مقالات

جاك رانسيير وسياسات الإستطيقا

le-philosophe-jacques-ranciere-la-parole-n-est-pas-plus-morale-que-les-images,M15992

 

 

لم يلقَ الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير إهتماما من المترجمين العرب بالرغم من انتشار ترجماته بالإنجليزية مؤخرًا، رغم من كتاباته حديثة ومستمرة حتى الآن و ظهوره الإعلامي غير القليل. فرانسيير يمثل حالة من الفرادة الفلسفية في وقتنا الحاضر بصفته يطرح أفكارًا جديدة في الفكر الراديكالي المعاصر الذي يتقدمه فلاسفة مثل سلافوي جيجيك، ألين باديو، جورجيو، أغامبين، رانسيير، أنطونيو نيجري و غيرهم. فيصف الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك مثلا كتابات جاك رانسيير بأنها ” تتيح تصورات ثابتة عن كيفية المقاومة ” و بالفعل هو يقدّم نموذجًا ناقدًا لماركسية جيله، و ناقدًا لسرديات الحداثة و مقدمًا لصورته الخاصة لما بعد الحداثة ناقدا من خلالها لما بعد الحداثيين.

جاك رانسيير كان تلميذاً للفيلسوف الفرنسي الكبير لويس ألتوسير وتأثر به تأثرًا شديدًا، و كتب معاه كتاب ذو أهمية كبيرة حينها ألا وهو ” قراءة رأس المال ” بالإضافة إلى أسماء معروفة مثل اليساري الفرنسي إيتيان باليبار. وأثناء ثورة الطلاب في مايو عام 1968 اختلف جاك مع ألتوسير اختلافًا تسبب في افتراقهما زاعمًا أن موقف ألتوسير التنظيري لم يسمح بإنتفاضة شعبية عفوية آنذاك، يذكر أن ألتوسير أثار لغطًا كبيرًا حين تغير موقفه من أحداث عام 68 ووصفه للطلاب الثائرين ” بالمتأثرين باليسار الطفولي”.

إنشغل رانسيير بمجالي السياسة والاستطيقا والعلاقة بينهما بشكل مختلف عن الطرح السابق لهذه العلاقة، أطروحات مثل أطروحات أدورنو و قبله والتر بينيامين الذي كان سبّاقًا في الربط بينهما خاصةً في نظريته المعنية بالأبعاد الإستطيقية في السياسة aestheticization of politics والذي بحث من خلالها في تركيبة الأنظمة الفاشية.

أيضا اهتم بنقد باراديغم الحداثة والعودة للفلسفة السياسية بوصفها تقدم هجينًا غير متجانسًا لأفكار شتى لا تتسق مع بعضها البعض، ليقدم طرحًا ما بعد ماركسي خاص به انتقد فيه الماركسية التاريخية و كل الفلسفات المعنية بمعاني التاريخ التي تتنبأ بتاريخ الشعوب بحجة أن هناك حاجة لإختراع هذه الشعوب المتجانسة أساسا قبل التنبأ بها حسب رانسيير.

 

مفاهيم السياسة في فكر رانسيير

يجدر بنا بداية تعريف السياسة بمفهوم رانسيير فمفهوم السياسي ليس مختصا بالسلطة و الصراع عليها، فهو لا يرى أن السلطة مرتبطة عضويا بالسياسة وليس كافيا وجود السلطة ليوجد مفهوم السياسي.

فهو يقسم مفهوم السياسة إلى مفهومين هما التدبير (Police) و هنا تعني نوع من أنواع النظام وليس الشرطة كما تُترجم حرفيا، وقد ترجمها الكاتب التونسي مصطفى حداد لهذا المصطلح وأرى أنها ترجمة تعطي المعنى الحقيقي المرادف للكلمة الأصلية بالفرنسية. ذكر رانسيير هذا التصنيف في مقالته ” النظرية و الحدث ” حيث قدم فيها 10 أطروحات عن السياسة ومفاهيمها.

و التدبير هو مجال يشمل المؤسسات الحاكمة والسلطات وممارساتها ومفاهيم الحوكمة الخاصة بفوكو حيث هي تعبر عن تشكيل إجتماعي بشكل عام و تشريع للسلطة. و المفهوم الآخر هو مفهوم السياسة حيث هي مجال للفعل التدبيري ذاته ومتعلقة بما نقوله ونراه وبالطريقة الكفيلة لقول ما نراه. حيث السياسة هي مجال تنازع التدبير وإدعاء المساواة بين الناس، وهنا التناقض المميز لدى رانسيير حيث السياسة وظيفتها كشف زيف إدعاء التدبير بأنه يساوي بين أفراد المجتمع رغم هيكلته التراتبية عادة من خلال إعطاء هذا المجال لتنازع التدبير.

هنا يجدر بنا الإشارة للحس النقدي لدى رانسيير تجاه مفاهيم التدبير من حيث هي ناتجة عن نقوداته التي تحث على الخروج من براديغم الحداثة بوصفها أداة للسلطة للتدجين والتسلط وسلب مفاهيم المساواة بين البشر وخلق تصادم دائم بين أفراد المجتمع، هذا الخروج من الحداثة هو ربما الإطار الرئيسي لمشروع فيلسوفنا. ففي مفهومه للسياسة الذي كما قلت آنفا بأنه هو مجال للمساواة بين أفراد المجتمع ونقد التدبير، يقترح جاك رانسيير مفهوم الفلانية حيث المجتمع مجموعة فلانيات أي ” جماعة من المتساوين ” لا علاقة لها بأي هوية سابقة. وهذا المجتمع إنما يشترك على ما يطلق عليه رانسيير بالمحسوس Sensible والسياسة هي أول الإحتماليات للإشتراك في هذا المحسوس والعمل من خلاله.

والحداثة تحبس هذا المحسوس وتحتكر ميدان الإحساس في مساحات ضيقة قائمة غالبا على الهيمنة ، فيعلق على هذا في كتابه مصير الصور قائلا : ” قد انتهى بأن أُغرق العالم داخل ضرب من الدراما المرضية التي تخلط بين رائع كانت وعقدة أوديب لفرويد وتحريم التمثيل بالمحرقة اليهودية والمشهد البدائي بأفول الآلهة عن سماء المحدثين”.

هذا النموذج التحرري يسميه رانسيير بـ الإشتراك بالمحسوس Distribution of the sensible الذي يقترح نمطا من التعايش تتبرأ فيه المجتمعات من تراث الحداثة الذي يجمع متناقضات كفيلة باستطالة المعاناة البشرية.

 

الإشتراك بالمحسوس

في نظرية الإشتراك بالمحسوس هناك علاقة ارتباط بين ما هو سياسي وما هو إستطيقي، والإستطيقا هنا ليست عبارة عن مجموعة ممارسات فنية وليست أيضا النظرية العامة التي تحكم هذه الممارسات. لكن من أجل فهم العلاقة بين الإستطيقا و السياسة، يحيلنا رانسيير لمفهوم الإستطيقا عند إيمانويل كانت في كتابه نقد العقل المحض. حيث الإستطيقا هي نمط من أنماط الوجود أو كما يضعها كانت ” نظام الصيغ الإستباقية التي يحدد ما يقدم ذاته كحس المشترك “. فرانسيير يقول بأن العلاقة بين الإستطيقا والسياسة هي علاقة مقارَنَة لعلاقة تلك الصيغ الإستباقية بالحس المشترك لدى كانت. فكما تحدد الصيغ الإستباقية هذه شكل وحدود وهيئة التجربة البشرية و صوغ حالتها الشكلية عادة، فإن الإستطيقا تأتي على هيئة شكل هيكلي بنائي يقوم بترسيم حدود العالم الذي نشتركه في حياتنا اليومية وتقسم المساحات التي ممكن يحتلها حس شخص ما بناءً على أنظمة إستطيقية aesthetic systems معينة. لكن السياسة ليست قابلة للتجزيئ طبقا لهذا الشكل الهيكلي للمحسوس الآنف ذكره ولكنها ما زالت محكومة بالإستطيقا.

إذن الموضوع ليس معنيا باستخدام الإستطيقا من أجل جعل السياسة تصبح ذات توزيع عادل للمحسوس. بل إن الاشتراك بالمحسوس كما تصفه أم الزين بن شيخة بأنه يقود إلى البحث عن التمفصلات التي تخترق الفضاءات المشتركة بين السياسي و الاستطيقي و ” تشكيل نمط خاص من الجماعة “.

يسوق رانسيير أمثلة على مجالات تستطيع طرح نماذج لتوزيع المحسوس مثل الفن والأدب، حيث هذه المجالات تقوم بإعادة توزيع المحسوس من خلال تدمير بنى التراتبية الإجتماعية و السلم الإجتماعي وتمدّ عامة الناس بمجال للتساوي فيما بينهم. فهناك قيمة جوهرانية لهذين المجالين بإمكانهما كسر جميع الحواجز التي تصنعها برديغمات الحداثة في حياتنا، وكلاهما كمجالين فنيين قادران على خلق مساحة متخيلة خارج المنظومات السياسية القائمة وخارج الأجهزة التدبيرية القائمة على الهيمنة والسيطرة. ايضا بمقدرة أنواع الفنون هذه ابتكار مفهوم آخر للحرية خارج النصوص المؤسسية للأنظمة السياسية وخارج مفاهيم القانون. أخيرًا يعطي الفن رمزية symbolism خاصة لمفاهيم المساوة والحرية والعدالة بين أفراد المجتمع.

 

إن القارئ لرانسيير في الوهلة الأولى يظنه طوباويًا يعيش في عالمٍ آخر، حسنٌ ربما هو كذلك. فهو يقدم مشروع نقدي راديكالي ضد الحداثة وضد مفاهيم كبرى في المجالات العامة والسياسية منها خاصة. لكن من أجل فهم رانسيير بشكل واقعي، علينا أن نعيد النظر في استخدامه المتكرر لنظريات سابقيه في نقد الحداثة وإن كان ينقدهم هو ذاته مثل دولوز وهابرمس وفوكو ودريدا. فهو ينطلق من مرحلة يدمر فيها أغلب المتعارف عليه والبديهي عند القارئ، ومن يتساءل كيف استطاع أن يجمع نظريات الفن والأدب بالسياسة علينا تذكيره بأن الفصل بين النظرية والممارسة العملية قد انتهى في الفلسفة الحديثة منذ ماركس ومنذ ارتباط النظرية بالعمل الثوري.

نشر في موقع حكمة الثقافي

Advertisements

صرخات و همسات سينمائية

criesandwhispers2

يذكر دانييل فرامبتون أن مكسيم جوركي شاهد عرضًا سينمائيًا صامتًا في عام 1896، وبعد تجربته قال: ” كل شيء هناك، الأرض والأشجار، والناس، والماء، والهواء مصبوغ بلون واحد هو الرمادي. إن الأشعة الرمادية تسقط من الشمس الرمادية عبر السماء الرمادية، لتصبح العيون رمادية، والوجوه رمادية، والأوراق والأشجار بلون رمادي شاحب. إنها ليست الحياة وإنما ظلها، إنها ليست الحركة وإنما طيفها الذي لا صوت له”. ربما استطاع جوركي بهذه الكلمات البسيطة أن يشرح التركيبة الأنطولوجية للسينما التي تحدث عنها الكثير مثل أندري بازين، وتحدثت باقتضاب عنها في مقالي السابق (السينما كفلسفة)، وعن كون السينما ليست مرتبطة بالتأويل الفلسفي ارتباطًا مباشرًا على الأقل؛ بل هي طريقة تساؤل فلسفي جديدة عن طريق تلك التراكيب المعقدة من الصور المتحركة ومؤثراتها.

في ذات المقال السابق، تحدثت عن علاقة السينما والفلسفة لكن ربما لم أذكر بشكل كافٍ التعقيدَ السينمائي في سينما اليوم، سينما ما بعد الكلاسيكية. فنحن في مرحلة متأرجحة بين سينما ما بعد الحداثة والكلاسيكيات المطورة، مرحلة فيها الصورة السينمائية تحمل ثقلًا تعبيريًا أكثر بكثير من سينما القرن العشرين. وبالرغم من ذلك التطور التاريخي للسينما لمراحل ما بعد الحداثة؛ إلا أن السينما الما بعد حداثية مازالت تواجه السؤال الفلسفي النقدي الأول والأكثر كلاسيكية فلسفيًا تجاه السينما؛ ألا وهو كهف أفلاطون. فالفيلسوف الفرنسي ألين باديو، يعتبر أننا اليوم نحن في كهف أفلاطون أكثر من أي وقتٍ مضى؛ نظرًا لتطور وتعقد النظام الصوري (Image System) في حياتنا اليومية.

ما يميز السينما الحديثة، هو أنها تعيد بناء مفاهيم عدة بشكل جديد وتعيد هدمها في ذات السياق، مفاهيم مثل الرائع والصادم، مثل السرد الزماني. ولهذا السبب؛ اخترت عنوان المقال بنفس عنوان فيلم بالنسبة لي يجسد الحالة الفوضوية من بناء وهدم المفاهيم هذه؛ ألا وهو فيلم إنجمار بيرغمان صرخات وهمسات (Cries and Whispers) حيث يعتبر الفيلم تجسيدًا لبداية ما بعد الحداثة السينمائية في السينما الأوروبية غير الفرنسية، إذا ما اعتبرنا أن ما بعد الحداثة السينمائية هي وليدة محاولات الموجة الفرنسية في الستينيات.

الرائع و المروّع السينمائي وأدورنو

إن الفيلم الرائع هو ذاته الفيلم المروّع، ولكنها مسألة أبعاد إستطيقية ومسألةِ كشفية عن الواقع. فلطالما كان الفيلسوف الفرانكفورتي ثيودور أدورنو معجبًا بتعريف إيمانويل كانت لمفهوم الرائع قائلًا: “إن (كانت) كان عميقًا جدًا حينما عرّف الرائع بمقاومة الفكر لكل قوة خارقة للبشر”. فأفلام مثل أفلام بازوليني وستانلي كيوبريك وديفيد كرونينبرج تستخدم الصدمة كوسيلة مختلفة لاستيعاب الفيلم؛ حيث هذه الصدمة تعبر عما يسميه نيتشه “التبرير الإستطيقي للصيرورة”، أي إن هذا الحس الجمالي يتكشّف العالم بوصفه صيرورة خالدة. فالفن التراجيدي الصادم بريء من التأثيم الأخلاقي؛ لأنه ينبع من ذات الوجود المُعاش، بصفته تعبيرًا عن صيرورته.

