العنف الجنسي وجسد المرأة، وكولونيالية المستوطن الإسرائيلي

 

«لم يقوموا فقط بإقتحام منازلنا، وسلب الحيز الخاص بنا، وطردنا، بل قاموا باعتقالي واقتيادي إلى قسم الشرطة في منطقة المسكوبية. وتم وضعي في الغرفة رقم 4 لوحدي لفترة طويلة. حتى جاء ضابط شرط ضخم وطويل البِنية ودخل غرفة التحقيق. كنت لوحدي وكنت أرتعدُ خوفاً خاصة عندما أغلق الباب، وبدأ يحرك الأشياء في الغرفة من حولي ويتفحصني من رأسي حتى أخمص قدمي. لقد أرهبني تماما، حيث كان قلبي يخفق بسرعة. وكانت عيناه تهتك جسدي، بينما كان يبحث عن شئ ما في الأدراج. بعد ذلك غادر الغرفة ليعود بعد خمس دقائق يحمل في يديه صندوقاَ. أخرج منه زوجاً من القفازات الزرقاء، ووضع واحدا على كلتا يديه بينما كان ينظر إليّ قائلا: “اقتربي مني”. واجبُ عليّ أن أقول أنني كنت أرتعد خوفًا عندما اقتحموا منزلنا وطردونا منه. وكنت متوترة وقلقة جدا عندما اعتقلوا ابني. لكن خوفي، جلّ خوفي من أن تتم الإساءة إلي، أن يتم اغتصابي بيديه الزرقاويتين وأكثر من ذلك ربما، كانت تلك أكثر اللحظات رعباً في حياتي».

كانت تلك كلمات سما، البالغة من العمر 36 عاماً، والتي فقدت الشعور بالحميمية والحيز الشخصي الذي اعتادته في منزلها الذي سُلب منها، من أجل أن تتعرض لتجربة من التهديد بالإساءة الجنسية لاحقا. إن رواية سما ليست بشاذة، فهي كإمرأة تعيش تحت ظل الإستعمار وتخضع لحالة متردية من الحرمان والتهجير فهي معرضة لإعتداءات يومية تِجاه جنسانيتها وحقوقها الجسدية. فالعنف الجنسي يعتبر مركزياَ في التشكيلِ العام للقوة الإستعمارية، فهو آليتها العنصرية للإستبداد والسيطرة، وركن من أركان منطقها الخاص بإقصاء الآخر. وهذا أمر بالغ الوضوح في التاريخ الإستيطاني في أي حالة إستعمارية، حيث هذه الآلية العنفية تستهدف تحديدا جنسانية النساء المواطنات الأصليات وأمانهنّ الجسدي بصفتهن «أعداء داخليين» ينظر لهنّ كمخلوقات حيويّة فقط بما إنهن منتجاتٌ للأجيال القادمة.

إن الكولونيالية الإستيطانية كبُنية وليست كحدث، تعمل من خلال منطق الإقصاء والذي يهدف لمحو وجود السكان الأصليين من على منطقة معينة وهو ما يعتبر غير قابل للإختزال في المنطق الكولونيالي الإستعماري. فهذا النوع من الكولونيالية إحلالي وتدميري، يهدف من خلال محو السكان الأصليين بشكل دائم من أجل إحلال مستوطنين ومجتمع ونظام إستيطانيّ جديد. ولقد دار جدل بين الأكاديميين بخصوص كون المنطق الكولونيالي الإستعماري قد يؤدي إلى مجازر بحق السكان الأصليين. ففي شكلهما الأوروبي، قام المنطق الكولونيالي الإستيطاني والمذابح أيضا بالإعتماد وتوظيف «القواعد المنظِّمة للعِرق» في منطقهما الخاص. فمنذ نشأة الدولة اليهودية ضُمِّن هذا الكيان في هذا المنطق الإستيطاني العِرقي. حيث يقوم هذا المنطق بتأسيس صورة للفلسطينيين على أنهم «الآخر الخطر» في مقابل اليهودي-الأبيض. وكما ذكر العديد من الكتاب، أن هذا المنطق العنصري كان موجودا في أذهان المفكرين الصهاينة الأوائل وفي أيدولوجيتهم الإستشراقية والتي أطّرت اليهود كحَمَلة للحضارة الأوربية في وجه الثقافة المتخلفة والرجعية في المنطقة. فمشروع «تحديثي» أو «حضاري» هو مهمة اعتمدت على مخيال صهيوني يقول بخصوصية للعامل اليهودي، والذي يقوم بزراعة أرض جرداء وقفر، ويصنع من هذه الصحراء أرضاً مزدهرة ومُخضرّة. لقد قام القادة الصهيونيون الأوائل بتأصيل ومأسسة الخرافة الصهيونية التي تقول «أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض» من خلال تطهير عرقي ممنهج للفلسطينيين في عام 1948. فالكيان الصهيوني ما زال يمارس طرد الفلسطينيين حتى الآن. فالمجزرة التي قام بها الكيان في قطاع غزة في شهر يوليو – أغسطس من عام 2014، وسياسات القبضة الحديدية القمعية التي تستهدف الفلسطينيين المقدِسيّين حتى وقت كتابة هذا المقال، كل هذه الوسائل إنما هي أساليب حديثة يستخدمها الكولونياليون المستوطنون لطرد الفلسطينيين حيث هم السكان الأصليين.

إن استهداف أجساد النساء الفلسطينيات وجنسانيّتهن، الذي نناقشه هنا، لهو عاملٌ بنيوي في تركيبة المنطق العنصري الخاص بالمشروع الإستيطاني الكولونيالي الإستبعادي للآخر الفلسطيني. فلطالما كان الإغتصاب والأشكال الأخرى من العنف الجنسي تجاه النساء الفلسطينيات عاملا من عوامل محاولات الدولة الكولونيالية الإستيطانية لتدمير واستبعاد الفلسطينيين من أراضيهم. وبالإضافة للإغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى ، يقوم المنطق العنصري للعنف الجنسي بتنشيط المخيال الصهيون والمشروع الإنتزاعي للأراضي الفلسطينية وتنميتها، وتحويلها لمجتمع يهودي. ومن هنا فإن حديثا عن العنف الجنسي ليس مُضمّناً في الممارسات الجنسية وفي سياسات الدولة الصهيونية فحسب، ولكن أيضا في طبيعة العنف الكولونيالي الإستيطاني ذاته.

ونحن كنسويات فلسطينيات، نؤكد على أن المخيال حركة الصهيونية لإختراق الخصوصية واستيطان الجسد الفلسطيني لا ينفصل عن المشروع الاستيطاني للأرض الفلسطينية، ومحو وجود السكان الأصليين من عليها. نقوم هنا ببناء منطقنا الخاص على أساس تأكيدات الأكاديمية أندريا سميث القائلة بأن المنطق العنفي للكولونيالي الجنسية « يؤسس الأيدولوجيا القائلة بأن أجساد المواطنين الأصليين بطبيعتها قابلة للإنتهاك، وبالتالي أراضي هؤلاء السكان الأصليين قابلة للإنتهاك والسلب». وهذا المنطق العنفي الكولونيالي الجنسي هو ما نجعله محوراً في تحليلنا للنكبة المستمرة لشعبنا. فنحن نتقفى أثر العنف الجنسي هذا، في شكله التاريخي وشكله الحاضر بصفته آلية واضحة وخفيّة، للبطريركية الكولونيالية تجاه المجتمعات الأصلية في فلسطين. فمنطق العنف الجنسي يهدف إلى تشظية العائلة الفلسطينية والحياة المجتمعية، كونها تشكل قناة الإتصال بالأرض الفلسطينية. إن المشروع الصهيوني بطبيعته مبنيٌّ على تدمير الجسد الفلسطيني والأرض الفلسطينية، وذلك لا ينفصل عن المنطق الكولونيالي الإستبعادي. فالعنف الجنسي ليس ببساطة منتج ثانوي للكولونيالية، ولكن «الكولونيالية ذاتها تتشكل من خلال منطق العنف الجنسي».

العنف الجنسي والإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين منذ النكبة

إن فهم الهجمات المكثفة على أجساد النساء الفلسطينيات في وقت تزايد الهجمات من قِبل النظام الإستيطاني الكولونيالي يستدعي تحليلاً نسوياً. تحليلٌ يجعل من النكبة نقطة انطلاق التحليل. فإسرائيل شُيدت على أطلال الأراضي الفلسطينية التي دمرتها، على آلام أهلها، وعلى آثار هجرتهم. وقد بُنيت أيضا على حساب الأواصر الإجتماعية المدمرة، وانتهاك حرمات منازلنا وأجسادنا.

فقتل وإغتصاب النساء الفلسطينيات كان عاملا مركزيا في نظرة الجنود الإسرائيليين ومجازرهم الممنهجة وتهجيرهم للفلسطينيين أثناء تدميرهم للقرى في 1948. ففي مجزرة دير ياسين على سبيل المثال:

تم جمع سكان القرية جميعهم في ساحة القرية. حيث تم صفّهم في صفٍّ واحد تجاه أحد الجدران وإطلاق النار عليهم. وكانت إحدى شهود العيان ذكرت أن أختها، والتي كانت حاملاً في شهرها التاسع، تم إطلاق النار عليها في عنقها من الخلف. ومن ثم قام المعتدون عليها بفتح بطنها بالسكين الخاصة بمحلات الجزارة وإخراج الجنين من بطنها. وعندما حاولت إحدى الفلسطينيات أخذ الطفل تم إطلاق النار عليها. وتم أيضا إغتصاب النساء أمام أطفالهن قبل أن تتم تصفيتهن وإلقائهن في بئر ساحة القرية.

وكان ديفيد بن غوريون مثله مثل أي زعيم صهيوني، ناقش وبشكل مفتوح إغتصاب وتعريض النساء الفلسطينيات للعنف الجسدي في مذكراته في عام 1948. وفي ذات التوقيت كان قد دعى وحرّض إلى قتل النساء الفلسطينيات والأطفال، باعتبارهم خطراً على المجتمع اليهودي الإستيطاني، أيضا قام بتسليم جائزة لكل أم يهودية تنجب الطفل العاشر. وقد حرصبن غوريون على أن الوكالة اليهودية لا الدولة هي من تشرف وتحفّز على عمليات «كثرة الإنجاب» من أجل ضمان إقصاء العرب من فلسطين. هذا التصنيم والتقديس لمفاهيم الخصوبة جعل الفلسطينيين – النساء منهم بالتحديد – هدفاً لخطاب قومي يسيّس تناسلهنّ بشكل حاد. فبالنسبة للصهاينة، النساء الفلسطينيات كنّ دوما، وسيظلّون كما رأينا في عدوان غزة الأخير، أهدافا لآلة القتل الصهيونية.

وكانت قد أقترحت الأكاديميات النسويات أن الدولة الصهيونية تقوم بتحشيد العنف تجاه أجساد النساء الفلسطينيات وجنسانيتهنّ من أجل تقوية البُنى البطريركية المحلية لتساعدهم في طرد الفلسطينيين من أراضيهم. أضف إلى ذلك تفشي عسكرة الإساءة الجنسية تحت الإحتلال الإسرائيلي. فلقد قامت الدولة الإسرائيلية وقواتها العسكرية باستغلال وتوظيف خطر العنف تجاه النساء الفلسطينيات، وقامت بتوظيف التصورات البطريركية للجنسانية ومفاهيم الشرف من أجل توظيف بعض الفلسطينيين كمتعاونين مع الإحتلال خلال الإنتفاضات ومن أجل ردع أي محاولة لإيجاد مقاومة منظمة. هذه الممارسة كانت تاريخياً منتشرة لدرجة أنها اكتسبت لفظاً خاصاً بها بالعربية وهو «الإسقاط السياسي» ويعني ذلك الإساءة الجنسية للفلسطينيين من أجل أهدافٍ سياسية. وما زالت أجهزة دولة الإحتلال الأمنية مستمرةً في إستخدام الهويات الجنسية للفلسطينيين والمفاهيم الإستشراقية للـ«الثقافة العربية» من أجل تجنيد المتعاونين وتشظية المجتمع الفلسطيني. وكانت المخابرات العسكرية الإسرائيلية، الوحدة 8200، قد كشفت من قبلُ هذه عن الحقيقة.

إن الاغتصاب الفعلي والمجازي الرمزي لأجساد النساء الفلسطينيات، يتم تأطيره بأنه جوهرانياً مُجاز وممكن من قِبل الكيان الصهيوني، وأنه من صلب البنى التي تكون ذات المنطق الخاص بالعنف الجنسي الذي يجعل من المشروع الكولونيالي الإستيطاني ينشط ويستمر في انتهاك ومصادرة والأراضي من الفلسطينيين.

كشف القناع عن منطق العنف الجنسي

إن صمت الآلة الصهيونية بخصوص استخدام العنف الجنسي تجاه النساء الفلسطينيات ومجتمعاتهن قد أصبح واضحاً بشكل كبير منذ بدء شن الكيان الصهيوني عملياته العسكرية مؤخراً. فمنطق العنف المُجنسن أصبح جليّاً أكثر منذ بداية العمليات العسكرية لدولة الإحتلال. فمنطق العنف الجنسي الذي يُعتبر عاملاً مؤسِّسا في المشروع الكولونيالي الإستيطاني أصبح أكثر وضوحا في الإقتحامات العسكرية التي وقعت مؤخراً. حيث ترددت شعاراتٍ مثل «الموت للعرب» و«ليخرج العرب» بكثرة وأصبحت مستخدمة ومقبولة بشكل أكبر في المجال العام الإسرائيلي، كاشفةً عن سياسات موت تُوجه ضد الفلسطينيين في عمق وصلب ما يُسمّى بالديموقراطية اليهودية.
ففي الأول من يوليو، وبعد اكتشاف جثث ثلاث مستوطنين شبان كانوا قد اختفوا قبلها في الضفة الغربية المحتلة، قال البروفيسور الإسرائيلي مورديخاي كيدار الأستاذ في مركز بيجن والسادات للأبحاث السياسية في أحد البرامج الإذاعية: «إن الرادع الوحيد لخاطفي الأطفال “الإسرائيليين” وقاتليهم، هو معرفتهم بأن الذي يُعتقل منهم سيتم إغتصاب أمه او أخته، فهذه هي ثقافة الشرق الأوسط». ومن الواضح أن تصريحاته هذه تقترح إغتصاب النساء الفلسطينيات كسبيل وحيد لردع المقاومة الفلسطينية و«الإرهاب».
نحن الفلسطينيون ليس بغريباً علينا سماع تعليقات مثل تعليقات كيدار وهو يحرض على الإغتصاب كسلاح مضاد لحركات مقاومة الإستعمار. فعندما يتم هذا التحريض في برنامج على الإذاعة العامة، ويسمعه عامة الإسرائيليين، رجالا ونساءً، وبما في ذلك النسويات الإسرائيليات، مما يعكس العقلية الإستيطانية والتنشئة الإجتماعية تجاه الفلسطينيين. فحديث مثل هذا عن اغتصاب النساء الفلسطينيات من قِبل ما يسمى «أكاديمي» من أرقى الجامعات في إسرائيل يعطي انطباعاً عن الهيئة التي يرسمها المستعمرون عن المرأة المستعمرة. وعن تصور جنساني إستشراقي في خطاب يصف الفلسطينيين بالمتخلفين ثقافياً، ويصفهم بـ«الآخر» غير الإنساني.
وخشية من أن يظهر هذا الخطاب المُجَنسن عند كيدار بشكل خارج عن سياقه، من المهم القول بأن كيدار لم يكن الممثل الوحيد في مسرح العنف الجنسي. فالجنود الإسرائيليون وهم يهمّون في طريقهم لقتل الفلسطينيين في قطاع غزة كانوا يقرؤون شعارات داعمة لهم جهّزها بعض المدنيين من الإسرائيليين اليهود تقول بعضها: «اقتلوا أمهاتهم، وعودوا لأمهاتكم». وأيضا كان قد اجتمع اليهود الإسرائيليون على سفح تلة ليشاهدوا ويهللوا لقنابل الجيش الإسرائيلي وهي تسقط على غزة،  حيث كانت قد كتبت شابة يهودية على صفحة الفيسبوك الخاصة بها عن نشوتها الجنسية التي تشعر بها أثناء تسمّرها أمام مشاهد إعدام الفلسطينيين قائلةً: «يا لها من نشوة أن تشاهد قوات الدفاع الإسرائيلية تقصف المباني في غزة والنساء والأطفال ذات الوقت». أيضا حتى رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو تلقى تدوينة شاعت بين العامة الإسرائيليين في شبكات التواصل الإجتماعية، تُظهر امرأة محجبة كُتب عليها “غزة” وتبدو عارية من أسفل خصرها، حاملةً رسالة تقول: «احسم الموضوع داخلي هذه المرة ! .. توقيع، مواطنون مؤيدون للتدخل البري». هذا بالإضافة لعضو الكنيست إيليت شاكد وتصريحه للعامة بأن الأمهات الفلسطينيات يجب أن يقتلن.
إن اغتصاب أجساد النساء مثل اغتصاب الأرض، أصبح في مقدمة الهجمات الإقصائية تجاه الشعب الفلسطيني. ومع استمرار المجازر بحق الفلسطينيين في غزة، تُصعّد الهجمات ذات الطبيعة الجنسية والعرقية تجاه فلسطينيي الـ48 أيضا. فقد خرجن النساء للشوارع ليتظاهرن بجوار سائر أفراد مجتمعهن ضد المجازر المستمرة في قطاع غزة. من ثم اخذت المظاهرات منعطفاً جنسانياً، عندما صرخت الحشود المارة بـ«الموت للعرب» وسرعان ما تحول هذا الشعار إلى «حنين الزعبي عاهرة» حيث حنين هي عضوة مناضلة في البرلمان الإسرائيلي من أجل حقوق شعبها في الحياة. ولم تلبث الشرطة الإسرائيلية حتى هاجمت أجساد النساء الفلسطينيات، مع شركائهن من الرجل، وأخرجوا المظاهرات من حيفا والناصرة حيث تم اعتقالهم وضربهم من قِبل حشود عنصرية أخرى. أيضاً قامت مجموعة من الرموز الدينية والعسكرية بإصدار بيانات تُجيز قصف المدنيين الفلسطينيين أثناء الحرب من أجل الإجهاز على العدو. على صعيد آخر قام مجلس مستوطنة أور يهودا الواقعة على الشاطئ بتعليق يافطة تدعم الجنود الإسرائيليين حرّضت على اغتصاب النساء الفلسطينيات حيث تقول: «أيها الجنود الإسرائيليون، سكان أور يهود معكم! اسحقوا نسائهم وعودوا سالمين لأمهاتكم».
إننا ناقش منطق العنف الجنسي المشاهَد بوضوح في الهجمات الموجهة ضد الفلسطينيين خلال تاريخ الإحتلال الإسرائيلي، طبعا تاريخياً وخلال ما يحدث من هجمات مؤخراً تنتشر بين المستوطنين الإسرائيليين والمجتمع الإستيطاني بشكل عام. إن الدولة الصهيونية والمجتمع الاستيطاني هي عناصر غير منفصلة، فهما أمران مرتبطان من خلال ارتباط عضوي نفسي ومخيال سياسي يتخطى ويختلف عن الشكل المعتاد لتقسيم الدولة والمجتمع المدني. فكما يصف لورينزو فيراسيني هذه العلاقة بأن بالمستوطنين «يحملون سيادتهم معهم». فكلا أجهزة الدولة (ومن بينهم المسؤولون الرسميون المنتخبون، والأكاديميون، والمؤسسات العسكرية) والمجتمع الاستيطاني (وهذا يتضمن الجمهور الإسرائيلي المرتبط بالأيدولوجية الصهيونية) يجسدان آلة العنف الإستيطاني. ولا عجب في أن كلا أجهزة الدولة ومجالات الإستيطان غير الرسمية مارست بشكل واضح هجمات على جنسانية وأجساد وحياة النساء الفلسطينيات في سياق حربهم الأخيرة على قطاع غزة، وفي هجماتهم المتكررة في القدس، وفي تاريخ فلسطين كله.
إن المسؤولين الإسرئيليون وسياساتهم القمعية وتحريضهم ضد الشعب الفلسطيني كل ذلك يعمل على تقوية وتشجيع المجتمع الإستيطاني الإسرائيلي على تقمص قوة الدولة الصهيونية وعلى مهاجمة الفلسطينيين بوحشية. ويبدوا هذ جليّاً في اعتداءات المستوطنين وقوات الحماية العسكرية الحكومية والقوات الأمنية على أجساد النساء الفلسطينيات داخل المسجد الأقصى خلال الأسابيع الماضية في القدس. ومثال على هذا المشهد اليومي للعنف الجنسي هو إعتقال وضرب عايدة، وهي امرأة فلسطينية من القدس القديمة. والتي عندما حاولت الدخول للمسجد الأقصى، قامت الشرطة بالتهجم عليها بوحشية. وقامت الشرطة بتمزيق حجابها وسحلها من شعرها، بينما استمروا في ضربها خلال طرقات المدينة القديمة، وجرّها حتى دورية الشرطة. بعد ذلك تم أخذها إلى مركز الشرطة ، حيث تم استجوابها بعنف، وضربها واتهامها بالإعتداء على رجل شرطة. إن تعنيف جسد عايدة ووصمها بكونها مجرمة بشكل جوهراني، إنه لشكل من أشكال العنف الجنسي الجندريّ. وتقنين هذه الأشكال من العنف يجعل من النظام القانوني الإسرائيلي ذاته مُضمّناً في المشروع الكولونيالي الإستيطاني وآلته الإقصائية.
تتطور االوحشية والتجاوازات من قِبل الدولة الإستيطانية الكولونيالية إلى صيغ وضيعة. فحين تم اعتقال سميرة لمشاركتها في مظاهرات في القدس الشرقية المحتلة، حيث تم إطلاق سراحها بشرط قيامها وإكمالها لما يسمّى «خدمة المجتمع». حيث أجبرتها خدمة المجتمع هذه على مسح أرضية دورات المياه في مرافق للشرطة الحدود الإسرائيلية والجنود الإسرائيليين. وكما أوضحت لنا قائلة:

«لم أستطع تسديد الغرامة الكبيرة، وكنت بحاجة شديدة للخروج من السجن للعودة لأطفالي. ولم يكن بيدي خيار آخر سوى مسح أرضية دورات مياههم… وبمجرد كوني هناك، في حمامات الرجال، في حمامات رجالٍ إسرائيليين بالتحديد، شعرت بأنني أتعرض للإغتصاب. لكنني فعلتها لتجنب دفع الغرامة، ولكنني لم أستطع تخطي الشعور بأنني سمحت لم بإبقائي هناك، في دورات المياه، في دولة الرعب الدائم، حيث أرتعد خوفاً من أن أتعرض لإساءة جنسية، ومن ثم يتم رميي كمناديل الحمامات الورقية».

إن كلمات سميرة وتحليلها يوضّح الجوانب الجندرية والجنسانية المعقدة للآلة الإستيطانية الكولونيالية العنفية. ولكن كما استنتجت سميرة أخيرا: «أحياناً أشعر بأنني كنت عبدة لهم فحسب، وأحياناً أخرى أقول لنفسي لا، إن هذه مقاومة وصمود، إن هذه قوة… لقد فعلت ما كان علي فعله حتى أعود لأطفالي دون أن أُلمس ودون أتعرض لإعتداء جنسي… نعم إنه صعب ومعقد.. إن وضعنا صعب ومعقد». فحتى في وجه هذا العنف الكولونيالي الإستيطاني، فإن أشكال مقاومة النساء الفلسطينيات يوميا وبقائهن يوضح قوتهنّ وصمودهن بوضوح بالغ.

