مقالات مختارة

تحديقة عوليس – عبدالله حبيب

 

ليس “عوليس” في عنوان الفيلم هو عوليس “إلياذة” هومر Homer، ولا “عوليس” جيمس جويس James Joyce أو نيكوس كازانتزاكي Nikos Kazantzakis (مادام المخرج مهتماً بالتاريخ والزمن في كافة أفلامه) كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى. في الحقيقة ليس هناك شخصية باسم “عوليس” في الفيلم الذي لا تدور أحداثه أصلاً في عصر الملاحم الإغريقية مثلاً، بل في تسعينيات القرن الماضي. وبذلك فإن الاسم الأسطوري العتيد “عوليس” قد يكون الكاميرا الملحميَّة التي تقدِّم لمدة ثلاث ساعات تقريباً رؤيا هومريَّة معاصرة لتاريخ حديث لكنه غارق في ضباب ملغز مثل ضباب الأسطورة الإغريقية القديمة. أو قد يكون “عوليس” هو التجسيد الرمزي في بطل العمل، أي شخصية المخرج السينمائي اليوناني الذي قام بدورها باقتدار استثنائي هارفي كيتيل، والتي ليس لها اسم في الفيلم نفسه؛ ولكن عندما ينتهي الفيلم، وتظهر “التترات” حاملة أسماء الممثلين مقابل أسماء الشخصيات التي قاموا بأدوارها فإننا نكتشف للمرة الأولى أن هارفي كيتيل قد قام بدور شخصية تدعى “أ”!. وبما أن “أ” هو أول حروف اسم “أنغِلوبولُس” المخرج، فربما كان “عوليس” الفيلم هو أنغِلوبولُس نفسه، خاصة وأن هذا المخرج معروف ببصماته البيوغرافية في أفلامه. ولكن، أليس من شأن تسمية شخص بحرف واحد فقط هو الحرف الأول من اسمه أن يُذَكِّر المرء تلقائياً بمبدع كبير آخر، أعني كافكا Kafka الذي أسمى إحدى شخصياته في عدة أعمال بالحرف الأول من اسمه: “ك”؛ نعم إنه “ك” الذي تاهَ في زمن “القلعة” الملغز مثلاً، والذي يتوه عندما تكون فكرة الرحلة- كما هو الحال في “تحديقة عوليس”- بنية للحبكة السردية. أنحن هنا، إذن، بصدد فيلم ٍهومريٍّ مُعَمَّدٍ ببصيرة كافكاويَّة؟. أعتقد أن الأمر كذلك.
يسرد فيلم “تحديقة عوليس”، إذن، قصة مخرج سينمائي يوناني يعود إلى بلاده في ليلة ماطرة بعد أن قضى خمساً وثلاثين سنة في المنفى في الولايات المتحدة ليشهد في مدينته الأم العرض الافتتاحي لفيلمه الأخير. نحن لا نعلم شيئاً عن هذا الفيلم، لكننا نعلم أن دخول قصة فيلم في فيلم يأتي بمثابة إلماح أصبح استخدامه مكروراً بعض الشيء في السينما الطليعية والبديلة منذ سينما “الموجة الجديدة” فصاعداً. لكن ينبغي هنا أن نحفل لهذا الأمر لجهة سياقيَّته من حيث ارتباطه بالثيمة الأساس للفيلم التي تنفي فوراً تهمة اللجوء إلى “الكلاشيه” الطليعي. كما أننا، في سياق الفيلم الأكبر الذي نشاهِدُ، نستطيع أن نحدس بمضمون الفيلم الأصغر ذاك حتى ولو لم، ولن، نشاهده، وذلك عبر مشاهدة عشرات من العربات المدرَّعة، ومئات من رجال الشرطة ومكافحة الشغب مدججين بالسلاح والدروع الواقية في شوارع المدينة التي يجري فيها عرض الفيلم الأصغر، ومن خلال معرفتنا- التي تحدث بالتزامن مع معرفة المخرج نفسه من طريق أحد أصدقائه- بأن جميع دور السينما في المدينة قد اعتذرت (أو أُجبرت على “الاعتذار”) عن عرض الفيلم.. تكفينا كل هذه المعطيات، إذن، من أجل استنتاج أن الفيلم مثير للجدل من الناحية السياسية. ولذلك لم يكن هناك بديل لإقامة العرض السينمائي في الهواء الطلق على الرغم من هطول الأمطار الغزيرة. ويا لهذا من مَجَازٍ حاذق وكثيف لدور الطبيعة في أفلام أنجيلوبولس (سأعود إلى هذه النقطة لاحقاً). 
لا تنقل لنا كاميرا الفيلم الأكبر شيئاً من أحداث الفيلم الأصغر على الإطلاق، بل تكتفي بأن ترينا التوتر الذي يتسبب به الثاني من خلال تقابُل المعترضين عليه ومؤيديه؛ إي تلك الحشود التي تشاهده تحت المطر باستغراق يبدو مغناطيسياً تحت المظلات الفرديَّة عبر ترتيب المشهد إخراجياً بشيىء من الأسلبة (stylization)؛ ذلك ان الفيلم الأكبر هذا لا يريد أن يُري ما هو مؤسَّس، بل يطمح إلى أن يَرى ما يتأسس. والإلماحة هذي تكفي المُشاهد الفَطِن. ومع فضاء السرد الذي يتسع تحت زخَّات المطر في لقطات تتساوى فيها درجات التركيز البؤري في المناطق الكلاسيكية الثلاث للكادر السينمائي (الخلفيَّة والوسط والمقدمة) فإننا نكون بصدد بعض خصائص لغة أنغِلوبولُس السينمائية: ضَمُّ الزمان والمكان الواقعين في خارج الكادر السينمائي إلى السرد (أو قذف السرد إلى خارج الشاشة)، وإضفاء الصبغة الملحميَّة على اللقطات الكبيرة من خلال استخدام تقنية التركيز البؤري العميق deep focus؛ وهما تقنيتان يقول أنغِلوبولُس في حوار صحفي قديم إنه تعلمهما بالتتابع من الياباني كِنجي مِزوغوتشي Kenji Mizoguchi-الذي تحدث بعض مشاهِدِهِ “خارج” الشاشة حقاً- والأمريكي التشريعي في هذه التقنية أرسُن ويلز Orson Welles في فيلمه الأشهر “المواطن كين” (1941). (وإن كان من الممكن لي الاستطراد فسأقترح بسرعة أن المصوِّر السينمائي الأمريكي العتيد غْرِغ تولَند Gregg Toland الذي لا تذكره إلا قِلّة اليوم، والذي تعاون مع ويلز في “المواطن كين”، يستحق أن يُذْكَرَ بنفس المقدار الذي يُذْكَرُ به ويلز الجدير بالتأكيد بكل احترام. لكن لا بأس في ذلك، فنظرية “المؤلِّف السينمائي”، مثل نظرية السرد ونظرية الأُمَّة ونظرية الدولة، لها ضحياها غير النظريين وغير القليلين أيضاً!)، إضافة إلى التعامل مع الطبيعة (المطر مثلاً) بوصفها عنصراً سردياً فاعلاً وليس ديكوراً مكانياً أو طبيعياً لتزويق السرد بصرياً.
وفي هذه الأثناء يلتقي المخرج السينمائي اليوناني العائد إلى وطنه بعد منفى طويل بامرأة غامضة لا نستطيع أن نعلم الكثير عن علاقته السابقة أو الحاليَّة بها من خلال حديثهما العابر في حنينه وتوتره، خاصة وأن الكاميرا تلتقط لقاءهما بحيادٍ لَقَطاتيٍّ. إن المُشاهدَ هنا مُغَيَّبٌ تماماً عن سؤال الزمن في العلاقة، بل إنه مضطر إلى التساؤل عما إذا كان لذلك أي أهميَّة. غير ان ما يتضح بعد قليل هو أن مناسبة عرض الفيلم الأصغر ليس بِكُلِّ ما أعاد المخرج السينمائي المنفي إلى بلاده في تلك الليلة “السينمائية” الماطرة (هذا إذا كان بين الأمرين أدنى علاقة أصلاً)؛ حيث نبدأ هنا في التعرف إلى ما هو واقع وراء هذا الأثر الطفيف من تقنية الـ”مَجَافِن” MacGuffin في أفلام هِتْشُكُكْ؛ بمعنى الذريعة الحدَثيَّة التي تقدم السرد للوهلة الأولى باعتبارها العنصر السردي الأهم، لكنها لا تلبث إلا أن تنسحب مفسحة المجال لعناصر سرديِّة أخرى سيتضح أن الأهمية تكمن فيها في إرباكها للقارب والصيَّاد والسمك جميعاً (وقد قلت إن ذلك الأثر “طفيف” فحسب لأن الذريعة التي تؤسس السرد هنا لن تنفصل لاحقاً عن جوهر الهاجس الثيماتي؛ فـ”المجافن” هنا ممزوج بـ “الليتموتيف” أو الفكرة الثيماتيَّة المهيمنة من حيث تعاقب ظهورها على الرغم من اختفائها أحياناً). 
يتضح لنا من السرد الفيلميِّ والتاريخي في “تحديقة عوليس”، إذن، انه في بدايات القرن العشرين، وبُعَيْدَ اختراع السينما في نهاية القرن التاسع عشر، كان الأَخَوان ماناكياس Manakias يجوبان منطقة البلقان بحريَّة وانطلاق تامَّين، ويصوران أفلاماً وثائقية حول أنشطة حياة الناس القاطنين فيها. حسن جداً، فالأمر يتعلق بتاريخ السينما في رقعةٍ ما من هذا العالم في نقطة يتعالق معها تاريخ المنطقة نفسه. ولذلك فإني لا أستطيع ابداً أن أغض النظر والسمع والذاكرة عن حقيقة أن اسم “الأخوان ماناكياس” يجلب، تاريخياً، صدى اسمياً للأخوان لوميير Lumière، مخترعا السينما. وفي هذا الصدى ما يقابل أهمية الأخوان ماناكياس التأسيسية على الصعيد البلقاني بأهمية الأخوان لوميير على الصعيد الفرنسي أو الأوروبي.
وفي دأبهما للتوثيق السينمائي للأنشطة الحياتية- اقتصاديَّة واجتماعيّة وثقافيَّة – في البلقان لم يكن الأخوان ماناكياس يُفَرِّقان أو يُمَيِّزان بين سكان المنطقة الواسعة بناء على اعتبارات الدين، أو اللغة، أو اللون، أو الإثنية، أو العرق، أو الطائفة، أو غيرها من الاعتبارات التي نعلم انها ستدخل لاحقاً في تشكيل النسيج الخصائصي للأُمّم التي انبثقت في البلقان؛ ذلك أنهما كانا يتحركان على أرض بلا حدود “سياسية” أو “وطنيَّة” أو “ثقافيَّة” بالمعانى المعاصرة لهذه الكلمات. وفي هذا السياق يتقاطع السرد عدة مرات في “تحديقة عوليس” مع إدخالٍ (insertion) لشريط وثائقي قديم بالأبيض والأسود في نسيج الفيلم الملوَّن نرى فيه نساء يغزلن النسيج بطريقة بدائيَّة كما كانت تفعل النساء في مختلف أنحاء الوطن العربي مثلاً. وليس أمامنا هنا سوى تصديق أننا نشاهد أحد أعمال الأخوان ماناكياس الوثائقية. لقد عاد المخرج إلى بلاده، إذن، لأن لديه مشروعاً لعمل فيلم وثائقي عن ذينك الرائدين السينمائيين في منطقة البلقان يوم كانت البلقان بلقاناً فحسب وليست دولاً وأمماً. وهو قد حصل على معلومات وثيقة مؤدَّاها أن ثلاثة من أشرطتهما التسجيلية السينمائية القصيرة التي لم تُحَمَّض بعد مفقودة، وانها ربما كانت موجودة في الأرشيف الوطني السينمائي في رومانيا، أو في البوسنة، وأنه مقتفٍ أثرها إلى هناك.