لنأخذ كمثال أفلام بازوليني التي تبرر فظاعاتها بأنها تعبر عن خطورة الفاشية حين وصولها للسلطة السياسية، والسلطة هنا هي القوة الخارقة التي أوردها إيمانويل كانت في تعريفه السابق للرائع، هذه الفظاعة بحسب أدورنو هي سمة أساسية من سمات الفن الحديث؛ حيث أعلن في كتابه النظرية الإستطيقية أن القبح هو سمة الفن الحديث وأضاف: “إنّ ماهو قبيح في عين مجتمع ما إنما يكشف عن قيم جمالية كبرى”. فما هو الجميل المكشوف في أفلام بازوليني مثلًا؟ إنه الحرية.

علّق بازوليني على أحد أفلامه الصادمة قائلًا: “لا أظننا سنكون قادرين يومًا على العيش بحرية في أي شكل من أشكال المجتمعات بعد الآن”، ويقصد أن تسلط القوة السياسية في الدول الحديثة في أشكالها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تستهلك خطابات الأمل بحرية قادمة من أجل شعارات انتخابية أو ترويجية.

بالطبع أدورنو ينطلق من مفاهيم نقدية تجاه سيطرة الرأسمالية على “التربية الجمالية” في المجتمع كما يسميها أدورنو، وفي ذات الوقت فإن دور الإستطيقا أن تكتشف وتستعيد دورها بنفسها عن طريق ما أسمته أستاذة الفلسفة أم الزين بن شيخة الإنخراط في تناقضات الفعلية للمجتمع: “إنما على الإستطيقا أن تنخرط رأسًا ضمن التناقضات الفعلية المحايثة لمجتمعٍ آل فيه العقل إلى أداة هيمنة، والإنسان إلى فرد مشوّه متشيئ متشظٍّ، و الفن إلى بضاعة مبتذلة”. نعم، إن الصادم السينمائي ليس مثل الرائع من ناحية جمالية، ولكنه مثل الرائع السينمائي في كونه يعكس ماهو مخفيّ اليوم في ظل الأنظمة الاجتماعية القائمة من جماليات.

أيضًا، يكمل أدورنو قائلًا: “ينبغي على الفن أن يأخذ في حسبانه ما يشار إليه بوصفه قبيحًا، ليس أبدًا من أجل إدماجه أو تلطيفه أو التصالح معه؛ بل من أجل أن يفضح القبيح ذاته العالم الذي صنعه وأدى إلى حدوثه”. فلا ينفصل مفهوم الروعة إذن حسب أدورنو عن مفهوم تشيؤ الفن وتحوله لسلعة مستهلكة في المجتمعات الرأسمالية حتى في أكثر حالة الفن جماليةً؛ لذا على ذات الفن أن يضمّن القبيح له إذا ما أراد أن يتحرر مما سبق ذكره من قيم فنية مستهلكة ومعايير تجارية، صنعتها أفكار السوق لا الناس. ونستطيع أن نلخص أفكار أفلام بازوليني الصادمة في جملة أدورنو التي يقول فيها: “إن وراء إستطيقا القبح نقدًا للهيمنة”.

وبالمجمل، علاقة مفهوم الفني بالقبيح هي قديمة قدم النظرة الجمالية ذاتها وبلغت ذروتها ربما مع نيتشه، وأصبحت نظرية تتعلق بالاغتراب مع النظريات الماركسية والنقدية. هذه العلاقة تجسدت بقوة مع قدوم السينما؛ بسبب قدرة السينما الفائقة على إيصال الصدمة، بسبب وسائلها البصرية والسمعية وتأثيراتها.

في الإدراك السينمائي والواقع

لطالما اعتبرت وصف فيلم ما بأنه “واقعي”، هو وصف غير منطقي فليس هناك فيلم واقعي؛ لأننا لا نرى الفيلم مطابقًا للواقع أبدًا. في النهاية لو كانت الصورة ملتقطة بشكل جيد ومعروضة بشكل جيد ونحن على مسافة مناسبة من الصورة السينمائية سيعطينا “انطباع” كما لو أننا ننظر من لوح زجاجي، هكذا وضع هذه الجملة عالم النفس هوجو مونتربيرج واصفًا شبهة الانطباع السينمائي وخداعه للمشاهد. فما يشاهده الفرد منا أثناء مشاهدته للفيلم أشبه ما يكون بالوهم الحميد، إنه إعادة إنتاج للواقع بشكله السينمائي بكينونته الجديدة المتخيلة التي لا علاقة لها بكل ما نعرفه عن واقعنا المحسوس، وإنما هي تتماهى معه فقط. يتفق على هذا التفسير أكثر مدرستين ناقشتا موضوع الإدراك السينمائي، وهما مدرسة النظرية المعرفية التي تضع تفسيرًا مثاليًا بنيويًا لإدراك المشاهد، ومدرسة الفينومينولوجيا والتي تقول بأصلية معاني وجمالية أفكار السينما.

فالنظرية المعرفية تعتبر التجربة السينمائية مختلفة عن تجربتنا العادية وإن اعتمدت عليها، ولكن هذا لا يعني أننا نعاملها كنسخة من عالمنا. يقسم الفيلسوف السينمائي الأمريكي نويل كارول التجربة السينمائية لثلاث نظريات: الإيهام والتظاهر والفكر.

وهذه النظريات الثلاث معنية بكيفية استجابة المشاهد للعالم المتخيَّل، وكيف يتماهى المشاهد مع الحدث غير الحقيقي في الفيلم ويتعاطف معه كما لو كان حقيقيًا. فالإيهامية تقول بأن المشاهِد يُخدع بما يشاهده، فالصورة السينمائية ليست إشارة للشيء؛ بل لشبيه منه أو نظير، ليستمتع المشاهد بالمنظر كما لو كان هذا الشيء حقيقيًا رغم أنه وهم حميد كما أسلفت.

أما التظاهر، فهي تقول بأن التجربة السينمائية ماهي إلا استجابة عاطفية لعالم متخيل بما يتناسب مع تجاربنا العاطفية الحقيقية، ولكن هذه العاطفة ليست شرطًا حقيقيًا فهي من صنع معتقداتنا. ففي فيلم رعب ما نحن لا نخاف؛ بل نظن أننا نخاف، وهنا سر تسمية التظاهر. أخيرًا، نظرية الفكر، فهي تقول بفصل الفكر والإيمان وأن المشاهد يتحرك عاطفيًا بواسطة عامل التسلية دون الحاجة للاعتقاد بصدقها، فإننا نريد من الفيلم المرعب أن يرعبنا ومن الكوميدي أن يضحكنا، وهكذا.

أما فينومينولوجيًا، يعتبر آلان كاسبييه في كتابه “السينما والفينومينولوجيا” أن السينما تُبقي الأشخاص والرموز في موضع يمكن التعرف عليها، بشكل مستقل عن عملياتنا الذهنية، فليس هناك قصة أو حدث متخيل لكن يوجد الفيلم ذاته. ومن أبرز من كتب في الفينومينولوجيا هو الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي. الذي كتب ورقة عن الإدراك السينمائي في مارس عام 1945 بعنوان “الفيلم لا يفكّر به بل يُدرك”.

ناقش بونتي في الورقة شيئًا مقاربًا لما قاله كاسبييه بأن فهم السرد هو أمر حدسي على نحو إدراكي، وأن الإدراك السينمائي لا يعتمد على الحواس؛ بل هو إدراك بين-حسّي “intersensoriality”.  وتحدث عن الفروقات بين الإدراك العادي والإدراك السينمائي ولخصها في ثلاث نقاط.

أولًا: أن الإدراك العادي مفتوح وليس بمحدود بإطار الشاشة السينمائية التي تجعل من الإدراك السينمائي أكثر إغلاقًا وتركيزًا في الشيء؛ وبالتالي عندما أشاهد الفيلم لم أعد أنتمي للعالم اللا محدود وانتقلت لأنتمي لعالم ضيق تشكله عوامل الزاوية في التصوير والإضاءة أو كما يعبر عنها بونتي “إنها إيقاف للحياة كلها عن المشهد”.

ثانيًا: القطيعة الذاتية مع السينما وعدم الارتهان بها. فأنا أشاركها في هذ العالم من خلال وجودي الجسدي فيه، وكل ما أقوم به خارج الأنا الخاصة بي ليصبح هناك الأنا والجسد والوسط، ليتماهى ويتطابق جسدي مع الوسط ليستقبل المؤثرات الخارجية فيصبحون واحدًا. أما في السينما، فليس كل عنصر ملقى به على شاشة السينما موضوعًا على حسب تفسير المشاهد الشخصي للعالم، وعندما يحصل الانفعال من قِبل المشاهد أثناء رؤية فيلم ما، فهو يحدث لوجود وسط مشترك يتماهى المشاهد معه.

ثالثًا: ما يسميه بونتي بـ “المتحرك “، وهو تكوّر الجسد على ذاته، والذي يعبر عن اهتزاز العلاقة بين الأنا والعالم، والذي يغيب عن الإدراك السينمائي؛ حيث إن القالب السينمائي أكثر كمالًا من الواقع فهو لا يعرف اهتزاز حقيقة كونه في العالم وحقيقة أنه جزء منه؛ وبالتالي يصبح الإدراك السينمائي النسخة المثالية من الإدراك العادي الخالية من أنواع القلق الوجودي. فمثلًا المشاهد السينمائي هو حاس ومدرِك ولكن غير محسوس غير مدرَك. إذن هذه العقدة التي تربط الذات بالعالم قد قطعت، وأصبح من الممكن في الإدراك السينمائي أن أكون حاسًا محضًا غير مهدد بالاستيلاء علي. فعلاقتي مع الفيلم أحادية، وهذا ما يقصده بالتكوّر على الذات وانعدام وجوده سينمائيًا، علاقة الذات أو الجسد مع نفسها أو تكورها على نفسها عن طريق إدراكها للآخر وإدراك الآخر لها.

عن البناء السردي والأفلام ما بعد الحداثية

منذ نشأة أفلام ما بعد الحداثة مع الموجة الفرنسية الجديدة خاصة مع جان لوك غودار المتسمة بالغموض والمستندة على البناء الملحمي، أي بمعنى لقطات ذات طابع سردي لكنها ضعيفة الترابط، والتي أثارت لغطًا واسعًا حول محتواها الفني وتأويلها وكيفية فهم تراكيبها وبنائها السردي. فالسينما الما بعد حداثية تعتمد على فكرة التغريب “Estrangement”، وهي فكرة إظهار المألوف بشكل غريب، أيًا كان هذا المألوف؛ ولهذا ليس من السهل تقبّل هذا النوع من الأفلام. فغودار مثلًا كان يعتمد على القطع الحاد بين اللقطات، حيث يوجِد قفزات بين الأحداث، وذلك يعطي انطباعًا بوجود مونتاج قاسٍ غير معتاد بالنسبة للعقل المشاهد؛ ولذلك ارتبط مفهوم ما بعد الحداثة بتدمير الأنماط السردية المألوفة، و أنها تطرح عالمًا أناركيًا ضد سلطة التقليد السردي وضوابطه ومعاييره وهذا ما يعتقده ديفيد لودج بخصوص البناء السردي لما بعد الحداثة عمومًا: “بدلًا من الطريقة الرمزية للترتيب وإعطاء التاريخ شكلاً ودلالة، هناك أيضًا تأكيد بأنه لا يوجد نظام ولا شكل ولا دلالة في أي مكان”.

فتم ترك الأساليب التقليدية في السرد والملتزمة بالانتقال من خلال نقاط زمنية متتالية، التي بحسب الما بعد حداثيين تعطي المشاهد وضوحًا كاملًا عن حركية الأحداث ومآلاتها، لكنها لا تعبر عن رؤى المخرجين الشخصية، ولا تعطي المشاهد حس المعايشة للأحداث في الفيلم، فليس الفيلم معنيًا بالأحداث فقط. و يبرر الما بعد حداثيين هذا الانتقال بنظرية “الهوّة” أو البعد بين السرد والواقع، منطلقين من فلسفات هرمينوطيقية معقدة، يلخصها الفيلسوف بول ريكور بالقول: “إن القصص تروى والحياة تُعاش، ويبدو بينهما هوّة لا تُردم، تفصل بين القصّ كفعل والحياة”.

وفي سبيل ذلك كله، أصبح الما بعد حداثيين يستخدمون نمطًا جديدًا في البناء السردي، وهو البعد الزماني-المكاني، فلا هو يعتمد على الزمان فقط ولا يرتبط بالمفهوم المكاني؛ بل كلاهما معًا في ذات الآن.

هذا النمط يتيح مشاركة المشاهد بشكل إيجابي وبشكل أكبر في عملية إدراك واستيعاب النص وإنتاج معنى خاص به بشكل أكثر حرية من التقييد الزمني. وعملية الإنتاج هذه هي العملية الأهم عند المشاهد؛ فالسرد الما بعد حداثي معنيّ بالمقاربة لأحداث الواقع اليومي بشكل عام، وبمقاربة الفجوات الحاصلة بين الأحداث والأفكار والمشاعر لشخصيات الفيلم بشكل خاص.

