الطليعي جيان ماريا فولونتي Gian Maria Volonte الذي مات فجأة أثناء تصوير الفيلم، فاستُبدل بجوزيفسُن الذي كان قد حلَّ محل الممثل الروسي أناتُلي سولونيزين Anatoli Solonizyn الذي توفي فجأة عندما كان يتهيأ للقيام بالدور الرئيس في فيلم تاركوفسكي الوداعي “القربان” [1985] الذي لم يحضر تاركوفسكي عرضه الجماهيري الأول لأنه نفسه مات فور الانتهاء من عمل مونتاج الفيلم الذي كان قد أهداه إلى ولده. ولذلك أهدى أنغِلوبولُس “تحديقة عوليس” إلى ذكرى فولنتي).
لكن عودة إلى القيِّم على الأرشيف السينمائي في سراييفو فيتم اعتقاله، ويلاقي حتفه رمياً برصاص الإعدام من دون محاكمة، والذي نسمع دويه من دون أن نتمكن من رؤية وجوه القتلة بسبب الضباب الكثيف الذي هو أيضاً ضباب الذاكرة في الإنسان، وضباب النسيان والسرد السياسي والتاريخي الجديد، وإن كانت هويَّات أولئك القَتَلَة قد كشفها تجهيز أسيرهم للقتل بعبارات مقتبسة من الأدبيات المأتميَّة المسيحية. 
لقد حدث ذلك كله بصورة ملحميَّة، هومريَّة وكافكاويَّة، في الضباب الكثيف الذي يمتد من الكادر السينمائي في فيلم “تحديقة عوليس” ليغَلِّف بالكامل الفصل الجديد من سرد الأُمَّة حيث هناك إنسانٌ ونسيان، وحيث هناك، في المقابل، بَشَرٌ يُقتَلون، وحيث هناك سرد جديد وأمم جديدة وحدود دوليَّة يتم ترسيمها بالدم والنار على آثار خطوات الأَخوين ماناكياس اللذين كانا يتنقلان عبر أنحاء المنطقة نفسها لنقل سرد المكان عبر سرد السينما بلا جوازات سفر.

 

بحث خاص بالأستاذ الناقد السينمائي عبدالله حبيب وأعيد نشره لأهميته.

الصورة الزمنية بين تاركوفسكي و دولوز

tumblr_ndbwovISi81qzjpcto1_1280

” صدقًا أثناء تسجيل الفيلم  إن الزمن الذي يجري خارج حدود إطار الصورة ، يعيش في الزمن إذا كان الزمن يعيش فيه ، إن هذه العملية ذات الإتجاهين هي العامل الحاسم في صنع السينما ” – أندري تاركوفسكي

لطالما أُعتِبر تاركوفسكي مخترع فكرة الصورة السينمائية الزمنية ، فمن يطلع على أفلام تاركوفسكي يجد ما يصفه الفيلسوف سلافوي جيجيك بـ ” الزمن الهامد ” الذي لم يعد مجالا فيزيائيا خطيا فقط ، بل هو حامل و ناقل للكآبة و الثقل النفسي و تضاربات العواطف. أو كما يصفه جراهام بيرتيه قائلا :

بالنسبة للماضي نحن نشاهده بطريقة غير بنائية بمعنى أنها ليست مبنية على تجربة زمنية خلال الفيلم ، بل هو لوحة فسيفساء تتكون من ما يعرفه راوي الحبكة وما يتصوره ، وماذا حكى ، ماذا تخيل أو حلم به ، وماذا حدث من حوله كجزء من عملية تاريخية شاركها مع ملايين الناس