بالمجمل، إن العنف الجندري والجنسي ليسوا مجرد أداة للتحكم البطريركي، حيث التحكم البطريركي هنا المنتج الثانوي للحرب أو الصراع المحتدم. لا فالعلاقات الكولونيالية هي بحد ذاتها مقسمة جندرياً ومُجنسنة. فنحن نكافح هذا العنف الجنسي، هذا المنطق المُضمّن في المشروع الإستعماري الكولونيالي، الذي يتبع مبدأين متناقضين يعملان تزامنياً: الإنتهاك/العنف/الإحتلال ومبدأ السيادة/التطهير/الفصل. وهذا هو عينه هو المشروع الصهيوني الإستيطاني الكولونيالي المحتل والعُنفيّ تجاه أجساد الفلسطينيين وحياتهم، وأراضيهم والذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفصلها الحاد العنصري الجغرافي وبين الحدود المادية بين المواطنة اليهودية والفلسطينيين، أيضا محاولة تطهير الجسد الوطني اليهودي من الجسد الفلسطيني، والذي يُصوّر على أنه ملوَّث بيوسياسياً. وهكذا هو منطق العنف الجنسي، موجود في صلب النظام الصهيوني، يُفعّل ويُنشّط الهجمات التاريخية والحالية تجاه أجساد الفلسطينيين وحياتهم.
وهكذا فإن نضالنا من أجل سيادتنا كفلسطينيين داخل النشاط المقاوم للإستعمار كنسويات لهُو ضروري من أجل حماية أجساد النساء الفلسطينيات وجنسانيتهنّ، وعائلاتهنّ، وحقهم العام في الحياة. إنه نضال ضد الذكورية الفائقة لأجهزة الصهيونية العسكرية والإستيطانية والتي تؤطّر النساء الفلسطينيات بشكل جوهراني في شكل «الآخر» الخطِر – بشكل عنصري –  والمهدِّد، واللاتي يجب أن تُدمّر أجسادهن وتُنتهَك كونهنّ العدو الأبدي المنتج «للمزيد من الفلسطينيين». لا يمكن فصل هذا المنطق عن منطق الإقصاء الإستيطاني الكولونيالي.
فنحن كنسويات فلسطينيات نُعنى بسلامة حياة وأجساد النساء، واستمرارية شعبنا ومستقبلنا وأجيالنا، إننا ندعو النسويات في العالم لينضموا إلى نضالنا، ويتحدّينَ ثقافة الحصانة الممنوحة للمستوطِن المستعمِر وأن يرفعن أصواتهم ضد جرائم الدولة الإسرائيلة الجارية الآن.

 

نشرت الترجمت في مدونة ما العمل.

Advertisements

هنود فلسطين: جيل دولوز وإلياس صنبر

جيل-دولوز-وإلياس-صنبر

 

في عام 1982، قام الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بمقابلة المؤلف الفلسطيني إلياس صنبر مؤسس مجلة الدراسات الفلسطينية. وقاما بإيضاح دور وأهمية المجلة، أيضا قضية وجود الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين. وبشكل مخزي، وبعد ما يقارب الـ30 عاما من هذه المقابلة، ما زالت تدور نقاشات بهذا الخصوص وبشكل بائس يلائم الأجواء السياسية والثقافية اليوم.

“لقد انتظرنا وقتاً طويلاً حتى نرى مجلة عربية تصدر بالفرنسية، وبدلا من أن تأتي من شمال أفريقيا كم توقعنا جاءت من قِبل أشخاصٍ فلسطينيين. وهذه الصحيفة لها خاصيتين واضحتين، أنها تركز على مشاكل الفلسطينيين والتي تهم العالم العربي كله. وعلى الجانب الآخر هي تجمع التراث الأدبي العربي،والتاريخي والإجتماعي، وهو التراث الغني وغير المعروف بالنسبة لنا” – جيل دولوز، 1982.

 

دولوز: على ما يبدو أن هناك نوع من النضوج في الجانب الفلسطيني. نضوج في النبرة ذاتها، وكأنهم تجاوزوا أزمة دولتهم الأولى، وكأنهم وصلوا لمرحلة من السكينة واليقين في أنهم أهل حق، مما يقف شاهدًا لحالة جديدة من الوعي. هذه الحالة الجديدة تسمح لهم بالحديث بطريقة جديدة، طريقة ليست بعدائية وليست بدفاعية أيضا، ولكن مساوية لنبرة حديث الآخرين. فكيف تشرح عدم تحقيق الفلسطينيين أهدافهم حتى الآن ؟

صنبر: لقد استشعرنا ردة الفعل هذه منذ صدور العدد الأول من المجلة. كان هناك عدد من الجهات الفاعلة التي قالت لنفسها عاجبة: “انظروا، إن الفلسطينيين يملكون مجلة مثل التي لديهم الآن ” و قد بددت المجلة هذه الصورة الراسخة في أذهانهم عن الفلسطينيين. لا تنس أن صورة المقاتل الفلسطيني الذي نتحمل مسؤوليته، كانتبالنسبة لكثير من الناس قد ظلت مجردة بشكل كبير. دعني أفصل مزيدًا في هذه المسألة، قبل أن نؤسس لحتمية وواقعية وجودنا، كان يتم تلقينا كمجرد لاجئين. وعندما أَسست حركات المقاومة الفلسطينية لفكرة أن صراعنا يجب أن يوضع في عين الإعتبار، عدنا من جديد لنقع في فخ التصوير الإختزالية لنا من قِبلهم.

تم تصويرنا بشكل مكرر ومعزول بشكل لا نهائي، على أننا ذوي نزعة عسكرية فقط، وتم تلقينا على أن هذا ما نقوم به لا شئ آخر. ومن أجل أن نترك ذلك التصور خلف ظهورنا فنحن نفضّل أن نكون ذوي نزعة عسكرية بشكل عام أكثر من أن نكون ميليشيويين بالمعنى الضيق للكلمة.

إني أؤمن بأن الدهشة التي سببها ظهور المجلة أيضا يأتي من حقيقة أن بعض الأشخاص يجب أن يبدؤوا بالإعتراف بوجود الفلسطينيين، وأن استذكارهم من أجل مبادئ مجردة لا يكفي. إذا كانت هذه المجلة تأتي من فلسطين، فإنها على الرغم من ذلك تؤسس لأرضية مشتركة يشغلها العديد من الأفكار، أرضية لا تخص الفلسطينين فقط بل أيضا العرب والأوروبيون واليهود .. إلخ.

فوق ذلك كله، بعض الأشخاص عليهم استيعاب أنه إذا كان يوجد هناك مجهود وعمل في مثل المجلة هذه، ومثل هذا التنوع في الآفاق فيها، فإن المجلة يتوجب عليها أن تضم لها أناس مستويات مختلفة من أرض فلسطين: رساموها، نحاتوها، عمالوها، فلاحوها، روائيوها، عمال المصارف، الممثلون، رجال أعمالها، أستاذة الجامعات .. بإختصار، مجتمع حقيقي. مجتمع يعطي المجلة قيمة حقيقية.

إن فلسطين ليست فقط الناس والشعب، بل هي الأرض كذلك. هي الصلة بين الناس وبين أرضهم المسلوبة، هي المكان حيث يشرُع الغياب والحنين الهائل للعودة. إن هذه الأرض لأرضٌ فريدة، فهي مبنية على كل عمليات التهجير التي عاناها شعبنا منذ عام 1948. فالمرء منا عندما يضع فلسطين في إحدى عينيه، يدرُسُها، يفحصُها ويمعن النظر بها، يتتبّع الحركات داخلها، يدوّن كل تغير مرتقب لها، يجمع كل الصور القديمة لها، بإختصار، إن المرء هذا لن يشعر بأنها فقدها أبدا بعد ذلك.

 

دولوز: هناك الكثير من المقالات في مجلتكم مجلة الدراسات الفلسطينية التي تستذكر وتحلل بطريقة مبتكرة الإجراءات التي على إثرها تم تهجير الفلسطينيين من مناطقهم. وهذا مهم جداً لأن الفلسطينيين ليسوا شعباً مستعمراً فقط بل هم مطرودين ومهجّرين من بلادهم. وفي الكتاب الذي تقوم أنت بكتابته، أنت تصر على المقارنة بين الهنود الحمر وبين الفلسطينيين.

هناك حركتين مختلفتين تماما داخل الرأسمالية ذاتها. الأولى هي معنية بجعل شعب ما يعمل على أرضه دون خروجه منها، حيث يتم استغلاله، من أجل إخراج فائض القيمة من عمله هذا، وهذا ما يسمى عادةً بالإستعمار. أما في الحالة الأخرى وعلى النقيض من الأولى تماما، فهذه الحالة معنيّة بإخلاء الأرض من قاطنيها من أجل تحقيق قفزةٍ ما إلى الأمام، حتى لو كان ذلك يعني تحويل هذا الشعب المستعمَر إلى قوة عمل في مكان آخر. إن تاريخ الصهيونية وإسرائيل شبيه بالتاريخي الأمريكي الذي سار بنفس الطريقة السابقة عن طريق خلق مساحات فارغة من السكان، وكيف تطرد هؤلاء السكان.

أيضا في مقابلة ذكر ياسر عرفات حدود لهذه المقارنة، وهذه الحدود هي ذاتها ما يشكّل أفق مجلة الدراسات الفلسطينية حيث هناك عالم عربي بالنسبة للفلسطينيين، بينما كان الهنود الحمر الأمريكيين مهجّرين بدون مأوى بديل ولا حول ولا قوة خارج المناطق التي تم تهجيرهم منها.

 

صنبر: إننا مهجّرون من نوعٍ مميز لأننا لم نُهجّر إلى بلادٍ أجنبية غريبة عنا، ولكن تم تهجيرنا إلى أرضٍ هي امتدادٌ لأراضينا. فقد نزحنا إلى أراضٍ عربية حيث لا يرغب أحد في تفرّقنا والفكرة أساسها بحد ذاته منحرفة وشاذة. هنا أنا أفكر في النفاق الإسرائيلي، عندما يقوم بمعاتبة بعض العرب الذين لم يسمحوا لنا بالإندماج معهم كفلسطينيين، وذلك يعني في لغة الإسرائيليين تذويبنا حتى نختفي. فهؤلاء الذين طردونا من أراضينا فجأةً أصبحوا مهتمين بعنصرية العرب التي يزعمون ضدنا. هل هذا يعني أننا لم نواجه بعض ما يناقض كلامي السابق في بعض الدول العربية ؟ طبعا لا، لكن ذلك لم يكن بسبب أننا عرباً، وكانت بعض هذه المواجهات مع العرب لا يمكن تفاديها حيث كان ذلك بسبب أننا كنا وما زلنا ثورة مسلحة. نحن أيضا الهنود الحمر بالنسبة للمستوطنين اليهود في الأراضي الفلسطينية. ففي أعينهم واجبنا ودورنا الوحيد هو الإختفاء والإختفاء فقط. إنه لمن الجليّ بالنسبة لكل هذا أن تاريخ تأسيس إسرائيل ينتِج ذات الخطوات التي أدت لوجود دولة الولايات المتحدة الأمريكية الآن.

 

ربما كان هذا من العوامل الأساسية من أجل فهم مفاهيم التضامن المتبادل. أيضا هناك عوامل دلالية على أن فترة الإنتداب  لم تكن بالنسبة لنا إستعمارا كلاسيكياً معتاداً، لم يكن بيننا ذلك التعايش الذي تجده ربما بين المستعمِر والمستعمَر. فالفرنسيون والإنجليز .. إلخ رغبوا بالإستيطان في أراض يتواجد عليها أهلها من السكان الأصليين. فإنه من الضروري تواجد المهيمَن عليه من أجل إستمرار فعل الهيمنة. مما يخلق فضاءات مشتركة ليحدد الشخص إذا ما كان يقبل بهذا المستعمِر أم لا، وأعني بالقبول أي الشبكات والقطاعات، ودرجات معينة من الحياة الإجتماعية يحدث من خلالها هذا التواجه بين المستعمِر (المستوطن) والمستعمَر. وقد كوّن ذلك واقعٌ لا يُطاق، كونه مدمِّرٌ، وإستغلاليٌ، ومتسلط. فكل هذا لا يغير من حقيقة أنه من أجل إستغلال هذا الساكن الأصلي فإنه على هذا الأجنبي (الغريب) أن يقوم بنوع من أنواع التواصل مع هذا الساكن الأصلي. كان هذا ما يحصل عادة حتى أتت الصهيونية، والتي انطلقت على النقيض من ذلك كله، فقد انطلقت من ضرورة غيابنا كسكانٍ أصليين، واستخدمت خصوصية أفرادها (عضويتهم في المجتمعات اليهودية) كحجر أساسٍ لنبذنا ومن ثم تهجيرنا، وكحجر أساس لعملية الإحلال والتبديل كما وصفها إيلان هاليفي بدقة. وهكذا بالنسبة لنا وُلد من يبدو أنه لزام علينا تسميتهم بالـ “المستوطنون المجهولون “، هؤلاء الذين وصلوا في ذات القفزة الواسعة التي أتت بمن أسميهم “المستوطنون الأجانب”.

“المستوطنون المجهولون” هم من كان نهجهم مبنيٌ على خلق خصائصٍ ذاتية كقاعدةٍ صلبة وكأساس لنبذ الآخر.أضف إلى ذلك، أنني أعتقد أنه في عام 1948 لم تكن تقع فلسطين تحت الإحتلال ببساطة، إنما اختفت بطريقة ما.

 

لقد قامت الحركة الصهيونية بحشد المجتمع اليهودي في فلسطين، ليس عن طريق الفكرة القائلة بأن الفلسطينيين سيغادرون هذه الأرض يوما ما، لكن عن طريق فكرة القائلة بأن هذه الأرض هي خالية في المقام الأول. بالطبع كان هناك بعض الأشخاص الذين وصلوا لفلسطين ولاحظوا عدم صحة ما يُقال عن خلو البلاد من أهلها الأصليين وكتبوا عن هذا الشأن ! لكن الغالبية العظمى من هذا المجتمع كانت تعمل وجها لوجه ضد من احتكت أكتافهم سوياً كل يوم كما لم يكونوا موجودين من قبل. والعمى هذا ليس عمىً جسديا، فلم يكن هناك أي مخدوع ولا حتى بأقل درجات الخداع، فالجميع كان يعلم من هؤلاء والجميع كان يعلم أن الشعب الفلسطيني على وشك الإختفاء، والكل كان مدركاً أنه من أجل أن يتحقق هذا الإختفاء يجب أن يعمل كما لو كان الفلسطينيون قد اختفوا وانتهى الأمر وأصبح ذلك واقعا. وذلك عن طريق غض النظر عن الآخر الذي لا جدال في وجوده طوال الوقت. ومن أجل نجاح هذا، و أعني بهذا أن النجاح في إخلاء الأراضي الفلسطينية من العرب يبدأ من إخلاء العرب في رؤوس وعقول المستوطنين بادئاً ذي بدء.

وحتى نصل إلى هذه المرحلة، قامت الحركة الصهيونية بإستخدام منظور عنصري جعل من اليهودية الأساس الأوليّ لهذا النفي والإقصاء للآخر. وتم دعم ذلك بإستخدام الإضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا من قِبل عنصريين آخرين، مما أعطاهم دليلا على نجاح نسختهم الخاصة من العنصرية.

أضف إلى ذلك أننا نعتقد أن الصهيونية كبّلت اليهود، فهي تحتجزهم في ذلك المنظور الذي تحدثت عنه آنفاً. وإني هنا أقول بأن الصهيونية تحتجز اليهود وليس أنها احتجزتهم في وقتٍ ما. وأقول ذلك لأنه ما إن انقضت مرحلة الهولوكوست حتى ظهر هذا النهج، والذي تحول إلى مبدأ أبديّ زائف يقول بأن اليهود في كل زمان ومكان دائما ما كانوا هم “الآخر” في تلك المجتمعات التي يتواجدون فيها.

واقعاً، ليس هناك أي شخص أو أي مجتمع من المجتمعات اليهودية يستطيع إدعاء ذلك – وهذا من أسباب سعدهم – أنه أو أنهم كانوا يشغلون على الدوم دور “الآخر”، ذلك الآخر البغيض المقصيّ. فاليوم، “الآخر” في الشرق الأوسط هم العرب، والفلسطينيون تحديداً. وتلك الضمانات التي تطلبها القوى الغربية من أجل هؤلاء الذين ادعاء إختفاءهم هو الشغل الشاغل في أيامنا، لهو قمة النفاق والسخرية. فنحن من يحتاج ضمانات لنا ضد جنون القيادات العسكرية الإسرائيلية.

وبغض النظر عن كل هذا، فإن منظمة التحرير الفلسطينية ممثلنا الوحيد قدمت حلاً لهذا الصراع: الدولة الفلسطينية الديموقراطية، تلك الدولة التي تمزق كل الحواجز الموجودة بين السكان بغض النظر عن هوياتهم.

 

دولوز: إن لمجلة الدراسات الفلسطينية بيان خاص بها، ويظهر في أول صفحتين من العدد الأول للمجلة والذي يقول: ” إننا بشرٌ مثلكم “. إنها لصرخة ذات معانٍ عدة، أول هذه المعاني أنها تذكير أو استغاثة. فلطالما أُلقي اللوم على الفلسطينيين كونهم يرفضون الإعترف بإسرائيل. حسنٌ، هذا ما يقوله الإسرئيليون بأن الفلسطينيين يريدون تدميرهم. لكن في الواقع إن الفلسطينيين ذاتهم صارعوا وكافحوا لأكثر من 50 عاماً من أجل أن يتم الإعتراف بهم.

من ناحية أخرى يقف هذا البيان، كمعارضة للشعار الإسرائيلي “نحن لسنا كمثلنا من الشعوب “، وذلك بحجة عِظم وتجاوز الإضطهاد والتنكيل الذي نال اليهود. ومن هنا تكمن أهمية العدد الثاني من المجلة والنصّين الذي احتواهما، واللذان كتبهما كتّابٌ إسرائيليون عن ردات فعل الصهانية على الهولوكست، وأهمية ودلالات هذا الحدث في إسرائيل، وعلاقته بالفلسطينيين وبالعرب كافة البريئين من الهولوكوست. فلطالما طالبت إسرائيل بأن يُعامَل شعبها بمعاملة “شعب خارج الظروف المعتادة”. غير ذلك تقوم إسرائيل بتأطير ذاتها في وضع يعتمد وبشكل كلي إقتصاديا وماليا على الغرب كما لم تفعل دولة من قبل كما يقول بوز إيفرون. ولهذا السبب يلجأ الفلسطينيون وبسرعة للخطاب المقابل المضاد، وهو أنهم يريدون أن يكونوا ماهم عليهم، وذلك بأن يصبحوا أناساً طبيعيون فقط.

وبخلاف التاريخ المتجه للنهاية فقط، هناك معنى آخر للتاريخ متعلق فقط بما هو ممكن الحدوق، وبتعددية هذا الممكن، وغزارة هذا الممكن عددياً في كل لحظة. أليس هذا ما تحاول المجلة إظهاره ؟ حتى مع كل هذا الزخم في التحليل للأحداث التي تحدث حاليا ؟

 

صنبر: بالتأكيد. إن مسألة تذكير العالم بوجودنا هي ذات معانٍ عدة، لكنها أيضا في غاية البساطة. إنها ببساطة ذلك النوع من الحقيقة التي عندما يتم الإعتراف بها بصدق، سيجعل من مهمة أولئك الذين يطمحون لإخفاء الشعب الفلسطيني صعبة جدا. لأنه في نهاية المطاف، ما نقوله ببساطة شديدة هو أن كل البشر يملكون “حقاً في امتلاك الحقوق” . وهذه جملة شديدة الوضوح، لكنها على درجة من القوة تمكّنها من أن تكون نقطة إلتقاءٍ وافتراق في جميع الصراعات السياسية. لنأخذ الصهاينة على سبيل المثال، ماذا لديهم ليقولوه بهذا الخصوص؟ لن تسمعهم أبدا يقولون بـ “أن الشعب الفلسطيني لا يملك أي نوع من أنواع الحقوق” فلا قوة مهما تعاظمت تستطيع دعم موقف وادعاءٍ كهذا، وهم يعلمون ذلك جيداً. ولكن على النقيض، بالتأكيد ستسمع إصرارهم وتأكيدهم على أنه “ليس هناك شعبٌ فلسطينيّ”.

ولهذا السبب، إن تأكيدنا وإصرارنا على وجود الشعب الفلسطيني، ولا أجد ضيراً في قول هذا، أقوى بكثير مما كان عليه في الوهلة الأولى.

 

نشر في موقع حكمة الثقافي

مقابلة حنة آرنت في برنامج إلى الذات

hannaharendt

أقدم هنا محاولتي الثانية في ترجمة الفيديو ولكن هذه المرة مع الصديق العزيز من الكويت حسين القطان، ومرة أخرى لمصلحة الأصدقاء في ملتقى تواصل بالرياض. وهي عبارة عن مقابلة مترجمة للمفكرة الألمانية حنة ارنت في ضمن حلقات برنامج: إلى الذات (Zur Person ). والذي كان يقوم بتقديمه المقدم غونتر غاوس. وقد تم إذاعة الحلقة في عام 1964. تناولت ارنت عدة مواضيع منها الشخصي ومنها السياسي ومنها التاريخي والفكري حيث تحدث عن هتلر واليهود وفلسطين ومحاكمة ايخمان في القدس.

 

 

مشاهدة ممتعة.

 

الثورة في المستعمرات والدول العمالية المشوهة

ted-grant-unbroken-thread

في البلدان البرجوازية في الماضي، حيث كان ما يزال للبرجوازية دورا تلعبه، وتتطلع بثقة إلى المستقبل – أي عندما كانت تقدمية بشكل حقيقي في تطوير القوى المنتجة – استفادت من عقود وأجيال لاتقان جهاز دولتها كأداة لسيطرتها الطبقية. فالجيش والشرطة والموظفون، والطبقة المتوسطة وخاصة جميع المناصب العليا وكبار الموظفين، ورؤساء الإدارات وقادة الشرطة، والضباط وخاصة العقداء والجنرالات، يتم اختيارهم بعناية لتلبية احتياجات الطبقة الحاكمة وخدمة مصالحها. وعندما يكون الاقتصاد مزدهرا تجدهم يخدمون باخلاص “المصلحة الوطنية”، أي: مصلحة الطبقة المالكة – الطبقة الحاكمة.

في سوريا، كما هو الحال في جميع البلدان المستعمرة سابقا، اضطر الإمبرياليون، وفي هذه الحالة الامبريالية الفرنسية، جزئيا تحت ضغط منافسيهم وخاصة الإمبريالية الأمريكية، إلى التخلي عن الهيمنة العسكرية المباشرة. والدولة التي نشأت هناك ليست ثابتة وجامدة. لقد أعطى ضعف وعجز البرجوازية هامشا معينا من الاستقلال لضباط الجيش. ومن هنا جاء المسلسل المتواصل للانقلابات العسكرية والانقلابات المضادة. لكنهم في آخر المطاف يعكسون مصالح الطبقة السائدة، ولا يمكنهم ان يلعبوا دورا مستقلا.