نشر في صحيفة التقرير الإلكترونية

مسارات النيوليبرالية

by-tiago-hoisel

 

إن الحديث عن المؤتمرات الاقتصادية ومؤتمرات إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الربيع العربي في العالم العربي حديثٌ ليس له من مستمع، إما معارض لأسباب سياسية وإما موافق لنفس الأسباب. لنأخذ مصر على سبيل المثال التي يُعارض مؤتمرها الاقتصادي ونتائجه هو من يعارض النظام السياسي الحاكم هناك، ويؤيده غالبًا من يؤيد ذات النظام أو من يتعاطف مع الأوضاع في مصر بغض النظر عن موقفه من النظام المصري. لم يعارض الإسلاميون مثلًا وهم خصوم نظام السيسي في مصر المؤتمر لسياساته الاقتصادية التي ينتهجها منذ تسلمه السلطة، وهذا بديهيّ؛ لأن سياساتهما الاقتصادية تكاد تتشابه. فنظام السيسي حدد ما يقارب الـ 200 إلى 300 مليار دولار لتجاوز الأزمة، وهذا المبلغ ذاته ما وضعه الإخوان المسلمون ضمن برنامجهم الانتخابي ووعدوا باجتذاب المستثمرين من الخارج لتحقيقه. هي ذاتها السياسات النيوليبرالية التي تدع للشركات اليد الطولى والقدرة على التحكم في الاقتصاد المصري، هذا الاقتصاد الذي يعيش تحت خط فقره أكثر من ربع المصريين. ذات السياسات التي يتبعها مثلًا قدوة الإسلاميين في الحكم حزب التنمية والعدالة في تركيا، فضلًا عن اتباع الإسلاميين سياسات صندوق الدولي وتطبيق متطلباتها التي فقط بإتمامها يتاح للدولة بالاقتراض وهذا ما فعلته حكومة أردوغان في تركيا إبان استلامها الحكم.

الإسلاميون بشكل عام لا يقدّمون برنامجا اقتصاديًا خاصًّا بهم، بل هم يرون بالنيوليبرالية التكافلية إذا صح تسميتها بهذا الاسم. لكنها هي النيوليبرالية ذاتها عند الإسلاميين أو غيرهم، هي ما جعلت السوريين أيضًا يثورون على نظام الأسد بعد تفشي النيوليبرالية في سوريا تفشيًا متوحشًا. حيث عجزت الصناعة المحلية الحكومية بعد قرارات تحرير التجارة في مجاراة الخصخصة، وتضخمت رأسمالية المحاسيب وتركّز الثروة لدى قلة قليلة في ظل ضعف النمو، وإرتفاع نسب البطالة بسبب إغلاق التجارات المتوسطة لعدم قدرتها على منافسة البضاعة الأجنبية والصناعات الكبرى. فما سر العودة إلى سياسات النيوليبرالية ما دامت هي المشكلة في الأساس؟

نعم، حققت النيوليبرالية وسياسات صندوق النقد الدولي بعض النجاحات مثل تركيا والهند وتشيلي. لكن هذه الحالات كان لها خصوصية معينة، هذا إذا تغاضينا بالطبع عن كيف حدثت هذه السياسات النيوليبرالية وكيف انتقلنا لها في المقام الأول. فجلبير أشقر، يعتبر بأن التجربة التركية مثلًا مع النيوليبرالية لا تصلح في عالمنا العربي؛ فوجود رأسمال صناعي متوسط وكبير استفاد من انفتاح السوق الأوروبية أمام منتوجات البلاد بحكم الاتفاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي المرتبطة بطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد. هذه الشروط غير متوفرة في المنطقة العربية، وبالتالي لا يمكن هذه السياسات أن تعطي ذات الوتيرات العالية في النمو، لكون السوق ليس كبيرا بشكل كافٍ وليس بقادر بشكل كافٍ.

إن النيوليبرالية إذ تعود بهذا الشكل القوي في المنطقة؛ أي إنها تعود بحملٍ ثقيل من التاريخ وراءها، بحمل من جرائم وانقلابات على الديمقراطية وهزائم ونجاحات أحيانا، ولكن الأهم من ذلك أنها لا تعود وحيدة، بل تعود من خلال صعود الإمبريالية الاقنصادية الناعمة معها، فالأفعال الإمبريالية تاريخيا تتلازم مع الطغيان الداخلي بحسب ديفيد هارفي أستاذ الأنثروبولجيا والمفكر الماركسي.

في تاريخ النيوليبرالية

تعود تسمية النيوليبرالية للقرن التاسع عشر تحديدا في النصف الثاني منه، حيث سُميت كتابات المنظرين الليبراليين مثل ألفريد مارشال ووليام جيفونز وليون والراس، بالنيوكلاسيكية أو الكلاسيكية الجديدة كونها بدلت نظريات الليبرالية الكلاسيكية مثل نظريات آدم سميث وديفيد ريكاردو بعد أن استفادت من نقودات كارل ماركس بالطبع، مع الحفاظ على القيم الأساسية مثل حريق السوق وغيرها. لكن يعيد أغلب مؤرخي النيوليبرالية تاريخها كنظام على الأرض لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كان هناك توجه لإعادة هيكلة أشكال النظم الاقتصادية والعلاقات الدولية من أجل ضمان عدم حدوث انتكاسة اقتصادية جديدة مشابهة لما حدث قبلها بحوالي 15 عاما في الولايات المتحدة من كساد يصعب التعافي منه. فيشير ديفيد هارفي بأن بعد الحرب العالمية كان ينبغي وجود نوع من أنواع التهدئة أو التسوية الاجتماعية خاصة على المستوى الطبقي، لذلك ظهرت حركات فكرية تحاول إيجاد هذا التقارب.

مثال على هذا، حركة أفكار روبرت داهل بروفسور علم الاجتماع في جامعة ييل ” Yale” وأطروحاته عن الديمقراطية والسلطة، خاصة كتابه مع أستاذ العلوم السياسية والاقتصاد تشارلز لندبلوم “السياسة والاقتصاد والرفاه”، والذي قالا فيه بأن الرأسمالية والاشتراكية على حد سواء لم يفلحا بشكلهما الأولي، في إيجاد الشكل الملائم للسوق داخل عمل الدولة. وإن الحل يكمل في إيجاد موازنة بين الدولة والسوق والمؤسسات الديمقراطية بهدف ضمان السلم والرفاه والاستقرار. كان هذا الكتاب هو أبرز إنتاجات المرحلة الفكرية التي حاولت بشكل واضح تخفيف حدة الاستقطاب الاقتصادي في الحرب الباردة.

تزامن ذلك مع مؤتمر بيتون وودز في عام 1944 الذي تأسس لضبط تعاملات المؤسسات المالية في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وضبط عملية الإعمار بعد الحرب. في ذات السياق، تشكلت مجموعة من فلاسفة وأكاديميين واقتصاديين أعلنوا بأنهم ليبراليون أحرار، أبرزهم كان الفيلسوف النمساوي فريدريك فون هايك أحد أهم الأكاديميين الليبراليين والمناهضين للاشتراكية والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد. أيضا، ممن انضم لهذه المجموعة لودفيغ فون ميسيس الفيلسوف والاقتصادي النمساوي والذي كان من مناهضي النازية في النمسا، والذي يعتبر من أهم المؤثرين في حركة اللبرلة الأمريكية في منتصف القرن العشرين. أيضا، من أبرز هذه الأسماء كان الاقتصادي الشهير ميلتون فريدمان قائد الحركة النيوليبرالية الحديثة وأشهر منظريها والمستشار الاقتصادي المقرّب للرؤساء الأمريكيين بالأخص رونالد ريغان. أخيرا، كان من المشاركين الفيلسوف الشهير كارل بوبر المعروف بنقده الشديد للماركسية وميوله الليبرالية. اجتمع هؤلاء وأسسوا جمعية تحمل اسم جمعية مونت بليرين والتي جاء في نص تأسيسها التالي:

“القيم الأساسية للحضارة في خطر. فقد اختفت الظروف الأساساية لكرامة الإنسان وحريته من بقاع واسعة من سطح الكرة الأرضية. وفي بقاع أخرى، تتعرض هذه القيم لخطر دائم من تظور التوجهات الحالية السياسية. وقد ضعف موقف الفرد والجماعة التطوعية وعلى نحو متصاعد بسبب امتدادات القوة القسرية. حتى حرية الفكر والتعبير، وهي أثمن ما يملكه الرجل الغربي أصبحت مهددة”.

تميزت هذه الجمعية بالالتزام بمبادئ الحرية الشخصية والفلسفات الفردانية وتمسكهم بنقدهم الشديد للسياسات الكينزية -نسبة لنظريات جون مينارد كينز- والتي ظهرت بعد الثلاثينيات والتي تتيح للدولة التوغل في السوق للحفاظ على توازنه وعدم تكرار تجربة الكساد مرة أخرى. تلقت هذه الجمعية دعما ماليا وسياسيا من الولايات المتحدة وتفرعت عنها جمعيات أخرى في واشنطن ولندن. حتى بلغت ذروة قربها من السلطة بحصول فريدريك هايك على جائزة نوبل -والتي تسيطر عليها نخب مصرفية سويدية- في عام 1974 وحصول فريدمان عليها في عام 1976. من هذه اللحظة بدأ الفكر النيوليبرالي يتجسد في قرارات السلطة الأمريكية خاصة في عهد الرئيس جيمي كارتر، حتى ترسخ كمبدأ اقتصادي ينظم السياسة العامة عالميا في عام 1979 بعد أن بدأت بريطانيا في تطبيق السياسات النيوليبرالية حاذية حذو الولايات المتحدة الأمريكية مع مجئ مارغريت تاتشر في رئاسة الحكومة، والتي كانت قد ارتأت التخلي عن النظريات الكينزية وإجراء إصلاحات لمعالجة التضخم الذي أصاب الاقتصاد البريطاني في ذلك العقد من الزمن. تركزت هذه الإصلاحات في القضاء على مظاهر الديمقراطية الاجتماعية لمصلحة الفردانية، حيث قالت: “لا يوجد شيء اسمه مجتمع، بل أفراد من الرجال والنساء فقط”. أيضا يورد ديفي هارفي في كتابه عن تاريخ النيوليبرالية أنها قالت: “الاقتصاد هو المنهاج لكن الهدف هو تغيير الروح”.

هذا ما كان يحدث في بريطانيا في عام 1979، وفي نفس العام في الولايات المتحدة تخلى البنك الاحتياطي الفيدرالي عن برنامج “New Deal” ذي السياسات الكينزية الذي وضعه الرئيس فرانكلين روزفلت في الثلاثينيات، من أجل حل أزمة التضخم التي كانت تضرب أمريكا حينئذ. لتبدأ مرحلة الركود الاقتصادي في أوائل الثمانينيات وتأتي مرحلة اشتهرت باسم “صدمة فولكر”، حيث بول فولكر هو رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي حينها. في بداية الثمانينيات، وفترة الرئيس اليميني رونالد ريغان ازدهرت السياسيات النيوليبرالية أيما ازدهار وكف ريغان يد الحكومة من التدخل في أغلب القطاعات خاصة قطاع النقل، من نتائج هذا كان إضراب عمال النقل الشهير في عام 1981.

النيوليبرالية والعنف السياسي

عندما نشر جون بيركنز كتابه “اعترافات القاتل الاقتصادي” والذي أثار ضجة كبيرة في عام 2004، اتُهم بأن كتابه عبارة عن خيال تآمري لا أكثر. لكن من يطّلع على تاريخ الولايات المتحدة في تدمير الديموقراطيات والحركات الوطنية في إيران في أفريقيا وفي أمريكا اللاتينية وفي أوروبا الشرقية يعرف أن ما كُتب في ذلك الكتاب ليس بمستحيل.

ففي أفريقيا أمريكا اللاتينية، خاصة بعد انتصار الثورة الكوبية منتصف الخمسينيات، كانت هذه القارة حقل تجارب للاقتصاديين الأمريكيين والنيوليبراليين بشكل خاص للتخلص من أزمات الركود في الولايات المتحدة، وتوسيع السوق الأمريكية ليشمل أمريكا اللاتينية، حيث حصلت أكبر مظاهر العنف السياسي ذات الدوافع الاقتصادية بسبب هذا الدافع. أشهرها انقلاب سبتمبر في تشيلي على الرئيس المنتخب ديموقراطيا سيلفادور أليندي عام 1973 بقيادة بيونشيه، وتشكيل أول نظام نيوليبرالي اقتصادي في العالم في ذلك الوقت. كان الانقلاب الشهير مدعوما من البرجوازيات الوطنية المناهضة لسياسات أليندي الاشتراكية وسياسات التأميم، بالإضافة إلى دعم وكالة الاستخبارات المركزية CIA وكبرى الشركات الأمريكية، وبالطبع هنري كيسينجر. استخدم بيونشيه العنف لقمع الحراك الديمقراطي واليساري المناهض له آنذاك، وألغى النقابات والتنظيمات الشعبية، في سبيل ذلك قام نظام بيونشيه بقتل 3 آلاف شخص واعتقال 80 ألفا، منهم 30 ألفا تعرضوا للتعذيب الشديد. بعد الانقلاب جاء دور ميلتون فريدمان وطلبته بعدها بسنتين تحديدا في عام 1975 والذين اشتهروا باسم “أبناء شيكاغو” نسبة لجامعة شيكاغو التي كان يدرّس فيها فريدمان، والذين طبقوا سياسات خصخصة شاملة في البلاد وألغوا التأميم. ومثلما حدث في العراق تماما بحسب هارفي، حيث تم خصخصة كل شيء بعد الاحتلال الأمريكي ما عدا النفط لكونه يستخدم لتسديد فاتورة الغزو، اقترح أبناء شيكاغو خصخصة كل قطاعات الدولة في تشيلي ما عدا النحاس وهو أهم ثروات تشيلي الطبيعية.

وبعد دخول المال والاستثمار الأجنبي إلى تشيلي، ارتفع معدل النمو بشكلٍ عال؛ لكن هذه الوتيرة العالية لم تثبت حتى مرت بأزمة ديون جديدة في 1982. ومن خلال سطوة الولايات المتحدة أطلق صندوق النقد الدولي عملية تطهير من كل المبادئ الكينزية، حيث أصبح صندوق النقد مركز رئيس لنشر سياسات النيوليبرالية والسوق الحر، وصار من المطلوب بمقابل إعادة الجدولة للديون للدولة المدينة أن تطبق إصلاحات مؤسسية وسن قوانين مرنة في مجال الخصخصة والعمالة. ومنذ ذلك الحين، تستمر النيوليبرالية حتى بعد سقوط الديكتاتورية بشكل أقل تطرفا في تشيلي وبسوق مفتوح أمام الاستثمارات بدعم أمريكي بالطبع.