أوديسة التحديقة العوليسيَّة
يا له من بحث هائل ذاك الذي سيقود المخرج العائد من المنفى في رحلته الأوديسيَّة من اليونان إلى ألبانيا، ومقدونيا، وبلغراد، ورومانيا، وأوكرانيا، وصربيا، وكرواتيا، والبوسنة. لاشك أنكم لاحظتم معي أن بعض هذه “الدول” لم يكن موجوداً على خريطة “العالم” حين كان الأخوان ماناكياس يصوران أفلامهما الوثائقية في بدايات القرن الماضي وفي نفس المنطقة. بلى، لقد كان الناس هناك، وكانت المواشي هناك، وكانت الأنهار والبحار والأسماك والطحالب والقواقع هناك، وكانت الأحلام والشموس والنجوم والأقمار والخبز والأجبان والنبيذ والآلام هناك، وكان العشّاق وجراحاتهم هناك؛ كانت الأماكن هناك، لكن الدول والحدود السياسية لم تكن هناك؛ ويا له من فرق!. وفي البحث المضني هذا سيستمع المخرج السينمائي، وسنستمع معه بدورنا، إلى عدد كبير من اللغات واللهجات التي تتهجى تاريخاً ممزَّقاً ومسفوحاً في سرد المكان وذاكرة الزمن؛ إذ أن البحث عن الأفلام المفقودة حول الأنشطة الحياتية لسكان منطقة البلقان سيكون بحثاً من خلال السرد السينمائي عن تاريخ المنطقة التي يتشكل فيها الآن تاريخ جديد على أنقاض السرد التاريخي السابق، وعلى أنقاض الذاكرة القديمة.
وفي رحلته من اليونان إلى ألبانيا يستقل المخرج السينمائي اليوناني العائد من المنفى سيارة أجرة يقودها سائقٌ “زورباويُّ” الحساسيِّة والطباع من حيث توفر قنينة المشروب وكرعها أثناء القيادة على الطريق الجبليَّة الخطرة، ومن حيث توافر اللسان اللاذع بكميَّة وفيرة، ومن حيث امكانية الإدلاء بالحكمة البليغة والعفوية، ومن حيث فَوَرَان النزعة الصداقية الفائرة. “إن اليونان تموت!”، هكذا يتفجع السائق “الزورباويُّ” بحشرجةٍ أليمة كانت قد نَخَرَت صدر نيكوس كازانتزاكيس لزمنٍ طويل!. وفي هذه الرحلة التي يستفيق فيها “هوميروس” الإغريقي سينمائيَّاً يساعدُ المخرج السينمائي اليوناني المعاصر امرأة مسنَّة على عبور الحدود بين اليونان وألبانيا بحثاً عن أختها التي تقول انها لم ترها منذ سبع وأربعين سنة؛ فهي مثله منفيَّة أيضاً، وهي مثله تبحث عن زمن ضائع في ما استجدَّ على سرد المكان؛ إذ أن المرأة تلك، في بحثها عن أختها الضائعة والمفقودة، إنما تحاول العثور على مُعادِلها الشخصيِّ للسرد التاريخي الجمعي الذي أصبحت تفصله حدود بين الدول والأمم الجديدة. هذه الإشارة لإقامة الحدود ونفي الإنسان في سرد الأمة وتبرؤ الذاكرة هي قطعاً مُرَاد مشاهدتنا مع المخرج المسافر في الفيلم، وفي التاريخ أيضاً، عشرات من العمال الألبان الذين تم طردهم من مكان عملهم في اليونان إلى بلادهم التي لم يعد فيها “اشتراكية” موهومة ولا يوجد بها “رأسمالية” واهمة. إنها لحظة طاحنة ومطحونة معاً؛ فقد كان نظام تشاوتشيسكو Ceausescu قد أصرَّ على ضرورة هدم كل الدور العبادة اليهودية (المعابد) والمسيحية (الكنائس) والإسلامية (المساجد). غير أنه في ألبانيا تلك تحديداً ها هي المرأة العجوز تترجَّلُ من السيارة في ساحة المدينة الحدوديَّة حيث نسمع معها في الخلفية الزمانيّة لذاكرة الفيلم أذاناً يُرفع وآيات قرآنية تُتلى مُذَكِّرة بأحد مكونات السرد الثقافي لتاريخ المنطقة.
وبعد أن تكون السماء قد أمطرت لدى عودة المخرج السينمائي اليوناني المنفي إلى بلاده في بداية الفيلم، تواصل الطبيعة حضورها الغامر في السرد على اثر مغادرة السيارة إلى ألبانيا، حيث نرى عبر لقطات بانوراميَّة الجبال المغطاة بالثلوج وهي تشكل لوحة مقفرة، وشاحبة، و”باردة” في ما هو مثال نموذجي لدور الطبيعة في السرد لدى أنغِلوبولُس؛ حيث غالباً ما تقوم الطبيعة لديه مقام الشخصية الموازية، وذلك من حيث تعبير الطبيعة عما يعتمل في أعماق الشخصيات الآدمية التي تسافر فيها وعبرها وتجوس. وهذا يختلف تماماً عما يحدث في أفلام مخرج سينمائي كبير يهتم بالطبيعة اهتماماً خاصاً؛ أعني الياباني أكيرا كوروساوا Akira Kurosawa الذي يلجأ إلى الطبيعة من باب النذير والتكهن والاستباق والتنبوء، بمعنى أن هبوب عاصفة في أفلامه “الساموراييَّة” خاصةً يعني أن العاصفة القوية في هذا المشهد ستتبعها قريباً معركة ضروس في المشهد التالي أو الذي بعده (فيلمه الأشهر “الساموراي السبعة” (1954) مثلاً). لدى أنجيلوبولس، إذن، تفصح الطبيعة عن جوانيَّة الشخصيات ومناخاتها غير المرئيَّة، وأحياناً غير المعروفة، الغائرة، كما أنها تبوح بما يعتمل في روح المكان وذاكرته. وفي ذلك فإن عناصر الطبيعة في السرد السينمائي لدى أنغِلوبولُس عناصر شتائيَّة في الغالب: المطر أو الرذاذ؛ البَرَدُ أو الثلج؛ الصقيع؛ الضباب أو الغيوم؛ السَّديم؛ الوحل؛ والستائر البيضاء التي تحركها الريح في ما يبدو إنه لمسةُ تقديرٍ وعرفان (homage) إلى بيرغمَن Berman وتاركوفسكي المعروفين بولعهما بلقطات الستائر البيض التي يحركها الهواء. والحقيقة أن فيلم أنغِلوبولُس “منظر طبيعي في السديم” (1988) كان بمثابة عرض عملي للقوة الإبداعية في القدرة على إنطاق تلك العناصر بصورة بليغة للغاية.
وإشراك الطبيعة في السرد والذاكرة في “تحديقة عوليس” إنما يتم بصريَّاً عبر طرائق من قبيل الاعتماد على العدسات العريضة، ولقطات الرافعة في تحركها أفقياً ورأسياً، يميناً ويساراً، أماماً وخلفاً، على المِحور. وفي هذا فإن النَّفَس الملحمي لبصريات الفيلم عَزَّزَه الاقتصاد في القطع، وتكريس اللقطات الطويلة والكبيرة التي تنتقل مباشرة إلى تالياتها من دون كثير إضاءات تدريجية (fade-ins) أو أفولات تدريجية (fade-outs) للكادرات الأولى والأخيرة من كل لقطة. ولن يكون من الإنصاف الحديث عن الحضور الجمالي الاستثنائي للطبيعة لدى أنغِلوبولُس من دون ذكر الدور الذي قام به المصور السينمائي البارع يورغوس أرفانيتيس Yorgos Arvanitis (تماماً كما اعتقدتُ في مكان سابق من هذه المادة إنه من غير الإنصاف ذكر أرسون ويلز من دون الإشارة إلى غْرِغْ تولَند). 
وفي ألبانيا يتجه المخرج السينمائي اليوناني العائد من المنفى إلى رحلة عبر ذاكرة السرد والمكان والأُمَّة والزمان إلى مقر الأرشيف الوطني للسينما، لكنه لا يجد ما يعنيه كثيراً في ما يخص أشرطة الأخوان ماناكياس المفقودة، بل يجد بدلاً من ذلك المرأة الغامضة التي قابلها فور العودة إلى بلاده وقد تجسدت في شخصية امرأة أخرى. وسوف تواصل المرأة الغامضة هذي تناسخها المتجدد دوماً بظلال مختلفة لكل شخصية في المحطات القادمة من رحلة المخرج. إنها الإنسان نفسه وقد أصبح تمرئياً حنينيَّاً مثل السرد والزمان والمكان والأمة (وقد قيل كلام كثير في نظرية السينما سلباً وإيجاباً حول شَخْصَنَةِ الأمة في شخصية المرأة). والمرأة هذي، في الحقيقة، تُذَكِّرُ المرء إلى حدٍّ ما بالتمرئيات المختلفة لزوجة الراوي في فيلم “المرآة” لتاركوفسكي (1975)؛ غير أن المرأة ذي تجلب معها أيضاً أصداء وترانيم فِقْدٍ غائرٍ لعلاقات بعيدة من التاريخ الشخصي للمخرج الذي يعيد الآن التعرف على تعالق ماضيه مع ماضي وسرد وذاكرة المنطقة التي جاء منها. قد تكون تلك المرأة الحبّ الذي يجيء فجأة حيث نرى ما يأتي به من رغبة وحنان في لقطات مقرَّبة واسعة، ولقطات متوسطة، ويختفي فجأة في اللقطات البانوراميَّة الكبيرة التي يتضاءل فيها كل شيىء أمام الحضور الغامر للأرض، محرِّضاً على التنقيب عنه في سياق قراءة الوجدان الجمعي، وسرد الذاكرة الجمعيَّة. كما أن الحضور والغياب اللذين تجسدهما المرأة تلك في صورها وتجلياتها المختلفة إنما يحيلان إلى الطبيعة الجوهريَّة للحب، والعذاب والشفافية اللذين يغلِّفانه بحثاً، ولقاءً، وفراقاً.
أنغِلوبولُس وأوفيد 