إن الصراع بين التكتلات داخل الجيش يعكس عدم الاستقرار والتناقضات السائدة في مجتمع معين. إن الأهداف الشخصية المختلفة للجنرالات، إذا ما نجحوا في الوصول إلى السلطة، تعكس المصالح المختلفة للطبقات الاجتماعية أو لقطاعات من الطبقات الاجتماعية، البورجوازية الصغيرة بمختلف مكوناتها، أو البرجوازية، أو في ظل ظروف معينة حتى البروليتاريا. يجب أن تعكس فئة الضباط مصلحة طبقة أو شريحة اجتماعية ما في المجتمع. إنهم لا يمثلون أنفسهم رغم أنهم بالطبع قد ينهبون المجتمع ويرفعون من شأن نخبتهم الحاكمة. ومع ذلك يجب أن يكون لهم أساس طبقي في مجتمع معين.

لا تقف الأنظمة البونابارتية في الهواء بل تتأرجح بين الطبقات. إنها تمثل في أخر المطاف الطبقة المسيطرة في المجتمع. واقتصاد تلك الطبقة يحدد الطبيعة الطبقية لتلك الأنظمة. بعض تلك البلدان، كما هو الحال في أمريكا اللاتينية، القارة شبه المستعمرة التي كانت طيلة القرن الماضي تحت هيمنة الإمبريالية البريطانية ثم الأمريكية، مستقلة اسميا لأكثر من قرن من الزمان. ونتيجة لذلك، وعلى الرغم من مرورها من فترة من الاضطراب استفادت الطبقة الحاكمة المشكلة من ملاك الأراضي والرأسماليين من فترة كافية لاتقان بناء جهاز دولتها. أحيانا يمكن لمختلف فئات القوات المسلحة أو فصائل من القوات المسلحة أن تعكس مصالح فئات مختلفة من الطبقة الحاكمة، بل وقد تعكس حتى ضغوط الإمبريالية، وفي المقام الأول الإمبريالية الأمريكية.

لكنهم حتى الآن يعكسون دائما مصلحة الطبقة الحاكمة في الدفاع عن الملكية الخاصة.

في بورما، حيث يواجه النظام الذي استقل حديثا من الهيمنة البريطانية، وحيث الطبقة الحاكمة عاجزة عن “توحيد البلاد”، سلسلة من الثورات والحروب. وقد تشكل الجيش من أعضاء رابطة الحرية المعادية للفاشية، التي تصف نفسها بأنها “اشتراكية”.

وبوجود الصين البلد المجاور كنموذج، سئم قادة الجيش من عجز ملاك الأراضي والرأسماليين عن حل مشاكل بورما. فقاموا مستندين على دعم العمال والفلاحين، بتنظيم انقلاب عسكري، وصادروا ملاك الأراضي والرأسماليين، وأنشأوا ما أسموه “الدولة البورمية البوذية الاشتراكية”.

الصين

إلى حين اندلاع الثورة الروسية حتى لينين نفسه كان ينفي إمكانية انتصار الثورة البروليتارية في بلد متخلف. لم تسر الثورة الصينية لأعوام 1944- 1949 على خطى ثورة أعوام1925- 1927. لقد كانت حرب فلاحين، اندلعت بسبب العجز الكامل للبرجوازية عن إنجاز مهام الثورة البورجوازية الديمقراطية -القضاء على الملاكين العقاريين، وتحقيق الوحدة الوطنية وطرد الإمبريالية – وانتهت بانتصار الستالينيين الصينيين.

لم يكن برنامج الستالينيين الصينيين يختلف جوهريا عن برنامج كاسترو في كوبا: 50 أو 100 سنة من “الرأسمالية الوطنية” والتحالف مع “البرجوازية الوطنية”. وبالتالي اعتقد العديد من البرجوازيين الأمريكيين بأنهم مجرد دعاة “إصلاح زراعي”.

وحده التيار الماركسي في بريطانيا من جادل ضد الستالينيين والعصب التي تطلق على نفسها اسم “التروتسكية “، وأوضح حتمية انتصار ماو وإقامة دولة عمالية مشوهة.

وفي الوقت الذي كان فيه ماو والحزب الشيوعي الصيني يتبنى برنامج الرأسمالية و”الديمقراطية الوطنية” توقعنا نحن حتمية صعود نظام بونابارتي بروليتاري في الصين بعد الثورة. لم يكن للثورة الصينية أية علاقة مع أساليب الثورة البروليتارية في روسيا في عام 1917.

تم حسم السلطة من خلال حرب الفلاحين عبر منح الأراضي لجنود جيش تشيانغ كاي تشيك. ثم من خلال التأرجح بين الطبقات ومواجهتها بعضها ضد البعض الآخر بأسلوب بونابارتي، وبمجرد ما تم تحقيق الانتصار العسكري تمت مصادرة أملاك الاقطاعيين والرأسماليين. والآن تقريبا جميع العصب التي تسمي نفسها “تروتسكية” تقبل الحقيقة الملموسة. لكنها لم تطرح نظريا من قبل امكانية أن تقود حرب فلاحين كلاسيكية إلى إقامة دولة عمالية، ولو مشوهة. لقد كان العمال في الصين سلبيين طوال فترة الحرب الأهلية لأسباب لن ندخل في نقاشها هنا. لكن هذا كان خير مثال على إمكانية قيام طبقة – الفلاحون في شكل الجيش الأحمر- بتنفيذ مهام طبقة أخرى.

من الطريف الآن أن نرى العصب تبتلع بدون نقاش فكرة أن دولة “عمالية” قد تأسست في الصين بفضل جيش الفلاحين، وذلك فقط لأن هناك ما يسمى بالـ “حزب شيوعي” على رأس الجيش. هذه الفكرة خاطئة تماما وخيالية من وجهة النظر الماركسية. لأن الفلاحين، كطبقة، هم الأقل قدرة على الوصول إلى الوعي الاشتراكي.

إن الاعتقاد بأن مثل هذه العملية مسألة “طبيعية” هو تشويه للماركسية. لا يمكن أن يفسر ذلك إلا بمأزق الرأسمالية في الصين وشلل الإمبريالية ووجود دولة بونابارتية قوية في روسيا الستالينية، والأهم من ذلك كله تأخر انتصار الثورة في البلدان المتقدمة صناعيا. لا يمكن للبلدان المستعمرة أن تنتظر، فالمشاكل ملحة جدا، ولا يوجد حل على أساس الرأسمالية. ومن هنا ظهور تطورات خاصة في البلدان المستعمرة. لكن ثمن هذا هو، كما هو الحال في الاتحاد السوفياتي، ضرورة ثورة سياسية ثانية لوضع زمام الرقابة على المجتمع والصناعة والدولة في أيدي البروليتاريا. هكذا فقط يمكن البدء حقا في الانتقال نحو الاشتراكية، أو بخطوات في ذلك الاتجاه.

إن الدعم الواسع لـ “الاشتراكية” الموجود في البلدان المستعمرة، ليس فقط بين صفوف الطبقة العاملة بل أيضا بين صفوف الفلاحين وفئات واسعة من البرجوازية الصغرى في المدن، هو تعبير عن المأزق التام للملاكين العقاريين والرأسمالية في البلدان المستعمرة خلال الحقبة الحديثة. كما أنه نتيجة أيضا للثورتين الروسية والصينية وانجازاتهما في تطوير الصناعة والاقتصاد. هذا هو العامل الذي يرسي الأساس لتطور أنظمة بونابارتية بروليتارية.

يمكن تعريف الدولة اختصارا بكونها هيئات من الرجال المسلحين على حد تعبير إنجلز. ومع هزيمة بوليس وجيش شيانج كاي شيك وتدميره، ومع تدمير جيش باتيستا[1] في كوبا، صارت السلطة بين أيدي كل من ماو وكاسترو. ولا يغير شيئا في حقيقة الوضع كون ماو “شيوعيا” وكاسترو برجوازيا ديمقراطيا.

نموذج موسكو

لقد كان ماو أبعد ما يكون عن نموذج الثورة البروليتارية إلى حد أنه عندما دخل شنغهاي وغيرها من المدن، واستقبله العمال الذين استولوا على مصانعهم بتنظيم مظاهرات ترحيب حاملين الأعلام الحمراء، أطلق عليهم الرصاص فورا من أجل “استعادة النظام”! لقد كانت الدولة التي أنشأها ماو على صورة موسكو، موسكو الستالينية، وليس موسكو 1917!

لقد قام ماو، وبأسلوب بونابارتي كلاسيكي، وعلى أساس جيش الفلاحين الذي لعب دائما في الماضي دور أداة من أدوات الأنظمة البونابارتية (البرجوازية)، بالتأرجح بين الطبقات. وبعد أن بنى دولة على صورة موسكو، وبالاعتماد على العمال والفلاحين، تمكن من استئصال البرجوازية بدون ألم. وكما سبق لتروتسكي أن قال: لكي تقتل أسدا أنت في حاجة الى بندقية، لكن يكفي الظفر لتقتل البرغوث! لذلك، وبعد أن تأرجح بين البرجوازية وبين العمال والفلاحين من أجل منع العمال من الاستيلاء على السلطة، تمكن ماو وعصابته – بعد تأسيس الدولة – من سحق البرجوازية قبل الالتفات نحو العمال والفلاحين لسحق أي عنصر من عناصر الديمقراطية العمالية.

ثم أقامت البيروقراطية نظام الحزب الوحيد الدكتاتوري الشمولي، تمركز النظام حول دكتاتورية فرد بونابارتي واحد هو: ماو. لكن ليس عبثا تضع النظرية الماركسية مهمة تحقيق الثورة الاشتراكية والانتقال إلى الاشتراكية على كاهل الطبقة العاملة. هذا ليس حكما تعسفيا، بل بسبب الدور المحدد الذي تلعبه البروليتاريا في الإنتاج والذي يمكنها من تحقيق وعي خاص لا تمتلكه أية طبقة أخرى. والفلاح البرجوازي الصغير هو الأقل قدرة على تطوير مثل هذا الوعي. والثورة التي تستند إلى طبقة الفلاحين محكومة بطبيعتها بأن يكون مصيرها الانحطاط والبونابارتية. وبالضبط لأن الديكتاتورية البونابارتية البروليتارية تحمي امتيازات النخبة المتحكمة في الدولة والحزب والجيش والصناعة ومثقفي الفن والعلم، فإنها نجحت في العديد من البلدان المتخلفة.

ترى الماركسية في تطوير القوى المنتجة المفتاح لتطور المجتمع. لكن في ظل الرأسمالية لم يعد هناك سبيل للمضي قدما، وخاصة بالنسبة للبلدان المتخلفة. هذا هو السبب الذي يدفع ضباط الجيش والمثقفين وغيرهم، الذين تأثروا بانحطاط مجتمعاتهم إلى تبديل ولائهم في ظل ظروف معينة. إن الانتقال إلى نظام بونابارتي بروليتاري يوسع فعلا من قوتهم ومكانتهم وامتيازاتهم والدخل الذي يحصلون عليه. إنهم يصبحون الشريحة القائدة الوحيدة والمسيرة الوحيدة للمجتمع، ويرفعون أنفسهم فوق الجماهير أعلى مما كانوا عليه سابقا. ويصيرون سادة المجتمع.

الاقتصادات الانتقالية

إن الاتجاه نحو تلبية حاجات القوى المنتجة التي تجاوز تطورها حدود الملكية الخاصة، واضح في معظم الاقتصادات المتقدمة، بل وحتى في البلدان المستعمرة الأكثر رجعية.

ليست هناك على أساس الرأسمالية أية إمكانية لتطور ثابت ومتواصل ومستمر للقوى المنتجة في بلدان ما يسمى بالعالم الثالث. إن الإنتاج يعاني من الركود أو التراجع. وفي فترات الركود العالمي تتراجع مستويات المعيشة، ولا سيما في البلدان الصغيرة. ليس هناك من مخرج على قاعدة النظام الرأسمالي. وهذا ما يفسر وحشية الأنظمة البونابارتية البرجوازية مثل تلك السائدة في باكستان وإندونيسيا والأرجنتين وشيلي وزائير. ولكن الاعتماد على الحراب والرصاص، في ظل نظام مفلس وبال، لا يعطى سوى هدنة مؤقتة للغاية. إن الاستياء يتزايد وينعكس في فئة ضباط القوات المسلحة وفي كل المجتمع. وهذا بدوره يؤدي إلى مؤامرات الضباط أفرادا وجماعات.

الجيش هو مرآة المجتمع ويعكس تناقضاته. هذا هو سبب الاضطرابات التي تشهدها بعض البلدان كما هو الحال في سوريا، وليس مجرد أهواء الضباط المعنيين. إنه مؤشر عن الأزمة الخانقة التي يعيشها المجتمع، والتي لا يمكن حلها بالطريقة القديمة. يمكن لهذه الفئات من المجتمع أن تتبنى “الاشتراكية” على الطريقة الستالينية – البونابارتية البروليتارية – بأكبر قدر من الحماس بسبب احتقارهم لجماهير العمال والفلاحين.

إن المسخ الرهيب للدولة العمالية الذي تمثله روسيا والصين، وغيرهما من الدول العمالية المشوهة الأخرى، يجذبهم على وجه التحديد بسبب موقع الكوادر المتعلمة “المثقفة” في تلك المجتمعات. إن ما يثير اشمئزاز الماركسيين هو ما يجذب الستالينيين.

إن القاسم المشترك الوحيد الذي تملكه تلك الدول مع الدول العمالية السليمة أو مع الدولة الروسية سنوات 1917-1923 هو ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. وعلى هذا الأساس يصير في إمكانها أن تخطط وتطور الموارد الإنتاجية بوسائل قسرية وبوتيرة من المستحيل تماما تحقيقها على أساس الملكية الرأسمالية- الاقطاعية. لكن هذا ممكن بالطبع لفترة محدودة من الزمن فقط. إذ عند نقطة معينة تصبح الأنظمة الستالينية عائقا مطلقا وقيدا لتطور الإنتاج. وقد وصلت روسيا وأوروبا الشرقية إلى هذه الحدود. القاسم المشترك لتلك الدول مع دولة عمالية سليمة، من وجهة نظر الماركسية، هي حقيقة أنها اقتصادات انتقالية بين الرأسمالية والاشتراكية.

لكن الماركسية تعلمنا أن الحركة نحو الاشتراكية تتطلب ممارسة البروليتاريا للرقابة والتوجيه والمشاركة. إلا أن وجود نخبة متميزة تمارس هيمنة غير محدودة ولا تقبل بفقدان مكانتها من خلال “اضمحلال” الدولة، يؤدي إلى تناقضات جديدة. فالفساد والمحسوبية والتبذير وسوء الإدارة والفوضى التي تتسبب فيها البيروقراطية بشكل حتمي، يدخل في تناقض مع حاجيات التنمية الاجتماعية، وهذا يتجلى في تزايد العداء بين البروليتاريا والنخبة البيروقراطية.

لقد سبق لتروتسكي أن شرح منذ فترة طويلة أن البيروقراطية في روسيا قد طورت القوى المنتجة بطريقة كانت البرجوازية عاجزة عن القيام بها، لكن بتكلفة عالية جدا للجماهير. إن البيروقراطية تلعب الدور (دور تقدمي نسبيا) الذي لعبته البرجوازية في الماضي. لكن تروتسكي أوضح أن هذا الدور ينتج أيضا تناقضاته الخاصة. فالبيروقراطية أقل استعدادا من البرجوازية لفقدان امتيازاتها وسلطتها. وبدلا من ذلك تنمو أكثر حتى تصبح ورما سرطانيا خطيرا على المجتمع. لا يمكن استئصالها إلا عن طريق الثورة السياسية.

وسيتم تحفيز هذه الثورة إما بفعل الأحداث داخل تلك البلدان أو بفضل استيلاء ناجح على السلطة تحققه بروليتاريا واحدة من البلدان الرأسمالية المتقدمة وإقامة نظام الديمقراطية العمالية. سيتم إنشاء دولة عمالية سليمة وديمقراطية عمالية حقيقة إما عن طريق ثورة اجتماعية في الغرب أو عن طريق الثورة السياسية في روسيا وأوروبا الشرقية. لا بد من التأكيد على أن الميزة الوحيدة التي تشترك فيها تلك الدول العمالية المشوهة مع نموذج الدولة العمالية هي ملكية الدولة للاقتصاد ومخطط الإنتاج. وحدها العصب “المثالية” و”الانتقائية” من يمكنها أن تكتشف فرقا جوهريا بين حرب الفلاحين التي جاءت بماو إلى السلطة وبين حرب عصابات كاسترو، المستندة إلى الفلاحين وأشباه الفلاحين والفلاحين بدون أرض وكذلك بعض العمال السابقين. ليس هناك فرق كبير بينهما، على الرغم من الأفكار البرجوازية الديمقراطية لتي تجول في ذهن كاسترو والتي لم تكن تختلف على الاطلاق عن البرنامج الذي خاض ماو الحرب الأهلية على أساسه.

في كوبا نجد أنه على الأقل تدخلت الطبقة العاملة، في المراحل الأخيرة من الصراع، من خلال الإضراب العام في هافانا، والذي قلب الكفة لصالح كاسترو. بينما لم يحدث أي شيء من هذا القبيل في الحرب الأهلية في الصين سنوات 1945- 1949. ولا كان هذا النوع من التدخل مقبولا من طرف ماو؛ صحيح أنه لولا غباء الإمبريالية الأمريكية لكانت النتائج لتكون مختلفة في كوبا. ولكن مع مأزق الرأسمالية الكوبية، مثل ما كان عليه حال الرأسمالية الصينية، فإن كاسترو اتخذ من أوروبا الشرقية والصين نماذج له في صراعه مع الإمبريالية الأمريكية، مثلما اتخذ ماو الدولة البونابارتية البروليتارية القوية في روسيا نموذجا له.

وفي كلتا الحالتين شكل ذلك خطوة هائلة إلى الأمام من وجهة النظر التاريخية. تم القضاء على الاقطاعية والرأسمالية. وهذا يعني إزالة قيود الملاكين العقاريين شبه الإقطاعيين وقيود الملكية الخاصة عن الصناعة. احتكار التجارة الخارجية، سيرا على هدي النموذج الروسي، هو أيضا عامل تقدمي قوي. شكلت هذه التدابير تحريرا عظيما للقوى المنتجة من القيود المفروضة عليها. وبالتالي فإنه يمكننا مقدما أن نحيي الثورة الصينية باعتبارها ثاني أكبر حدث في تاريخ البشرية، بعد الثورة الروسية. لكن وبسبب طابعها البونابارتي – ومصلحة البيروقراطية حتما في الحفاظ على امتيازاتها وسلطتها ومداخيلها- سيكون على الجماهير أن تقوم بثورة ثانية قبل أن تتمكن من تحقيق دولة الديمقراطية العمالية في مستوى تلك التي سادت في روسيا ما بين 1917-1923.

بسبب عدم قدرة العصبويين على تطبيق الماركسية و”الفلسفة الماركسية” بطريقة ملموسة رموا بأنفسهم في تناقضات مضحكة. وهكذا أعلنوا أن ما قام في أوروبا الشرقية في 1945-1947 هي أنظمة رأسمالية الدولة – في حين أن روسيا، التي احتلت شرق أوروبا بالجيش الأحمر، “دولة عمالية منحطة”.

وعندما قطع تيتو مع ستالين تحولت يوغوسلافيا بين عشية وضحاها من كونها لأسباب غامضة “رأسمالية الدولة”، فأصبحت دولة عمالية سليمة أفضل حتى من روسيا عام 1917! لكن هذا لم يمنع هذه العصب من أن تعلن في نفس الوقت أن أوروبا الشرقية دول رأسمالية. وظلت الصين نظام “رأسمالية الدولة” من وجهة نظرهم حتى عام 1951 أو 1953. ثم تحولت في ظروف غامضة من كونها “رأسمالية الدولة”، إلى دولة “عمالية سليمة”!

كل هذا التشويش والارتباك النظري لم يصاحبه أي تفسير من طرف أي من تلك التيارات البرجوازية الصغيرة التي تدعي الماركسية. زعمت إحدى العصب أن كوبا دولة بونابارتية برجوازية صغيرة بينما وصفت الصين بأنها دولة عمالية سليمة نسبيا وأنه لا حاجة لثورة سياسية فيها. لم يكن أي واحد من هذه التيارات قادرا على تحليل قوى وسيرورات المرحلة التي رأى فيها العالم المستعمر صورة كاريكاتورية عن الثورة الدائمة وحيث ظهرت دول عمالية مشوهة. لم يفهم أي تيار من بينهم معنى “الثورة الثقافية” الصينية. حيث أشاد بعضهم بها باعتبارها النسخة الثانية من ‘كومونة باريس ‘! ومؤخرا فقط –وبعد نحو 30 عاما- خلص البعض على مضض إلى أن الثورة الصينية كانت مشوهة منذ البداية. بينما تيارنا شرح السيرورة حتى قبل انتصار ماو.

جميع الظروف الموضوعية للثورة الاشتراكية تنضج الآن في أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة الأمريكية. لكن هذه السيرورة، مع ذلك، سوف تكون طويلة بسبب ضعف القوى الماركسية الحقيقية. إن تأخر اندلاع الثورة في الغرب، وطول أمدها الآن، هو ما أعطى مجالا لصعود هذه الأنظمة في البلدان المستعمرة سابقا. أن العلاقات في تلك البلدان تصل مستويات عالية من التوتر في ظل التجويع الذي تعانيه أغلبية الجماهير المحرومة من كل شيء. وطفيلية الملاكين العقاريين والرأسماليين، المستندين إلى الإمبريالية، وبذخهم الوقح يغذي كل التناقضات في هذه المجتمعات بقوة الانفجار. إن ضعف الإمبريالية هذا، وتعفن وانحلال الملاكين العقاريين والرأسماليين الفاضح، هو ما يجعل من الممكن تطور أنظمة بونابارتية بروليتارية. من خلال الاستفادة من تمردات جماهير الفلاحين والبرجوازية الصغرى وحتى العمال، يمكن لنخبة من الضباط والمثقفين الخ، أن تصعد إلى السلطة، كما هو الحال في إثيوبيا، وتمتلك سلطة كبيرة بين يديها على أساس الدعم من طرف العمال والفلاحين. ويمكنها أن تصنع أجهزة بوليسية مخابراتية متقنة لإسكات كل من يعترض على امتيازاتها.

إن الفلاحين، بحكم طبيعتهم الطبقية كأناس لا يوحدهم الإنتاج، هم بالتالي أداة مثالية في يد الأنظمة البونابارتية البرجوازية أو البونابارتية البروليتارية. إنها طبقة يمكنها بطبيعتها أن تتعرض للتلاعب بها وخداعها؛ طبقة تتطلع إلى “القيصر كأب للشعب”، أو إلى الزعيم ماو المقدس. والبرجوازية الصغيرة المدينية أيضا لديها هذه الصفات؛ ففي ألمانيا وإيطاليا نظرت إلى هتلر وموسوليني باعتبارهما “قادة”. وحدها البروليتاريا من تدافع بحزم عن الديمقراطية الحقيقية، أي: الديمقراطية العمالية والدولة العمالية، التي هي النظام الوحيد حيث يمكن لها أن تمارس حكمها المباشر.