حدث مثل هذا في فترات الانقلابات العسكرية والديكتاتوريات في البرازيل وبوليفيا في 1964، والأرجنتين عام 1966 و1976 وفي الأورغواي في 1973، وفي المكسيك بعد ضغوطات ريغان بعد أزمة الديون مطلع الثمانينيات على الرئيس ميغيل دي لا مدريد. لكن الأمر ليس بهذا البساطة، فليست كل سياسة نيوليبرالية تُطبق في بلد ما هي نتيجة سياسة إمبريالية. هذا ليس دقيقا البتة، بل هو صراع طبقي في المقام الأول وإعادة تصحيح مسار ملكية الثروة لصالح الطبقة الواحدة. فهارفي يعتبر انقلاب تشيلي وإن كان انقلابا أمريكيا صرفا، إلا أن دور البرجوازية التشيلية هو الدور الرئيس فيما حدث. وكذلك في المكسيك، فلم يستطع دي لا مدريد القادم من حزب ثوري مجابهة ضغط البرجوازيات المحلية وضغط ريغن في تقديم سياسات اقتصادية إصلاحية نيوليبرالية.

وفي إيران، عندما أمم مصدق المصالح، الغربية كان العنف ردًا عليه، وتم تدبير الانقلاب الشهير ضده. في كوريا الجنوبية والانقلاب الحاصل عام 1961 وقدوم بارك تشانغ للسلطة والذي كان حدثًا مهما نظرًا لكون كوريا الجنوبية من رؤوس الحربة في الحرب الباردة آنذاك. تم دفع البلاد لحركة تصنيع كبرى تحت مظلة اقتصاد وطني في ظل طبقات رأسمالية ضعيفة، لتسير في طريق الخصخصات لتصبح هذه الطبقات الرأسمالية ذات موقع مكين عالميا، طبعا تحت غطاء استثمار أمريكي.

يقول سلافوي جيجك إن 90% من يساريي العالم أصبحوا فوكوياميين، أي إنهم يؤمنون بنظرية انتصار الديمقراطيات الليبرالية والرأسمالية كنهاية للتاريخ. لكن الموضوع ليس بهذا البساطة، ليس وقد وصل اليسارون للسلطة في اليونان وهم يواجهون سياسات التقشف والتي تستثني القطاعات الخاصة الكبرى مثل البنوك مثلا. وإن شعار إصلاح الرأسمالية بعد أزمة 2008 العالمية بمزيد من النيوليبرالية ليس شعارا فعالا بعد الآن، ليس فقط في أمريكا وأوروبا بل حتى في العالم العربي. فعندما نتحدث بعد الآن عن إجراءات إعادة الإعمار الاقتصادية بعد الربيع العربي والحروب، يجدر بنا أن نفكر في عواقب حجم ما نتركه أمام الإمبريالية أولا وأمام القطاعات الخاصة ثانيا من مساحة اقتصادية. وأن نتذكر أن ما جاء بالربيع العربي هو وحشية النيوليبرالية، فلا يجدر بمن جاؤوا على إثر هذه التغييرات، بأية طريقة كانوا، أن يُعيدوا نفس التجربة.

 

نشر في صحيفة التقرير الإلكترونية

في علمانية الخطاب الغربي والإسلاموفوبيا

large

قال الصحفي الأمريكي المعروف توماس فريدمان ذات مرة في أحد مقالاته في صحيفة النيويورك تايمز: ” إن الإسلام لم يستطع أن يكون حداثيًا حتى الآن”؛ فالإسلام بحسب فريدمان في مرحلة هي في المنتصف أو بوصفٍ آخر مرحلة طيش ما بين النضج (وهو تقمص الحداثة في هذه الحالة) والطفولة (البدائية). هذا الرأي يمثل رأيًا سائدًا في خطاب المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الغربية، خاصة بعد أحداث صحيفة تشارلي إيبدو في مطلع العام الجاري.

هذا الرأي لا يعبر فقط عن ثنائية الإسلام والحداثة؛ بل يعبر عن أصول اللاعقلانية في الإسلام في مقابل العقلانية الراسخة في الثقافة الغربية، ويعبر عمومًا عن مجموعة ثنائيات في الواقع لا ثنائية واحدة. يُقال هذا الرأي في سياقات معينة، مثل سياق المواجهة بين الحضارتين الغربية والإسلام. الذي يُستحضر كلما ارتفعت أصوات المسلمين تجاه نقد لاذع أو إساءة للإسلام أو رموزه القدسية.

فمنذ أحداث قضية سلمان رشدي في عام 1988 مرورًا بالرسوم المسيئة للرسول في الدنمارك عام 2005 حتى تشارلي إيبدو في 2015، وما تخلل هذا كله من نقد محيّد للاعتبارات الدينية تجاه الإسلام، يُنظر له بصفة النقد التنويري الذي منذ أيام كانت وهيجل وهيوم إلى ميل وماركس، اعتبر هذا النقد بمفهومه الغربي هو النقد الحقيقي والموضوعي والمنطقي فقط، وأداة تضمن تعميم التقدم والتحضر. فالنقد هو من الخصائص المميزة للحضارة الغربية، وهذا النقد هو علماني بالضرورة، فبحسب إدوارد سعيد في مقالته “النقد العلماني” يقول: “النقد، دائمًا هو متشكك، علماني، منفتح على إمكانية فشله”.

فالنقد للمقدسات إنما يعتبر دلالة وتذكيرًا على علمانية الحضارة الغربية وعلى أن خصوم هذه الحضارة إنما هم يملكون عكس ما تمتلكه؛ بل وأبعد من ذلك، فالحداثة العلمانية أصبحت تعبر عن الهوية الغربية بشكل عام كصفة جوهرية للغرب الحديث. فيساوي ميشيل فوكو في مقال قدمه كمحاضرة في جامعة السربون عام 1987 النقد بالمفهوم الكانتي للتنوير ويعتبر النقد الصفة الاستثنائية للغرب الحديث. فإذا كانت الحداثة العلمانية هذه تعني الحريات بشكل عام وحرية التعبير بشكل خاص، وتعني العقلانية والمنطق، فهي بالضرورة تعني في سياق كهذا بدائية الإسلام وسلطويته على الناس واللاعقلانية.

بل يذهب بعض النقاد مثل طلال أسد بالقول إلى أن هذه النظرة، أي مواجهة الحداثة ضد الإسلام، هي نظرة ذات أصول نزاعية بين المسيحية والإسلام. فالحداثة بحسب أسد، هي صفة جوهرانية في الحضارة المسيحية لأسباب عدة، كانت المسيحية فيها حاضنة لبذرة الديمقراطية، وبالتالي حرية التعبير وغيرها من أشكال الحريات.

هنا، أريد أن أضع بعض الروايات المختلفة عن علمانية النقد وحرية التعبير في الخطاب الغربي. أيضًا أريد أن أشير إلى الخرافات التي تتعلق ببديهية الإسلاموفوبيا وخطابها كناتج طبيعي للتراث الإسلامي وللأحداث العنفية من قِبل المسلمين.

علمانية حرية التعبير والنقد في الخطاب الغربي

إن ازدراء الأديان أو التجديف “Blasphemy”، هي تهمٌ يراها الخطاب العلماني الغربي بحسب طلال أسد مخالفة لقيم مثل حرية التعبير والحرية كقيمة قائمة بذاتها والتي تضمنها مبادئ الديمقراطية، ومبادئ المنطق الذي يمثل مركزية الثقافة الغربية. لكن، طلال أسد يشير إلى ارتباط مفاهيم الدمقرطة بالمسيحية في كثير من أنواع الخطاب الغربي، فالبابا بيندكت بابا الكنيسة الكاثوليكية في الفترة (2005 – 2013) يؤكد على أن الصراع الحقيقي هو بين الحضارتين المسيحية والتي تُصالح المنطق اليوناني، أي العقلانية مع تعاليم الإنجيل في مواجهة الإسلام والذي يحرض على العنف كونه لا يؤمن بالمنطق؛ بل يفصل المنطق عن صفة الإله، فالإله في الإسلام عند البابا بينيدكت غير مُتوقع، وبالتالي لا عقلاني.

وهذا الرأي ليس شاذًا في الدراسات المسيحية وليس مختصًا برجال الدين مثل البابا بينيديكت أبدًا، فمنظرون في مجال الفلسفة السياسية ومؤرخون يرون أيضًا أن الأصول التاريخية لمفاهيم مثل المساواة والتي تقود للديمقراطية هي أصولٌ مسيحية. مثال على ذلك الفيلسوف السياسي المعروف فرانسيس فوكوياما الشهير بنظريته “نهاية التاريخ” والذي يقول بأن الديمقراطية إنما تنبع من مفاهيم منها مفهوم المساواة السياسية والذي يرجع بحسب فوكوياما إلى “عالمية كرامة الإنسان” في العقيدة المسيحية.

أيضًا، يقول المؤرخ والفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه في كتابه “تبديد أوهام العالم”: “إن المسيحية هي بذرة أزهرت إلى العلمنة الإنسانوية، لتتخلى في طريقها إلى ذلك عن توجهها المتسامي عن الدنيويات، وتجعل من استقلال الدنيوي عن المتعالي ممكنًا، وهذا الأخير هو الآن جوهر المجتمع الغربي الديمقراطي”، و هذه السردية غايتها هو خلاص الإنسانية جمعاء.

أيضًا، بحسب الفيلسوف السياسي والمؤرخ فيليبي نيمو الذي يقول إن المسيحية بثورتها الأخلاقية التي أتت بها في الكتاب المقدس والتي تتلخص في مفاهيم مثل الإحسان والعدل إضافة إلى استلهامها للتراث الإغريقي فيما يتعلق بالقانون والحريات، شكّل ذلك -نظرًا لهذه الصفات الجوهرية في المسيحية السابق ذكرها- دافعًا للثورة البابوية التي استمرت من القرن السادس للقرن الثالث عشر والتي تجلى فيها العقل البشري تجليًا صريحًا. و هناك أيضًا أستاذ الفلسفة سانتياغو زابالا في الذي يصرح في كتابه “مستقبل الدين” أن  العلمنة ليست ناتجًا عن المسيحية القديمة فقط؛ بل هي عهد أو وصية للوجود المسيحي في شكله الما بعد مسيحي “post-Christian mode”.

ينتقد طلال أسد هذا الخطاب الخاص بالمسيحية الغربية التي تتخذ من نفسها شكل الحاضنة الإلهية والتي تتحول لمُنتج إنساني على هيئة الحداثة، هذا المنتج المتسامي يتجسد في العالم الدنيوي على شكل العلمانية، ونتدرج حتى نصل لفكرة الكونية. كل هذا إنما هو سردية مُقلدة  للسردية المسيحية المتعلقة بالمسيح، الذي يتجسد بشكل إلهي ثم يموت ثم يبعث على يمين الأب.

أيضًا، ينوه الأسد على أن هذا الخطاب في سياقه السياسي يؤكد على هوية أوروبية تفترض أن غياب العادات الديمقراطية في الإسلام هي ما يتسبب مثلًا في غضب المسلمين العارم تجاه قضايا مثل ازدراء دينهم أو مقدساتهم. و من ثم موضوع الأصول التاريخية لما يسمى بالحضارة الغربية هو موضوع إشكالي، فالحضارة الغربية كمفهوم تختلف من مكان لآخر ومن إثنية لإثنية ومن طبقة لطبقة، ولطالما عانت هذه الحضارة من صراعات داخلية، فكيف يتم هذا التعميم عليها بأنها منبت الديمقراطيات الحديثة؟

في نقد بديهية الخطاب الإسلاموفوبي

مما يُثار أيضًا بهذا الخصوص، هو موضوع بديهية الخطاب الإسلاموفوبي الغربي. أي بمعنى التعامل مع الإسلاموفوبيا كثنائية طرفها الآخر هو التراث الديني للإسلام وظهور الجماعات المتطرفة. فإذا ما كان التراث يحمل في طياته تطرفًا، فإن الأوصاف المشينة للإسلام والنظرة العدائية للمسلمين في الغرب أمر حتمي. والإشكال في هذا الخطاب أولًا أنه ذو نمط استشراقي سطحي تخطته الدراسات الأكاديمية. ثانيًا، أنه يغفِل اعتبارات البيئة الحاضنة للإسلاموفوبيا، وكونها -أي الإسلاموفوبيا- خطابًا يتقصد فئة طبقية معينة ويظهر في بيئات تشهد صعودًا كبيرًا لليمين المتطرف، بالإضافة إلى وجود مؤسسات تدعم هذا الخطاب الإسلاموفوبي لدوافع عدة.

ففي فرنسا مثلًا حيث وقعت أحداث صحيفة تشارلي إيبدو، تنحاز النخبة والإعلام وأيضًا القانون ضد المسلمين أكثر من غيرهم لكونهم يشكلون غالبية الطبقة العاملة والتي لا تملك أي نوع من أنواع السلطة. فيذكر أكبر فلاسفة فرنسا ألاين باديو في مجلة الاشتراكي الدولي: “العلمانية الفرنسية بمفهومها الجمهوري يُدّعى أنها تخلق فضاء محايدًا. لكنها ليست كذلك، فهي لا تُستخدم إلا ضد المسلمين. فليست هناك قوانين ضد المسيحيين واليهود، لكن الكثير من هذه القوانين موضوعة خصيصًا ضد المسلمين، وأيضًا علينا أن لا ننسى أن الإسلام في فرنسا هو دين الفقراء”.