فالإقتباس الذي في الأعلى في بداية المقال و الذي ذكره تاركوفسكي في كتابه النحت في الزمن ( Sculpting in Time; Reflections on the Cinema ) هو تصور عام لتاركوفسكي عن فكرة معينة عن الزمن و المدة السينمائية و الذاكرة و الأهم من ذلك العلاقة بين الماضي و الحاضر. هذه المفاهيم كانت أساسا للفيلسوف هنري برغسون في هذا المجال و الذي لم يكن مطلع على سينما الحديثة بالطبع ولكن تم إسقاط فلسفته عليها و توظيفها فيها بشكل كبير ، فالزمن لدى بيرغسون ذو مفهوم غير خطّي بمعنى أنه لا الحاضر يسبق المستقبل ولا الماضي يسبق الحاضر بل الزمن ينتشر على سطحٍ مستوٍ ، فالحاضر و الماضي يتواجدان تزامنيا على نفس هذا المستوى المحوري و الذي يسميه الفيلسوف الفرنسي الكبير جيل دولوز :  ” صفحات الماضي و قمم الحاضر “. يقول برغسون عن الماضي و الذاكرة:

إن الذاكرة في المجمل ربما ، تتبعنا في كل لحظة. فكل ما شعرنا به ، فكرنا فيه ، و أردناه من أوائل لحظات طفولتنا. كل هذا يميل لأن يكون جزءًا من الحاضر الذي يكاد يندمج بالماضي و الذاكرة بعد أن يقترب شيئًا فشئ ، و كل هذه الذاكرة تميل للضغط على مخارج الوعي الذي يفضّل إبقاء هذه الذاكرة بوصفها عبئًا عليه خارجه. ربما لهذا نشعر بهذا الشعور الغامض الذي يخبرنا بأن الماضي هو حاضر بالنسبة لنا أحيانا.

إنطلاقا من هذه المفاهيم لبرغسون أخذ دولوز يكتب في فكرة الصورة و الزمن في كتابه ( الصورة – الزمن : زارة الثقافة السورية ، ترجمة حسن عودة) عن مفهوم الـ” الصورة الزمنية “، و الذي أعتنى بأهمية الفن و السينما بالذات كضرب من ضروب الفلسفة قائلاً:

إن كبار المؤلفين السينمائيين هم مثل الرسامين الكبار أو الموسيقيين الكبار : إنهم أفضل من يمكنهم الحديث عما يفعلون. ولكنهم حين يتحدّثون يصيرون شيئا آخر. يصيرون فلاسفة أو منظّرين ، إن مفاهيم السينما ليست معطاة في السينما. ومع ذلك فهي مفاهيم السينما لا نظريات عن السينما. بحيث توجد دائما ساعة، لانتصاف النهار أو الليل حيث لا ينبغي أن يكون السؤال ” ما السينما ؟ ” وإنما ” ما الفلسفة ؟ ” والسينما ذاتها ممارسة جديدة للصور وللسيمات ينبغي على الفلسفة أن تنشئ لها نظرية باعتبارها ممارسة مفهومية. لأنّ أي تحديد تقني أو تطبيقي (على غرار التحليل النفسي أو الألسنية ) أو تفكّري لا يكفي لتشكيل مفاهيم السينما ذاتها. – ( الصورة – الزمن : زارة الثقافة السورية )

و إلى جانب الإقتباس السابق عن أهمية الفلسفة ، فقد خص بالذكر في هذا الكتاب عن فك ارتباط الزمن بكونه مفهوما خطيا بالسينما بعد الحرب العالمية الثانية في هوليوود بعدما إنتهت حقبة الواقعية الإيطالية الجديدة و الغموض الفرنسي كمفاهيم فنية ، حيث ظهرت الصورة (المسماه عنده بالصورة الزمنية ) كتصور للزمن و الأفكار فضلا عن كونها مجرد تعبير للأفعال كما كان في السابق.  فيتحدث دولوز عن ذلك قائلا:

هذا ما يحدث عندما تصبح الصورة صورةً زمنية ، تصبح الشاشة مثل الغشاء الدماغي الذي تحدث فيه المواجهات المباشرة بين الماضي و الحاضر ، الداخلي و الخارجي على بعد مسافة من المستحيل تحديدها فهي غير معتمدة على معيار محدد يمكن قياسه. عندها فقط الصورة تتجرد من الفراغ الخاص بها و الحركة كمعايير أساسية للصورة السينمائية لمصلحة الزمن و الطوبولوجيا الخاصة بها.