لقد أوضح تيارنا هذه السيرورات وتوقعها. لا يوجد أمام العالم المستعمر أية إمكانية حقيقية للمضي قدما في ظل الرأسمالية. هذا، بالإضافة إلى تأخر الثورة البروليتارية في البلدان الصناعية المتقدمة، هو الأمر الذي أدى إلى صعود هذه الأنظمة التي تخطوا عشر خطوات إلى الأمام وخمس خطوات الى الوراء. إنها أنظمة يمكنها – على الأقل لفترة من الزمن في الغالب – تطوير القوى المنتجة بسرعة، على أساس البونابارتية البروليتارية. إنها تنجز في البلدان المتخلفة الدور التاريخي الذي أنجزته البرجوازية في البلدان الرأسمالية في الماضي.

يكمن كل جوهر نظرية تروتسكي حول الثورة الدائمة في فكرة أن البرجوازية في المستعمرات وبرجوازية البلدان المتخلفة غير قادرة على تنفيذ مهام الثورة الديمقراطية البرجوازية. والسبب في هذا هو صلاتها مع الملاكين العقاريين والإمبرياليين. البنوك لديها رهونات على الأرض، والصناعيون يمتلكون عقارات في البادية، والملاكون العقاريون يستثمرون في الصناعة، وجميعهم مشتبكون معا ومرتبطون مع الإمبريالية في شبكة من المصالح معادية للتغيير.

في ظل هذه الظروف تقع مهمة تنفيذ الثورة الديمقراطية البرجوازية على كاهل البروليتاريا. لكن البروليتاريا، بعد أن تحسم السلطة على رأس الفلاحين وغالبية الأمة، لن تتوقف عند إنجاز المهام الديمقراطية البرجوازية، أي: مصادرة الملاكين العقاريين وتوحيد الأمة وطرد الإمبرياليين. إنها ستنتقل إلى إنجاز المهام الاشتراكية، أي: نزع ملكية البرجوازية وإقامة دولة عمالية.

لكن المهام الاشتراكية لا يمكن أن تنجز في بلد واحد، وخاصة في بلد متخلف مستعمر. سيتوجب على الثورة أن تنتشر إلى البلدان الأكثر تقدما. وهذا معنى المصطلح الذي يطلق على هذه السيرورة. الثورة الدائمة تبدأ باعتبارها ثورة برجوازية، لتصير ثورة اشتراكية، وتنتهي ثورة أممية.

صحيح أنه نظرا لتطور البيروقراطية الستالينية والانحطاط الإصلاحي للأحزاب الشيوعية، وضعت صعوبات استثنائية في طريق البروليتاريا سواء في الدول المتقدمة أو المتخلفة. لكن مأزق الملاكين العقاريين والرأسماليين في ما يسمى بالعالم الثالث قد تفاقم خلال العقود التي تلت اندلاع الحرب العالمية الثانية. مرت البلدان الرأسمالية الصناعية لفترة من الزمن من تطور نسبي للقوى المنتجة بمجرد ما تم توفرت الشروط السياسية المسبقة لذلك بفعل خيانة الستالينية والإصلاحية بعيد الحرب العالمية الثانية.

لكن وفي حين ارتفعت مستويات المعيشة في الغرب، من الناحية المطلقة على الأقل، فإن “العالم الثالث'” ومع استثناءات قليلة، شهد انخفاضا في مستويات المعيشة المتدنية أصلا. انحطاط العلاقات القديمة تحت ضغط السوق العالمية، الذي لا يرحم، استمر على قدم وساق. وصار وجود فائض كبير من السكان الفقراء المعدمين والمتسولين والحثالة وباء منتشرا في العالم المستعمر. ليس هناك من مخرج من هذا الوضع على أساس العلاقات القديمة. في فيتنام ولاوس وكمبوديا وبورما وسوريا وأنغولا وموزامبيق وعدن وبينين وإثيوبيا، ثم كوبا والصين كنموذجين لهم (واللذان بدورهما يتخذان نموذج أوروبا الشرقية كمنارة تبين لهما الطريق) حدث تحول في العلاقات الاجتماعية.

يعود هذا إلى نضج شروط الثورة الاشتراكية في العالم الرأسمالي إلى حد التعفن. لكن كل التاريخ يبين أنه حيثما تعجز الطبقة التقدمية الجديدة، لسبب أو لآخر، عن القيام بمهمتها في تغيير المجتمع، فإن هذا يتم غالبا (بطريقة رجعية، ربما) من قبل طبقات أو فئات أخرى. وهكذا ففي اليابان تحولت قطاعات كبيرة من الإقطاعيين إلى رأسماليين وفي ألمانيا – كما اعترف ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي- قام الملاكون العقاريون (اليونكرز) من بروسيا الشرقية بزعامة بسمارك والنظام الملكي، بمهمة التوحيد القومي لألمانيا- وهي مهمة من مهام الثورة الديمقراطية البرجوازية.

سلطة جذابة

كما سبق لماركس أن أوضح منذ زمن بعيد ليس هناك من وصفة عابرة للزمان. فمن الضروري أن نأخذ الواقع الموضوعي المادي كما هو ثم نعمل على شرحه. هذا هو أسلوب “الفلسفة الماركسية”. لكن ليس من الضروري فقط معرفة الواقع الموضوعي كما هو، بل من الضروري أيضا شرح السيرورة التي جاءت به الى حيز الوجود، والتناقضات التي تشمل ذلك، وقانون الحركة الاجتماعية الذي يمثله والسيرورات المستقبلية للتناقضات والتغيير الذي سوف يحدث عليه. عملية ميلاده، وتطوره، وانحطاطه والتغيرات التي سوف تدمره.

في ظل ظروف انحطاط الرأسمالية والملكية العقارية في البلدان المستعمرة، تتفاقم كل التناقضات الاجتماعية إلى أقصى الحدود. وتصل التوترات الاجتماعية إلى مستوى لا يطاق. وبالتالي يتم استبدال الديمقراطية البرجوازية في بلد تلو الآخر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بديكتاتوريات بونابارتية برجوازية أو ديكتاتوريات بونابارتية بروليتارية.

لم تسر أي من البلدان المستعمرة سابقا، المذكورة أعلاه، على نموذج الثورة الاشتراكية. ونفس الشيء يقال عن بلدان أوروبا الشرقية التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

لقد أوضح المعلمون الماركسيون الكبار في كثير من الأحيان أنه بمجرد تأسيس قاعدة من قواعد الثورة الاشتراكية في البلدان الرأسمالية الرئيسية، سيوجه ذلك نداءا لا يقاوم إلى بقية العالم، وسيؤدي إلى تحول اشتراكي غير مؤلم ودون صراع. حتى البرجوازية ستعترف بتفوق الديمقراطية العمالية، علاوة على التأثير الذي سيكون لذلك على الطبقة العاملة العالمية. ماركس نفسه كان يعتقد أنه سيتم اجتذاب المناطق المتخلفة من العالم، وحتى البلدان المتخلفة من أوروبا، من طرف البلدان الصناعية المتقدمة كمغناطيس وكنموذج للاشتراكية. لينين وتروتسكي تصورا أن الثورة الاشتراكية ستجري في بعض البلدان المتخلفة فقط بفضل الدور الريادي للبروليتاريا وبمشاركتها. ستقود البروليتاريا جماهير البرجوازية الصغيرة، وخاصة الفلاحين، إلى الإطاحة بالملاكين العقاريين والرأسمالية ومن ثم ستربط العمال بالطبقة العاملة الأممية وبمهام الثورة العالمية.

إن النظام الديكتاتوري البونابارتي الشمولي السائد في روسيا، الذي هو دولة عمالية مشوهة تماما، ينفر العمال في البلدان الرأسمالية المتقدمة. هذا لأنه لم يبق شيء من تقاليد وتراث ثورة أكتوبر ما عدا القضاء على الاقطاعية والرأسمالية، ومخطط الإنتاج، بالإضافة إلى احتكار التجارة الخارجية، وإن بطريقة ملتوية ومشوهة بيروقراطيا.

لكن وعلى الرغم من ذلك فإن الإنجازات العظيمة للثورة، والتقدم في الإنتاجية، وقضائها على التخلف وجعلها لروسيا في موقع القوة الصناعية الثانية في العالم، لها قوة جاذبية هائلة بالنسبة للجماهير في البلدان المستعمرة. (ومما يعزز هذا أيضا مثال الثورة الصينية التي حولت الصين في غضون أقل من ربع قرن إلى قوة جبارة). في معظم البلدان المستعمرة، حيث ما تزال الأنظمة البرجوازية موجودة، ليست الديمقراطية البرجوازية سوى شعارات جوفاء تستبدل في العديد من المرات بسياسة الحضر وإعلان الطوارئ بل وحتى بالأحكام العرفية.

وبالتالي فإن غياب الديمقراطية العمالية في هذه الدول البونابارتية البروليتارية ليست عائقا أمام جذب الجماهير. بل هي سمة جذابة إيجابية بقدر ما يتعلق الأمر بضباط الجيش. إن حل المشاكل الأكثر إلحاحا من قبيل الغذاء والكساء والمأوى تضغط بشكل أكبر على أذهان الجماهير في البدان المستعمرة.

أثيوبيا

لهذا بدوره تأثير هائل في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. تحبل الأنظمة البرجوازية البونابارتية في البلدان المستعمرة بتناقضات رهيبة. مشاكلها غير قابلة للحل. تنفق مبالغ كبيرة على التسلح، مما يؤدي إلى تفاقم الفقر بين الجماهير. إنها أنظمة غير مستقرة بطبيعتها. وتستفز كراهية العمال والبرجوازية الصغيرة، والطلاب والفلاحين. بل حتى البرجوازية الضعيفة التي تمثلها تدخل في تصادم معها.

هذه هي التربة الاجتماعية حيث تنتعش المؤامرات والمؤامرات المضادة بين صفوف الجيش. إن الجيش (أو القوات المسلحة) يكون دائما على صورة المجتمع وليس مستقلا عنه. وحيثما يسيطر الجيش على السلطة، فإن ذلك يشير إلى وجود أزمة في المجتمع وإلى وجود نظام أزمة.

تأتي كتل وجماعات مختلفة أو حتى أفراد في قيادة الجيش لتعكس التكتلات والمكونات الطبقية أو الطبقات في المجتمع. إنهم لا يمثلون أنفسهم بل يعكسون بدقة المصالح المتناقضة لمختلف الطبقات في المجتمع.

في ظل ظروف الأزمة الاجتماعية يتغير الناس. ينطبق هذا على الطبقات وحتى على الأفراد. وقد شرح ماركس أنه مع انحطاط الإقطاع التحق قسم من الإقطاعيين بصفوف البرجوازية في الثورة البرجوازية. وهناك قسم من البرجوازية، وخاصة المثقفون البرجوازيون، يمكن لهم أيضا أن يتبنوا وجهة نظر البروليتاريا.

ليست هناك من فكرة فلسفية أكثر عقما وشكلية وعداء للجدل وإغراقا في المثالية في تاريخ الحركة من تلك التي يتبناها هؤلاء الذين يزعمون أنه بما أن كاسترو بدأ كفاحه الثوري كزعيم ديمقراطي برجوازي متبنيا لأفكار وأهداف ديمقراطية برجوازية فإنه لا بد أن يبقى ديمقراطيا برجوازيا إلى الأبد. إنهم ينسون أن ماركس وإنجلز أنفسهما قد بدءا كديمقراطيان برجوازيان وقطعا بشكل حاسم مع البرجوازية وأصبحا قائدين للبروليتاريا.

في ظل ظروف الأزمة الرأسمالية في البرتغال[2]، الذي هو بلد شبه مستعمر، تطورت الغالبية العظمى من فئة الضباط المستائين بسبب عقود من الدكتاتورية والحروب التي لا تنتهي في أفريقيا، والتي أدركوا أنهم لا يستطيعون كسبها، في اتجاه الثورة و”الاشتراكية”. وحده تيارنا من تمكن من شرح هذه السيرورة.

أعطى هذا دفعة لحركة الطبقة العاملة، والتي أثرت بدورها على الجيش. لم يؤثر هذا فقط في قواعد الجيش، والرتب الدنيا من الضباط، بل وحتى على بعض الأدميرالات والجنرالات الذين كانوا يرغبون بإخلاص في حل مشاكل المجتمع والشعب البرتغاليين.

كان هذا شيئا يبدو مستحيلا في الثورات السابقة. حيث أن 99% من الضباط ساندوا فرانكو في الحرب الاهلية الاسبانية.

صحيح أن خيانة الإصلاحيين والستالينيين للثورة البرتغالية منعتها من أن تصل إلى نهايتها، فحدثت ردة رجعية. وتم تطهير الجيش مرارا وتكرارا ليصبح أداة مأمونة في يد البرجوازية.

لكن مسألة إلى أي مدى نجحت البرجوازية في ذلك؟ ما تزال تحتاج الى الاختبار في أتون الثورة خلال الأشهر والسنوات المقبلة.

لكن ما أثبتته تجربة البرتغال هو الحاجة إلى امتلاك فهم وتفسير جدليين حقا للأحداث التي جرت في عصرنا الحالي. فإذا كان مثل هذا ممكنا في مجتمع شبه مستعمر لكنه رأسمالي امبريالي كالبرتغال، فكم يمكن حدوث سيرورات مماثلة على نطاق أوسع من ذلك بكثير في البلدان المستقلة حديثا في أفريقيا وآسيا؟

لقد أكدت الأحداث في إثيوبيا بشكل تام الأطروحات التي دافعنا عنها. هناك كانت المجاعة، التي تسبب فيها هيلا سيلاسي والنبلاء الاقطاعيون، هي آخر ما يمكن حتى لفئة الضباط أن يتساهلوا معه. دفعت اللامبالاة الاجرامية التي تعامل بها الإمبراطور وطبقة الملاكين العقاريين مع المجاعة وموت مئات الآلاف وربما حتى الملايين بسبب الجوع، بالإضافة إلى التناقضات الاجتماعية التي تراكمت في بلد متخلف تحت ضغط من الإمبريالية، بالفئات المتوسطة من الضباط إلى تنظيم انقلاب عسكري.

هذا بدوره أيقظ حركة الطبقة العاملة القليلة العدد في أديس أبابا والطلاب والفئات البورجوازية الصغرى في العاصمة وفي البلدات. كما أنه ايقظ الفلاحين أيضا في حركة جبارة للسيطرة على الأرض. وهكذا تحولت “الإمبراطورية” التي استمرت 1000 سنة وبنيتها الطبقية إلى غبار.

إن الأزمة داخل الجيش ومحاولات الثورة المضادة والدفعة الإضافية التي قدمها هذا لحرب العصابات في اريتريا، وحرب العصابات في أوغندا، بمساعدة التدخل المباشر من طرف الصومال، وانتفاضات قبيلة غالا وغيرها من القبائل، شكلت حافزا للثورة.

وكان لحركة الطبقات بدورها تأثير على المجلس العسكري الحاكم الجديد. لقد أدت إلى حدوث انقسامات ومؤامرات فردية وجماعية بين صفوف الضباط. لقد عكس هذا صراع الطبقات في إثيوبيا والحرب الأهلية المتنامية في البلاد كلها. ومهما كانت الأهواء الفردية للضباط، فإنها تعكس (كما هو الحال في سوريا) – ويجب أن تعكس- الصراع الطبقي الجاري في المجتمع. ولا يكاد يوجد من يتمنى العودة إلى النظام القديم.

لقد تم رفض النظام الإمبراطوري شبه الإقطاعي من قبل الجزء الأكبر من فئة الضباط. لكن كانت هناك اختلافات في ما يتعلق بالمدى الذي يجب الوصول اليه، مما انتهى بنزاعات مسلحة وإعدامات. يعكس هذا، بطريقة مشوهة ربما، صراع الطبقات في إثيوبيا.

انتهى الصراع بفوز العقيد منجستو. كانت الأراضي قد تم تقسيمها بالفعل بين الفلاحين وتأميم الصناعة بدون تعويض للامبرياليين والرأسماليين المحليين (على الرغم بالطبع من أن التعويض ليس بالضرورة هو العامل الحاسم).

خرج العقيد منجستو منتصرا من هذا الصراع كديكتاتور بونابارتي تحت تأثير الحروب والحروب الأهلية. ومن أجل الحصول على الدعم الجماهيري، اضطر منجستو، الضابط السامي في جيش الإمبراطور سابقا، إلى مواصلة الطريق حتى آخره. فقد أعلن نفسه “ماركسيا لينينيا” (ربما من دون قراءة ولو كلمة واحدة لماركس أو لينين) وقام بإنشاء نظام ديكتاتوري شمولي يقوم على الحزب الواحد “الماركسي اللينيني”، على شاكلة موسكو أو بكين. تمت مصادرة الملاكين العقاريين والرأسماليين ولم يعد للبلدان الامبريالية تأثير حقيقي على السيرورات التي تجري في اثيوبيا.

إن السيرورة في هذه الحالة واضحة. بل لعلها أكثر وضوحا مما كانت عليه في موزامبيق وأنغولا أو عدن سابقا، وهذا دون صراع مباشر ضد الاحتلال الامبريالي.

الامبرياليون يعانون من الضعف وغير قادرين عن التدخل مباشرة بالوسائل العسكرية، ولا يمكنهم سوى المشاهدة بحقد عاجز.

لكن مما لا شك فيه فتيار Militant (المناضل) هو الوحيد الذي توقع هذه الاحتمالات مسبقا للعديد من البلدان في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. لقد تم إنجاز الثورة، أو بالأحرى المهام الأولية للثورة، في البلدان المتخلفة بواسطة الأنظمة المذكورة أعلاه. فقد تم القضاء على الملاكين العقاريين وتم تدمير الرأسمالية وضرب هيمنة الإمبريالية.

وهكذا فقد كان للأصل البرجوازي لقيادة حركة حرب العصابات في كوبا أهمية ثانوية. كان الشيء الأهم هو محاولة الامبريالية اتخاذ إجراءات لإعادة كوبا مرة أخرى إلى الوضع الاستعماري الجديد مما أدى إلى قطع كاسترو للعلاقات مع الإمبريالية الأمريكية.

إن أوجه التشابه الاجتماعية والاقتصادية هي الحاسمة بالنسبة للماركسي في التقلبات الاجتماعية في هذه البلدان.

من أجل إنجاز ثورة مثل تلك التي شهدتها روسيا في أكتوبر 1917 يتطلب الأمر الوعي والعمل والفهم والمشاركة النشطة من طرف البروليتاريا نفسها في عملية إسقاط الرأسمالية والملاكين العقاريين. يتطلب الأمر أجهزة ومؤسسات يمكن من خلالها للبروليتاريا أن تتحرك، أي: السوفييتات، ولجان المعارك والنقابات العمالية، الخ. وبعد انتصار سلطة العمال يصير من الممكن ممارسة الرقابة والتدقيق بواسطة أجهزة سلطة العمال تلك.

إن مثل تلك اللجان والمنظمات التقليدية مؤسسات لا غنى عنها في ثورة اشتراكية بالمعنى الصحيح. إنها تشكل وسائل لتدريب العمال على فن إدارة الدولة، وتطوير التضامن بين العمال وتطوير وعيهم. وبعد الإطاحة بسلطة الرأسمال تصير وسائل للسلطة العمالية، وأجهزة الدولة الجديدة: دولة الديمقراطية العمالية.

لكن أينما تمت الإطاحة بالنظام، بدعم من العمال والفلاحين بالتأكيد لكن دون رقابتهم الفعلية – كما هو الحال في أوروبا الشرقية والصين وكوبا وسوريا وإثيوبيا – فمن الواضح أن النتيجة لا بد أن تكون مختلفة. إن المثقفين البرجوازيين الصغار وضباط الجيش وزعماء حرب العصابات يستخدمون العمال والفلاحين وقودا للمدافع، ومجرد قاعدة دعم، يستعملونهم كذخيرة إذا جاز التعبير.

إن هدفهم، بوعي أو بغير وعي، ليس تحقيق السلطة للعمال والفلاحين، بل تحقيق السلطة لنخبتهم. نموذجهم في ذلك هو روسيا الستالينية. إن الثورة – أي التغيير في علاقات الملكية – تبدأ حيث انتهت الثورة الروسية، روسيا الستالينية سنوات 1945- 1949 أو روسيا الستالينية لعام 1978. إنهم متشابهون من حيث الجوهر: دولة الحزب الواحد الشمولية حيث البروليتاريا عاجزة ومذررة، مع جهاز للتحكم في الدولة من قبل المسؤولين. قادة جيش حرب العصابات، الذين يفرضون الانضباط بيد من حديد، وصلوا إلى السلطة بدعم من الجماهير بلا شك، لكن دون وجود أجهزة لممارسة سلطة العمال مستقلة عن الدولة. وأيضا تغيب كل حقوق وسلطات العمال والفلاحين، التي يحققها وجود السوفييت وأجهزة السلطة العمالية.

إن مثل أجهزة العمال الديمقراطية هذه، التي لا غنى عنها لدولة عمالية سليمة، من شأنها أن تمثل عقبة هائلة في وجه الانتقال إلى نظام بونابارتي بروليتاري. لقد شكلت عائقا هائلا أمام البيروقراطية الستالينية في روسيا، والتي اضطرت إلى خوض صراع شاق ضدها، بل وحتى حرب أهلية من جانب واحد، لمحو آخر بقايا الديموقراطية العمالية، التي وقفت في طريق حكمها المطلق وديكتاتوريتها. وقد انعكس ذلك من خلال ديكتاتورية الرجل الواحد ستالين وخلفائه.

والشيء المهم هو أن هذا شكل نموذجا للـ “الاشتراكية” بالنسبة لماو وكاسترو ومنجستو ولجنرالات بورما وللجنرالات البعثيين “المسلمين” في سوريا.

الجيش والمثقفون

من المهم أن نرى أن ما تشترك فيه كل هذه القوى المختلفة ليس الفروقات الفردية الثانوية بل القوى الاجتماعية والقوى الطبقية التي تمثلها.

لقد قطع منجستو وكاسترو وجنرالات بورما مع أصولهم الطبقية ومزايا، أو عيوب، تعليمهم الجامعي البرجوازي وتصوراتهم البرجوازية. صحيح أنهم لم يتبنوا وجهة نظر البروليتاريا – كما فعل ماركس ولينين – لكنهم قبلوا “الاشتراكية” الأسهل بكثير التي تضمن حكمهم الفردي وحكم نخبتهم على ظهور الطبقة العاملة والفلاحين.

إن جميع الفروق الفردية يتم إلغاءها من طرف التغيرات الطبقية والاقتصادية الحاسمة التي أنجزوها في بلدانهم ومجتمعاتهم.

جميع العصب التي تطلق على نفسها اسم “الماركسية اللينينية” لم تفهم حتى ألف باء الماركسية كما شرحها مؤسسها وطورها لينين وتروتسكي. هذا شيء عجيب. إن تحرر الطبقة العاملة هو مهمة العمال أنفسهم. هذا ليس لأنه نوع من التكفير عن الذنب الذي يجب على العمال القيام به، أو لأنهم “أناس طيبون”. بل لأنه من دون هذا يصير من الحتمي أن تقوم أقلية صغيرة تحتكر الثقافة باستغلال ذلك الاحتكار– والشطط حتما في استغلاله- ضد مصالح العمال والفلاحين ومن أجل مصالحها الخاصة. وأيضا لأن تعبئة البروليتاريا، ونضالها الواعي من أجل السلطة، والنضال من أجل الديمقراطية العمالية، يغير البروليتاريا ويجعلها قادرة على انجاز مهمة بناء السلطة العمالية. ثم يصل هذا التأثير جزئيا إلى الفلاحين والبرجوازية الصغرى، التي تتبع البروليتاريا سواء في البلدان المتقدمة أو البلدان المتخلفة. هذه العملية لا تحدث بنضال حرب العصابات البرجوازية الصغيرة أو عندما تستولي فئة راديكالية من ضباط الجيش على السلطة.