وفي منطقة كونزتانسا الرومانيَّة (المكان) يلتقي المخرج بعائلته التي يراها ونراها معه وهي تحتفل بالسنة الجديدة للأعوام من 1945 إلى 1950 (الزمان)، ويحدث ذلك استرسالاً في لقطة واحدة مُتَّصِلة طويلة (sequence shot). ليس هناك “فلاشباك”، ولا تغيير لدرجة اللون أو درجة التركيز البؤري للحقل البصري أو نوعية الفيلم الخام المستخدَم في تصوير تلك اللقطة/المشهد، ولا مزجاً إحلاليَّاً (dissolve) وذلك من أجل الإيحاء بزمنٍ آخر. ليس هناك أي استخدام لأي من تقنيات الانتقال السردي أو الزمني التقليدية، وذلك لأن السرد هنا- ببساطة شديدة- لا “ينتقل” من زمن إلى آخر، بل يوحد زمنين تاريخيين في المكان وفي الزمن السينمائي، حيث أن المخرج حين يدلف إلى البيت القديم لعائلته بثيابه التي عرفناه بها في الفيلم، وبهيئته الفيزيقية والعُمْرِيَّة الحالية، فإنه إنما يدلف إلى الحاضر الأبدي للسرد السينمائي إلى الزمنين التاريخي والعاطفي اللذين كانا يؤثثان البيت من منتصف أربعينيات القرن الماضي وحتى نهايتها. إنها اللحظة الأكثر “كرونوتوبيَّة” بالمعنى الباختيني للكلمة بامتياز شديد في الفيلم، وهي لحظة تدفع الروح فوراً إلى التعلق بأحد أغصان أقرب شجرة في مقبرة من أجل الانتحاب حتى الصباح. والمُخرج بذلك يعود شاهد عيان للذاكرة على ما كان ومن كانوا، تماماً كما عاد العجوز المتقاعد إلى بيت طفولته ليجد كل شيىء كما كان عليه، بمن في ذلك البشر المحتفظون بنفس هيئاتهم الفيزيقية القديمة قبل عقود طويلة من الزمن ولكن في الزمن الحاضر، وذلك في فيلم إنغمار بيرغمَن “الفراولة البريَّة” (1957) الذي يشير معناه المستتر في السويدية إلى “الذهاب إلى مكانٍ بعيد”، والذي يسرد بدوره قصة “رحلة” إلى الماضي. لكن الدخول إلى المكان الأليف (بالمعنى الباشلاريِّ للتعبير) في “تحديقة عوليس” هو أيضاً دخول في منفى الزمن وذاكرة السرد والمكان التاريخي. ولعلها ليست صدفة ان منطقة كونزتانسا التي تقوم فيها هذه القيامة السرديَّة الآن هي نفسها المنطقة التي نُفِيَ إليها أوفيد Ovid الشاعر صاحب “تَحَوُّل الكائنات” (هكذا يقترح أدونيس ترجمة العنوان عوضاً عن الترجمة العربية القديمة له وهي “مَسْخُ الكائنات”)، وذلك يوم كانت المنطقة هذي تقع على أطراف الامبراطورية الرومانية البائدة.
وفي واحد من أقوى مشاهد الفيلم يسافر المخرج إلى بلغراد عبر نهر الدانوب في مركب شحن لا يحمل غيره سوى قبطانه وتمثال عملاق مهشَّم لِلينين Lenin ترقد أوصاله على طول سطح المركب، بينما المخرج متكىء إلى إحدى تلك المِزَق الخرسانيَّة وهو يقرأ كتاباً. يا للمشهد الرهيب حقاً الذي يقرأ فيه المبدع سرداً مهشِّماً ومهشَّماً ومغدوراً لمشروع تاريخي ضخم لم يُقَيَّض له الاكتمال؛ فمشروع الأمَّة والذاكرة الجديدة للسرد لمشروع غير مكتمل دوماً وأبداً على الرغم من كل شيىء. وفي ما قد يكون العاصمة الصربيَّة أو بوخارست يلتقي المخرج بصديقٍ صحفيٍّ قديم حيث يكرعان ذكرياتهما في حانة، ثم يخرجان في حالة تَرَنُّحٍ إلى الشارع المقفر وهما يشربان أنخاب شخصيات رحلت بعد أن تركت بصماتها على السينما والأدب والفكر الثوري في قصة وذاكرة القرن العشرين مثل أرسون ويلز، ودريير Dreyer، ودوستويفسكي Dostoyevsky، ومايكوفسكي Mayakovsky، وتشي غيفارا Che Guevara.
ويصل المخرج بعد ساعتين من الزمن الفيلمي إلى المحطة النهائية لرحلته، أي سراييفو التي نراها وهي تحترق بنيران الحرب المسعورة. “أهذه هي سراييفو؟!”، هكذا يسأل المخرج أحد المارَّة الهاربين من نيران القصف المجنون وذلك من باب الدهشة لفظاعة ما يحدث وليس من باب رغبة المسافر في التيقن من محطَّته. “أهذه هي سراييفو؟!” سؤال استنكاري يُلَخِّص حال المدينة وسردها الجديد، وذاكرتها الجديدة. وسأتجرأ هنا على القول بأن هذا السؤال البسيط والجارح الذي يستهلُّ الفصل البوسنيَّ من الفيلم يَبُزُّ كامل فيلم “تحت الأرض” (1996) للمخرج البوسني أمير كوستريكا Emir Kusturica الذي كان فيلمه المخيِّب للآمال من الناحية الأخلاقيَّة والسياسيَّة كرنفالاً باذخاً من الصور يتحاشى الإدانة، بل إنه يرينا صوراً من مآسي تلك الحرب- المُجْمَع على بواعثها الدينيَّة والعرقيَّة- في مجسَّمات لكنائس تحترق!. إنه “إلقاء اللوم على الضحيَّة” كما قال إدوَرد سعيد Edward Said في سياق مختلف ولكن ليس بالكامل. لقد كان “تحت الأرض” فيلماً جعل كوستريكا يستحق بجدارة مؤسفة اللقب الذي أطلقه عليه أبناء بلده: “رايفنشتالُ كرادتش!”، الأولى نسبة إلى المخرجة السينمائية الألمانية النازيَّة ليني رايفنشتال Leni Riefenstahl التي كان هتلر Hitler يتباهى بها باعتبارها “امرأتي الألمانيَّة المثاليَّة”، والثاني نسبة إلى مجرم الحرب الصِّربي رادوفان كارادِتش Radovan Karadžić. (وإن أنتم سمحتم لي مشكورين باستطرادٍ شخصيٍّ صغير فسأبوح إني كنت مقيماً في مسقط يوم فاز فيلم “تحت الأرض” بجائزة مهرجان كان السينمائي. ولأن أهل البوسنة كانوا يُذبحون ويُغتصبون ويُطمرون في المقابر الجماعيَّة في ذلك الوقت، ولأني معجب بأفلام كوستريكا السابقة خاصة “زمن للغجر” (1989) فقد سارعت إلى كتابة مقالة بعينين مغرورقتين بالرماد والدموع على شكل رسالة تهنئة لكوستريكا، حيث اعتبرتُ فوز فيلمه في المهرجان العتيد نصراً ثقافياً للبوسنة في الوقت الذي كان فيه أهلها يُبادون عبر تلك المجازر الرهيبة. لكن قبيل تسليم مقالتي/التهنئة للنشر في إحدى الصحف العمانية، والتي لم أتعرض فيها للفيلم نفسه لأني ببساطة لم أشاهده بل كتبت حول السياق الثقافي والفكري والسياسي الذي يتموضع فيه فوز الفيلم بجائزة عالمية كبرى، خطر لي فجأة انه من الحماقة أن أنشر مادة باعِثها فيلمٌ لم أشاهده حتى وإن كنت “أحترمُ” المخرج و”أَثِقُ” به. بهذا تراجعت في اللحظة الأخيرة عن نشر المادة. وحين سافرت إلى الولايات المتحدة بعد ذلك كان من أوائل الأشياء التي فعلتُ مشاهدة فيلم “تحت الأرض” التي سبَّبت لي ليلة طويلة من الغضب والخذلان والمرارة. لكني، على الأقل، شعرت بسعادة رمزيَّة أني لم أنشر تلك المادة التي مزَّقتُها في نفس الليلة من غير أدنى أسف).
لكن، عودة إلى سراييفو التي تحترق، في التاريخ وفي فيلم “تحديقة عوليس”، ثَمَّةَ في المدينة قبو يحتوي على ما أمكن إنقاذه من الإرشيف السينمائي. ومن ضمن محفوظات هذا الأرشيف توجد فعلاً الأشرطة السينمائية الثلاثة للأَخوين ماناكياس التي تم تصويرها في بدايات القرن الماضي التي يبحث عنها المخرج اليوناني العائد من المنفى، ولم يخطر ببال الأَخوان ماناكياس يومها انهما كانا يحفظان جزءاً من ذاكرة القرن التي ستهشم نفسها في تفاقم السرد البربري لدولة الأمَّة أو دولة الشعب في أوروبا، حيث يلتقي المخرج بالقَيِّم على الأرشيف الذي قام بدوره باقتدار معهود السويدي إرلاند جوزيفسُن Erland Josephson الذي يقترن اسمه ببعض أهم أفلام بيرغمَن. (وللمفارقة ذات المغزى فإن دور القيِّم على الإرشيف هذا كان في الأصل مناطاً بالممثل الإيطالي الطليعي جيان ماريا فولونتي Gian Maria Volonte الذي مات فجأة أثناء تصوير الفيلم، فاستُبدل بجوزيفسُن الذي كان قد حلَّ محل الممثل الروسي أناتُلي سولونيزين Anatoli Solonizyn الذي توفي فجأة عندما كان يتهيأ للقيام بالدور الرئيس في فيلم تاركوفسكي الوداعي “القربان” [1985] الذي لم يحضر تاركوفسكي عرضه الجماهيري الأول لأنه نفسه مات فور الانتهاء من عمل مونتاج الفيلم الذي كان قد أهداه إلى ولده. ولذلك أهدى أنغِلوبولُس “تحديقة عوليس” إلى ذكرى فولنتي).
لكن عودة إلى القيِّم على الأرشيف السينمائي في سراييفو فيتم اعتقاله، ويلاقي حتفه رمياً برصاص الإعدام من دون محاكمة، والذي نسمع دويه من دون أن نتمكن من رؤية وجوه القتلة بسبب الضباب الكثيف الذي هو أيضاً ضباب الذاكرة في الإنسان، وضباب النسيان والسرد السياسي والتاريخي الجديد، وإن كانت هويَّات أولئك القَتَلَة قد كشفها تجهيز أسيرهم للقتل بعبارات مقتبسة من الأدبيات المأتميَّة المسيحية. 
لقد حدث ذلك كله بصورة ملحميَّة، هومريَّة وكافكاويَّة، في الضباب الكثيف الذي يمتد من الكادر السينمائي في فيلم “تحديقة عوليس” ليغَلِّف بالكامل الفصل الجديد من سرد الأُمَّة حيث هناك إنسانٌ ونسيان، وحيث هناك، في المقابل، بَشَرٌ يُقتَلون، وحيث هناك سرد جديد وأمم جديدة وحدود دوليَّة يتم ترسيمها بالدم والنار على آثار خطوات الأَخوين ماناكياس اللذين كانا يتنقلان عبر أنحاء المنطقة نفسها لنقل سرد المكان عبر سرد السينما بلا جوازات سفر.