إن السياسات النيوليبرالية في فرنسا المستمرة رغم وصول الحزب الاشتراكي والذي لا يحمل من الاشتراكية غير اسمها بوصول الرئيس فرنسوا هولاند، تستقصد الطبقات العاملة والمهاجرين بشكل عام. فمنذ عام 2007 إبان وجود الرئيس ساركوزي في السلطة، ارتفع أعداد المهجّرين من النازحين إلى 32921 شخصًا بارتفاع قرابة 20% من العام الذي سبقه. حينئذ وصف وزير الداخلية الفرنسي كلاود جان بأن كثرة المسلمين في البلاد جعلته يشعر بأن فرنسا لم تعد كما كانت.

يجب الأخذ أيضًا بعين الاعتبار صعود اليمين والفاشية المتزايد في أوروبا كأحد مسببات صعود الخطاب الإسلاموفوبي. هذا الصعود لليمين والذي تتراوح أسبابه ما بين السياسية والاجتماعية والاقتصادية ليس طبيعيًا بشكل كامل هو الآخر. فصعود الفاشية هو مرتبط بدعم الولايات المتحدة للعصبويات والجماعات المتشددة ضد الشيوعية منذ الثمانينيات. فهذه الفاشية التي نراها في خطاب منظمات تمثل ثقلًا سياسيًا اليوم في أوروبا مثل: الجبهة الوطنية الفرنسية والتي فازت بـ24 مقعدًا في البرلمان الأوروبي أو ما يعادل ربع المقاعد الفرنسية.

هذه الجبهة التي تقودها مارين لوبان والتي أسسها والدها جان ماري لوبان عام 1972، والمصابة برهاب الأجانب والمهاجرين وتصدير الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية أيضًا. فجان ماري لوبان اتهِم بالعنصرية عدة مرات وإثارة النعرات العرقية، ففي عام 1986 صرح لوبان تصريحًا شهيرًا ذكر فيه أن غرف الغاز والمحرقة اليهودية إنما هي مجرد جزء من تفاصيل الحرب العالمية الثانية فقط. والجبهة الوطنية الفرنسية إنما هي مثال على الحركات اليمينية المنتشرة في أرجاء أوروبا مثل بيجيدا في ألمانيا، وحزب الاستقلال البريطاني، وحزب التقدم في النرويج، وحزب الفجر الذهبي اليوناني.

من الأسباب المهيئة لصعود الخطاب الإسلاموفوبي أيضًا هي المؤسسات التي حملت على عاتقها المهاجمة الدائمة للمسلمين والعرب والتي تدعمها عدة جهات. ففي تقرير نشره مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية “CAIR”، ذُكر أن قرابة الـ37 منظمة -يتداخل كبار الموظفين بشكل كبير فيما بين هذه المنظمات- تشكل ما أسماه التقرير جوهر شبكات الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة الأمريكية.

ويذكر التقرير أن بعض هذه المنظمات تتكسب من وراء دعايات الإسلاموفوبيا، وتذكر شخصية الأكاديمي المعروف دانيال بايبس الذي يعتبر من أشهر قادة وداعمي الخطاب الأكاديمي الإسلاموفوبي وكراهية العرب والذي كان مقربًا من الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش ولا يزال مقربًا من المحافظين الأمريكيين كمثال. يذكر التقرير مثلًا أن مؤسسة دانييل بايبس والتي تحمل اسم منتدى الشرق الأوسط قامت بضخ ما قيمته مليوني دولار أمريكي لسبع مؤسسات ذات خطاب معادٍ للإسلام مذكورة أسماؤها في التقرير.

أيضًا، قام بايبس بدعم مشروع ستيفن إيميرسون للتحريات بخصوص الإرهاب، والذي يذكر أحداث تشارلي إيبدو يذكر قصة ستيفن إيميرسون الذي ادعى على قناة فوكس نيوز أن مدينة بيرمنغهام الإنجليزية هي مدينة لا يجب زيارتها لغير المسلمين، مما أثار حفيظة الكثير من الإنجليز واضطرت القناة اليمينية للاعتذار 12 مرة في التلفاز. يُذكر أن بايبس و ستيفن قادا حملة كبيرة ضد المسلمين في الفترة من عام 2009 إلى العام 2013، وفي عام 2013 بعد عملية تفجير ماراثون بوسطون بوقت قصير، قال بايبس وإيميرسون إن الفاعل هو مسلم سعودي الجنسية حتى تبين أنه من الشيشان.

أيضًا، من المؤسسات التي يجدر التطرق لها هي مؤسسة الشرق الأوسط للبحث الإعلامي “MEMRI” والتي أسسها الصهيوني وضابط المخابرات الإسرائيلية السابق ييجال كارمون. هذه المؤسسة قام دانييل بايبس بدعمها بما يقارب 450 ألف دولار في الفترة ما بين 2009 إلى 2013. ويقدر التقرير أن دخل المنظمات الـ37 مجتمعة في الفترة (2008 – 2011) ما يقارب 119,662,719 دولارًا أمريكيًا.

إن حادثة تشارلي إيبدو بالنسبة لي، ليست حدثًا يلزمنا بسببه مراجعة التراث الإسلامي أو البراءة من الجماعات المتطرفة؛ بل هو حدث يساعدنا على التذكر بأننا نعيش في واقع محسوس ومادي وليس مجرد سجالات فكرية. واقعٌ عن ظهور الفاشية واليمينية مرة أخرى في الساحة السياسية الأوروبية، واقع عن اضطهاد الطبقة العاملة المتمثلة بالمسلمين في فرنسا، واقع يخبرنا أن سياسات التقشف الأوروبية لا تنطبق على المؤسسات الكبرى والبنوك وإنما تستهدف هذه الطبقات المستغَلة.

أيضًا، هذه الحادثة تخبرنا عن بلطجة الخطاب الغربي ونفاقة ووقاحته، فيعلق على ذلك الفيلسوف سلافوي جيجيك قائلًا: “لماذا يستهدف المسلمون أفضل مافي الإرث الغربي (بالنسبة لنا على الأقل) الحريات الشخصية والتي تتضمن حرية نقد جميع السلطات والمساواة؟ المسلمون ذاتهم الذين تعرضوا بلا شك للاستغلال والهيمنة وكل ماهو مدمر في الاستعمار. إجابة واحدة تقول إن استهدافهم مختار بعناية، فالغرب اللليبرالي لا يطاق ليس فقط لأنه يستغل ويمارس الهيمنة العنفية على غيره فقط، ولكن لأنه يعرض هذه الحقائق الوحشية على شكل نقيضاتها: الحرية، والمساواة، والديمقراطية”.

إن حرية التعبير حق مكفول، ولكن إذا كانت مكفولة للجميع، وضد الجميع كما يقول تيم ساندرز في مجلة دورية الاشتراكي: “السخرية عليها أن تهاجم الأقوياء، عليها أن تفضح النفاق والسخافة، وبالطبع عليها أن تكون مضحكة. إذا تم توجيه السخرية نحو الضعفاء تسمى بلطجة لا سخرية”.

نشر في صحيفة التقرير الإلكترونية

العرب و الإمبريالية

17197454-abstract-word-cloud-for-imperialism-with-related-tags-and-terms

إن القارئ العربي ربما يلاحظ ضعف الإنتاج الفكري العربي الذي يكاد لا يتعدى الترجمات في مجال الإمبريالية ودراسات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية عمومًا. فقليلٌ هم الكتاب الذين اهتموا بهذا الموضوع، ربما أذكر منهم: إدوارد سعيد، ومهدي عامل، وسمير أمين، وجورج قرم، وبرهان غليون وكتّاب أخُر. وقد تم حصر أغلب هذه الدراسات القليلة أصلًا في مجال الإمبريالية الثقافية والخصوصيات الثقافية ضد العولمة؛ دون تأصيلٍ منهجي ودراسة جادة لموضوع الاستعمار والإمبريالية في العالم العربي.

والمفارقة أن العرب هم الأمة الوحيدة التي لا زالت تعاني من الاستعمار في يومنا هذا، وهي من أكثر الأمم التي تتعرض للهيمنة الإمبريالية بسبب مواردها النفطية. وهذا الشح في الإنتاج الفكري يعود لتراجع الدراسات الثورية، بطبيعة الحال، ودراسات الإمبريالية مع سقوط المعسكر الاشتراكي في بداية تسعينيات القرن المنصرم؛ على عكس الدراسات الكولونيالية في إفريقيا، على سبيل المثال، المستلهمة من دراسات فانز فانون وغيره والتي تنطلق من الاستعمار كأساس في تحليلها لبنية الأنظمة والاقتصادات المحلية، وبالتالي تأثيرها على البنية الاجتماعية. وبالإمكان ملاحظة هذا الأمر في استخدام لفظة الإمبريالية على كل الاستعمار وخلط مفاهيم تختلف جذريًا عن بعضها البعض؛ نظرًا لعدم وجود دراسة جادة لموضوع الإمبريالية، كما أسلفت سابقًا.

والملاحظ اليوم أيضًا مثلًا أنه لا أحد تقريبًا، إلا ما ندر، يتحدث سواءً في التحليل السياسي أو الاجتماعي عن العالم العربي بصفته مُستعمرًا وخاضع للاستعمار، ولا يُنظّر لحركة ثورية مناهضة لأشكال الهيمنة الأمريكية وغيرها من الهيمنات بصفتها تمارس شكلًا من أشكال الإمبريالية الجديدة، كما يصفها أستاذ الأنثروبولوجيا، الماركسي ديفيد هارفي. وهذا ما ينعكس دائمًا على التحليلات السياسية التي تبتسر بعض القضايا من سياق وارتباط هذه الهيمنة بالمحافظة على شبكات الهيمنة في العالم العربي وهذه متناقضة غير مفهومة، بالنسبة لي على الأقل.

إن قِصر الذاكرة السياسية العربية في موضوع الاستعمار له عدة أسباب، منها: السياسي ومنها الثقافي وأسباب أخرى. السبب الثقافي يتلخص في ضعف مجال الدراسات النقدية للرأسمالية في الفكر العربي المعاصر والتي يُعتبر تجاهلها أو فصلها عن تشريح الاستعمار هو نقطة انحراف عن المسار الصحيح في نقد وتفكيك الإمبريالية، وأعني هنا بالإمبريالية، من بدء تاريخها، أي من أزمنة الاستعمار العسكري المباشر إلى العولمة.

ماهي الإمبريالية؟

بالإمكان الإجابة عن هذا السؤال بذكر مميزات الإمبريالية عن أشكال الاستعمار القديم، خاصة تكوّنها كاستعمار جديد يقوّض وينهب الأمة المستعمَرة، بخلاف الاستعمار القديم الذي كان عادة ما ينحصر اهتمامه بسلب الفائض من إنتاج المُستعمرات؛ الغنية بالأساس فلاحيًا.

أحد أهم مميزات الإمبريالية أيضًا هي عالميتها، فهي لا تكتفي بالدول ذات الخيرات فقط؛ إنما تهدف إلى توسيع  نفوذها وسيطرتها على العالم كله. فلفظة الإمبريالية مشتقة من “Empire”، وتعني الإمبراطورية، وهي كلمة قديمة لاتينية الأصل ذات تاريخ طويل ارتبط بالإمبراطورية الرومانية ورغباتها التوسعية. وبرغم قِدم مصطلح الإمبريالية، إلا أنه لم ينتشر فعليًا، بحسب الدكتور الهادي التيمومي، الباحث التاريخي؛ إلا بعد منتصف القرن الـ 19،  ليفضي إلى اقتسام العالم كله بين أقطاب النظام الرأسمالي حينها، وهذه سابقة في التاريخ البشري. إن تفسير الإمبريالية بناءً على المعنى الحرفي لمعناها بالإنجليزية، وهو أي سياسة توسعية لمصلحة بناء إمبراطورية، هو تفسير لا يصح؛ لأنه فضفاض ولا يستوفي شروط السياقات التاريخية للإمبرياليات المختلفة في التاريخ.

و يشير التيمومي إلى أن التفريق بين الكولونيالية (الاستعمار العسكري) والإمبريالية، هو أحد أهم منطلقات البحث في مجال الإمبريالية؛ فهل يمكن فعلا اللجوء والتوجه إلى وسائل الهيمنة الاقتصادية فقط، مثل ما مارست القوى العظمى سابقًا نفوذها اقتصاديًا على دول وإمبراطوريات مثل الصين وأمريكا اللاتينية والإمبراطورية العثمانية، دون الحاجة لتوسع عسكري؟ أو بصيغة أخرى: هل يشترط أن تكون كل إمبريالية كولونيالية؟

من أهم من حاول الإجابة على هذا السؤال هو الاقتصادي الليبرالي البريطاني، جون هوبسون، في مؤلفه “دراسة حول الإمبريالية”، الصادر في أوائل القرن الـ 20، والذي يقول بأن الإمبريالية هي قائمة على إشكالية نقص الاستهلاك في الدول الرأسمالية؛ نظرًا لأزمة التوزيع الغير عادل للثروة فيها. ولذلك تحتاج هذه الدول تمديد مساحة أسواقها للدول الأخرى، ولكنه يعتبر هذه السياسة -أي الإمبريالية- رجعية ومدمِّرة ولكنها ضرورية؛ لذلك اقترح ما أسماه بـ “الإمبريالية المتحدة”، وهو أن تَقتسم الدول الرأسمالية العظمى العالم سلميًا لنتجاوز مرحلة الإمبريالية هذه. فهوبسون يقول بوضوح أنه بالإمكان إيجاد إمبريالية سلمية تخلو من العمل العسكري، ليس ذلك فقط، بل لا تنبني على صراعات بين أقطاب النظام الرأسمالي. وهو ليس وحده الذي يقول بهذه الفكرة؛ فحتى الألماني، كارل كاوتسكي، الذي يُعتبر من أهم الرموز في الفكر الاشتراكي تاريخيًا، يقول في نظريته المسماة “ما بعد الإمبريالية”: إن أقطاب النظام الرأسمالي قادرين على اقتسام العالم سلميًا وتجنّب الصراع الدموي.

وهذا التفريق المهم بين الإمبريالية والعمل العسكري هو دلالة واضحة على أن الإمبريالية ليست شرط استعمار عسكري، ولا كل استعمار عسكري هو إمبريالية؛ فقد يكون مرحلة سابقة لها، كما يذكر ديفيد هارفي.