وهكذا، تسيطر النخبة المثقفة وقادة الجيش في كل الثورات الاجتماعية والانقلابات، التي شهدتها البلدان المذكورة أعلاه، على الدولة بحزم بين يديها. إنهم يتمتعون بالدعم السلبي – أو النشط إلى هذا الحد أو ذاك- من طرف الجماهير. لكن ليست هناك حركة واعية منظمة للبروليتاريا. ليست حركة الفلاحين والبرجوازية الصغرى بديلا صالحا “للحركة الذاتية” للبروليتاريا.

من الملفت للنظر واقع أن العصب صارت تقبل بماو وبالثورة الصينية بعد أن صارا واقعا ووجدت في شارة ماو “الشيوعية” العذر لهذا الغرض. في الواقع إن ماو شيوعي سابق قطع علاقته مع البروليتاريا ووضع نفسه على رأس حرب الفلاحين.

وحقيقة انه في وقت لاحق تأرجح بين الطبقات بطريقة بونابارتية نموذجية، واستند على العمال لبعض الوقت، لا تغير شيئا. كما لا تغير شيئا حقيقة أن العصابة الحاكمة في بكين قد أطلقت على نظامها اسم “الاشتراكية” أو أحيانا دكتاتورية “البروليتاريا”. ليس هناك فرق جوهري اقتصاديا أو اجتماعيا بين أي من هذه الأنظمة. وهذا يعني أن الاختلافات الثانوية لا أهمية لها إذا ما قورنت مع التشابه في الجوهر.

خطأ لينين

ليس من قبيل الصدفة أيضا أن جميع العصب تستند إلى خطأ لينين في كتابه “ما العمل؟” حول أن البروليتاريا ليست قادرة من تلقاء نفسها على الوصول إلا إلى “وعي نقابي” وليس إلى “وعي اشتراكي”. في الواقع هذه ليست فكرة لينين بل فكرة كاوتسكي. وقد اكتشف لينين خطأه، وتعتبر مؤلفات لينين مثلها مثل مؤلفات ماركس وإنجلز وتروتسكي، إضافة إلى روزا لوكسمبورغ ومهرينغ، دحضا لهذه الفكرة. وفي كل مجلدات لينين الـ 55 التي تضم مؤلفاته لم يتكرر أبدا مرة أخرى هذا الخطأ. في الواقع ودون تمجيد البروليتاريا، كل مؤلفاته، كما هو حال جميع الماركسيين العظام، من أضخمها حتى أصغر مقالة، مشبعة بالإيمان وبالثقة في القوة الجبارة للبروليتاريا باعتبارها الطبقة الوحيدة التي من شأنها أن تقود الجنس البشري نحو الاشتراكية. وهذا الايمان يأتي بالطبع من المادية الجدلية لماركس.

في الواقع جميع هؤلاء السادة العصبويين يحتقرون في السر – وأحيانا ليس في السر تماما – الطبقة العاملة. وجدليا، في حين يتبنون بحماس هذه الفكرة الخاطئة عن الوعي النقابي، تجدهم في نفس الوقت يتعبدون في ضريح هوشي منه أو ماو أو كاسترو أو تيتو أو بعض الدكتاتوريين البونابارتيين البروليتاريين الآخرين. إنهم غير قادرين على فهم السيرورة التاريخية والظروف المؤقتة للازدهار الاقتصادي الذي أدى إلى هدوء طويل في الصراع الطبقي في الغرب واستمرار أزمة المجتمع في العالم المتخلف. كان هذا واحدا من عوامل الازدهار في الغرب وأدى حتما إلى ظهور وتطور الأنظمة البونابارتية البروليتارية في العالم المستعمر، والتي ساهمت فيه هيمنة الستالينية في روسيا وسيطرة الستالينية والإصلاحية في الحركة العمالية العالمية. وحدها الماركسية الحقيقية من تمكنت منذ البداية من شرح كل هذه الظواهر “الغريبة” من وجهة نظر الطبقة العاملة، وشرح الطبيعة الطبقية للمجتمع والأزمة الهيكلية للرأسمالية العالمية والتي تظهر في المقام الأول في الأطراف الأضعف والأكثر تخلفا.

جميع هذه الأنظمة البوناباترتية البروليتارية هي انحرافات مؤقتة على طريق الثورة العالمية. وسيتم استئصال هذا الورم المتمثل في الستالينية بسهولة عندما ستتمكن البروليتاريا القوية في إحدى البلدان المتقدمة من أخذ السلطة في الغرب أو عندما تعمل الطبقة العاملة في روسيا وأوروبا الشرقية على الإطاحة بالبيروقراطية.

لقد تتبعنا في عدد من مؤلفاتنا التناقضات التي تسقط فيها العصب بشأن مسألة معنى الدولة العمالية السليمة بتشوهات بيروقراطية، ومعنى دولة عمالية مشوهة. فعلى الرغم من أن كلاهما يستندان إلى ملكية الدولة، فإنهما مختلفتان اختلافا جوهريا من حيث بنيتهما الفوقية. لهذا السبب فإن الثورة السياسية ضرورية في حالة وجود دولة عمالية مشوهة لإقامة نظام “الديمقراطية العمالية”، أو “ديكتاتورية البروليتاريا” بمعناها السياسي وكذلك الاقتصادي. أما الدولة العمالية بتشوهات بيروقراطية من ناحية أخرى فهي دولة عمالية في ظل ظروف التخلف والعزلة، وما يزال في الإمكان إصلاحها من خلال استعادة الحزب والنقابة وديمقراطية الدولة، أي من خلال العودة إلى رقابة العمال والفلاحين، حيث ما تزال هذه المنظمات، وإن بشكل رمزي، موجودة تحت ضغط من العمال.

لقد انبطحت بعض العصب أمام كاسترو كزعيم ومنظم “لدولة عمالية سليمة”. بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك حيث شبهوا “نضاله ضد البيروقراطية” بنضال تروتسكي ضد الستالينية. لقد ارتكبوا خطأ نشر صور لتروتسكي وكاسترو معا كمناضلين ضد البيروقراطية ومن أجل الديمقراطية الاشتراكية. وبالتالي أظهروا انهم لا يفهمون لا دور تروتسكي باعتباره مناضلا خالدا ضد البيروقراطية الستالينية ولا دور كاسترو باعتباره مجسدا للبيروقراطية الستالينية الكوبية.

إن الكلمات رخيصة. لم يكن “صراع كاسترو” ضد البيروقراطية الكوبية يختلف في جوهره عن صراع ستالين في بعض المناسبات ضد البيروقراطية الروسية. ستالين باعتباره ديكتاتورا بونابارتيا هاجم أحيانا “البيروقراطية” بالكلمات. وذهب أبعد من ذلك في مناسبات معينة واستند على العمال والفلاحين. حدث هذا عندما ذهب البيروقراطيون الجشعون بعيدا جدا في النصب والمضاربة ونهب الدولة وهددوا بتقويض أسس الدولة.

لقد اتخذ ستالين اجراءات حتى ضد كبار البيروقراطيين وبالتأكيد ضد قطاعات واسعة من الرتب الدنيا من البيروقراطية. وكان الهدف من وراء هذا هو الحفاظ على النظام الستاليني بتقديم بعض البيروقراطيين، وخاصة من الرتب الدنيا، أكباش فداء.

إن دور كاسترو في كوبا هو نفسه من حيث الجوهر. صحيح، أنه لعب دورا قياديا في حرب العصابات، وفي الإطاحة بباتيستا، وفي الحركة نحو طرد الإمبريالية، والإطاحة بالملاكين العقاريين والرأسمالية.

ستالين عاش الثورة البروليتارية وشهد وجود الديمقراطية العمالية، لكنه نفذ ثورة مضادة ضدها. لكن الثورة الكوبية نشأت منذ اليوم الأول مشوهة. لم تأخذ البروليتاريا الكوبية أبدا السلطة السياسية مباشرة على عكس البروليتاريا في روسيا. وحقيقة أنه حتى اليوم ما زال ربما الجزء الأكبر من الشعب الكوبي، والشعب الصيني أيضا، يدعم النظام في هذه المرحلة، لا تغير شيئا من حيث الأساس. إن قيود كاسترو ضد البيروقراطية، مثلها مثل قيود ستالين، ضرورية بالنسبة له للحفاظ على دور “الحكم البونابارتي” ودور “أب الشعب”.

والآن، عندما ينتقلون إلى التعامل مع النظام الحاكم في إثيوبيا، يعلن بعض المنبطحين أمام كاسترو أن منجستو – الذي يعتبر نظامه من حيث الجوهر نسخة للأنظمة السائدة في روسيا والصين وكوبا – حاكم “فاشستي”. لا يمكن استقبال هذا المثال عن التشويهات والألعاب الانتقائية البهلوانية إلا بعواصف من الضحك من قبل الماركسيين الحقيقيين.

رأسمالية الدولة؟

لماذا يكون نظام منجستو نظام “رأسمالية الدولة” ومختلفا عن الاخرين؟ لا يوجد أي تفسير لذلك. إنهم لا يعملون سوى على ترديد صدى حجج الطلاب الماويين اليسروايين المتطرفين في إثيوبيا. الماويون الاثيوبيون منسجمون على الأقل إذ يعلنون – كما هو حال الماويين في كل مكان – أن روسيا هي أيضا “رأسمالية الدولة”.

والدليل على الطابع “الفاشستي” لنظام منجستو، كما يزعمون، هو القمع الشرس والإعدامات وقمع الحقوق القومية والثورات الوطنية في إريتريا وأوغادين ذات الطابع المماثل لتلك التي في إثيوبيا، وتصفية الأقليات القومية الأخرى. إن سحق وحل النقابات العمالية المستقلة وكل المؤسسات الديمقراطية الوليدة للعمال والفلاحين مسألة مدانة بالتأكيد. وكذلك هي مدانة أيضا مسألة تركيز السلطة في أيدي زمرة المجلس العسكري وديكتاتورية منجستو.

لكن لا يملك المرء سوى أن يفرك عينيه استغرابا من ضحالة “ماركسية” هؤلاء الذين يسمون أنفسهم تروتسكيين. فكل جريمة ارتكبها منجستو في هذا الصدد، ارتكب ستالين أكثر منها مائة مرة! لقد وصل قمع المنظمات المستقلة للعمال إلى حالة الكمال على يد البروقراطية في روسيا. “النقابات” المزيفة موجودة وتشبه منظمات Arbeitfront النازية في ألمانيا. والحزب “الشيوعي” الروسي هو أداة البيروقراطية نفسها، وقد توقف منذ فترة طويلة عن أن يكون حزبا عماليا. وتم إنشاء معسكرات الاعتقال، أو “معسكرات العمل” كما يطلق عليها، و”المستشفيات” النفسية لجميع المنشقين سواء من اليمين أو اليسار.

كما بلغ القمع القومي للأقليات، وخصوصا ذات الأصول العمالية، إلى مستويات لم يصل إليها حتى في ظل القيصرية. وقد أنشأت آلة الحزب الواحد الشمولية دون السماح لوجود أية معارضة بين العمال والفلاحين والمثقفين. كما تم فرض قيود الستالينية على الفن والعلم والحكومة، دون السماح بأية مبادرة مستقلة أو فكر مستقل، وهو ما لم يكن له مثيل في التاريخ ما عدا، ربما، في ظل ألمانيا تحت حكم هتلر. وهذه صورة مشتركة، إلى هذا الحد أو ذاك، بين جميع الدول البونابارتية البروليتارية، بما في ذلك الصين وكوبا.

تعمل بعض العصب على التقاط توصيف نظام منجستو من عند الماويين. كما أنهم دعموا حرب العصابات الفلاحية البطولية في أوغادين وإريتريا، والتي كانت ستنتهي ربما، في حال انتصارها، إلى أن تشكل نسخة طبق الأصل من كوبا أو من إثيوبيا في ظل منجستو. من شأن ذلك أن يكون حتميا في ظل اقتصاد متخلف ومع قيادة قومية محدودة الأفق تبحث في مواردها الخاصة وحدها دون رؤية ضرورة ربط نضالها مع نضالات العمال من البلدان الرأسمالية المتقدمة. إننا في حالة اندلاع نضال من أجل الحقوق الوطنية لهذه الشعوب – وطالما لم يكن هناك تدخل مباشر للإمبريالية – سوف نقدم دعما نقديا لذلك النضال، كما قدمناه على سبيل المثال لنضال الشعب الأوكراني من أجل الاستقلال عن روسيا الستالينية. فمن شأن دولة أوكرانية اشتراكية سوفياتية مستقلة أن تمهد الطريق لبناء فدرالية للجمهوريات الاشتراكية السوفياتية حقيقية وطوعية لجميع شعوب الاتحاد السوفياتي. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال الإطاحة بالبيروقراطية الستالينية الروسية من قبل الطبقة العاملة الروسية.

دعم الثورة

في إريتريا وأوغادين، كما هو الحال في إثيوبيا خلال المرحلة المقبلة، لن تصل الديمقراطية للأسف إلى المستوى المطلوب. هذا أمر لا مفر منه على أساس حرب الفلاحين، فضلا عن سيطرة الأيديولوجية الستالينية على قادتهم.

لكن وكما فعلنا في حالة فيتنام ولاوس وكمبوديا والصين أيضا – سوف نقدم دعمنا دون إغلاق أعيننا على حتمية صعود أنظمة ستالينية شمولية مهما كانت نتيجة الصراع.

بسبب طبيعة نضالهم كنضال قومي (وإن على أساس ملكية الدولة والقضاء على الاقطاعية والرأسمالية) وضيق أفق قيادتهم، لا الصوماليون ولا الاريتريون يمتلكون وسائل التأثير على الجنود الفلاحين الإثيوبيين وكسبهم. فهم أيضا قاموا بثورة وتأثروا بالفكرة القومية عن إثيوبيا المتحدة.

ليس لسياسة لينين البروليتارية البعيدة النظر – القائمة على الدفاع بحزم عن الحق البرجوازي الديمقراطي في تقرير المصير – أي مكان للأسف في سياسة الاثيوبيين. لكن لا توجد أيضا، على كلا طرفي الصراع، أي من السياسات الماركسية الأخرى – المركزية الديمقراطية في الحزب، والديمقراطية في السوفييتات والنقابات العمالية، الخ.

إن ما يحدد سياستنا بالدرجة الأولى هو مصالح الثورة البروليتارية الاشتراكية الأممية ومستقبلها. وهزيمة الإمبريالية والإطاحة بالملاكين العقاريين والرأسمالية في منطقة القرن الأفريقي خطوات كبيرة إلى الأمام.

هذا على الرغم من الصراع الدائر بين “الدول الاشتراكية” الذي يزرع البلبلة بين العمال الطليعيين والبروليتاريا عموما. إن تعقيد المشكلة والحاجة إلى الحفاظ على أفكارنا واضحة يظهران في الكيفية التي غيرت بها الإمبريالية والبيروقراطية الروسية والكوبية مواقعهما.

بالأمس دعم الإمبرياليون هيلا سيلاسي والنظام الاقطاعي والرأسمالية في إثيوبيا ضد الصومال وحركة حرب العصابات في اريتريا. بينما مولت روسيا وكوبا الدولة الصومالية وسلحتها ونظمتها ودعمت المتمردين في إريتريا بالأسلحة والأموال والمساعدة التقنية. احتلت إثيوبيا أهمية أكبر في نظرهم مع انهيار الإمبراطور، وما تلاه من إسقاط للنظام شبه الإقطاعي والرأسمالي. اثيوبيا لديها 35 مليون شخص مقابل ما يقرب من 2 أو 3 ملايين في كل من إريتريا والصومال.

استغل الرئيس الصومالي بري بشكل انتهازي الحرب الأهلية في إثيوبيا، التي نظمت من قبل قوى الثورة المضادة الملاكين العقاريين والرأسماليين، فأرسل قواته الى أوغادين. وأعرب عن أمله في تفكك وانهيار الثورة الاثيوبية. تصوره قومجي محدود الأفق وقصير النظر، ومهتم فقط ببناء “الصومال الكبرى”. مما لا شك فيه قام الإمبرياليون خلسة، ومن خلال الدول العربية الرجعية شبه الإقطاعية مثل المملكة العربية السعودية، بتقديم الدعم للصوماليين، مثلما يقدمون الآن الدعم للإريتريين على الرغم من الطابع الاجتماعي للحركة في إريتريا. إنهم يرغبون في إضعاف إثيوبيا وتوجيه ضربة ضد البيروقراطية الروسية.

البيروقراطية الروسية وكاسترو عملا على تغيير الأحصنة في منتصف الطريق، بعد فشل محاولة إقناع الحكام الصوماليين بالوصول إلى تسوية وإقامة فدرالية مشكلة من إريتريا والصومال وإثيوبيا. كانت الفدرالية ستكون بدون شك الحل الأمثل، بالنظر إلى طبيعة كل تلك الأنظمة إما كدول بونابارتية عمالية مشوهة، أو كدول في طور التشكل.

عندما رفض الصوماليون هذا الاقتراح غيرت البيروقراطية موقفها. وليس من المؤكد أن الإثيوبيين كانوا متفقين مع هذا الاقتراح أيضا. والآن هم يحاولون ان يتفاوضوا حول شكل من أشكال الاتفاق بين إريتريا وإثيوبيا. فإذا لم يقبل الإريتريون بشكل محدود من أشكال “الحكم الذاتي” فإنه يبدو مؤكدا أن كوبا وروسيا سيدعمان سحق محاولة إريتريا لتقرير المصير. وسوف يذرف الإمبرياليون، العاجزون عن التدخل مباشرة، دموع التماسيح على الحقوق القومية والديمقراطية للشعب الاريتري. (رغم أنهم بالأمس فقط حاولوا بوحشية قمع حقوق الشعب الفيتنامي).

لكن ما هو مضحك حقا بخصوص هذه الصراعات الدرامية هو موقف بعض العصب. إنهم يقولون رسميا إن روسيا (وهذا صحيح) دولة عمالية مشوهة، وكوبا (وهذا غير صحيح) دولة عمالية “سليمة” نسبيا. لكنهم لا يشرحون بأي حال من الأحوال كيف ولماذا تقدم دولة كوبا العمالية “السليمة” نسبيا أو دولة روسيا العمالية المشوهة مساعدة نشيطة للدولة “الفاشية” في إثيوبيا لتأسيس نفسها وقمع الحقوق القومية لشعب إريتريا الذي يحاول إقامة نظام “ماركسي” وشعب الصومال من الأوغادين والأقليات الأخرى.

إن الغالبية الساحقة من الفلاحين الإثيوبيين، وبفضل سياسة توزيع الأراضي، يدعمون، بدون شك، النظام الإثيوبي لعدم وجود بديل عنه.

بالطبع من الممكن نظريا أن تقوم دولة عمالية مشوهة، أو حتى دولة عمالية سليمة، بالتحالف مع دولة رجعية أو فاشية لغرض “الدفاع” ضد الدول الرأسمالية الأخرى. وقد فعلت روسيا الستالينية هذا في عام 1939 بتوقيعها اتفاق “عدم الاعتداء” مع ألمانيا في عهد هتلر.

لكن ما هي الضرورة الاستراتيجية التي دفعت بريجنيف وكاسترو إلى التحول من دعم الصومال وإريتريا إلى دعم غريمتهما “الفاشية”؟ سينظر حكام الدول العمالية المشوهة بعين الخوف لاحتمال ظهور دولة عمالية سليمة في البلدان الصناعية بسبب الهزات الاجتماعية التي سوف تثيرها في بلدانهم. لكنهم سيرحبون بتأسيس أنظمة اجتماعية على شاكلة أنظمتهم في البلدان المتخلفة والتابعة.

هذا سيقوي موقعهم على الصعيد الدولي ضد منافسيهم الإمبرياليين الرأسماليين. فالتناقض العالمي الأساسي بين الهياكل الاجتماعية لهذه البلدان وبين البلدان الرأسمالية ما يزال قائما.

الستالينية والفاشية

إثيوبيا بلد أكثر تخلفا من روسيا القيصرية أو حتى من الصين قبل الثورة، وتعيش ظروف الحرب الأهلية على كل الجبهات. مع وجود قيادة تتخذ من كوبا والصين نموذجا لها، ومن دون تدريب ثوري، انتقل ضباط الجيش نحو تبني المفاهيم الستالينية في مسار الثورة. لكن لا يمكننا رمي الطفل مع مياه الحمام. بل يجب علينا فصل النواة التقدمية الهائلة عن القشرة الرجعية. لقد تم القضاء على الاقطاعية والرأسمالية وسيكون لهذه الحقيقة الحاسمة آثار بعيدة على مستقبل الثورة الأفريقية في المرحلة القادمة.

ليس عبثا شرح تروتسكي لحزب العمال الاشتراكي الأمريكي أن النظام السياسي في روسيا كان فاشيا، إذا ما وضعنا جانبا ملكية الدولة للصناعة والأرض! لم يكن هناك شيء يميز نظام ستالين السياسي عن نظام هتلر باستثناء الحقيقة الحاسمة المتمثلة في أن أحدهما يدافع عن ملكية الدولة وفي أن امتيازاته تعتمد على تلك الملكية، في حين أن النظام الآخر يعتمد في امتيازاته وسلطته ومداخيله ومكانته على أساس الدفاع عن الملكية الخاصة. وقد كان هذا اختلافا جوهريا وحاسما! ليس هناك فرق في أساسيات البنية الاقتصادية والسياسية بين إثيوبيا والصين وسوريا وروسيا أو أي دولة من الدول العمالية المشوهة.

إن الأحداث الأخيرة التي شهدتها الهند الصينية ساعدت مرة أخرى في إظهار التناقضات المثيرة للسخرية في سياسات جميع العصب. لقد أعطى تيارنا دعما مبدئيا لنضال حزب هوشي منه “الشيوعي” الفيتنامي وحركات حرب العصابات الفلاحية في لاوس وكمبوديا ضد الإمبريالية الأمريكية والعالمية وعملاؤهم المحليين.

لقد أيدنا ذلك الكفاح دون قيد أو شرط وبكل مبدئية. لقد أيدناه لأنه كان حربا من أجل التحرر من الاستعمار. وكنا سنؤيد مثل هذه الحرب حتى ولو كانت تحت قيادة برجوازية أو بورجوازية صغيرة لا تحارب إلا من أجل حق تقرير المصير القومي فقط. لكنها أصبحت بشكل حتمي حربا من أجل التحرر الاجتماعي وكذا التحرر الوطني، بمعنى النضال من أجل القضاء أيضا على الملاكين العقاريين والرأسمالية. وبدون هذا، لم يكن من الممكن خوض الكفاح لعشرات السنين ضد قوات عسكرية ساحقة.

ويظهر المدى الذي وصل إليه ابتعاد العصب عن الأسلوب الماركسي أو التروتسكي في المهاترات بين مجموعتين عصبويتين تنتميان إلى نفس التيار الأممي حول ما إذا كان الفيتناميون تروتسكيين “بشكل غير واع” ويعملون على أساس الثورة الدائمة.