 

بحث خاص بالأستاذ الناقد السينمائي عبدالله حبيب وأعيد نشره لأهميته.

Advertisements

الثورة في المستعمرات والدول العمالية المشوهة

ted-grant-unbroken-thread

في البلدان البرجوازية في الماضي، حيث كان ما يزال للبرجوازية دورا تلعبه، وتتطلع بثقة إلى المستقبل – أي عندما كانت تقدمية بشكل حقيقي في تطوير القوى المنتجة – استفادت من عقود وأجيال لاتقان جهاز دولتها كأداة لسيطرتها الطبقية. فالجيش والشرطة والموظفون، والطبقة المتوسطة وخاصة جميع المناصب العليا وكبار الموظفين، ورؤساء الإدارات وقادة الشرطة، والضباط وخاصة العقداء والجنرالات، يتم اختيارهم بعناية لتلبية احتياجات الطبقة الحاكمة وخدمة مصالحها. وعندما يكون الاقتصاد مزدهرا تجدهم يخدمون باخلاص “المصلحة الوطنية”، أي: مصلحة الطبقة المالكة – الطبقة الحاكمة.

في سوريا، كما هو الحال في جميع البلدان المستعمرة سابقا، اضطر الإمبرياليون، وفي هذه الحالة الامبريالية الفرنسية، جزئيا تحت ضغط منافسيهم وخاصة الإمبريالية الأمريكية، إلى التخلي عن الهيمنة العسكرية المباشرة. والدولة التي نشأت هناك ليست ثابتة وجامدة. لقد أعطى ضعف وعجز البرجوازية هامشا معينا من الاستقلال لضباط الجيش. ومن هنا جاء المسلسل المتواصل للانقلابات العسكرية والانقلابات المضادة. لكنهم في آخر المطاف يعكسون مصالح الطبقة السائدة، ولا يمكنهم ان يلعبوا دورا مستقلا.

إن الصراع بين التكتلات داخل الجيش يعكس عدم الاستقرار والتناقضات السائدة في مجتمع معين. إن الأهداف الشخصية المختلفة للجنرالات، إذا ما نجحوا في الوصول إلى السلطة، تعكس المصالح المختلفة للطبقات الاجتماعية أو لقطاعات من الطبقات الاجتماعية، البورجوازية الصغيرة بمختلف مكوناتها، أو البرجوازية، أو في ظل ظروف معينة حتى البروليتاريا. يجب أن تعكس فئة الضباط مصلحة طبقة أو شريحة اجتماعية ما في المجتمع. إنهم لا يمثلون أنفسهم رغم أنهم بالطبع قد ينهبون المجتمع ويرفعون من شأن نخبتهم الحاكمة. ومع ذلك يجب أن يكون لهم أساس طبقي في مجتمع معين.

لا تقف الأنظمة البونابارتية في الهواء بل تتأرجح بين الطبقات. إنها تمثل في أخر المطاف الطبقة المسيطرة في المجتمع. واقتصاد تلك الطبقة يحدد الطبيعة الطبقية لتلك الأنظمة. بعض تلك البلدان، كما هو الحال في أمريكا اللاتينية، القارة شبه المستعمرة التي كانت طيلة القرن الماضي تحت هيمنة الإمبريالية البريطانية ثم الأمريكية، مستقلة اسميا لأكثر من قرن من الزمان. ونتيجة لذلك، وعلى الرغم من مرورها من فترة من الاضطراب استفادت الطبقة الحاكمة المشكلة من ملاك الأراضي والرأسماليين من فترة كافية لاتقان بناء جهاز دولتها. أحيانا يمكن لمختلف فئات القوات المسلحة أو فصائل من القوات المسلحة أن تعكس مصالح فئات مختلفة من الطبقة الحاكمة، بل وقد تعكس حتى ضغوط الإمبريالية، وفي المقام الأول الإمبريالية الأمريكية.

لكنهم حتى الآن يعكسون دائما مصلحة الطبقة الحاكمة في الدفاع عن الملكية الخاصة.

في بورما، حيث يواجه النظام الذي استقل حديثا من الهيمنة البريطانية، وحيث الطبقة الحاكمة عاجزة عن “توحيد البلاد”، سلسلة من الثورات والحروب. وقد تشكل الجيش من أعضاء رابطة الحرية المعادية للفاشية، التي تصف نفسها بأنها “اشتراكية”.

وبوجود الصين البلد المجاور كنموذج، سئم قادة الجيش من عجز ملاك الأراضي والرأسماليين عن حل مشاكل بورما. فقاموا مستندين على دعم العمال والفلاحين، بتنظيم انقلاب عسكري، وصادروا ملاك الأراضي والرأسماليين، وأنشأوا ما أسموه “الدولة البورمية البوذية الاشتراكية”.

الصين

إلى حين اندلاع الثورة الروسية حتى لينين نفسه كان ينفي إمكانية انتصار الثورة البروليتارية في بلد متخلف. لم تسر الثورة الصينية لأعوام 1944- 1949 على خطى ثورة أعوام1925- 1927. لقد كانت حرب فلاحين، اندلعت بسبب العجز الكامل للبرجوازية عن إنجاز مهام الثورة البورجوازية الديمقراطية -القضاء على الملاكين العقاريين، وتحقيق الوحدة الوطنية وطرد الإمبريالية – وانتهت بانتصار الستالينيين الصينيين.

لم يكن برنامج الستالينيين الصينيين يختلف جوهريا عن برنامج كاسترو في كوبا: 50 أو 100 سنة من “الرأسمالية الوطنية” والتحالف مع “البرجوازية الوطنية”. وبالتالي اعتقد العديد من البرجوازيين الأمريكيين بأنهم مجرد دعاة “إصلاح زراعي”.

وحده التيار الماركسي في بريطانيا من جادل ضد الستالينيين والعصب التي تطلق على نفسها اسم “التروتسكية “، وأوضح حتمية انتصار ماو وإقامة دولة عمالية مشوهة.

وفي الوقت الذي كان فيه ماو والحزب الشيوعي الصيني يتبنى برنامج الرأسمالية و”الديمقراطية الوطنية” توقعنا نحن حتمية صعود نظام بونابارتي بروليتاري في الصين بعد الثورة. لم يكن للثورة الصينية أية علاقة مع أساليب الثورة البروليتارية في روسيا في عام 1917.