الإمبريالية وتاريخ الرأسمالية

إن ارتباط الإمبريالية بالرأسمالية هو إرتباط وثيق وتأسيسي، فلم تخلو أي محاولة جادة لدراسة الإمبريالية من ربطها بالرأسمالية وحركة رؤوس الأموال والاستهلاك والسوق؛ سواءً كانت الدراسة ذات اتجاه ليبرالي أم اشتراكي. ففعليًا بدأ توجه القوى الرأسمالية العظمى للإمبريالية في أواخر القرن الـ 19، خصوصًا فترة الكساد الكبير (1873- 1895) تقريبًا.

في هذه الفترة: صعدت ظاهرة التراكم السريع لرأس المال، مما تسبب، بحسب كارل ماركس، في كساد رؤوس الأموال؛ لتبرز بسبب هذه الظاهرة فكرة الاحتكار، باعتبارها حلًا لتوسع وتراكم رأس المال. مما تسبب في مشكلة نقص الاستهلاك، نظرًا، كما يرى هوبسون، لقلة موارد الفقراء وقلة عدد من يملكون قيمة السلع الاستهلاكية هذه، وبالتالي ستضطر الشركات الاحتكارية هذه لتوظيف رؤوس أموالها خارج حدودها الوطنية؛ لتصبح، كما يصفها الهادي التيمومي، طبقات ريعية طفيلية تعيش على حساب بلدانٍ أخرى.

في الجانب الآخر، كان هناك ذات الربط بين التطور الهائل للرأسمالية والإمبريالية في الفكر الاشتراكي بأنواعه، فاليمين الاشتراكي مثل الألماني إدوارد برنشتاين كان يرى بضرورة مواجهة الإمبريالية الرأسمالية بإمبريالية أخرى اشتراكية، لتطوير المستعمرات وتحويلها للمرحلة الصناعية، وبالتالي نقلها للاشتراكية، أيضًا من أجل تحسين أوضاع البروليتاريا المادية. ووافق اليسار الاشتراكي هذه النظرية الخاصة بهوبسن، مثل روزا لوكسمبورغ، التي كانت ترى أن الحاجة لمستهلكين لما يُنتج في البلدان الرأسمالية هو السبب الرئيس للتوسع الإمبريالي، بمعنى أن الدول الرأسمالية تبحث عن ما تسميه هي “أوساط ما قبل رأسمالية”، تستطيع من خلالها تحقيق الربح وفائض القيمة.

ويذهب فلاديمير لينين لما هو أبعد من ذلك، فهو صاحب الجملة الشهيرة “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، وأفرد لهذا الموضوع كتابه الذي يحمل نفس الجملة كعنوان الصادر عام 1916، والذي حدد فيه سبع خصائص للإمبريالية هي:

أولًا: تكثف الإنتاج ورأس المال لدرجات تؤدي لظهور الاحتكار، وهو مقوض للتنافس الحر، الذي هو السمة الرئيسة للرأسمالية التنافسية.

ثانيًا: إلتحام رأس المال الصناعي ورأس المال البنكي عن طريق البنوك الكبرى.

ثالثًا: حيازة ظاهرة تصدير رؤوس الأموال نحو المستعمَرات والدول الأقل نموًا اقتصاديا، المكانة الأولى في المنظومة الاقتصادية، وهو ما يجعل الدول هذه دولًا طفيلية ريعية، تكتفي من عائدات المستعمَرات.

رابعًا: تقاسم العالم اقتصاديا بين الجهات الاحتكارية.

خامسًا: انتهاء عملية تقسيم العالم حدوديًا والتي استمرت في القرن الـ 19، وإعادة اقتسام العالم عن طريق الهيمنة، بالأخذ بعين الاعتبار طبيعة العلاقة بين البلدان الإمبريالية.

سادسًا: هيمنة التيارات “التنقيحية”، كما يسميها هادي التيمومي.

أخيرًا: الطابع الاشتراكي لنضالات حركات التحرر.

هذه الطريقة في التفكير وإن صحت فهي تتضمن إشكالية المركزية الأوروبية، والتي أدت لتكريس الخطاب الإمبريالي الغربي لاحقًا، والذي انتقدها المفكر الاقتصادي سمير أمين نقدًا مفصّلًا، وضّح فيه أن إشكالية “التبعية”، ويقصد تبعية دول العالم الثالث للدول الإمبريالية، تنم عن نظرة اقتصادوية متمركزة حول الذات الأوروبية وإن حاول الفكر الماركسي تجنّب ذلك؛ لكنه لم ينجح. فسمير أمين يرى أن هناك قوانينًا تحكم تطور المجتمعات الإنسانية، وهذه القوانين لا تُستنبط من التاريخ الأوروبي فقط.

من بين هذه القوانين: قانون التطور اللامتكافئ “unequal development” ألا وهو مجال دراسته الأبرز، فقانون التطور اللامتكافئ يفترض أنه يوجد في كل حقبة تاريخية حتى الحقب الما قبل رأسمالية، بلد مهيمِن يسميه أمين المركز وبلد مُهيمَن عليه يسميه الطرف أو التخوم، لتنشأ بسبب ذلك ظاهرة الاستقطاب “Polarization”، في القرن الـ 19، ويُقصد بها تشكل علاقة غير متكافئة بين قطبين مسيطِر ومسيطَر عليه. فتكتل التصنيع في البلدان الغربية وغيابه في بقية العالم ومنها العالم العربي هو الشكل الذي اتخذه الاستقطاب آنذاك. هذا الاستقطاب الواضح هو ما أظهر الحدة في التعامل مع الإمبريالية في المنطقة العربية إبان حركات التحرر من الاستعمار، خاصة من الأربعينيات إلى بداية السبعينيات وظهور الحركة القومية واليسار والحقبة الناصرية. هذه الحدة في التعامل مع الدول الإمبريالية تراجعت تراجعًا كبيرًا بسبب موجة الانفتاح الاقتصادي في المنطقة بداية بمصر وظهور النيوليبرالية ظهورًا رسميًا وبالتالي تقلص الاستقطاب، هذه الخفة التي قادت لانحسار الفكر المناهض للإمبريالية والهيمنة في نهاية الأمر.

وإني هنا حيث أذكر الأصول التاريخية المادية للإمبريالية وارتباطها الوثيق بالرأسمالية، لا أتجاهل أهمية عناصر البنى الفوقية، مثل الدين؛ خاصة في منطقة مثقلة بالإرث الديني. فالاستعمار الغربي كان يحملُ طابعًا بروتستانتيًا متشددًا حملهُ لأرض أمريكا الشمالية تحت حجة أنها أرض الميعاد الجديدة، وحمله على أرض فلسطين بحجة أنها أرض الميعاد الأصلية.

العرب والإمبريالية

نستطيع أن نربط بين العرب والإمبريالية من خلال لحظة تحول المنطقة العربية إلى طرف تسيطر عليه أمة أخرى (مركز)، أي عندما انفصلت المنطقة عن التطور الاقتصادي العالمي في القرن الـ 16 نتيجة تطور التجارة العالمية، وبالتالي تغير شبكة الاتصال التجاري جغرافيًا، بحسب المفكر جورج قرم. أما الأوضاع الاقتصادية في المنطقة ما بين القرن الـ 16 وظهور الإمبريالية فيها، أي القرن الـ 19 كانت متميزة بطابع تجاري، كانت فيه مصر الاستثناء الوحيد؛ لكون المسألة الفلاحية متأسسة فيها وراسخة.

هذا الطابع التجاري تم تمزيقه من قِبل الإمبريالية، كما يصف سمير أمين، مما سبب انحلالًا هوياتيًا تحول لانحلال قومي لاحقًا. وقد دخلت المنطقة العربية في النمط الرأسمالي عندما دخلت فيه الدولة العثمانية في القرن الـ 19؛ لتبدأ مرحلة التطور اللامتكافئ، الذي هو سمة أساسية من سمات الرأسمالية. وللحفاظ على هذا اللاتكافئ؛ حرصت الإمبريالية على تخلف المنطقة اقتصاديًا وعسكريًا وفي كافة الأصعدة في الواقع بسبب آليات الاقتصاد الريعي، وقامت بإفشال أغلب المشاريع التنموية الوطنية وحركات التحرر التي قامت بها البرجوازيات الوطنية وحاربتها بشدة، ولن نجد مثالًا أفضل من مشروع قناة السويس والسد العالي أيام الناصرية في مصر.

هذه الحروب التي ولدت عداءً واضحًا في المنطقة تجاه الإمبريالية، هذا العداء تم تحجيمه عن طريق الإمبريالية ذاتها التي طبّعت وجودها عن طريق النيوليبرالية وسياسات الانفتاح في المنطقة على الاقتصاد الغربي، خاصة أيام السادات، وانفتاحه على الملكيات الموالية للمعسكر الغربي. ونتيجة لذلك؛ فرضت هذه البنى والشبكات الاقتصادية على الأنظمة العربية قبول إسرائيل كواقع في المنطقة، وقبول الهيمنة الإمبريالية كضامن للوضع القائم، وعلى رأس هذه الأنظمة: النظام المصري والأردني. فتحول شعار “نعم للغرب لا لإسرائيل” الذي كانت تتبناه هذه الأنظمة إلى “نعم للغرب نعم لإسرائيل”، أي بمعنى نعم للهيمنة الغربية.

كانت كامب ديفيد نقطة تحول، ليس فقط سياسيًا، كانت نقطة تحول فكرية مهمة؛ صُدمت فيها الأيديولوجيا العربية بالوجود الإسرائيلي في ثقافة كرسها النظام العربي كحقيقة لا مناص من تقبلها، أضف إلى ذلك هيمنة ما يسميه جاك لوغوف بـ “سياسة الذاكرة” والتي يقول عنها شارحًا: “إنه تحت ضغط التاريخ المباشر الذي تصنع جزءًا كبيرًا منه وسائل الإعلام في غمرة الأحداث، يجري السعي حثيثًا نحو إنتاج الذاكرات الجماعية إنتاجًا متناميًا؛ وهكذا يُكتب التاريخ، منذ أمد قصير، وكما لم يحصل ذلك من قبل، تحت ضغط هذه الذاكرات الجماعية”.

هذه السياسات جعلت من إسرائيل كيانًا منفصلًا عن نسيج وسياق معقد من الهيمنة الغربية على المنطقة، تحت سنين طويلة من التطبيع، هذا التطبيع مع الإمبريالية بأشكالها هو ما تسبب بفقدان المنطقة العربية ذاكرتها المملوءة بالمآسي بسبب الإمبريالية والاستعمار، وأصبحت تتعامل مع هذه الهيمنة ومع هذا الاستعمار المباشر الموجود ككيان غاصب على أرض فلسطين أمرًا واقعيًا ومستقلًا تاريخيًا عن تاريخ الهيمنة الغربية على العالم العربي، ولعل أفضل وصف لهذا التاريخ الممنهج من إفقاد الشعوب ذاكرتها هو ما قاله الناقد الراحل مهدي عامل بـ “فقدان صدمة النكبة”، فالإمبريالية أفقدت العرب صدمة مآسيهم.

نشر في صحيفة التقرير الإلكترونية

في التعذيب

 

/home/wpcom/public_html/wp-content/blogs.dir/d60/34214073/files/2015/01/img_5679.jpg

 

نشرت وكالة المخابرات الأمريكية «سي آي إيه» الشهر الماضي تقريرًا ذكرت فيه تفاصيل التعذيب أو كما تسميه «أدوات الاستجواب والتحقيق المحسنة»  الذي مارسته على المعتقلين بعد أحداث 11 سبتمبر من عام 2001. لست أكتب هنا بصدد شجب الأفعال هذه أو للحديث عن منظومة القيم الأمريكية التي ينظّر لها الإعلام الأمريكي اليميني بشكل دفاعي يعترف فيه بشرعية ووجود هذه القيم ويبرر لمثل هذه الأفعال، أو الإعلام الليبرالي الذي ينكر هذه الأفعال لأنه يؤمن بوجود منظومة القيم هذه، ولكنه يقول إن مثل هذه الأفعال تنافيها. ففي الواقع كلاهما يؤمنان بوجود هذه الخرافة، ولكن هناك فريق يدافع عنها بشكل مباشر وآخر يدافع عنها بشكل غير مباشر.

إن وجود مثل منظومات القيم الأخلاقية هذه للدول الحديثة، هو في الواقع ينافي طرق عملها الحقيقية فيما يتعلق بمثل هذه الأمور، فإن تطور مفهوم التعذيب والقسوة بشكل عام خاصة في الدول الحديثة وإختلاف أسلوبها في التعذيب عن الإمبراطويات وأشكال الدولة الما قبل حديثة هو مسألة مهمة لفهم كيف حدث هذا التعذيب من قِبل المخابرات الأمريكية وكيف بررت الدولة لنفسها ذلك وماهي الطرق التي استطاعت من خلالها نفي المسؤولية الأخلاقية عنها، ولماذا هذا الصمت من قِبل المجتمع الأمريكي، ولماذا تحدث أفعال كهذه في دول ديمقراطية رغم أن التعذيب هو من عادة الدول ذات الأنظمة الشمولية؟

إن مفاهيم التعذيب هي مفاهيم استثناء أو إقصاء بالمقام الأول، حيث التعذيب يتم تحت غطاء إقصاء الشخص الذي يتم تعذيبه من مجتمعه السياسي وبالتالي من إنسانيته ليصبح إنسانًا ذا إنسانية عارية (Bare life) وسأتحدث لاحقًا عن هذا المفهوم. بإمكاننا القول بأن التعذيب هو استخدام السلطة سلاح الإقصاء من خلال سلطتها على المجتمع الذي بدوره عبر تأثير سلطة الدولة عليه سيتقبل تنحية هذا الشخص من دائرته المجتمعية والتي تعطيه شرعية الحياة في الواقع.

فكما يذكر أغامبين أن مواطني الدولة الحديثة لا يملكون حقوقًا في الأصل وإنما هي معطاة لهم وإنما لم يُجرّدوا منها حتى الآن، وإذا ماجُرّد شخص من حقوقه السياسية فيُعتبر شخصًا مهدور الإنسانية أو الأهلية اللازمة للعيش كفرد كامل الحقوق في المجتمع إذا صح التعبير.