لم يفهم أي من هؤلاء السادة الطبيعة الخاصة للمرحلة فيما يتعلق بتطور المناطق المستعمرة أو المستعمرة سابقا. كما أنهم لم يفهموا حتمية تشوه الثورة في ظل القيادات الستالينية المكشوفة – قيادة الأحزاب الشيوعية المزعومة – أو فئة الضباط الراديكاليين. لم يفهموا العواقب الحتمية عندما تصل ثورة تحررية إلى إنجاز مهمتها التقدمية و”النهائية” المتمثلة في القضاء على الرأسمالية والملاكين العقاريين في حين لا تكون القوة الرئيسية هي الطبقة العاملة بقيادة ماركسية.

عندما تكون القوة الرئيسية هي جيش الفلاحين الذي يستخدم تكتيكات الفلاحين الكلاسيكية المتمثلة في حرب العصابات، من المحتم أن يؤدي ذلك إلى “دولة عمالية مشوهة” حتى ولو لم يكن ذلك هو هدف القادة. وفي حالة وقوع انقلاب عسكري للضباط الشباب، المتحالفين مع “المثقفين” والطلاب، فإن النتائج تكون – لا محالة – هي نفسها.

يصير هذا حتميا أكثر بالنظر إلى الظروف العالمية المتمثلة في وجود دول بونابرتية عمالية قوية، كروسيا الستالينية وغيرها من البلدان. ومع وجود القوى الإمبريالية يصير من غير الممكن أن تكون هناك نتيجة أخرى.

بالطبع لو كانت هناك دول عمالية سليمة – في روسيا على سبيل المثال، أو واحدة من الدول الصناعية الكبرى في أوروبا أو اليابان- فإن النتائج والاحتمالات ستكون مختلفة تماما. كانت بروليتاريا الدول العمالية المتقدمة وشعبها سيقدمون العون والمساعدة إلى عمال الدول العمالية في البلدان المتخلفة، وربط الاقتصادات معا، وإرسال عشرات الآلاف من الفنيين إلى البلدان الصغيرة ومئات الآلاف منهم إلى البلدان الكبرى. سيعني هذا التصنيع السريع بالإضافة إلى الديموقراطية العمالية. هذا هو ما قصده لينين عندما قال إن إفريقيا يمكن أن تنتقل مباشرة من النظام القبلي إلى الشيوعية.

لكن وبالنظر إلى العلاقة الحالية للقوى الطبقية على الصعيد الأممي، ومع سيطرة الإصلاحية الكلاسيكية والإصلاحية الستالينية على الحركة العمالية في الدول المتقدمة، صارت مثل هذا الإمكانية في فيتنام وكمبوديا ولاوس مستبعدة.

مواجهات الهند الصينية

هذا هو السبب الذي جعل تيارنا يدعم بكل إخلاص الثورات الفيتنامية والهند الصينية وفي نفس الوقت يشرح للعمال والفلاحين في هذه البلدان أنه عليهم أن يدعموا بنشاط النضال والكفاح من أجل التحرر الاجتماعي والوطني، لكن هيمنة القيادة الستالينية على النضال يعني أنه في حين ستتحقق خطوة اجتماعية هائلة إلى الأمام مع انتصار حركة التحرر الوطني، سيتلوها استعباد جديد على يد البيروقراطية الستالينية الشمولية. بدون حزب ماركسي وبدون قيادة ماركسية سيكون هدف قيادة “الحزب الشيوعي” إقامة دولة على شاكلة ما يسمى بـ “الاشتراكية” السائدة في روسيا أو الصين.

نحن نناشد العمال الطليعيين في بريطانيا وأمريكا وفرنسا والعالم لدعم النضال من أجل التحرر الوطني والاجتماعي لشعوب الهند الصينية، لأنه يضعف الإمبريالية والرأسمالية العالمية. إن تحرير القوى المنتجة في هذه البلدان، من خلال الإطاحة بسيادة الرأسمال، سيكون ذا فائدة كبيرة على المدى البعيد بالنسبة لشعوب هذه البلدان، وكذلك بالنسبة للبروليتاريا العالمية.

لكننا أبدا لم نخدع أنفسنا أو نخدع العمال والفلاحين في العالم بخصوص الطبيعة الحتمية (علاقة القوى الطبقية) للأنظمة التي ستنشأ في هذه البلدان.

لقد توقعنا وحذرنا من حتمية نشوء أنظمة قومية ستالينية شمولية في تلك البلدان، لكن حتى نحن لم نتوقع المدى الذي ستصله في تشوهها.

إن الاشتباكات المسلحة بين كمبوديا وفيتنام هي إدانة ساحقة لكل تلك العصب ‘التروتسكية ” المزعومة في بريطانيا وأمميا، والتي لم تفهم الطبيعة الطبقية لتلك الأنظمة وطابعها الستاليني. لم تكن هناك أية مفاجأة بخصوص هذا بالنسبة لتيارنا. فقد أظهرت الاشتباكات الحدودية بين روسيا والصين عندما قتل عشرات الآلاف حجم الجرائم التي يمكن للبيروقراطيين القوميين أن يقترفوها.

لا يمكن لهذه البيروقراطية أن تنظر أبعد من حدود الدولة الوطنية. ويقف وراء هذه الاشتباكات في الهند الصينية تطلعات الفيتناميين لإنشاء فدرالية من “الدول الاشتراكية” في الهند- الصينية. من الواضح أن هذا سيكون له فائدة كبيرة لاقتصادات جميع تلك البلدان. لكن السبب الذي جعل الكمبوديين يقفون ضد إقامة مثل هذه الفدرالية هو أنه في ظل ظروف الاستبداد البونابارتي سيجدون انفسهم لا محالة تحت الهيمنة القومية والاضطهاد القومي من طرف البيروقراطية الفيتنامية. وبغض النظر عن النزعة القومية الشوفينية عند الستالينيين الكمبوديين، فإن ذلك سيكون أمرا لا مفر منه مثلما كان في الصين وروسيا الستالينيتين.

ولنفس السبب سيرفض الستالينيون الفيتناميون، بدورهم، الاتحاد مع الصين الستالينية. إنهم يعرفون، كما عرفت الأقليات في الصين، أنهم سيتعرضون للاضطهاد القومي من طرف البيروقراطية الصينية. ورغم أن ذلك الاتحاد سيكون من الناحية الاقتصادية ذا فائدة كبيرة، فإنهم لن يوافقوا عليه، مثلما لن توافق البيروقراطية الصينية على الاتحاد مع روسيا، على الرغم من أنه من الناحية الاقتصادية وحتى على صعيد موازين القوى السياسية العالمية، سيكون مفيدا بشكل هائل لشعوب واقتصادات كل تلك البلدان. إن ما يقف في طريق ذلك هو المصالح القومية الخاصة لبيروقراطيات جميع هذه البلدان.

وحدها الديمقراطية العمالية، بدون أية نزعة للتفوق أو التميز القومي، كما كان الحال في أيام لينين وتروتسكي، من يمكنها أن تمتلك مثل هذا البرنامج. لكن نظاما بونابارتيا، يستند إلى الامتيازات واللامساواة، عاجز عن مثل هذه السياسة: وتعتبر التجاوزات الشوفينية التي تقترفها روسيا والصين الستالينيتين دليلا على ذلك. إن الأنظمة البونابارتية الشمولية، بحكم طبيعتها، لا يمكنها أبدا أن تنظر أبعد من الأفق الضيق للدولة القومية. إن البيروقراطية أفقها قومي ضيق بسبب طبيعتها وامتيازاتها بالذات.

ولأنهم يستندون إلى الفلاحين والطلاب والمثقفين، دون هيمنة ومشاركة حاسمة من طرف الطبقة العاملة، فإنهم حتما قوميون ضيقو الأفق.

أفغانستان

لا يمكن للطبقة العاملة أن تضمن تحررها وهيمنتها على المجتمع إلا عن طريق التغلب على جميع أشكال الأحكام المسبقة التي تعود إلى الماضي: القومية والعنصرية والفئوية والجنسية أو غيرها. لكن وحدها الطبقة العاملة وليس غيرها – وفقط تحت قيادة ماركسية – القادرة على هذا الانجاز الفذ. لكن تحرر العمال يعني أيضا تحرر الطبقة البورجوازية الصغرى في المجتمع والتي يمكنها، في ظل قيادة الطبقة العاملة، وفقط في ظل هذه القيادة، أن تصير قادرة على التقدم إلى الأمام.

لا يمكن للبورجوازيين الصغار والمثقفين أن يتبنوا وجهة نظر البروليتاريا إلا بعد القطع تماما مع أصولهم وتصوراتهم الطبقية. لكن في ظل الظروف الحديثة من الصعب للغاية تحقق ذلك، حيث صار الماركسيون الحقيقيون، كما هو الحال في الأيام الأولى لماركس وإنجلز، مجرد أقلية صغيرة.

هذا هو الحال بصفة خاصة اليوم حيث الصراع لا يتم فقط في المجال الأيديولوجي بل حيث صارت المسألة العاجلة في بلد بعد الآخر هي إحداث تغيير في المجتمع. في هذه الحالة من السهل أن يسقط المثقفون تحت هيمنة الأفكار الستالينية المشوشة في أشكالها المختلفة.

وحدها حركة عمال قوية بقيادة ماركسية من يمكنها أن تجعل كسب هؤلاء المثقفين مسألة ممكنة.

هذا أمر صعب خصوصا في البلدان المستعمرة أو المستعمرة سابقا حيث المشاكل ملحة، وحيث تعيش الجماهير في شروط أقرب إلى الحيوانية، وحيث هناك أيضا عقبات هائلة أمام تحديث وتطوير المجتمع على أساس الأنظمة الرأسمالية وملكية الأرض شبه الإقطاعية.

من الأسهل بالنسبة للمثقفين والضباط الراديكاليين وحتى الموظفين والفئات العليا من المهنيين والأطباء والمحامين وهلم جرا، أن ينتقلوا إلى دعم البونابارتية الستالينية على دعم التيارات الماركسية الحقيقية لكن الصغيرة. ويصدق هذا بوجه خاص في معظم تلك البلدان حيث لا توجد الحركة “الماركسية” بوصفها تيارا منظما.

إن ما يسمى بـ ‘الماركسية اللينينية’ الروسية والصينية والإثيوبية تناسبهم تماما. انها تناسب كل أحكامهم المسبقة. إن “الاشتراكية” حيث تعيش نخبة المسؤولين في الدولة والحزب والصناعة والجيش في مستوى معيشة أعلى من الجماهير تبدو طبيعية تماما وعادية بالنسبة لهم. إن لهذا المجتمع حيث تصبح فيه هذه الفئات هي المهيمنة والحاكمة جاذبية هائلة بالنسبة لهم، خاصة حين يرون الخطوات الهائلة التي تحققها البلدان المتخلفة في مسيرتها القسرية نحو “الاشتراكية”.

وبالتالي فمن السهل بالنسبة إليهم تبرير موقفهم الطبقي. إنهم يكرهون الملاكين العقاريين والرأسماليين الفاسدين الذين تحت سيطرتهم صارت مجتمعاتهم إما تتفكك أو أنها تتطور ببطئ شديد. كما أنهم يحتقرون الجماهير المسحوقة من الفلاحين وحتى الطبقة العاملة الضعيفة.

إن هذه الفئة، وبصرف النظر عن وضعها الاقتصادي، مشبعه بغرور واهتمام كبيرين بأهميتها الخاصة في المجتمع. إنها مهوسة بالاكراميات والمناصب والسلطة والامتيازات، والدخل والمكانة الاجتماعية. وبالتالي فمن السهل في العالم الحديث أن نرى كيف يمكنها أن تتبنى “الاشتراكية” على نمط كوبا، على سبيل المثال.

في الفترة الماضية أكد مثال أفغانستان التحليل الذي قدمناه عن الثورة في المستعمرات. لقد تم تشكيل الحزب “الشيوعي” في هذا البلد المتخلف بشكل رهيب فقط خلال العقد الماضي أو نحو ذلك. ومثله مثل حزب البعث في سوريا، لم يجد أية صعوبة في تبني عقيدة “الإسلام” و”الشيوعية” معا. وقد فعل ذلك لأن الخرافات الدينية لها جذور عميقة بين الأغلبية الساحقة من الفلاحين، الذين 90% منهم أميون.

التحول الكامل

والآن في أفغانستان، كما هو الحال مع حزب البعث في سوريا، تحالف قادة الحزب الشيوعي مع الفئات الراديكالية الدنيا والمتوسطة من ضباط الجيش.

ان القضية المباشرة التي عجلت بحدوث الانقلاب هي المجاعة – كما هو الحال في إثيوبيا – واستحالة حلها من قبل النظام الآسيوي شبه الإقطاعي الفاسد. لقد شهدت أفغانستان العديد من الانقلابات في العقود الماضية مما أدى إلى وصول مختلف زعماء القبائل والمجموعات إلى السلطة. لم يؤد ذلك سوى إلى تغيير في القمة بينما ترك البنية الاجتماعية على حالها. فتطور نفس الفساد حتما، مما أدى، عندما أصبح الوضع لا يطاق بالنسبة إلى الجماهير، إلى المجاعة، أو بفعل المؤامرات الخارجية إلى حدوث انقلاب جديد. وهكذا اعتقلت العلاقات الاجتماعية في نفس الحلقة المفرغة ذاتها. يفتح هذا الانقلاب احتمالات السير في اتجاه جديد. لقد أصبح “الشيوعيون” في رئاسة الوزراء ومنصب الرئيس ولهم أيضا دور مهيمن في الحكومة. هذا يدل على الاتجاه الذي يرغب الضباط في الذهاب إليه. كان أحد أول الاجراءات التي اتخذها النظام الجديد هو الاستيلاء على أراضي الأسرة المالكة، والتي على الرغم من الاطاحة بها من قبل نظام داود[3]، كانت ما تزال تمتلك 20% من الأراضي في أفغانستان! هذه انطلاقة جديدة، وربما تكون بداية التحول الكامل للعلاقات الاجتماعية.

كما هو الحال في بولندا، حيث وصلت البيروقراطية الستالينية البولندية إلى اتفاق مع الكنيسة الكاثوليكية، يمكن لقيادة الحزب الشيوعي في أفغانستان، جنبا إلى جنب مع الضباط، أن يصلوا إلى اتفاق مع رجال الدين الاسلاميين. ولا تغير حقيقة أن تراقي، رئيس الوزراء الجديد، هو زعيم ما يسمى بالحزب الشيوعي أي شيء. إنه ينتهج نفس السياسة التي ينتهجها قادة حزب البعث السوريين.

في حالة أفغانستان هناك طريقان اثنان فقط ممكنان في هذه المرحلة. الطبقة العاملة ضئيلة. تريد قطاعات من المثقفين، وأغلبية الضباط وجزء كبير من الموظفين على ما يبدو، بناء دولة حضارية حديثة. والفلاحون يريدون الأرض.

لا يوجد هناك من مخرج على قاعدة الرأسمالية والملكية العقارية. ضباط الجيش يرغبون في السير على الطريق الذي اجتازته منغوليا. في الواقع إن هذه التغييرات الخاصة ممكنة فقط بسبب السياق الدولي. أزمة الإمبريالية والرأسمالية، ومأزق البلدان المتخلفة في العالم الثالث، ووجود ثورات بروليتارية في الغرب، هي عوامل قوية في ما تشهده أفغانستان.

إن الأنظمة الوحشية السائدة في باكستان وايران والهند ليست لديها جاذبية. ينجذب ضباط الجيش، والذين تدرب العديد منهم، إن لم يكن معظمهم، في روسيا، عندما يرون نتائج النظام الستاليني. لديه تأثير كبير على رجال القبائل في المناطق المتاخمة لروسيا عندما يرون التحديث في المناطق الروسية التي كانت تعرف سابقا مستويات منخفضة للمعيشة، ومستويات الأمية والجهل كبيرة مشابهة لتلك التي لديهم.

المقاربة الماركسية

إن التصنيع والقضاء النهائي على الأمية وتحقيق مؤشرات عالية بالمقارنة مع أفغانستان، لا بد أن تثير إعجاب تلك الفئات. وفي المقابل فإن التخلف والهمجية التي أغرق فيها النبلاء أفغانستان لا يمكن إلا أن يرعبا أفضل العناصر من بين المثقفين والمهنيين وحتى فئة الضباط. إنهم يرغبون في الخروج من الفقر والجهل والأوساخ التي تعاني منها بلادهم. والرأسماليون في الغرب، مع انتشار البطالة والركود الصناعي، لا يقدمون لهم شيئا. إنهم يرغبون في الخروج من الدائرة المفرغة لحكام القبائل والأنظمة العسكرية المختلفة التي لم تحدث أي تغيير جوهري.

الأزمة العالمية للرأسمالية تضرب المناطق المتخلفة من العالم بشكل أكثر قسوة، وتدفعهم إلى الاستنتاج بأن الرأسمالية لا تقدم أي مخرج.

نظام داود “الجمهوري” – الذي بالمناسبة كان مدعوما ومسنودا من موسكو – لم يغير شيئا. والانتفاضات والانقلابات، التي تؤدي فقط إلى مجرد تغييرات في السلالات الحاكمة من مختلف عشائر طبقة النبلاء خلال السنوات الخمسين الماضية كانت عقيمة تماما. لقد كانت النبالة وعلاقات ملكية الأرض التي كانت تستند إليها هي العقبة الرئيسية أمام التحديث.

في ظل هذه الظروف، إذا استند النظام الجديد على دعم الفلاحين وتحويل المجتمع، سيتم فتح الطريق في أفغانستان أمام بناء نظام مثل ذلك القائم في كوبا وسوريا أو روسيا. وسوف يحمل هذا، للمرة الأولى منذ قرون، المجتمع الأفغاني إلى الأمام نحو العالم الحديث. وإذا تم اكتمال التحول الاشتراكي يمكن أن يشكل ذلك ضربة جديدة للرأسمالية والاقطاعية في بقية بلدان آسيا الرأسمالية – الاقطاعية، وخاصة في منطقة جنوب آسيا. وسوف يكون لها آثار لا تحصى على الباتان والبلوش في باكستان، وسيكون لها تأثير مماثل على الشعوب الموجودة على حدود إيران. إن النظام المتعفن في باكستان سيواجه في السنوات القادمة تفككا كاملا. ويمكن لتجديد العلاقات الاجتماعية في أفغانستان أن يسهم في تسريع تفكك ذلك النظام.

وسوف يتأثر رجال القبائل بالسيرورة التي تجري عند إخوانهم على الجانب الآخر من الحدود. فعلى الحدود الشمالية الغربية لباكستان وبين البلوش هناك تحركات ثورية بالفعل، مع تطلع تلك الشعوب نحو الوحدة مع إخوانهم في أفغانستان. سوف يكون التأثير على شكل دوائر آخذة في الاتساع مع تداعيات يمكن أن ترى نتائجها في إيران وأبعد من ذلك، وأيضا في الهند.

هذا هو الطريق الذي سوف يسير عليه “الحزب الشيوعي”، الذي يتولى السلطة إلى جانب الضباط الراديكاليين. إن المعارضة من طرف القوى الرجعية في أفغانستان، وكما هو الحال في إثيوبيا، سوف تفرض عليهم في جميع الاحتمالات السير في هذا الاتجاه.

إذا ما تماطلوا، ربما تحت تأثير السفير الروسي والنظام الحاكم في روسيا، فإنهم سيمهدون الطريق أمام اندلاع ثورة مضادة شرسة يقوم بها النبلاء والملالي المهددون. وفي حال نجاح الثورة المضادة سوف تعيد إقامة النظام القديم على عظام مئات الآلاف من الفلاحين، ومذابح ضد الضباط الراديكاليين والإبادة التامة تقريبا للنخبة المثقفة. في الوقت الحالي، وإلى حين أن تكون هناك حركة للطبقة الطليعية الوحيدة التي في إمكانها أن تحقق الانتقال في اتجاه الاشتراكية في البلدان المتقدمة صناعيا – فإن التطور الأكثر تقدمية في أفغانستان يبدو هو عملية تثبيت لنظام بونابارتي بروليتاري.

وبينما لن نغلق أعيننا على التناقضات الجديدة التي سيتضمنها هذا، على أساس اقتصاد انتقالي لدولة عمالية، دون ديمقراطية عمالية، سوف ندعم نحن الماركسيون، بطريقة واقعية، ظهور مثل هذه الدولة والمزيد من إضعاف ليس فقط الإمبريالية والرأسمالية، بل أيضا الأنظمة المستندة على بقايا الإقطاع في البلدان الأكثر تخلفا.

جاك رانسيير وسياسات الإستطيقا

le-philosophe-jacques-ranciere-la-parole-n-est-pas-plus-morale-que-les-images,M15992

 

 

لم يلقَ الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير إهتماما من المترجمين العرب بالرغم من انتشار ترجماته بالإنجليزية مؤخرًا، رغم من كتاباته حديثة ومستمرة حتى الآن و ظهوره الإعلامي غير القليل. فرانسيير يمثل حالة من الفرادة الفلسفية في وقتنا الحاضر بصفته يطرح أفكارًا جديدة في الفكر الراديكالي المعاصر الذي يتقدمه فلاسفة مثل سلافوي جيجيك، ألين باديو، جورجيو، أغامبين، رانسيير، أنطونيو نيجري و غيرهم. فيصف الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك مثلا كتابات جاك رانسيير بأنها ” تتيح تصورات ثابتة عن كيفية المقاومة ” و بالفعل هو يقدّم نموذجًا ناقدًا لماركسية جيله، و ناقدًا لسرديات الحداثة و مقدمًا لصورته الخاصة لما بعد الحداثة ناقدا من خلالها لما بعد الحداثيين.

جاك رانسيير كان تلميذاً للفيلسوف الفرنسي الكبير لويس ألتوسير وتأثر به تأثرًا شديدًا، و كتب معاه كتاب ذو أهمية كبيرة حينها ألا وهو ” قراءة رأس المال ” بالإضافة إلى أسماء معروفة مثل اليساري الفرنسي إيتيان باليبار. وأثناء ثورة الطلاب في مايو عام 1968 اختلف جاك مع ألتوسير اختلافًا تسبب في افتراقهما زاعمًا أن موقف ألتوسير التنظيري لم يسمح بإنتفاضة شعبية عفوية آنذاك، يذكر أن ألتوسير أثار لغطًا كبيرًا حين تغير موقفه من أحداث عام 68 ووصفه للطلاب الثائرين ” بالمتأثرين باليسار الطفولي”.

إنشغل رانسيير بمجالي السياسة والاستطيقا والعلاقة بينهما بشكل مختلف عن الطرح السابق لهذه العلاقة، أطروحات مثل أطروحات أدورنو و قبله والتر بينيامين الذي كان سبّاقًا في الربط بينهما خاصةً في نظريته المعنية بالأبعاد الإستطيقية في السياسة aestheticization of politics والذي بحث من خلالها في تركيبة الأنظمة الفاشية.

أيضا اهتم بنقد باراديغم الحداثة والعودة للفلسفة السياسية بوصفها تقدم هجينًا غير متجانسًا لأفكار شتى لا تتسق مع بعضها البعض، ليقدم طرحًا ما بعد ماركسي خاص به انتقد فيه الماركسية التاريخية و كل الفلسفات المعنية بمعاني التاريخ التي تتنبأ بتاريخ الشعوب بحجة أن هناك حاجة لإختراع هذه الشعوب المتجانسة أساسا قبل التنبأ بها حسب رانسيير.