تم حسم السلطة من خلال حرب الفلاحين عبر منح الأراضي لجنود جيش تشيانغ كاي تشيك. ثم من خلال التأرجح بين الطبقات ومواجهتها بعضها ضد البعض الآخر بأسلوب بونابارتي، وبمجرد ما تم تحقيق الانتصار العسكري تمت مصادرة أملاك الاقطاعيين والرأسماليين. والآن تقريبا جميع العصب التي تسمي نفسها “تروتسكية” تقبل الحقيقة الملموسة. لكنها لم تطرح نظريا من قبل امكانية أن تقود حرب فلاحين كلاسيكية إلى إقامة دولة عمالية، ولو مشوهة. لقد كان العمال في الصين سلبيين طوال فترة الحرب الأهلية لأسباب لن ندخل في نقاشها هنا. لكن هذا كان خير مثال على إمكانية قيام طبقة – الفلاحون في شكل الجيش الأحمر- بتنفيذ مهام طبقة أخرى.

من الطريف الآن أن نرى العصب تبتلع بدون نقاش فكرة أن دولة “عمالية” قد تأسست في الصين بفضل جيش الفلاحين، وذلك فقط لأن هناك ما يسمى بالـ “حزب شيوعي” على رأس الجيش. هذه الفكرة خاطئة تماما وخيالية من وجهة النظر الماركسية. لأن الفلاحين، كطبقة، هم الأقل قدرة على الوصول إلى الوعي الاشتراكي.

إن الاعتقاد بأن مثل هذه العملية مسألة “طبيعية” هو تشويه للماركسية. لا يمكن أن يفسر ذلك إلا بمأزق الرأسمالية في الصين وشلل الإمبريالية ووجود دولة بونابارتية قوية في روسيا الستالينية، والأهم من ذلك كله تأخر انتصار الثورة في البلدان المتقدمة صناعيا. لا يمكن للبلدان المستعمرة أن تنتظر، فالمشاكل ملحة جدا، ولا يوجد حل على أساس الرأسمالية. ومن هنا ظهور تطورات خاصة في البلدان المستعمرة. لكن ثمن هذا هو، كما هو الحال في الاتحاد السوفياتي، ضرورة ثورة سياسية ثانية لوضع زمام الرقابة على المجتمع والصناعة والدولة في أيدي البروليتاريا. هكذا فقط يمكن البدء حقا في الانتقال نحو الاشتراكية، أو بخطوات في ذلك الاتجاه.

إن الدعم الواسع لـ “الاشتراكية” الموجود في البلدان المستعمرة، ليس فقط بين صفوف الطبقة العاملة بل أيضا بين صفوف الفلاحين وفئات واسعة من البرجوازية الصغرى في المدن، هو تعبير عن المأزق التام للملاكين العقاريين والرأسمالية في البلدان المستعمرة خلال الحقبة الحديثة. كما أنه نتيجة أيضا للثورتين الروسية والصينية وانجازاتهما في تطوير الصناعة والاقتصاد. هذا هو العامل الذي يرسي الأساس لتطور أنظمة بونابارتية بروليتارية.

يمكن تعريف الدولة اختصارا بكونها هيئات من الرجال المسلحين على حد تعبير إنجلز. ومع هزيمة بوليس وجيش شيانج كاي شيك وتدميره، ومع تدمير جيش باتيستا[1] في كوبا، صارت السلطة بين أيدي كل من ماو وكاسترو. ولا يغير شيئا في حقيقة الوضع كون ماو “شيوعيا” وكاسترو برجوازيا ديمقراطيا.

نموذج موسكو

لقد كان ماو أبعد ما يكون عن نموذج الثورة البروليتارية إلى حد أنه عندما دخل شنغهاي وغيرها من المدن، واستقبله العمال الذين استولوا على مصانعهم بتنظيم مظاهرات ترحيب حاملين الأعلام الحمراء، أطلق عليهم الرصاص فورا من أجل “استعادة النظام”! لقد كانت الدولة التي أنشأها ماو على صورة موسكو، موسكو الستالينية، وليس موسكو 1917!

لقد قام ماو، وبأسلوب بونابارتي كلاسيكي، وعلى أساس جيش الفلاحين الذي لعب دائما في الماضي دور أداة من أدوات الأنظمة البونابارتية (البرجوازية)، بالتأرجح بين الطبقات. وبعد أن بنى دولة على صورة موسكو، وبالاعتماد على العمال والفلاحين، تمكن من استئصال البرجوازية بدون ألم. وكما سبق لتروتسكي أن قال: لكي تقتل أسدا أنت في حاجة الى بندقية، لكن يكفي الظفر لتقتل البرغوث! لذلك، وبعد أن تأرجح بين البرجوازية وبين العمال والفلاحين من أجل منع العمال من الاستيلاء على السلطة، تمكن ماو وعصابته – بعد تأسيس الدولة – من سحق البرجوازية قبل الالتفات نحو العمال والفلاحين لسحق أي عنصر من عناصر الديمقراطية العمالية.

ثم أقامت البيروقراطية نظام الحزب الوحيد الدكتاتوري الشمولي، تمركز النظام حول دكتاتورية فرد بونابارتي واحد هو: ماو. لكن ليس عبثا تضع النظرية الماركسية مهمة تحقيق الثورة الاشتراكية والانتقال إلى الاشتراكية على كاهل الطبقة العاملة. هذا ليس حكما تعسفيا، بل بسبب الدور المحدد الذي تلعبه البروليتاريا في الإنتاج والذي يمكنها من تحقيق وعي خاص لا تمتلكه أية طبقة أخرى. والفلاح البرجوازي الصغير هو الأقل قدرة على تطوير مثل هذا الوعي. والثورة التي تستند إلى طبقة الفلاحين محكومة بطبيعتها بأن يكون مصيرها الانحطاط والبونابارتية. وبالضبط لأن الديكتاتورية البونابارتية البروليتارية تحمي امتيازات النخبة المتحكمة في الدولة والحزب والجيش والصناعة ومثقفي الفن والعلم، فإنها نجحت في العديد من البلدان المتخلفة.

ترى الماركسية في تطوير القوى المنتجة المفتاح لتطور المجتمع. لكن في ظل الرأسمالية لم يعد هناك سبيل للمضي قدما، وخاصة بالنسبة للبلدان المتخلفة. هذا هو السبب الذي يدفع ضباط الجيش والمثقفين وغيرهم، الذين تأثروا بانحطاط مجتمعاتهم إلى تبديل ولائهم في ظل ظروف معينة. إن الانتقال إلى نظام بونابارتي بروليتاري يوسع فعلا من قوتهم ومكانتهم وامتيازاتهم والدخل الذي يحصلون عليه. إنهم يصبحون الشريحة القائدة الوحيدة والمسيرة الوحيدة للمجتمع، ويرفعون أنفسهم فوق الجماهير أعلى مما كانوا عليه سابقا. ويصيرون سادة المجتمع.

الاقتصادات الانتقالية

إن الاتجاه نحو تلبية حاجات القوى المنتجة التي تجاوز تطورها حدود الملكية الخاصة، واضح في معظم الاقتصادات المتقدمة، بل وحتى في البلدان المستعمرة الأكثر رجعية.

ليست هناك على أساس الرأسمالية أية إمكانية لتطور ثابت ومتواصل ومستمر للقوى المنتجة في بلدان ما يسمى بالعالم الثالث. إن الإنتاج يعاني من الركود أو التراجع. وفي فترات الركود العالمي تتراجع مستويات المعيشة، ولا سيما في البلدان الصغيرة. ليس هناك من مخرج على قاعدة النظام الرأسمالي. وهذا ما يفسر وحشية الأنظمة البونابارتية البرجوازية مثل تلك السائدة في باكستان وإندونيسيا والأرجنتين وشيلي وزائير. ولكن الاعتماد على الحراب والرصاص، في ظل نظام مفلس وبال، لا يعطى سوى هدنة مؤقتة للغاية. إن الاستياء يتزايد وينعكس في فئة ضباط القوات المسلحة وفي كل المجتمع. وهذا بدوره يؤدي إلى مؤامرات الضباط أفرادا وجماعات.

الجيش هو مرآة المجتمع ويعكس تناقضاته. هذا هو سبب الاضطرابات التي تشهدها بعض البلدان كما هو الحال في سوريا، وليس مجرد أهواء الضباط المعنيين. إنه مؤشر عن الأزمة الخانقة التي يعيشها المجتمع، والتي لا يمكن حلها بالطريقة القديمة. يمكن لهذه الفئات من المجتمع أن تتبنى “الاشتراكية” على الطريقة الستالينية – البونابارتية البروليتارية – بأكبر قدر من الحماس بسبب احتقارهم لجماهير العمال والفلاحين.

إن المسخ الرهيب للدولة العمالية الذي تمثله روسيا والصين، وغيرهما من الدول العمالية المشوهة الأخرى، يجذبهم على وجه التحديد بسبب موقع الكوادر المتعلمة “المثقفة” في تلك المجتمعات. إن ما يثير اشمئزاز الماركسيين هو ما يجذب الستالينيين.

إن القاسم المشترك الوحيد الذي تملكه تلك الدول مع الدول العمالية السليمة أو مع الدولة الروسية سنوات 1917-1923 هو ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. وعلى هذا الأساس يصير في إمكانها أن تخطط وتطور الموارد الإنتاجية بوسائل قسرية وبوتيرة من المستحيل تماما تحقيقها على أساس الملكية الرأسمالية- الاقطاعية. لكن هذا ممكن بالطبع لفترة محدودة من الزمن فقط. إذ عند نقطة معينة تصبح الأنظمة الستالينية عائقا مطلقا وقيدا لتطور الإنتاج. وقد وصلت روسيا وأوروبا الشرقية إلى هذه الحدود. القاسم المشترك لتلك الدول مع دولة عمالية سليمة، من وجهة نظر الماركسية، هي حقيقة أنها اقتصادات انتقالية بين الرأسمالية والاشتراكية.