قبل أن نخوض في ذلك كله يجب الإشارة إلى تحولات تاريخية في مفاهيم القسوة والوحشية والتعذيب، والتأكيد على أن التعذيب كمفهوم ليس بالمصطلح الجامد على الأقل تاريخيًا. فتجدر الإشارة إلى أطروحة طلال أسد أستاذ الأنثروبولوجيا المعروف عن مفاهيم القسوة في المجتمعات الغربية الحديثة التي قدمها في ورقة مُضمّنة في كتاب “المعاناة الاجتماعية” بمشاركة كتاب آخرين.

فيشير طلال أسد أن هناك 4 نقاط تحدد محاور النقاش في مفاهيم التعذيب الحديثة، وتعمل هذه المحاور أيضًا كمقياس للمعايير الأخلاقية في الحضارة الغربية والتي هي غير قابلة للقياس عادةً.

أولًا: أن التاريخ المعاصر للتعذيب ليس نتيجة تطور تاريخي للقسوة واللاإنسانية والحط من قدر الإنسان وكرامته فقط، بل هو جزء من تاريخ معقد من العلمنة الحديثة لمعاني متعددة مثل معنى الإنسانية.

ثانيًا: أن الألفاظ الواردة في قوانين حقوق الإنسان والمنهي عن انتهاكها مثل التعذيب والقسوة واللاإنسانية صحيحٌ أنها تبدو اليوم كألفاظ عابرة ومشتركة بين الثقافات وتعمل كمعيار للأحكام الأخلاقية، ولكنها في نفس الوقت تشتق طبيعتها العملية من ثقافتها المحلية فقط لا العالمية.

النقطة الثالثة التي يطرحها أسد، هي كيفية تصور مفهوم المعاناة والذي يتضمن مفهوم المعاناة العقلية والأفعال التي تحط من إنسانية الآخر، والتي تنطبق على الكائنات الأخرى غير الإنسان. أخيرًا، يتطرق طلال أسد للنقطة الأهم ألا وهي أنّ التفاني في عصرنا الحديث لإنهاء معاناة الإنسان غالبًا ما يتعارض مع التزامات وقيم أخرى مثل: حقوق الأفراد وحرية اختيارهم وأيضًا واجب الدولة في الدفاع والمحافظة على مصالحها.

الهوموساكر والحياة خارج الحياة

إن مفهوم الهوموساكر -وهو مصطلح لاتيني- أو الـ(Homo Sacer) الذي ارتكز عليه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين في كتابه المهم “الهوموساكر: السيادة والحياة العارية” هو نقطة انطلاق جيدة لفهم حالة استثناء الشخص المُعذَّب من صفاته البشرية ومميزاتها أثناء خضوعه للتعذيب.

وجدير بالذكر أن مصطلح الهوموساكر لم يترجم للعربية بعد وهو مصطلح مركب؛ ولذلك آثرت أن أتركه كما هو وأحاول أن أشرحه لكوني غير مختص بالترجمة ولا أريد أن يساء فهم ترجمتي بشكل غير ما يقصده أغامبين. فأغامبين يطرح هذا المصطلح ليوضح كيف تنتقل الدول الديمقراطية إلى شمولية، وكيف أن هذه المعاملة ” الحيوانية ” ووسائل التعذيب الحديثة للبشر كما يسميها ليست طبيعة بشرية بل مُحدثة، فما هي إلا نتيجة لسيادة المجتمعات الحديثة الأكثر تطورًا وتعقيدًا.

ولنفهم نظرية أغامبين بشكل مقتضب عن الهوموساكر يجب أن نعود للإغريق، الذين لم يكن لديهم مصطلح وحيد يعبر عن الحياة؛ فالفلاسفة، مثل أفلاطون وأرسطو، كانوا يقسمون أنواع الحياة بناء على معايير معينة بسبب غياب هذا المصطلح الوحيد الكافي للتعبير.

فقد كان الإغريق يستخدمون مصطلحين للتعبير عن ذلك، هما: زوي (zoe) وبايوس (bios) حيث تعبر كلمة زوي (zoe) عن الحقيقة البسيطة لحياة كل الكائنات الحية مثل الإنسان و الحيوانات أو ما يسميه أغامبين الحياة العارية  Bare life، أو بإمكاننا النظر للمصطلح بأنه يعني الحياة غير المسيّسة، فالطفل مثلًا ينتمي إلى مفهوم زوي لأنه ليس كائنًا مسيّسًا. أما بايوس (bios) فتعني الحياة السياسية أو الحياة الاجتماعية الشرعية بالنسبة للفرد أو للجماعة. بالعودة لمفهوم الهوموساكر، الهوموساكر في القانون الروماني هو الشخص الذي يرتكب جُرمًا معينًا فيتم عقابه عن طريق إخراجه من دائرة البايوس إلى دائرة زوي عنوة، وتحويل هذا الإنسان لكائن مساوٍ للحياة الحيوانية العارية الغير سياسية، ليصبح قتل هذا الشخص مثلًا أو ارتكاب أي جرم بحقه لا ينطوي عليه عقوبة أو تجريم، أو بصياغة أخرى يمكن قتله بحَصَانة.

و يجدر التنبيه بأن الهوموساكر هو ليس زوي بالضرورة، ولكن الهوموساكر هو كل من يتم إنزاله من البايوس إلى زوي بالقوة. هذا الإخراج من دائرة الإنساني السياسي للحياة العارية هو ما تسميه حنة أرنت توحيش الإنسان (beastialization of man)، وهو نقل الإنسان من دائرة الإنسان الشرعي إلى الزوي المقدس؛ والتقديس هنا بمعنى الانتماء لغير الإنساني أو الانتماء لدائرة خارج المجتمع وليس بالضرورة المقدس المتعالي الديني فقط. إن عملية الإقصاء -على حسب تعبير أغامبين- هذه  تقابلها في مفاهيمنا الحديثة للمجتمع وعلاقته بالدولة بأنه إخراج للفرد من دائرة حقوق المواطنة إلى اللامواطنة حينها يصبح الشخص عاري الحياة وعديم الحقوق أو كما تضعها حنة أرنت بطريقة مباشرة: “لا حقوق للإنسان خارج المواطنة”، فإذا ما تم انتهاك حقوق هذا الشخص المجرد من مواطنته تصبح عملية معاملته بهذه الطريقة أمرًا ذا صبغة شرعية.

مثال جيد على نظرية الهوموساكر هو أنه في إحدى المناظرات على القناة الإخبارية الأمريكية NBC حول تعذيب معتقلين جوانتنامو، كانت إحدى الحجج تدور حول ثنائية الأخلاقي والقانوني (ethico-legal)، فطبقًا لهذا المنطق قال أحد المناظرين بأن معتقلي جوانتنامو هم أساسًا من نجوا من القصف. وبما إنهم كانوا مستهدفين من قبل القصف “الشرعي” الأمريكي فلن يهتم أحد لما يحدث لهم بعد ذلك؛ فهم طبقًا لهذه الحجة هم بين موتين، أموات بنظر المجتمع وأحياء بيولوجيا.

مفارقة السيادة والبيوسياسة

ما يجعل نظرية أغامبين مهمة في أيامنا الحاضرة هو تركيزه على مفهوم الهوموساكر ضمن نطاق الدولة الحديثة. والتي بالنسبة له لها قيمة تميزها عن أشكال الدول السابقة، ألا وهي كما يسميها مفارقة السيادة (paradox of sovereignty) والتي استلهم مفاهيمها من المفكر الألماني كارل شميت، والتي تقول بأن مفارقة السيادة هي أن يوجد السّيادي أو المتسيّد مثل الملك في الملكيات القديمة أو المجتمع في الدول الديمقراطية داخل و خارج الدائرة القانونية في نفس الوقت.

فالمتسيّد يستطيع أن يوقف عمل القانون إذا شاء، ليصبح هو شرعيًا خارج القانون وواضعًا لهذا القانون ومحددًا من يشمله ووقف عمل القانون عليه في الوقت ذاته. تعمل هذه المفارقة طبقًا لأغامبين في مجالات عدة في دولة الأمة الحديثة، من هذه المجالات مجال السياسة الحيوية أو البيوسياسة. فأغامبين يعتبر أن النظرة البيوسياسية للمواطنين بمعنى النظرة لهم كمكونات حيوية مجتمعة تشكل مفهوم الدولة، هي تنص على أن البشر ذوي حياة عارية بالمفهوم السابق الذي أشرت إليه أُضيف لهم حقوق سياسية فقط لا غير، لتصبح هوية الدولة (المتسيّدة) فعليًا هي مجموع تلك الحياة العارية لمواطنيها تعطيهم حقوقًا إن أرادت و تنزعها عنهم إن أرادت، والذين هم ذاتهم متسيدون بشكل جمعي! ويستطيع هذا المجتمع المتسيّد أن يوقف القانون أو الحقوق القانونية لشخصٍ ما من خلال نزع الحقوق السياسية عنه ليجعل منه هوموساكر بالإمكان اضطهاده أو قتله بدون تجريم قانوني. وهذا ربما إجابة لسؤال لماذا لا يُستفز المجتمع حين تمارس حكومته التعذيب على شخص ما، فتحت غطاء الأمن القومي أو الحرب على الإرهاب يصبح هذا المجتمع قابلًا لتحويل هذا “الإرهابي” إلى شخص عاري الحياة وبالتالي لا يكترث لتعذيبه أو ما يجري له من خروقات للقانون وحقوق للإنسان.

الديمقراطية والعنف والرأسمالية

من الخصائص الحديثة لمسألة التعذيب التي يجدر الإشارة لها، هي ظهور استراتيجيات اقتصادية بهذا الخصوص تعبر عن منظومات عمل رأسمالي. من هذه الظواهر ظاهرة التعهيد (outsourcing) أو استئجار الكفاءات أو القوى العاملة من طرف ثالث. فقد كشف التقرير الخاص بوكالة المخابرات الأمريكية عن استخدام شركات أمنية خاصة -مماثلة للتي استخدمتها أمريكا في حروبها في العراق مثل شركة بلاك ووتر- ساهمت في التعذيب أو ابتكرت وسائل جديدة لخدمة المخابرات الأمريكية في ممارسة التعذيب على سجنائها.

وكشف التقرير عن توجه جدي لتحويل التعذيب إلى تجارة لأسباب عديدة منها أسباب أخلاقية؛ فهذه الشركات أو الحكومات التي شاركت في التعذيب لخدمة المصالح الأمريكية هي التي تقوم بالأعمال “القذرة” للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي لا تحمل الولايات المتحدة مسؤولية أخلاقية مباشرة إذا ما قامت مثلًا دولة حليفة لها بتعذيب مواطن من هذه الدولة بناء على طلب الولايات المتحدة.

في نفس السياق بإمكاننا ربط مسألة العنف والرأسمالية بالدول الديمقراطية، فبعض مفكري اليسار ونقاد الرأسمالية يعتبرون أن أفعالًا مثل هذه تعبر عن ذوبان وانحلال متدرج للعلاقة بين الديمقراطية والرأسمالية.

فما وصلنا له من دولة رفاه وديمقراطية في الحاضر يخوض معركة بقاء في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية وأزمات الرأسمالية، والتي أثرت على القيم الديمقراطية خصوصًا في الدول الإمبريالية. التي لم تستطع احتواء الامتعاض المحلي والعالمي على عدم قدرة النظام الرأسمالي الحالي توفير حياة الرفاه إلا عن طريق العنف وتضييق الحريات والظهور بشكل الأنظمة الشمولية. ويأخذ مفكرو اليسار تطور رأسمالية الدولة في الصين ونمو القطاعات الخاصة فيها مثالًا على انتهاء هذه الثنائيات القديمة، مثل: ثنائية الرأسمالية والحريات البرجوازية وحقوق الإنسان بمفهومها البرجوازي الليبرالي، و هذا من أهم تمرحلات الأزمة العالمية الاقتصادية وصعود النوع الجديد من الرأسمالية أو ما يسمى بالرأسمالية ذات الخصائص الآسيوية، أو بلفظة أقصر الرأسمالية الأوتوقراطية.

نشر في صحيفة التقرير الإلكتروني : http://altagreer.com/%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b0%d9%8a%d8%a8

السينما كفلسفة

Untitled (2)

عندما نشاهدُ فيلمًا عميقًا، فيلمٌ يثير لدينا أسئلة ذات أصولٍ فلسفية، فيلم يجعلنا نستشعر مقولة جان لوك غودار: “إن السينما هي أجمل خدعة على الإطلاق”، خاصةً تلك الأفلام التي أخرجها مُخرجون كبار في تاريخ السينما مثل تاركوفسكي، بيرغمان، فيسكونتي، أنجلوبولوس، قودار، باراجانوف وغيرهم من مخرجين كبار صنعوا أفلامًا ليست مشابهة لتلك الأفلام التجارية التي تستهدف المتعة اللحظية فقط وتنتهي هذه المتعة وتنتهي علاقة الفيلم بالمشاهد بانتهائه.

إن فلسفة السينما أحد الموضوعات التي أُهمل نصيبها من الترجمة والكتابة في العالم العربي. ربما لقلة المشتغلين بالفلسفة من العرب بالسينما أو ربما لاعتبار الاهتمام بهذه الأمور وبمجال الاستطيقا بشكل عام من مظاهر الترف، خاصة في منطقة تغلب عليها الأزمات السياسية والخلافات الدينية. بعكس الفلاسفة الغربيين الذين اهتموا بمجال السينما وحللّوها من عين الفيلسوف المفكِّك للمَشاهد وللأفكار المطروحة في الفيلم، فلاسفة مثل ثيودور أدورنو والفيلسوف الفرنسي جيل دولوز والذي يحتل مكانة خاصة في مجال الفلسفة السينمائية وإسهامات هنري بيرغسون، وجاك دريدا وآلان باديو وفلاسفة معاصرين مثل سلافوي جيجيك وجاك رانسيير وجورجيو أغامبين، أيضًا من نقاد ومنظرين سينما كبار مثل أندري بازين وكريستيان ميتز وجان ميتري وبازوليني وإيريك رومير.