 

مفاهيم السياسة في فكر رانسيير

يجدر بنا بداية تعريف السياسة بمفهوم رانسيير فمفهوم السياسي ليس مختصا بالسلطة و الصراع عليها، فهو لا يرى أن السلطة مرتبطة عضويا بالسياسة وليس كافيا وجود السلطة ليوجد مفهوم السياسي.

فهو يقسم مفهوم السياسة إلى مفهومين هما التدبير (Police) و هنا تعني نوع من أنواع النظام وليس الشرطة كما تُترجم حرفيا، وقد ترجمها الكاتب التونسي مصطفى حداد لهذا المصطلح وأرى أنها ترجمة تعطي المعنى الحقيقي المرادف للكلمة الأصلية بالفرنسية. ذكر رانسيير هذا التصنيف في مقالته ” النظرية و الحدث ” حيث قدم فيها 10 أطروحات عن السياسة ومفاهيمها.

و التدبير هو مجال يشمل المؤسسات الحاكمة والسلطات وممارساتها ومفاهيم الحوكمة الخاصة بفوكو حيث هي تعبر عن تشكيل إجتماعي بشكل عام و تشريع للسلطة. و المفهوم الآخر هو مفهوم السياسة حيث هي مجال للفعل التدبيري ذاته ومتعلقة بما نقوله ونراه وبالطريقة الكفيلة لقول ما نراه. حيث السياسة هي مجال تنازع التدبير وإدعاء المساواة بين الناس، وهنا التناقض المميز لدى رانسيير حيث السياسة وظيفتها كشف زيف إدعاء التدبير بأنه يساوي بين أفراد المجتمع رغم هيكلته التراتبية عادة من خلال إعطاء هذا المجال لتنازع التدبير.

هنا يجدر بنا الإشارة للحس النقدي لدى رانسيير تجاه مفاهيم التدبير من حيث هي ناتجة عن نقوداته التي تحث على الخروج من براديغم الحداثة بوصفها أداة للسلطة للتدجين والتسلط وسلب مفاهيم المساواة بين البشر وخلق تصادم دائم بين أفراد المجتمع، هذا الخروج من الحداثة هو ربما الإطار الرئيسي لمشروع فيلسوفنا. ففي مفهومه للسياسة الذي كما قلت آنفا بأنه هو مجال للمساواة بين أفراد المجتمع ونقد التدبير، يقترح جاك رانسيير مفهوم الفلانية حيث المجتمع مجموعة فلانيات أي ” جماعة من المتساوين ” لا علاقة لها بأي هوية سابقة. وهذا المجتمع إنما يشترك على ما يطلق عليه رانسيير بالمحسوس Sensible والسياسة هي أول الإحتماليات للإشتراك في هذا المحسوس والعمل من خلاله.

والحداثة تحبس هذا المحسوس وتحتكر ميدان الإحساس في مساحات ضيقة قائمة غالبا على الهيمنة ، فيعلق على هذا في كتابه مصير الصور قائلا : ” قد انتهى بأن أُغرق العالم داخل ضرب من الدراما المرضية التي تخلط بين رائع كانت وعقدة أوديب لفرويد وتحريم التمثيل بالمحرقة اليهودية والمشهد البدائي بأفول الآلهة عن سماء المحدثين”.

هذا النموذج التحرري يسميه رانسيير بـ الإشتراك بالمحسوس Distribution of the sensible الذي يقترح نمطا من التعايش تتبرأ فيه المجتمعات من تراث الحداثة الذي يجمع متناقضات كفيلة باستطالة المعاناة البشرية.

 

الإشتراك بالمحسوس

في نظرية الإشتراك بالمحسوس هناك علاقة ارتباط بين ما هو سياسي وما هو إستطيقي، والإستطيقا هنا ليست عبارة عن مجموعة ممارسات فنية وليست أيضا النظرية العامة التي تحكم هذه الممارسات. لكن من أجل فهم العلاقة بين الإستطيقا و السياسة، يحيلنا رانسيير لمفهوم الإستطيقا عند إيمانويل كانت في كتابه نقد العقل المحض. حيث الإستطيقا هي نمط من أنماط الوجود أو كما يضعها كانت ” نظام الصيغ الإستباقية التي يحدد ما يقدم ذاته كحس المشترك “. فرانسيير يقول بأن العلاقة بين الإستطيقا والسياسة هي علاقة مقارَنَة لعلاقة تلك الصيغ الإستباقية بالحس المشترك لدى كانت. فكما تحدد الصيغ الإستباقية هذه شكل وحدود وهيئة التجربة البشرية و صوغ حالتها الشكلية عادة، فإن الإستطيقا تأتي على هيئة شكل هيكلي بنائي يقوم بترسيم حدود العالم الذي نشتركه في حياتنا اليومية وتقسم المساحات التي ممكن يحتلها حس شخص ما بناءً على أنظمة إستطيقية aesthetic systems معينة. لكن السياسة ليست قابلة للتجزيئ طبقا لهذا الشكل الهيكلي للمحسوس الآنف ذكره ولكنها ما زالت محكومة بالإستطيقا.

إذن الموضوع ليس معنيا باستخدام الإستطيقا من أجل جعل السياسة تصبح ذات توزيع عادل للمحسوس. بل إن الاشتراك بالمحسوس كما تصفه أم الزين بن شيخة بأنه يقود إلى البحث عن التمفصلات التي تخترق الفضاءات المشتركة بين السياسي و الاستطيقي و ” تشكيل نمط خاص من الجماعة “.

يسوق رانسيير أمثلة على مجالات تستطيع طرح نماذج لتوزيع المحسوس مثل الفن والأدب، حيث هذه المجالات تقوم بإعادة توزيع المحسوس من خلال تدمير بنى التراتبية الإجتماعية و السلم الإجتماعي وتمدّ عامة الناس بمجال للتساوي فيما بينهم. فهناك قيمة جوهرانية لهذين المجالين بإمكانهما كسر جميع الحواجز التي تصنعها برديغمات الحداثة في حياتنا، وكلاهما كمجالين فنيين قادران على خلق مساحة متخيلة خارج المنظومات السياسية القائمة وخارج الأجهزة التدبيرية القائمة على الهيمنة والسيطرة. ايضا بمقدرة أنواع الفنون هذه ابتكار مفهوم آخر للحرية خارج النصوص المؤسسية للأنظمة السياسية وخارج مفاهيم القانون. أخيرًا يعطي الفن رمزية symbolism خاصة لمفاهيم المساوة والحرية والعدالة بين أفراد المجتمع.

 

إن القارئ لرانسيير في الوهلة الأولى يظنه طوباويًا يعيش في عالمٍ آخر، حسنٌ ربما هو كذلك. فهو يقدم مشروع نقدي راديكالي ضد الحداثة وضد مفاهيم كبرى في المجالات العامة والسياسية منها خاصة. لكن من أجل فهم رانسيير بشكل واقعي، علينا أن نعيد النظر في استخدامه المتكرر لنظريات سابقيه في نقد الحداثة وإن كان ينقدهم هو ذاته مثل دولوز وهابرمس وفوكو ودريدا. فهو ينطلق من مرحلة يدمر فيها أغلب المتعارف عليه والبديهي عند القارئ، ومن يتساءل كيف استطاع أن يجمع نظريات الفن والأدب بالسياسة علينا تذكيره بأن الفصل بين النظرية والممارسة العملية قد انتهى في الفلسفة الحديثة منذ ماركس ومنذ ارتباط النظرية بالعمل الثوري.

نشر في موقع حكمة الثقافي

ألتوسير ونظرية الفيلم

althusser-1

إنَّ ما يَربِط نَظرية الفيلم بما بعد بُنيوية سبعينيات القَرن المُنصرم هو التأثير العظيم لذلك الجانِب في ما بعد البنيوية الذي إدّعى أنه يقوم بإنتاج تَنظيرات جديدة للذاتية الانسانية. ولهذا […] فإنه من المُفيد عَرض النواحي ذات الصِلة بما يُعرَف على أنه نَظرية الذاتّ.

يُشير مَفهوم الذاتّ إلى ذلك النشاط العقلي الانساني والأولي المُتفاعل مع أمور العالم من خلال وضعها بمقابلة وعيّها الخاص بالنفس، كما في البُعد الفلسفي (المعرفي الابستميولوجي) من خلال وضع الذاتّ مقابل الموضوع. على أن الما بعد بُنيوية الفرنسية والتي تشمل مفكرين متباعدين كألتوسير وبارت ودريدا وفوكو وكريستفا ولاكان، قد إدعت ومن منطلقات مختلفة ومتقاطعة بأنَّ هذا الادراك الفلسفي التقليدي لمفهوم الذاتّ هو مفهوم مُضلِل من جوانب مهمة. يدّعي هؤلاء وبطرق مختلفة ضد هذا التقليد الديكارتي المتعارف عليه في تاريخ الحضارة الفرنسية والذي يتأسس على وعيّ زائف بالذاتّ – أو النفس أو الأنا- وهو إلى حد ما مركزيّ في مَسار معرفة العالم. وعموما فإن هؤلاء الما بعد بنيويون إدّعوا في حِينه بأنَّ معرفة الذاتّ والعالم تتشكل بتأثير الخِطاب (*). وكنتيجة يُمكن القول بأنَّ الذاتية الانسانية تَجِد نفسَها من خلال عالم تخاطبيّ، يُنتِج ويُعيد انتاج هذه الذاتية، وعلى الأغلب ايضا، أوهامَها المُؤسِسة.

[…]

أن يتم للمرء إدراكُ نفسه بوصفه واعيّا، ذي نَشاطٍ عقليّ مُتمايز، يعني أنه يَمتلِك هويةً. وظواهريا فإن هذا بالطبع أمرٌ يوميّ ثابتٌ يُعايشه المَرؤ ويُمكنّه من التعامل مع الوجود والقيام بنشاطاته بوصفِه كَينونة انسانية ” متواصلة”، بما يعنيه هذا بأنني أعي أني أنا اليوم هو “نفس” الشخص الذي كُنته بالأمس، مما يُشكل ضَمانة لهويتي الذاتية. على أنَّ مِثل هذا الادراك للنفس يمكن وصفه أيضا بالاعتماد على مسارات لا يمكن اختزالها إلى تجربة متفردة يعايشها الفرد من وعيّ بنفسه. ذالك أنه يمكن الادعاء بأن مثل هذا الادراك هو نِتاجٌ أو تَكوينٌ أكثرَ مِما هو مُعطى ماقبلي (a priori) غير قابل للاختزال. ويعتمد مثل هذا الادعاء على تبيان كيف يتم انتاج هذا النمط من الذاتية وكيف تقوم بوظيفتها.

وإذا ما تم للمرء اختيار فرضية مثل فرضية وجهة نظر النظرية الاجتماعية، فإن الادعاء سيكون عندها أن اتخاذ موقع الذاتّ المدركة لنفسها يعني أن عليه المُشاركة بنشاطات قيمة للمؤسسات الاجتماعية و \ أو المجتمع. وفي مثل هذه الحالة ستكون هوية الشخص نتاج وأثر لمسارات اجتماعية جارية. لقد تم دفع وجهة النظر هذه في ستينيات وسبعينيات القرن النصرم بتأثير ما قام به ألتوسير من اعادة صياغة النظريات الماركسية حول الايديولوجيا (1).

تُشكِل الايديولوجيا بالنسبة لألتوسير مُكونا ضُروريا لأيّ مجتمع. وتتألف من شبكة واسعة جدا من منظومات التَمثُل تزوّد الأفراد بالوسائِط التي من خِلالها قد يستطيعون إدراك وجودهم. وبما أن هذا يجري من خلال وضع الضوابط وإعداد المعاني الممكنة للوجود، فإن هذه الشبكة الضخمة من التمثلات، والتي يدعوها ألتوسير أيديولوجيا، ما هي الا ضوابط على الافكار والتجارب. ويدعي بأن هذه الضوابط هي مُكون ضروري حاسم للنظام والمؤسسة الاجتماعية ؛ فمن أجل الحفاظ على ديمومتها على مر الزمن، تحتاج المُجتمعات، على تعدد عامليها، حدا أدنى من “إدراك” عمومي متداول، مما يعني استمرار إنتاج هذه الامكانيات والضوابط على الافكار والتجارب على درجة من الكفاية، كجزء لا يتجزء في استمرار بقاء النظام الاجتماعي. يقود هذا المنظور بألتوسير إلى القول بأن مقولة الذاتّ هي دعامة ضرورية (وليست كافية) لقيام الايديولوجيا بوظيفتها.

 ولمثل هذا المفهوم، فيما إذا ما تم قُبوله، تَداعيات نَظرية ومنهجية على السيمياء، إذ أن نُظم رُؤاها وتَمثُلاتها مُشتبك ومتداخل مع العديد من مسارات المؤسسة الاجتماعية. لكننا سوف نركز هنا على مقولة الذات من ناحية بنيتها الهيكلية. منظورا إلينا من منظور “الوعيّ” فإنه يمكن القول بأننا “مُحاطون” مُنذ الولادة بخِطابات دّالة تُهيءُ لنا مَسارات تَفكيرنا وعَيشنا لتجاربنا. لكن ومن منظور آخر، فإن هذه الخطابات هي ما يُكون العامل الاجتماعي (**)(agent Social) الفردي بوصفه ذاتا إنسانية. وبالقدر الذي تفترض فيه الدلالة وجود مُرسلٍ اليه أو “مُستمع \ مُتلقي” فإنها بهذا القدر أيضا، تستهدف منْ تُقدِر أنه قَابِل لأن يُدرِك- شخصا ما. والفردُ الذي يكون هو المرسل اليه في مِثل هذه المسارات التخاطبية هو وعيّ متماسكٌ، إنه ذاتٌّ ما.

يَضُم ألتوسير آليات هذه الخطابات التي تُكلف وتنادي ما يُفترض أنه كينونة ما قبل ذاتية- وبالتالي فإنها في الحقيقة شُروط تمهيدية لتمام انتاج هذه الذاتّ- ويجمعها في مَفهومٍ واحدٍ هو الأستجواب (Interpellation). ويمكن تسمية الإجراء الذي يتم فيه مسائلة الوزير المكلف بالرد والذي يتبنى المسؤولية عن نشاط الحكومة من قبل عضو في البرلمان، بالاستجواب.

وفي استعارة لهذا المسار يقوم ألتوسير بالتنظير مُدعيا بأن كلَ شخص وبوصفه عاملا (social agent) إجتماعيا يقع بشكل دائم في دائرة الاستجواب المتواصل. والخطابات التي تقوم بالاستجوب لا تفعل فعلها بشكل مستقل ذاتيا بل هي مُدمجة داخل المؤسسات الاجتماعية المتعددة بدءً بالعقيدة الدينية (يُنادى الشخص للمحاسبة أمام سُلطة مطلقة الصلاحية) مرورا بالممارسات القضائية (ينادى الشخص لتحمل مسؤوليته عن أفكاره وأفعاله، بوصفه ذاتا خاضعة للقانون) وصولا إلى النشاطات اليومية والتشكيلات الاجتماعية.

إنه لمن المربك أن يركز ألتوسير على الايديولوجيا بوصفها مسارات تَمثُلٍ، وفي نفس الوقت يقوم بالتحدث عن ما يمكن تسميته “تأثير الذاتّ”، لهذا فإننا نَجِد من الضروريّ القيام بالحديث بتفصيل أوسع قليلا عن مركزية هذا التأثير على المُمارسات التخاطبية. ففي كُل مرةٍ “يستخدم” فيها الفردُ نظام دلالة، كاللغة الكلامية مثلاً، فإن هذا النظام يضم في دخيلته “مواقع” تؤكد وجود ذواتٍ لهذه الدلالة. ففي النظام الأساسي وذي الأفضلية، أي نظام اللغة الكلامية تتضمن الأمثلة على هذا الضمائرَ الشخصية وأزمنةَ الفِعل وهي نِسبية للزمن الحاضر كما هي نسبية للمُتكلم ولهذا فإنه [أي هذا الفرد المتكلم] يتخذ مَوقع ذاتٍ لغوية في الزمن. وتتموضع هذه الذاتُّ بالضرورة داخل الخطاب بوصفها مُرسِلٌ و\أو مُستوعِبٌ. ويمكن القول في هذا السياق بأنَّ ألتوسير يقوم بشد الأنتباه نحو الدّمج القائم لمستويات مختلفة: المُرسِل و\أو المُستوعِب للدلالة، القادر على الكلام والإدراك، مُدمجٌ بالذاتّ الاجتماعية، والمُنتدبُ من قِبل المُؤسسات الاجتماعية، والذي ” يختار” و”يتحمل المسؤولية” عن أعماله\ها وهو القادر في النهاية على القيام بسلوكيات مُعادية للمجتمع. وبما أن الايديولوجيا هي على نحو ما، بِيئةٌ تخاطبيةٌ تقومُ بتزويد وسائِطَ إدراكٍ للوجودِ الفعليّ فإن مَوضِع الفرد كذاتٍّ اجتماعية هو مَوضِعها كذاتٍّ ” داخل” الخِطاب (2).

منظورا اليها على هذا النحو فإن الذاتّ الانسانية هي إذا دالة-في-علاقة (function of) بالتشكيلة الاجتماعية التي تفترض وجودها وتقوم بتكوينها بالتالي تكوينا متواصلا من خلال الممارسة داخل المؤسسات أي من خلال الخِطاب، الذي وبدونه لا تقوم أية ممارسة اجتماعية ولا أية مؤسسات، وبوصفه مَقُولةً عامةً “للمُمارسة الحيَّة”. ومن خلال بِناء الذاتّ داخل الايديولوجيا- والتي هي في نهاية المَطاف البُنية الهيكلية لفهم الواقع فَهما يتلائم مع نظام اجتماعي مُحدد- تعمل البُنية الاجتماعية على استمرار استقرارها النسبيّ عبر الزمن( سواء كان الحديث عن حياة الفرد ام الاجيال القادمة).  وتشتبك ممارسة الذاتية متداخلة مع إعادة البُنية الاجتماعية إنتاجَ نفسها وكأنها هي هذا الوضوع “الطبيعي” للأمور. وبالطبع فإنَّ إنتاج وتصوير ما هو قائِم على أنَّه ” طبيعيّ” هو وظيفة الايديولوجيا.

تُلقي وجهة النظر هذه بتداعياتها المباشرة على نظرية الفيلم. وفيما إذا كانت الايديولوجيا موجودة في عالم من التَمثُلات التخاطبية، فيجب عندها بحث السينما- وهي القائمة كمنظومة تمثلات تخاطبية أو كجزء منها- بوصفها ايديولوجيا. وإذا ما كان الفعلُ التخاطبيّ غيرَ مُنفصلٍ عن إستجواب الفَرد كذاتٍّ، فإنَّ هذه النظرية السينمائية التي تُنظِر للسينما على أنها أيديولوجيا، مطالبةٌ ببحث الآليات التي يَتعرف المُشاهِد من خلالها على نفسه كذاتٍّ خلال مسار مُشاهدة الفيلم. وفي حقيقة الامر فإن طرح هذا السؤال من قِبل التحليل السينمائي تواصل خلال السبعينيات وإن لم يكن طرحه قد تم بنفس الشكل الذي تفترضه وجهة نظر الاستجواب الاجتماعي [بمفهومه لدى ألتوسير]. وبالأخذ بعين الاعتبار أهمية الجناح المُسيّس من بين باحثي السيمياء السينمائية كان من المتوقع أن يتم إعادة جوهرية لبحث السينما من منطلقات بنيوية، تتصل بتحليل السينما بوصفها أيديولوجيا: أي ببحث ما هي تلك المفاهيم والمعتقدات والاساطير والافكار ألخ، التي يُعاد تدويرها؟ لكن هؤلاء الباحثين كانوا منشغلين باهتمام اكبر بما قد تمت تسميته لاحقا” موقع الذاتّ” أو ” موضعة الذاتّ” في السينما: كيف تَسعى الاستراتيجيات السينمائية المُهيمنة إلى مَوضَّعِة المُشاهِد كذاتّ، وما هي السُبل المُمكِنة لمُواجهة مثل هذا التَموضُع؟ ولقد أثبت هذا التُوجه البَحثي أنه الاكثرَ صلابةً وإثمارا في نظرية الفيلم.

لكنه إذا ما تم بحثُ الفيلم من مَنظور الآليات التي يقدم من خلالها مَوقِعا أو مَواقِعا للمُشاهِد مُتعرفا فيها على نَفسه كذاتّ، فإن المرء سوف يواجِه عِندها نقصا مُحددا في نظرية الايديولوجيا. ذلك لأنَّ نظرية الايديولوجيا ليست تفسيرا يشرحُ الذاتية الانسانية بوصفها هذا، بل هي شَرحٌ حول إنتاج وتدوير وأَحكَام ما يُعتبر أنه مَعرفةٌ\ أو موقعٌ مُلائمٌ لتحصيل المَعرفة في التشكيلة الاجتماعية المحددة. وعليه فإن الموافقة مع إدعاء ألتوسير القائل بأنَ مقولة الذات هي مقولة ذاتُ أهمية خاصة في التشكيلة الاجتماعية، تبرز الحاجة إلى تفسير نظري للجاذبية الكامنة في وضعية “أن تكون ذاتاً” (Subjecthood). ما هي إذا المَنفعة التي تَحصُل عليها الكينونة الانسانية الفردية من تبنيها لهذا الموقع الذي تُحدده لها هذه المقولة ؟ إنَّ فِكرة الاستجواب ومُوضَّعة المُشاهِد تبدوان وكأنهما تفترضان وجودا مُسبقا لفرد رَاغب بالتعرف على نفسه بوصفه ذاتا. لهذا فإن فَهم هذه الرَغبة هو أمر ضروريّ من أجل التعامل مع هذه المُوضوعات في تحليل الفيلم.

وبوجود مِثل هذه الصِلة ما بين الايديولوجيا والرَغبة من جِانب والوضعية التَخاطُبية من جانبٍ آخر، فإن هذا الانجذابَ إلى، والسعيَّ وراء مَسارات الدلالة يَحتاج إلى بَحثٍ نَظريٍّ خَاصٍ بِه. مما يستدعي السعيَّ نحو تَفسيرٍ دَقيقٍ و مُفصلٍ للعلاقات القائمةِ ما بين النَص والمَعنى واللّذة ووضعية المُشاهَدة. ما هي هذه المَسارات التي من خلالها تُنادي أنماط تخاطبية معينة المُشاهِد مستميلة إياه بوصفِه ذاتاً؟ لم تستطع النظرية الاجتماعية منفردة الاجابة على هذا التساؤل. ولكن الطريقةّ التي سيُجيب فيها المرؤ على هذا التَساؤل سوف تُحدِد كيف سيتم تَحليل النصوص الفيلمية والتنظير السينمائي.

لقد تمت مواجهة هذه القضية من قبل سيمياء سينما سبعينيات القرن المنصرم من خلال معالجة الدلالة بمفاهيم تزودها نظريات محددة في التحليل النفسي. وفيما إذا اضفى المرؤ أية مصداقية على المغامرة النفس تحليلية عندها لن تكون هذه النقلة مستغربة. إذ أنه من الممكن النظر إلى التحليل النفسي الكلاسيكي بالضبط كتفسير يشرح رغبة الذاتّ بالهوية، بوضعية آمنة من الذاتية، ضد القوى التي تهددها. أن “اكتشاف” فرويد للاوعيّ غير منفصل عن تفسير الهوية الانسانية ككينونة تتأسس على الكبت وهو الشرط الضروري لتشكيل إدراك بالنفس.