لكن الماركسية تعلمنا أن الحركة نحو الاشتراكية تتطلب ممارسة البروليتاريا للرقابة والتوجيه والمشاركة. إلا أن وجود نخبة متميزة تمارس هيمنة غير محدودة ولا تقبل بفقدان مكانتها من خلال “اضمحلال” الدولة، يؤدي إلى تناقضات جديدة. فالفساد والمحسوبية والتبذير وسوء الإدارة والفوضى التي تتسبب فيها البيروقراطية بشكل حتمي، يدخل في تناقض مع حاجيات التنمية الاجتماعية، وهذا يتجلى في تزايد العداء بين البروليتاريا والنخبة البيروقراطية.

لقد سبق لتروتسكي أن شرح منذ فترة طويلة أن البيروقراطية في روسيا قد طورت القوى المنتجة بطريقة كانت البرجوازية عاجزة عن القيام بها، لكن بتكلفة عالية جدا للجماهير. إن البيروقراطية تلعب الدور (دور تقدمي نسبيا) الذي لعبته البرجوازية في الماضي. لكن تروتسكي أوضح أن هذا الدور ينتج أيضا تناقضاته الخاصة. فالبيروقراطية أقل استعدادا من البرجوازية لفقدان امتيازاتها وسلطتها. وبدلا من ذلك تنمو أكثر حتى تصبح ورما سرطانيا خطيرا على المجتمع. لا يمكن استئصالها إلا عن طريق الثورة السياسية.

وسيتم تحفيز هذه الثورة إما بفعل الأحداث داخل تلك البلدان أو بفضل استيلاء ناجح على السلطة تحققه بروليتاريا واحدة من البلدان الرأسمالية المتقدمة وإقامة نظام الديمقراطية العمالية. سيتم إنشاء دولة عمالية سليمة وديمقراطية عمالية حقيقة إما عن طريق ثورة اجتماعية في الغرب أو عن طريق الثورة السياسية في روسيا وأوروبا الشرقية. لا بد من التأكيد على أن الميزة الوحيدة التي تشترك فيها تلك الدول العمالية المشوهة مع نموذج الدولة العمالية هي ملكية الدولة للاقتصاد ومخطط الإنتاج. وحدها العصب “المثالية” و”الانتقائية” من يمكنها أن تكتشف فرقا جوهريا بين حرب الفلاحين التي جاءت بماو إلى السلطة وبين حرب عصابات كاسترو، المستندة إلى الفلاحين وأشباه الفلاحين والفلاحين بدون أرض وكذلك بعض العمال السابقين. ليس هناك فرق كبير بينهما، على الرغم من الأفكار البرجوازية الديمقراطية لتي تجول في ذهن كاسترو والتي لم تكن تختلف على الاطلاق عن البرنامج الذي خاض ماو الحرب الأهلية على أساسه.

في كوبا نجد أنه على الأقل تدخلت الطبقة العاملة، في المراحل الأخيرة من الصراع، من خلال الإضراب العام في هافانا، والذي قلب الكفة لصالح كاسترو. بينما لم يحدث أي شيء من هذا القبيل في الحرب الأهلية في الصين سنوات 1945- 1949. ولا كان هذا النوع من التدخل مقبولا من طرف ماو؛ صحيح أنه لولا غباء الإمبريالية الأمريكية لكانت النتائج لتكون مختلفة في كوبا. ولكن مع مأزق الرأسمالية الكوبية، مثل ما كان عليه حال الرأسمالية الصينية، فإن كاسترو اتخذ من أوروبا الشرقية والصين نماذج له في صراعه مع الإمبريالية الأمريكية، مثلما اتخذ ماو الدولة البونابارتية البروليتارية القوية في روسيا نموذجا له.

وفي كلتا الحالتين شكل ذلك خطوة هائلة إلى الأمام من وجهة النظر التاريخية. تم القضاء على الاقطاعية والرأسمالية. وهذا يعني إزالة قيود الملاكين العقاريين شبه الإقطاعيين وقيود الملكية الخاصة عن الصناعة. احتكار التجارة الخارجية، سيرا على هدي النموذج الروسي، هو أيضا عامل تقدمي قوي. شكلت هذه التدابير تحريرا عظيما للقوى المنتجة من القيود المفروضة عليها. وبالتالي فإنه يمكننا مقدما أن نحيي الثورة الصينية باعتبارها ثاني أكبر حدث في تاريخ البشرية، بعد الثورة الروسية. لكن وبسبب طابعها البونابارتي – ومصلحة البيروقراطية حتما في الحفاظ على امتيازاتها وسلطتها ومداخيلها- سيكون على الجماهير أن تقوم بثورة ثانية قبل أن تتمكن من تحقيق دولة الديمقراطية العمالية في مستوى تلك التي سادت في روسيا ما بين 1917-1923.

بسبب عدم قدرة العصبويين على تطبيق الماركسية و”الفلسفة الماركسية” بطريقة ملموسة رموا بأنفسهم في تناقضات مضحكة. وهكذا أعلنوا أن ما قام في أوروبا الشرقية في 1945-1947 هي أنظمة رأسمالية الدولة – في حين أن روسيا، التي احتلت شرق أوروبا بالجيش الأحمر، “دولة عمالية منحطة”.

وعندما قطع تيتو مع ستالين تحولت يوغوسلافيا بين عشية وضحاها من كونها لأسباب غامضة “رأسمالية الدولة”، فأصبحت دولة عمالية سليمة أفضل حتى من روسيا عام 1917! لكن هذا لم يمنع هذه العصب من أن تعلن في نفس الوقت أن أوروبا الشرقية دول رأسمالية. وظلت الصين نظام “رأسمالية الدولة” من وجهة نظرهم حتى عام 1951 أو 1953. ثم تحولت في ظروف غامضة من كونها “رأسمالية الدولة”، إلى دولة “عمالية سليمة”!

كل هذا التشويش والارتباك النظري لم يصاحبه أي تفسير من طرف أي من تلك التيارات البرجوازية الصغيرة التي تدعي الماركسية. زعمت إحدى العصب أن كوبا دولة بونابارتية برجوازية صغيرة بينما وصفت الصين بأنها دولة عمالية سليمة نسبيا وأنه لا حاجة لثورة سياسية فيها. لم يكن أي واحد من هذه التيارات قادرا على تحليل قوى وسيرورات المرحلة التي رأى فيها العالم المستعمر صورة كاريكاتورية عن الثورة الدائمة وحيث ظهرت دول عمالية مشوهة. لم يفهم أي تيار من بينهم معنى “الثورة الثقافية” الصينية. حيث أشاد بعضهم بها باعتبارها النسخة الثانية من ‘كومونة باريس ‘! ومؤخرا فقط –وبعد نحو 30 عاما- خلص البعض على مضض إلى أن الثورة الصينية كانت مشوهة منذ البداية. بينما تيارنا شرح السيرورة حتى قبل انتصار ماو.

جميع الظروف الموضوعية للثورة الاشتراكية تنضج الآن في أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة الأمريكية. لكن هذه السيرورة، مع ذلك، سوف تكون طويلة بسبب ضعف القوى الماركسية الحقيقية. إن تأخر اندلاع الثورة في الغرب، وطول أمدها الآن، هو ما أعطى مجالا لصعود هذه الأنظمة في البلدان المستعمرة سابقا. أن العلاقات في تلك البلدان تصل مستويات عالية من التوتر في ظل التجويع الذي تعانيه أغلبية الجماهير المحرومة من كل شيء. وطفيلية الملاكين العقاريين والرأسماليين، المستندين إلى الإمبريالية، وبذخهم الوقح يغذي كل التناقضات في هذه المجتمعات بقوة الانفجار. إن ضعف الإمبريالية هذا، وتعفن وانحلال الملاكين العقاريين والرأسماليين الفاضح، هو ما يجعل من الممكن تطور أنظمة بونابارتية بروليتارية. من خلال الاستفادة من تمردات جماهير الفلاحين والبرجوازية الصغرى وحتى العمال، يمكن لنخبة من الضباط والمثقفين الخ، أن تصعد إلى السلطة، كما هو الحال في إثيوبيا، وتمتلك سلطة كبيرة بين يديها على أساس الدعم من طرف العمال والفلاحين. ويمكنها أن تصنع أجهزة بوليسية مخابراتية متقنة لإسكات كل من يعترض على امتيازاتها.

إن الفلاحين، بحكم طبيعتهم الطبقية كأناس لا يوحدهم الإنتاج، هم بالتالي أداة مثالية في يد الأنظمة البونابارتية البرجوازية أو البونابارتية البروليتارية. إنها طبقة يمكنها بطبيعتها أن تتعرض للتلاعب بها وخداعها؛ طبقة تتطلع إلى “القيصر كأب للشعب”، أو إلى الزعيم ماو المقدس. والبرجوازية الصغيرة المدينية أيضا لديها هذه الصفات؛ ففي ألمانيا وإيطاليا نظرت إلى هتلر وموسوليني باعتبارهما “قادة”. وحدها البروليتاريا من تدافع بحزم عن الديمقراطية الحقيقية، أي: الديمقراطية العمالية والدولة العمالية، التي هي النظام الوحيد حيث يمكن لها أن تمارس حكمها المباشر.

لقد أوضح تيارنا هذه السيرورات وتوقعها. لا يوجد أمام العالم المستعمر أية إمكانية حقيقية للمضي قدما في ظل الرأسمالية. هذا، بالإضافة إلى تأخر الثورة البروليتارية في البلدان الصناعية المتقدمة، هو الأمر الذي أدى إلى صعود هذه الأنظمة التي تخطوا عشر خطوات إلى الأمام وخمس خطوات الى الوراء. إنها أنظمة يمكنها – على الأقل لفترة من الزمن في الغالب – تطوير القوى المنتجة بسرعة، على أساس البونابارتية البروليتارية. إنها تنجز في البلدان المتخلفة الدور التاريخي الذي أنجزته البرجوازية في البلدان الرأسمالية في الماضي.