نقطة بداية جيدة لهذا الموضوع المتشعب هي بتحرير مصطلحاته والوقوف عند الحاجة لهذه الفلسفة في حياتنا اليومية وتأثير السينما بشكل عام، ومن أجل معرفة حدود وأين تقف فلسفة السينما وإشكالات التأويل.

ما هي السينما؟ ما هي فلسفة السينما؟

يعتبر أندري بازين في عمله الرائع من جزئين بعنوان “السينما ما هي؟”، أن سؤال “ما هي السينما؟” سؤال أنطولوجي، بمعنى أنه فعليًا سؤالٌ عن كيفية قيام السينما بجمع أجزاء مختلفة وظيفيًا، وأدوات تعبيرية متفاوتة في قدرتها على التعبير، وأساليب وتقنيات مختلفة لإنتاج وحدة كاملة هي الفيلم.

فالأنطولوجيا تُعرف بأنها دراسة الوجود، لكن ككل الدراسات اختلف الفلاسفة تاريخيًا والمفكرون بينهم فيما تعني الإنطولوجيا بالنسبة لكل منهم. بالعودة إلى السينما، فبإمكاننا اعتبار السينما هذا الوسط الخلَاق الذي باستطاعته أن ينتج أشياءً مختلفة. هذا الوسط -أي السينما- الذي يعنيه فلاسفة السينما ومنظّروها عندما يتحدثون عن ما يحكُم ويحرّك وينتج خواص هذا الوجود في حديثهم عن الأنطولوجيا.

إن صناعة الفيلم بأنواعها قد أعادت تشكيل المعرفة من خلال ما تقدمه من طرق مختلفة في طرح وتقديم الأفكار وتغيير مسلّماتنا وإثارتنا بكل الأشكال الانفعالية، كل هذا من خلال المجال المفتوح لها للافتراض وإبداع المتغير وتحقيق هدف معين.

ومن خلال هذا المجال المفتوح من الأدوات، يقوم الفيلم بعرض آرائنا في الأشياء من حولنا والتشكيك فيها، بل حتى التشكيك والتفكير في طريقة تفكيرنا ذاتها كعملية خاصة بالإدراك. من خلال هذا النوع من الطرح، يصبح أيضًا سؤال “ما هي السينما؟” سؤالًا فينومونولجيًّا، حيث هذه الاستنتاجات السينمائية للوعي والوجود كائنة ومتلقاة عبر إدراكنا للتجربة والحركة السينمائية.

لذلك يعتبر بازين “أن السينما لم تُخترع بعد”، فما السينما إلا إنزال مفاهيمنا الإدراكية حول السينما لمستوى المشعور به، لكن هذه الوِحدة -الفيلم- لم تخترع بعد. وهذا شيء خاص بالسينما وحدها وبأنطولوجية صورها فقط. فالسينما كما يعتبرها جاك رانسيير “تعبر عن صورة علمانية للفن”؛ بمعنى أنها تفصل ما بينها وبين الفنون الأخرى وما يسميه بالنظام الاستطيقي (aesthetic regime) بخط واضح ولا تكتفي بالاختلاف عن الفنون الأخرى لمجرد الاختلاف بالأدوات، بل تختلف مع نفسها أيضًا لتمتلك هوية اختلافية قادرة على التعبير عن طرف ثالث على حد تعبيره في استحضار واضح لمفاهيم جدلية هيجلية. وسأكتفي بهذا التفكيك لبازين بدلًا من الإطالة في التعريفات الأكاديمية للسينما والتي قد لا تخدم موضوعنا.

أما ماهي فلسفة السينما؟ فهو سؤالٌ صعب أن يُختصر جوابه، ليس فقط لأنها امتداد من فلسفة الجمال المتشعبة والتي يطول الحديث عنها، بل لأنها تغيرت وتطورت بتطور آليات وتقنيات السينما بشكل أسرع وأكثر من أي مجالٍ فنيّ آخر. فمن السينما الصامتة أو السينما-الحركة كما سماها وخصها جيل دولوز بمؤلف مهم، إلى السينما الزمنية وتقنيات التقطيع والمونتاج أو ما أسماه دولوز الصورة-الزمن في مؤلفه الثاني.

فالفلسفة السينمائية تبدأ من الصورة الصوتية المتحركة، حيث تنتج هذه الحركة للصورة ما يسمى “صيغة سينمائية”   ( Cinematic form ) ، هذه الصيغ تعتبر شبيهة بقنوات الاتصال فهي طريقة تواصل وحامل للمعلومة والدلالات اللغوية، وليس فقط قادرة على إيصال الرسالة وقادرة على الكشف عن “كيانات” مادية واجتماعية، بل إنتاجها أيضًا وهذا من خصائص السينما فقط ربما.

كل هذا يُنتج ما أسماه دولوز بالصورة-الإحساس والصورة-الفعل التي بالرغم من قدرتها الكلامية من خلال النص السينمائي؛ إلا أنها لدى دولوز ليس لها لسان ولا لغة؛ بل هي كتلة تشكيلية ومادة غير دالة، ليحيلنا دولوز إلى مرحلة السيميوتيك (علم الإشارة العامة) الذي يعرّفه بأنه منظومة الصور والإشارات المستقلة عن اللغة. ليصبح الفيلسوف السينمائي ليس مجرد مشاهد سلبي، بل مشارك في هذه الشبكة من الدلالات والإشارات اللغوية من أجل تكريس وترسيخ المبدأ أو تحليل الإشكال الذي يناقشه الفيلم عبر هذه المادة الإعلامية المعقدة من صوت وصورة وحركة وإضاءة ونص وألوان، إلخ.

لذلك عن طريق ما توصلنا له مسبقًا نستطيع القول إن فلسفة السينما بشكلها التحليلي هي دراسة هذه الصيغ السينمائية ودلالاتها، أو بصيغة دولوز هي ممارسة جديدة للصور وللعلامات.

قدرة وحدود السينما على التعبير عن الفلسفة

تاريخيًّا، قلل العديد من المفكرين من قدرة السينما على التفلسف ويعترف بذلك كريستوفر فازلون أحد المدافعين عن السينما في هذا المجال في كتابه “الفلسفة تنتقل للأفلام” أنه: “منذ الحديث عن كهف أفلاطون، كان هناك تحامل على قدرة الصورة المرئية على التنوير الفلسفي”.

فعندما نتساءل عن إلى أي أحد بإمكان السينما التعبير عن الفلسفة؟ فمن وجهة نظري وهنا بالتأكيد لا أعمم قدرة الأفلام كلها على التعبير عن الفلسفة، فالكثير من الأفلام أفلام خفيفة تقصد نوعًا معينًا من المتعة أو أفلام تجارية لا تعبر عن محتوى يستحق الذكر. ربما يخطر مباشرة على بال أحدهم بأن مقدرة السينما على التعبير عن الفلسفة هي نفسها القدرة التعبيرية للفلسفة في الكتب والنصوص المقروءة، وهذا ليس صحيحًا.

فالسينما لا تعبر بفجاجة عن الفلسفة، وإنما تواجه الأسئلة الفلسفية بطريقتها الخاصة، وفعليًّا تلك هي الفلسفة: الاسم الجامع لجميع التساؤلات الإنسانية الأساسية. ففي كتابه الشهير “نقد العقل المحض”، أشار إيمانويل كانط إلى أن الفلسفة تحاول الإجابة على ثلاث تساؤلاتٍ رئيسة: ماذا باستطاعتي أن أعرف؟ وما يجدر عليّ فعله؟ وإلى ماذا آمُل؟ وهذه التساؤلات بداية جيدة لربط الفلسفة بالسينما.

فأفلام مثل أفلام تاركوفسكي التي تتساءل عن معاني الذاكرة والحلم والوطن والحنين إلى أفلام بيرغمان الأولى عن الأسئلة الوجودية عن اللاهوت والمغزى من الحياة إلى أفلامه المتأخرة عن العلاقات الإنسانية  والعاطفية… مثل هذه الأفلام، لا تمارس الفلسفة بشكل مباشر. فهي وسيلة تعبير عن الإشكال الأوليّ، فكما قال دولوز الذي انشغل بالسينما كوسيلة تحطيم لدوغمائية الفكر: “إنّ البحث عن وسائل جديدة للتعبير الفلسفي كان قد دُشّن من قبل نيتشه وينبغي اليوم أن تتمّ متابعته بالتجديد الذي شهدته بعض الفنون الأخرى مثل المسرح والسينما”.

سؤال آخر هنا: ما الفائدة من هذه الطريقة الجديدة في التعبير؟ هذا سؤال جيد لدى سلافوي جيجيك الذي لا يكتفي بالحاجة للتعبير عن الفلسفة، بل يبذهب للقول إن السينما تخبرنا عن الواقع في الحقيقة وتخبرنا كيف يعمل الإيمان بعُرف الواقع أو ما يسمّيه بـ “مفارقة الإيمان” ( paradox of belief)، فالواقع لدى جيجيك غير مكتمل وعدم الاكتمال هنا ليس بالمفهوم الكمّي، ولكن بالمعنى التحقّقي. فالواقع لن يتحقّق كليًا مهما يكن.

فيُصبح دور السينما وصف عدم الاكتمال هذا. فمثلًا، يتساءل جيجيك: لماذا ننبهر بالأفلام الخيالية -بغضّ النظر عن المؤثرات البصرية المُبهرة- رغم معرفتنا التامة بأن هذه المشاهد هي زيف وخرافة؟ هنا يصبح الحديث عن ما هو واقعيٌّ في الخيال وهو مكمّل للواقع غير المكتمل، وهنا قوة السينما الكبرى بالنسبة له، وكما يقول: “إننا نحتاج لفسحة من الخيال لنحدد بالضبط أين نحن في الواقع .”

عن التأويل السينمائي

إن القراءة للفيلم كطرح فلسفي هو تأويل له بطريقة معينة، فلماذا نقول إنّ أحد أفلام  هيتشكوك يساوي بين الجنون والعقل؟ ونذهب لتحليلات فرويدية لفهم الفيلم بينما قد يكون المعنى مختلفًا تمامًا؟ وهل هذا التفسير يغطي جميع جوانب الفيلم فعلًا أما أنه تأويل لجزء بنى عليه المتابع تأويله الخاص؟ هذا النوع من التأويل الاجتزائي الذي رفضته سوزان سونتاغ صاحبة العمل المعروف “ضد التأويل ومقالات أخرى”، والتي ترفض التأويل بشكله الاجتزائي الذي يأخذ جانبًا معينًا ويبني عليه تفسيرًا لمتحوى العمل الفني. لتحليل هذا الإشكال كتب ديفيد بوردويل كتابًا هو من أهم المؤلفات في هذا المجال بعنوان: “صنع المعنى”، فيطرح سؤالين أولهما: كيف لشخص أن يفهم ماذا يعني الفيلم؟ وإلامَ يشير أو يطرح أو يناقش؟ حيث هناك دائمًا أشياء نسبية بخصوص الفيلم أو في أجزاءٍ منه وهذا ما يسمى بالأسلوب التفسيري ( exegetical model )  ألا وهو التأويل لاستخلاص المعنى الشبيه بتأويل النص المكتوب.

والسؤال الثاني: هل هو هذا الأسلوب الصحيح في تأويل الأعمال السينمائية؟ الإشكال هنا هو في معاملة السينما كنص أو ما يسميه بوردويل “قراءة السينما”؛ وهو أن السينما لها بُعد مختلف وضيق مقارنة بالنص المكتوب، حيث للقارئ القدرة الأكبر في تحديد المعنى لكون فسحة وحيز الخيال أكبر عندما يحول الرمز والحرف المقروء لصورة في خياله، بينما في الصور التأويل يكون مختلفًا يكون أشبه بتأويل لغوي، وسؤال مثل هل اللون الأحمر الذي أراه هو ذات الأحمر الذي تراه؟ على الجانب الآخر هناك الخط الآخر للتأويل السينمائي الذي يعتمد على افتراض أساسي ألا وهو امتلاك معرفة مُسبقة لما تعنيه الدوافع النفسية لفعل ما أو لقول ما، وهذا التحليل الذي يعتمد على التحليل النفسي هو خط حديث في هذا المجال مقارنة بغيره. من أهم متبعي هذا الخط هو سلافوي جيجيك الذي يتخذ من المعاني اللاكانية -نسبة لجاك لاكان عالم النفس المعروف- أساسًا ننطلق منه للتأويل. فنحن نعرف ماذا يعني الواقع واللذة والخوف والأيدولوجيا، إلخ.

ختامًا، أحب أن أستذكر رأي تاركوفسكي في التجربة السينمائية من كتابه “النحت في الزمن”، الذي يقول فيه:

“لماذا يذهب الناس إلى السينما؟ ماذا يأخذهم إلى غرفة مظلمة لمدة ساعتين ليشاهدوا عرضًا لمجموعة ظلال على ستار؟ هل يبحثون عن الترفيه؟ هل هم بحاجة إلى مخدر من نوعٍ ما؟ هناك الكثير من المنظمات حول العالم تستغل السينما والتلفزيون وأشياء أخرى.

نقطة البداية بالنسبة لنا هي أن لا نكون من ضمن هؤلاء، بل أن نكون ضمن أساسيات السينما المهمة، والتي تُعنى بحاجة الإنسان لتطويع ومعرفة العالم. وأنا أعتقد شخصيًا، أن الشخص منا يذهب للسينما من أجل الوقت: الوقت الذي ضاع منه أو قضاه وانتهى أو الوقت الذي حتى الآن لم يحصل عليه. فيذهب إلى السينما ليعيش تجربة، فالسينما تختلف عن بقية الفنون بأنها تحسّن وتوسّع وتكثّف التجربة الشخصية للإنسان، ولا تكتفي بتحسينها فقط، بل تطيل من مدتها وهذه قوة السينما”.

نشر في: صحيفة التقرير الإلكترونية