يتم وفق فرويد وأتباعه تكوين الممارسة الأولية للهوية في مواجهة القلق الجذري والذي يُلخَص على أنه قلق الخِصاء. وتشتبك مسارات الرغبة والجنسانية والوهم متداخلة مع وعيّ بالنفس يتم إنتاجه في مواجهة ذالك القلق المُؤسِس وهو معه في جدل دائم. وفي النتيجة، فإن ممارسة الهوية مشروطة بخفية مع هذه المسارات الاساسية لل”أنا” المتكون من خلالها. إنَّ هذه النقطة لدى فرويد وأتباعه نقطة جوهرية: هنالك دائما إدراك زائف يُؤسِس ويرتبِط برَغبة الفرد في الحُصول على- والتَّعرف إلى- نفسه بوصفه فَردا رَاسخا وآمنا.

ولهذا فإن الاطروحة القائلة بأنَّ اللاوعي هو القاعدة التي يتأسس عليها وعيُّ النفس (“الأنا”) يمكن ان تستخدم كتفسير للرغبة العامة لدى الذاتّ في سعيها نحو موقع ذاتي آمن. ولهذا فإن مفاهيم النظرية النفس تحليلية الكلاسيكية يمكن أن تَجد لها مَكانة هَامة في التنظير حول الكيفية التي تتوجه فيها الأفلام إلى الذات الانسانية مستميلة إياها. بالإضافة إلى هذا فإن النظرية النفس تحليلية التي تم توظيفها مُؤخرا في السيمياء السينمائية غالبا ما كانت تحت تأثير أعمال لاكان. إن العِدة المفهومية الكُبرى في الاعمال الأكثر تأثيرا حول موضع الذاتّ في السينما تم تقديمها من خلال صياغات لاكان النظرية.

[…]

المصدر:  Narrative, Apparatus, Ideology . By Philip Rosen, 1986


مُلاحظات المُؤلف

(1) يُنظر في: “Marxism and Humanism,” in Louis Althusser, For Marx, trans. BenBrewster (New York: Pantheon Books, 1969)”Ideology and Ideological State Apparatuses (Notes Towards an Investigation),” in Louis Althusser, Lenin and Philosophy and Other Essays, (New York: Monthly Review Press, 1971).

(2) لم يتم التعبير عن الصلة ما بين الشكل الدلالي والمؤسسة الاجتماعية من خلال مفهوم الذاتّ من قِبل ألتوسير حصرا. لكن وبالحد الذي تُكون فيه مقولة الذاتّ مركزَ اهتمام نظرية الفيلم من وجهة النظر الاجتماعية-الثقافية، فإن مثل هذه القفزة تبدو ضرورية. للمزيد حول بُنى اللغة الكلامية وتأثيراتها على الذاتّ يمكن النظر في أعمال : Emile Benveniste.  في : Problems in General Linguistics, trans. Mary Elizabeth Meek (Coral Gables, FL: University of Miami Press, 1971).

خذ مثلا قوله في ص. 224 ” إنه في ومن خلال اللغة يستطيع المرؤ بناء نفسه بوصفها ذاتّا…”

ملاحظات المترجم

*خطاب (Discourse): يتم تداول المصطلح “خطاب” في الدراسات المعاصرة ليشير إلى معان مختلفة باختلاف حقول الدراسة الاكاديمية، وبمعناه الأعم يشير إلى أنماط الفِكر وحزمة المفردات اللغوية التي تميز المؤسسات، الحضارات والمِهن ( الحقوق، الطب، السينما، تقنيات التواصل ، الإذاعة، الأزياء، تذوق النبيذ …)، وأشكال التعبير الثقافية، بهدف تحديد حقول الدراسة وتميزها عن بعضها ومن أجل التعرف على اللغة المُستخدمة لدى المجموعات الاجتماعية المختلفة، أو في الاحوال الاجتماعية المختلفة (اللغة المستخدمة في الإدارة، أو تلك المستخدمة لدى العمال، أو خلال لقاءات العمل، الزواج أو المباريات الرياضية ). ويُستخدم المصطلح ” الممارسات الخطابية” و “التشكيلات الخطابية” في أعمال المفكر الفرنسي فوكو من أجل تحليل تعابير البيان اللغوي المختلفة والمرتبطة بالمؤسسات المختلفة وكيف تؤسس هذه المؤسسات من خلال خطابها هذا لنوع محدد من “الحقيقة” و”الواقع”، ويعكس الخطاب علاقات القوة والسيطرة يُعززها ويتعزز بها. وبهذا فإن استخدامه لدى فوكو يُشير نوعا ما إلى حالة من الاستقرار، بعكس ما يشير اليه مُستخدما في الفكر الماركسي كصراع حامل لتغير كامن.  

** العامل/ الفاعل الاجتماعيّ (Social agent) يشير المصطلح إلى الشخص (أو مجموعة الأشخاص) بوصفه قادرا على إتيان فعل انساني مؤثرا من خلاله على مجرى الاحداث التاريخية \الاجتماعية وتوجيهها بشكل فعال. وعليه فإن العامل الاجتماعي غير مُقيد نسبيا في تقرير مصيره وصياغة واقعه الاجتماعي. تعترف الماركسية بتأثير الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يحُد من مساعي الفرد كعامل اجتماعي، لتقدم وجهة نظر أكثرَ تعقيدا وتداخلا. “يصنع المرؤ تاريخه الخاص” يقول ماركس ” لكنه يقوم بهذا تحت شروط لا يستطيع أن يختارها هو بنفسه”. وعليه فإن الطبقة العاملة تبقى معدومة الفعل الاجتماعي اذا لم تستطيع الانتقال إلى حالة الفعل الاجتماعي باكتسابها وعيها الطبقي الخاص بها. أما من وجهة نظر فوكو (وما بعد البنيوية) فلا وجود لمثل هذه الفاعلية الاجتماعية فالذاتّ الانسانية مشتتة وواقعة بلا حول تحت تأثير علاقات قوة\وسيطرة، كلية القدرة، ولا وجود لذات قادرة على اتيان الفعل الاجتماعي.

ترجمة هشام روحانا ونشرت في موقع قديتا

صرخات و همسات سينمائية

criesandwhispers2

يذكر دانييل فرامبتون أن مكسيم جوركي شاهد عرضًا سينمائيًا صامتًا في عام 1896، وبعد تجربته قال: ” كل شيء هناك، الأرض والأشجار، والناس، والماء، والهواء مصبوغ بلون واحد هو الرمادي. إن الأشعة الرمادية تسقط من الشمس الرمادية عبر السماء الرمادية، لتصبح العيون رمادية، والوجوه رمادية، والأوراق والأشجار بلون رمادي شاحب. إنها ليست الحياة وإنما ظلها، إنها ليست الحركة وإنما طيفها الذي لا صوت له”. ربما استطاع جوركي بهذه الكلمات البسيطة أن يشرح التركيبة الأنطولوجية للسينما التي تحدث عنها الكثير مثل أندري بازين، وتحدثت باقتضاب عنها في مقالي السابق (السينما كفلسفة)، وعن كون السينما ليست مرتبطة بالتأويل الفلسفي ارتباطًا مباشرًا على الأقل؛ بل هي طريقة تساؤل فلسفي جديدة عن طريق تلك التراكيب المعقدة من الصور المتحركة ومؤثراتها.

في ذات المقال السابق، تحدثت عن علاقة السينما والفلسفة لكن ربما لم أذكر بشكل كافٍ التعقيدَ السينمائي في سينما اليوم، سينما ما بعد الكلاسيكية. فنحن في مرحلة متأرجحة بين سينما ما بعد الحداثة والكلاسيكيات المطورة، مرحلة فيها الصورة السينمائية تحمل ثقلًا تعبيريًا أكثر بكثير من سينما القرن العشرين. وبالرغم من ذلك التطور التاريخي للسينما لمراحل ما بعد الحداثة؛ إلا أن السينما الما بعد حداثية مازالت تواجه السؤال الفلسفي النقدي الأول والأكثر كلاسيكية فلسفيًا تجاه السينما؛ ألا وهو كهف أفلاطون. فالفيلسوف الفرنسي ألين باديو، يعتبر أننا اليوم نحن في كهف أفلاطون أكثر من أي وقتٍ مضى؛ نظرًا لتطور وتعقد النظام الصوري (Image System) في حياتنا اليومية.

ما يميز السينما الحديثة، هو أنها تعيد بناء مفاهيم عدة بشكل جديد وتعيد هدمها في ذات السياق، مفاهيم مثل الرائع والصادم، مثل السرد الزماني. ولهذا السبب؛ اخترت عنوان المقال بنفس عنوان فيلم بالنسبة لي يجسد الحالة الفوضوية من بناء وهدم المفاهيم هذه؛ ألا وهو فيلم إنجمار بيرغمان صرخات وهمسات (Cries and Whispers) حيث يعتبر الفيلم تجسيدًا لبداية ما بعد الحداثة السينمائية في السينما الأوروبية غير الفرنسية، إذا ما اعتبرنا أن ما بعد الحداثة السينمائية هي وليدة محاولات الموجة الفرنسية في الستينيات.

الرائع و المروّع السينمائي وأدورنو

إن الفيلم الرائع هو ذاته الفيلم المروّع، ولكنها مسألة أبعاد إستطيقية ومسألةِ كشفية عن الواقع. فلطالما كان الفيلسوف الفرانكفورتي ثيودور أدورنو معجبًا بتعريف إيمانويل كانت لمفهوم الرائع قائلًا: “إن (كانت) كان عميقًا جدًا حينما عرّف الرائع بمقاومة الفكر لكل قوة خارقة للبشر”. فأفلام مثل أفلام بازوليني وستانلي كيوبريك وديفيد كرونينبرج تستخدم الصدمة كوسيلة مختلفة لاستيعاب الفيلم؛ حيث هذه الصدمة تعبر عما يسميه نيتشه “التبرير الإستطيقي للصيرورة”، أي إن هذا الحس الجمالي يتكشّف العالم بوصفه صيرورة خالدة. فالفن التراجيدي الصادم بريء من التأثيم الأخلاقي؛ لأنه ينبع من ذات الوجود المُعاش، بصفته تعبيرًا عن صيرورته.

لنأخذ كمثال أفلام بازوليني التي تبرر فظاعاتها بأنها تعبر عن خطورة الفاشية حين وصولها للسلطة السياسية، والسلطة هنا هي القوة الخارقة التي أوردها إيمانويل كانت في تعريفه السابق للرائع، هذه الفظاعة بحسب أدورنو هي سمة أساسية من سمات الفن الحديث؛ حيث أعلن في كتابه النظرية الإستطيقية أن القبح هو سمة الفن الحديث وأضاف: “إنّ ماهو قبيح في عين مجتمع ما إنما يكشف عن قيم جمالية كبرى”. فما هو الجميل المكشوف في أفلام بازوليني مثلًا؟ إنه الحرية.

علّق بازوليني على أحد أفلامه الصادمة قائلًا: “لا أظننا سنكون قادرين يومًا على العيش بحرية في أي شكل من أشكال المجتمعات بعد الآن”، ويقصد أن تسلط القوة السياسية في الدول الحديثة في أشكالها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تستهلك خطابات الأمل بحرية قادمة من أجل شعارات انتخابية أو ترويجية.

بالطبع أدورنو ينطلق من مفاهيم نقدية تجاه سيطرة الرأسمالية على “التربية الجمالية” في المجتمع كما يسميها أدورنو، وفي ذات الوقت فإن دور الإستطيقا أن تكتشف وتستعيد دورها بنفسها عن طريق ما أسمته أستاذة الفلسفة أم الزين بن شيخة الإنخراط في تناقضات الفعلية للمجتمع: “إنما على الإستطيقا أن تنخرط رأسًا ضمن التناقضات الفعلية المحايثة لمجتمعٍ آل فيه العقل إلى أداة هيمنة، والإنسان إلى فرد مشوّه متشيئ متشظٍّ، و الفن إلى بضاعة مبتذلة”. نعم، إن الصادم السينمائي ليس مثل الرائع من ناحية جمالية، ولكنه مثل الرائع السينمائي في كونه يعكس ماهو مخفيّ اليوم في ظل الأنظمة الاجتماعية القائمة من جماليات.

أيضًا، يكمل أدورنو قائلًا: “ينبغي على الفن أن يأخذ في حسبانه ما يشار إليه بوصفه قبيحًا، ليس أبدًا من أجل إدماجه أو تلطيفه أو التصالح معه؛ بل من أجل أن يفضح القبيح ذاته العالم الذي صنعه وأدى إلى حدوثه”. فلا ينفصل مفهوم الروعة إذن حسب أدورنو عن مفهوم تشيؤ الفن وتحوله لسلعة مستهلكة في المجتمعات الرأسمالية حتى في أكثر حالة الفن جماليةً؛ لذا على ذات الفن أن يضمّن القبيح له إذا ما أراد أن يتحرر مما سبق ذكره من قيم فنية مستهلكة ومعايير تجارية، صنعتها أفكار السوق لا الناس. ونستطيع أن نلخص أفكار أفلام بازوليني الصادمة في جملة أدورنو التي يقول فيها: “إن وراء إستطيقا القبح نقدًا للهيمنة”.

وبالمجمل، علاقة مفهوم الفني بالقبيح هي قديمة قدم النظرة الجمالية ذاتها وبلغت ذروتها ربما مع نيتشه، وأصبحت نظرية تتعلق بالاغتراب مع النظريات الماركسية والنقدية. هذه العلاقة تجسدت بقوة مع قدوم السينما؛ بسبب قدرة السينما الفائقة على إيصال الصدمة، بسبب وسائلها البصرية والسمعية وتأثيراتها.

في الإدراك السينمائي والواقع

لطالما اعتبرت وصف فيلم ما بأنه “واقعي”، هو وصف غير منطقي فليس هناك فيلم واقعي؛ لأننا لا نرى الفيلم مطابقًا للواقع أبدًا. في النهاية لو كانت الصورة ملتقطة بشكل جيد ومعروضة بشكل جيد ونحن على مسافة مناسبة من الصورة السينمائية سيعطينا “انطباع” كما لو أننا ننظر من لوح زجاجي، هكذا وضع هذه الجملة عالم النفس هوجو مونتربيرج واصفًا شبهة الانطباع السينمائي وخداعه للمشاهد. فما يشاهده الفرد منا أثناء مشاهدته للفيلم أشبه ما يكون بالوهم الحميد، إنه إعادة إنتاج للواقع بشكله السينمائي بكينونته الجديدة المتخيلة التي لا علاقة لها بكل ما نعرفه عن واقعنا المحسوس، وإنما هي تتماهى معه فقط. يتفق على هذا التفسير أكثر مدرستين ناقشتا موضوع الإدراك السينمائي، وهما مدرسة النظرية المعرفية التي تضع تفسيرًا مثاليًا بنيويًا لإدراك المشاهد، ومدرسة الفينومينولوجيا والتي تقول بأصلية معاني وجمالية أفكار السينما.

فالنظرية المعرفية تعتبر التجربة السينمائية مختلفة عن تجربتنا العادية وإن اعتمدت عليها، ولكن هذا لا يعني أننا نعاملها كنسخة من عالمنا. يقسم الفيلسوف السينمائي الأمريكي نويل كارول التجربة السينمائية لثلاث نظريات: الإيهام والتظاهر والفكر.

وهذه النظريات الثلاث معنية بكيفية استجابة المشاهد للعالم المتخيَّل، وكيف يتماهى المشاهد مع الحدث غير الحقيقي في الفيلم ويتعاطف معه كما لو كان حقيقيًا. فالإيهامية تقول بأن المشاهِد يُخدع بما يشاهده، فالصورة السينمائية ليست إشارة للشيء؛ بل لشبيه منه أو نظير، ليستمتع المشاهد بالمنظر كما لو كان هذا الشيء حقيقيًا رغم أنه وهم حميد كما أسلفت.

أما التظاهر، فهي تقول بأن التجربة السينمائية ماهي إلا استجابة عاطفية لعالم متخيل بما يتناسب مع تجاربنا العاطفية الحقيقية، ولكن هذه العاطفة ليست شرطًا حقيقيًا فهي من صنع معتقداتنا. ففي فيلم رعب ما نحن لا نخاف؛ بل نظن أننا نخاف، وهنا سر تسمية التظاهر. أخيرًا، نظرية الفكر، فهي تقول بفصل الفكر والإيمان وأن المشاهد يتحرك عاطفيًا بواسطة عامل التسلية دون الحاجة للاعتقاد بصدقها، فإننا نريد من الفيلم المرعب أن يرعبنا ومن الكوميدي أن يضحكنا، وهكذا.

أما فينومينولوجيًا، يعتبر آلان كاسبييه في كتابه “السينما والفينومينولوجيا” أن السينما تُبقي الأشخاص والرموز في موضع يمكن التعرف عليها، بشكل مستقل عن عملياتنا الذهنية، فليس هناك قصة أو حدث متخيل لكن يوجد الفيلم ذاته. ومن أبرز من كتب في الفينومينولوجيا هو الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي. الذي كتب ورقة عن الإدراك السينمائي في مارس عام 1945 بعنوان “الفيلم لا يفكّر به بل يُدرك”.

ناقش بونتي في الورقة شيئًا مقاربًا لما قاله كاسبييه بأن فهم السرد هو أمر حدسي على نحو إدراكي، وأن الإدراك السينمائي لا يعتمد على الحواس؛ بل هو إدراك بين-حسّي “intersensoriality”.  وتحدث عن الفروقات بين الإدراك العادي والإدراك السينمائي ولخصها في ثلاث نقاط.

أولًا: أن الإدراك العادي مفتوح وليس بمحدود بإطار الشاشة السينمائية التي تجعل من الإدراك السينمائي أكثر إغلاقًا وتركيزًا في الشيء؛ وبالتالي عندما أشاهد الفيلم لم أعد أنتمي للعالم اللا محدود وانتقلت لأنتمي لعالم ضيق تشكله عوامل الزاوية في التصوير والإضاءة أو كما يعبر عنها بونتي “إنها إيقاف للحياة كلها عن المشهد”.

ثانيًا: القطيعة الذاتية مع السينما وعدم الارتهان بها. فأنا أشاركها في هذ العالم من خلال وجودي الجسدي فيه، وكل ما أقوم به خارج الأنا الخاصة بي ليصبح هناك الأنا والجسد والوسط، ليتماهى ويتطابق جسدي مع الوسط ليستقبل المؤثرات الخارجية فيصبحون واحدًا. أما في السينما، فليس كل عنصر ملقى به على شاشة السينما موضوعًا على حسب تفسير المشاهد الشخصي للعالم، وعندما يحصل الانفعال من قِبل المشاهد أثناء رؤية فيلم ما، فهو يحدث لوجود وسط مشترك يتماهى المشاهد معه.

ثالثًا: ما يسميه بونتي بـ “المتحرك “، وهو تكوّر الجسد على ذاته، والذي يعبر عن اهتزاز العلاقة بين الأنا والعالم، والذي يغيب عن الإدراك السينمائي؛ حيث إن القالب السينمائي أكثر كمالًا من الواقع فهو لا يعرف اهتزاز حقيقة كونه في العالم وحقيقة أنه جزء منه؛ وبالتالي يصبح الإدراك السينمائي النسخة المثالية من الإدراك العادي الخالية من أنواع القلق الوجودي. فمثلًا المشاهد السينمائي هو حاس ومدرِك ولكن غير محسوس غير مدرَك. إذن هذه العقدة التي تربط الذات بالعالم قد قطعت، وأصبح من الممكن في الإدراك السينمائي أن أكون حاسًا محضًا غير مهدد بالاستيلاء علي. فعلاقتي مع الفيلم أحادية، وهذا ما يقصده بالتكوّر على الذات وانعدام وجوده سينمائيًا، علاقة الذات أو الجسد مع نفسها أو تكورها على نفسها عن طريق إدراكها للآخر وإدراك الآخر لها.

عن البناء السردي والأفلام ما بعد الحداثية

منذ نشأة أفلام ما بعد الحداثة مع الموجة الفرنسية الجديدة خاصة مع جان لوك غودار المتسمة بالغموض والمستندة على البناء الملحمي، أي بمعنى لقطات ذات طابع سردي لكنها ضعيفة الترابط، والتي أثارت لغطًا واسعًا حول محتواها الفني وتأويلها وكيفية فهم تراكيبها وبنائها السردي. فالسينما الما بعد حداثية تعتمد على فكرة التغريب “Estrangement”، وهي فكرة إظهار المألوف بشكل غريب، أيًا كان هذا المألوف؛ ولهذا ليس من السهل تقبّل هذا النوع من الأفلام. فغودار مثلًا كان يعتمد على القطع الحاد بين اللقطات، حيث يوجِد قفزات بين الأحداث، وذلك يعطي انطباعًا بوجود مونتاج قاسٍ غير معتاد بالنسبة للعقل المشاهد؛ ولذلك ارتبط مفهوم ما بعد الحداثة بتدمير الأنماط السردية المألوفة، و أنها تطرح عالمًا أناركيًا ضد سلطة التقليد السردي وضوابطه ومعاييره وهذا ما يعتقده ديفيد لودج بخصوص البناء السردي لما بعد الحداثة عمومًا: “بدلًا من الطريقة الرمزية للترتيب وإعطاء التاريخ شكلاً ودلالة، هناك أيضًا تأكيد بأنه لا يوجد نظام ولا شكل ولا دلالة في أي مكان”.

فتم ترك الأساليب التقليدية في السرد والملتزمة بالانتقال من خلال نقاط زمنية متتالية، التي بحسب الما بعد حداثيين تعطي المشاهد وضوحًا كاملًا عن حركية الأحداث ومآلاتها، لكنها لا تعبر عن رؤى المخرجين الشخصية، ولا تعطي المشاهد حس المعايشة للأحداث في الفيلم، فليس الفيلم معنيًا بالأحداث فقط. و يبرر الما بعد حداثيين هذا الانتقال بنظرية “الهوّة” أو البعد بين السرد والواقع، منطلقين من فلسفات هرمينوطيقية معقدة، يلخصها الفيلسوف بول ريكور بالقول: “إن القصص تروى والحياة تُعاش، ويبدو بينهما هوّة لا تُردم، تفصل بين القصّ كفعل والحياة”.

وفي سبيل ذلك كله، أصبح الما بعد حداثيين يستخدمون نمطًا جديدًا في البناء السردي، وهو البعد الزماني-المكاني، فلا هو يعتمد على الزمان فقط ولا يرتبط بالمفهوم المكاني؛ بل كلاهما معًا في ذات الآن.

هذا النمط يتيح مشاركة المشاهد بشكل إيجابي وبشكل أكبر في عملية إدراك واستيعاب النص وإنتاج معنى خاص به بشكل أكثر حرية من التقييد الزمني. وعملية الإنتاج هذه هي العملية الأهم عند المشاهد؛ فالسرد الما بعد حداثي معنيّ بالمقاربة لأحداث الواقع اليومي بشكل عام، وبمقاربة الفجوات الحاصلة بين الأحداث والأفكار والمشاعر لشخصيات الفيلم بشكل خاص.

نشر في صحيفة التقرير الإلكترونية