يكمن كل جوهر نظرية تروتسكي حول الثورة الدائمة في فكرة أن البرجوازية في المستعمرات وبرجوازية البلدان المتخلفة غير قادرة على تنفيذ مهام الثورة الديمقراطية البرجوازية. والسبب في هذا هو صلاتها مع الملاكين العقاريين والإمبرياليين. البنوك لديها رهونات على الأرض، والصناعيون يمتلكون عقارات في البادية، والملاكون العقاريون يستثمرون في الصناعة، وجميعهم مشتبكون معا ومرتبطون مع الإمبريالية في شبكة من المصالح معادية للتغيير.

في ظل هذه الظروف تقع مهمة تنفيذ الثورة الديمقراطية البرجوازية على كاهل البروليتاريا. لكن البروليتاريا، بعد أن تحسم السلطة على رأس الفلاحين وغالبية الأمة، لن تتوقف عند إنجاز المهام الديمقراطية البرجوازية، أي: مصادرة الملاكين العقاريين وتوحيد الأمة وطرد الإمبرياليين. إنها ستنتقل إلى إنجاز المهام الاشتراكية، أي: نزع ملكية البرجوازية وإقامة دولة عمالية.

لكن المهام الاشتراكية لا يمكن أن تنجز في بلد واحد، وخاصة في بلد متخلف مستعمر. سيتوجب على الثورة أن تنتشر إلى البلدان الأكثر تقدما. وهذا معنى المصطلح الذي يطلق على هذه السيرورة. الثورة الدائمة تبدأ باعتبارها ثورة برجوازية، لتصير ثورة اشتراكية، وتنتهي ثورة أممية.

صحيح أنه نظرا لتطور البيروقراطية الستالينية والانحطاط الإصلاحي للأحزاب الشيوعية، وضعت صعوبات استثنائية في طريق البروليتاريا سواء في الدول المتقدمة أو المتخلفة. لكن مأزق الملاكين العقاريين والرأسماليين في ما يسمى بالعالم الثالث قد تفاقم خلال العقود التي تلت اندلاع الحرب العالمية الثانية. مرت البلدان الرأسمالية الصناعية لفترة من الزمن من تطور نسبي للقوى المنتجة بمجرد ما تم توفرت الشروط السياسية المسبقة لذلك بفعل خيانة الستالينية والإصلاحية بعيد الحرب العالمية الثانية.

لكن وفي حين ارتفعت مستويات المعيشة في الغرب، من الناحية المطلقة على الأقل، فإن “العالم الثالث'” ومع استثناءات قليلة، شهد انخفاضا في مستويات المعيشة المتدنية أصلا. انحطاط العلاقات القديمة تحت ضغط السوق العالمية، الذي لا يرحم، استمر على قدم وساق. وصار وجود فائض كبير من السكان الفقراء المعدمين والمتسولين والحثالة وباء منتشرا في العالم المستعمر. ليس هناك من مخرج من هذا الوضع على أساس العلاقات القديمة. في فيتنام ولاوس وكمبوديا وبورما وسوريا وأنغولا وموزامبيق وعدن وبينين وإثيوبيا، ثم كوبا والصين كنموذجين لهم (واللذان بدورهما يتخذان نموذج أوروبا الشرقية كمنارة تبين لهما الطريق) حدث تحول في العلاقات الاجتماعية.

يعود هذا إلى نضج شروط الثورة الاشتراكية في العالم الرأسمالي إلى حد التعفن. لكن كل التاريخ يبين أنه حيثما تعجز الطبقة التقدمية الجديدة، لسبب أو لآخر، عن القيام بمهمتها في تغيير المجتمع، فإن هذا يتم غالبا (بطريقة رجعية، ربما) من قبل طبقات أو فئات أخرى. وهكذا ففي اليابان تحولت قطاعات كبيرة من الإقطاعيين إلى رأسماليين وفي ألمانيا – كما اعترف ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي- قام الملاكون العقاريون (اليونكرز) من بروسيا الشرقية بزعامة بسمارك والنظام الملكي، بمهمة التوحيد القومي لألمانيا- وهي مهمة من مهام الثورة الديمقراطية البرجوازية.

سلطة جذابة

كما سبق لماركس أن أوضح منذ زمن بعيد ليس هناك من وصفة عابرة للزمان. فمن الضروري أن نأخذ الواقع الموضوعي المادي كما هو ثم نعمل على شرحه. هذا هو أسلوب “الفلسفة الماركسية”. لكن ليس من الضروري فقط معرفة الواقع الموضوعي كما هو، بل من الضروري أيضا شرح السيرورة التي جاءت به الى حيز الوجود، والتناقضات التي تشمل ذلك، وقانون الحركة الاجتماعية الذي يمثله والسيرورات المستقبلية للتناقضات والتغيير الذي سوف يحدث عليه. عملية ميلاده، وتطوره، وانحطاطه والتغيرات التي سوف تدمره.

في ظل ظروف انحطاط الرأسمالية والملكية العقارية في البلدان المستعمرة، تتفاقم كل التناقضات الاجتماعية إلى أقصى الحدود. وتصل التوترات الاجتماعية إلى مستوى لا يطاق. وبالتالي يتم استبدال الديمقراطية البرجوازية في بلد تلو الآخر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بديكتاتوريات بونابارتية برجوازية أو ديكتاتوريات بونابارتية بروليتارية.

لم تسر أي من البلدان المستعمرة سابقا، المذكورة أعلاه، على نموذج الثورة الاشتراكية. ونفس الشيء يقال عن بلدان أوروبا الشرقية التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

لقد أوضح المعلمون الماركسيون الكبار في كثير من الأحيان أنه بمجرد تأسيس قاعدة من قواعد الثورة الاشتراكية في البلدان الرأسمالية الرئيسية، سيوجه ذلك نداءا لا يقاوم إلى بقية العالم، وسيؤدي إلى تحول اشتراكي غير مؤلم ودون صراع. حتى البرجوازية ستعترف بتفوق الديمقراطية العمالية، علاوة على التأثير الذي سيكون لذلك على الطبقة العاملة العالمية. ماركس نفسه كان يعتقد أنه سيتم اجتذاب المناطق المتخلفة من العالم، وحتى البلدان المتخلفة من أوروبا، من طرف البلدان الصناعية المتقدمة كمغناطيس وكنموذج للاشتراكية. لينين وتروتسكي تصورا أن الثورة الاشتراكية ستجري في بعض البلدان المتخلفة فقط بفضل الدور الريادي للبروليتاريا وبمشاركتها. ستقود البروليتاريا جماهير البرجوازية الصغيرة، وخاصة الفلاحين، إلى الإطاحة بالملاكين العقاريين والرأسمالية ومن ثم ستربط العمال بالطبقة العاملة الأممية وبمهام الثورة العالمية.

إن النظام الديكتاتوري البونابارتي الشمولي السائد في روسيا، الذي هو دولة عمالية مشوهة تماما، ينفر العمال في البلدان الرأسمالية المتقدمة. هذا لأنه لم يبق شيء من تقاليد وتراث ثورة أكتوبر ما عدا القضاء على الاقطاعية والرأسمالية، ومخطط الإنتاج، بالإضافة إلى احتكار التجارة الخارجية، وإن بطريقة ملتوية ومشوهة بيروقراطيا.

لكن وعلى الرغم من ذلك فإن الإنجازات العظيمة للثورة، والتقدم في الإنتاجية، وقضائها على التخلف وجعلها لروسيا في موقع القوة الصناعية الثانية في العالم، لها قوة جاذبية هائلة بالنسبة للجماهير في البلدان المستعمرة. (ومما يعزز هذا أيضا مثال الثورة الصينية التي حولت الصين في غضون أقل من ربع قرن إلى قوة جبارة). في معظم البلدان المستعمرة، حيث ما تزال الأنظمة البرجوازية موجودة، ليست الديمقراطية البرجوازية سوى شعارات جوفاء تستبدل في العديد من المرات بسياسة الحضر وإعلان الطوارئ بل وحتى بالأحكام العرفية.

وبالتالي فإن غياب الديمقراطية العمالية في هذه الدول البونابارتية البروليتارية ليست عائقا أمام جذب الجماهير. بل هي سمة جذابة إيجابية بقدر ما يتعلق الأمر بضباط الجيش. إن حل المشاكل الأكثر إلحاحا من قبيل الغذاء والكساء والمأوى تضغط بشكل أكبر على أذهان الجماهير في البدان المستعمرة.

أثيوبيا

لهذا بدوره تأثير هائل في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. تحبل الأنظمة البرجوازية البونابارتية في البلدان المستعمرة بتناقضات رهيبة. مشاكلها غير قابلة للحل. تنفق مبالغ كبيرة على التسلح، مما يؤدي إلى تفاقم الفقر بين الجماهير. إنها أنظمة غير مستقرة بطبيعتها. وتستفز كراهية العمال والبرجوازية الصغيرة، والطلاب والفلاحين. بل حتى البرجوازية الضعيفة التي تمثلها تدخل في تصادم معها.

هذه هي التربة الاجتماعية حيث تنتعش المؤامرات والمؤامرات المضادة بين صفوف الجيش. إن الجيش (أو القوات المسلحة) يكون دائما على صورة المجتمع وليس مستقلا عنه. وحيثما يسيطر الجيش على السلطة، فإن ذلك يشير إلى وجود أزمة في المجتمع وإلى وجود نظام أزمة.

تأتي كتل وجماعات مختلفة أو حتى أفراد في قيادة الجيش لتعكس التكتلات والمكونات الطبقية أو الطبقات في المجتمع. إنهم لا يمثلون أنفسهم بل يعكسون بدقة المصالح المتناقضة لمختلف الطبقات في المجتمع.

في ظل ظروف الأزمة الاجتماعية يتغير الناس. ينطبق هذا على الطبقات وحتى على الأفراد. وقد شرح ماركس أنه مع انحطاط الإقطاع التحق قسم من الإقطاعيين بصفوف البرجوازية في الثورة البرجوازية. وهناك قسم من البرجوازية، وخاصة المثقفون البرجوازيون، يمكن لهم أيضا أن يتبنوا وجهة نظر البروليتاريا.

ليست هناك من فكرة فلسفية أكثر عقما وشكلية وعداء للجدل وإغراقا في المثالية في تاريخ الحركة من تلك التي يتبناها هؤلاء الذين يزعمون أنه بما أن كاسترو بدأ كفاحه الثوري كزعيم ديمقراطي برجوازي متبنيا لأفكار وأهداف ديمقراطية برجوازية فإنه لا بد أن يبقى ديمقراطيا برجوازيا إلى الأبد. إنهم ينسون أن ماركس وإنجلز أنفسهما قد بدءا كديمقراطيان برجوازيان وقطعا بشكل حاسم مع البرجوازية وأصبحا قائدين للبروليتاريا.

في ظل ظروف الأزمة الرأسمالية في البرتغال[2]، الذي هو بلد شبه مستعمر، تطورت الغالبية العظمى من فئة الضباط المستائين بسبب عقود من الدكتاتورية والحروب التي لا تنتهي في أفريقيا، والتي أدركوا أنهم لا يستطيعون كسبها، في اتجاه الثورة و”الاشتراكية”. وحده تيارنا من تمكن من شرح هذه السيرورة.

أعطى هذا دفعة لحركة الطبقة العاملة، والتي أثرت بدورها على الجيش. لم يؤثر هذا فقط في قواعد الجيش، والرتب الدنيا من الضباط، بل وحتى على بعض الأدميرالات والجنرالات الذين كانوا يرغبون بإخلاص في حل مشاكل المجتمع والشعب البرتغاليين.

كان هذا شيئا يبدو مستحيلا في الثورات السابقة. حيث أن 99% من الضباط ساندوا فرانكو في الحرب الاهلية الاسبانية.

صحيح أن خيانة الإصلاحيين والستالينيين للثورة البرتغالية منعتها من أن تصل إلى نهايتها، فحدثت ردة رجعية. وتم تطهير الجيش مرارا وتكرارا ليصبح أداة مأمونة في يد البرجوازية.

لكن مسألة إلى أي مدى نجحت البرجوازية في ذلك؟ ما تزال تحتاج الى الاختبار في أتون الثورة خلال الأشهر والسنوات المقبلة.

لكن ما أثبتته تجربة البرتغال هو الحاجة إلى امتلاك فهم وتفسير جدليين حقا للأحداث التي جرت في عصرنا الحالي. فإذا كان مثل هذا ممكنا في مجتمع شبه مستعمر لكنه رأسمالي امبريالي كالبرتغال، فكم يمكن حدوث سيرورات مماثلة على نطاق أوسع من ذلك بكثير في البلدان المستقلة حديثا في أفريقيا وآسيا؟

لقد أكدت الأحداث في إثيوبيا بشكل تام الأطروحات التي دافعنا عنها. هناك كانت المجاعة، التي تسبب فيها هيلا سيلاسي والنبلاء الاقطاعيون، هي آخر ما يمكن حتى لفئة الضباط أن يتساهلوا معه. دفعت اللامبالاة الاجرامية التي تعامل بها الإمبراطور وطبقة الملاكين العقاريين مع المجاعة وموت مئات الآلاف وربما حتى الملايين بسبب الجوع، بالإضافة إلى التناقضات الاجتماعية التي تراكمت في بلد متخلف تحت ضغط من الإمبريالية، بالفئات المتوسطة من الضباط إلى تنظيم انقلاب عسكري.

هذا بدوره أيقظ حركة الطبقة العاملة القليلة العدد في أديس أبابا والطلاب والفئات البورجوازية الصغرى في العاصمة وفي البلدات. كما أنه ايقظ الفلاحين أيضا في حركة جبارة للسيطرة على الأرض. وهكذا تحولت “الإمبراطورية” التي استمرت 1000 سنة وبنيتها الطبقية إلى غبار.

إن الأزمة داخل الجيش ومحاولات الثورة المضادة والدفعة الإضافية التي قدمها هذا لحرب العصابات في اريتريا، وحرب العصابات في أوغندا، بمساعدة التدخل المباشر من طرف الصومال، وانتفاضات قبيلة غالا وغيرها من القبائل، شكلت حافزا للثورة.

وكان لحركة الطبقات بدورها تأثير على المجلس العسكري الحاكم الجديد. لقد أدت إلى حدوث انقسامات ومؤامرات فردية وجماعية بين صفوف الضباط. لقد عكس هذا صراع الطبقات في إثيوبيا والحرب الأهلية المتنامية في البلاد كلها. ومهما كانت الأهواء الفردية للضباط، فإنها تعكس (كما هو الحال في سوريا) – ويجب أن تعكس- الصراع الطبقي الجاري في المجتمع. ولا يكاد يوجد من يتمنى العودة إلى النظام القديم.

لقد تم رفض النظام الإمبراطوري شبه الإقطاعي من قبل الجزء الأكبر من فئة الضباط. لكن كانت هناك اختلافات في ما يتعلق بالمدى الذي يجب الوصول اليه، مما انتهى بنزاعات مسلحة وإعدامات. يعكس هذا، بطريقة مشوهة ربما، صراع الطبقات في إثيوبيا.

انتهى الصراع بفوز العقيد منجستو. كانت الأراضي قد تم تقسيمها بالفعل بين الفلاحين وتأميم الصناعة بدون تعويض للامبرياليين والرأسماليين المحليين (على الرغم بالطبع من أن التعويض ليس بالضرورة هو العامل الحاسم).

خرج العقيد منجستو منتصرا من هذا الصراع كديكتاتور بونابارتي تحت تأثير الحروب والحروب الأهلية. ومن أجل الحصول على الدعم الجماهيري، اضطر منجستو، الضابط السامي في جيش الإمبراطور سابقا، إلى مواصلة الطريق حتى آخره. فقد أعلن نفسه “ماركسيا لينينيا” (ربما من دون قراءة ولو كلمة واحدة لماركس أو لينين) وقام بإنشاء نظام ديكتاتوري شمولي يقوم على الحزب الواحد “الماركسي اللينيني”، على شاكلة موسكو أو بكين. تمت مصادرة الملاكين العقاريين والرأسماليين ولم يعد للبلدان الامبريالية تأثير حقيقي على السيرورات التي تجري في اثيوبيا.

إن السيرورة في هذه الحالة واضحة. بل لعلها أكثر وضوحا مما كانت عليه في موزامبيق وأنغولا أو عدن سابقا، وهذا دون صراع مباشر ضد الاحتلال الامبريالي.

الامبرياليون يعانون من الضعف وغير قادرين عن التدخل مباشرة بالوسائل العسكرية، ولا يمكنهم سوى المشاهدة بحقد عاجز.

لكن مما لا شك فيه فتيار Militant (المناضل) هو الوحيد الذي توقع هذه الاحتمالات مسبقا للعديد من البلدان في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. لقد تم إنجاز الثورة، أو بالأحرى المهام الأولية للثورة، في البلدان المتخلفة بواسطة الأنظمة المذكورة أعلاه. فقد تم القضاء على الملاكين العقاريين وتم تدمير الرأسمالية وضرب هيمنة الإمبريالية.

وهكذا فقد كان للأصل البرجوازي لقيادة حركة حرب العصابات في كوبا أهمية ثانوية. كان الشيء الأهم هو محاولة الامبريالية اتخاذ إجراءات لإعادة كوبا مرة أخرى إلى الوضع الاستعماري الجديد مما أدى إلى قطع كاسترو للعلاقات مع الإمبريالية الأمريكية.

إن أوجه التشابه الاجتماعية والاقتصادية هي الحاسمة بالنسبة للماركسي في التقلبات الاجتماعية في هذه البلدان.

من أجل إنجاز ثورة مثل تلك التي شهدتها روسيا في أكتوبر 1917 يتطلب الأمر الوعي والعمل والفهم والمشاركة النشطة من طرف البروليتاريا نفسها في عملية إسقاط الرأسمالية والملاكين العقاريين. يتطلب الأمر أجهزة ومؤسسات يمكن من خلالها للبروليتاريا أن تتحرك، أي: السوفييتات، ولجان المعارك والنقابات العمالية، الخ. وبعد انتصار سلطة العمال يصير من الممكن ممارسة الرقابة والتدقيق بواسطة أجهزة سلطة العمال تلك.

إن مثل تلك اللجان والمنظمات التقليدية مؤسسات لا غنى عنها في ثورة اشتراكية بالمعنى الصحيح. إنها تشكل وسائل لتدريب العمال على فن إدارة الدولة، وتطوير التضامن بين العمال وتطوير وعيهم. وبعد الإطاحة بسلطة الرأسمال تصير وسائل للسلطة العمالية، وأجهزة الدولة الجديدة: دولة الديمقراطية العمالية.

لكن أينما تمت الإطاحة بالنظام، بدعم من العمال والفلاحين بالتأكيد لكن دون رقابتهم الفعلية – كما هو الحال في أوروبا الشرقية والصين وكوبا وسوريا وإثيوبيا – فمن الواضح أن النتيجة لا بد أن تكون مختلفة. إن المثقفين البرجوازيين الصغار وضباط الجيش وزعماء حرب العصابات يستخدمون العمال والفلاحين وقودا للمدافع، ومجرد قاعدة دعم، يستعملونهم كذخيرة إذا جاز التعبير.

إن هدفهم، بوعي أو بغير وعي، ليس تحقيق السلطة للعمال والفلاحين، بل تحقيق السلطة لنخبتهم. نموذجهم في ذلك هو روسيا الستالينية. إن الثورة – أي التغيير في علاقات الملكية – تبدأ حيث انتهت الثورة الروسية، روسيا الستالينية سنوات 1945- 1949 أو روسيا الستالينية لعام 1978. إنهم متشابهون من حيث الجوهر: دولة الحزب الواحد الشمولية حيث البروليتاريا عاجزة ومذررة، مع جهاز للتحكم في الدولة من قبل المسؤولين. قادة جيش حرب العصابات، الذين يفرضون الانضباط بيد من حديد، وصلوا إلى السلطة بدعم من الجماهير بلا شك، لكن دون وجود أجهزة لممارسة سلطة العمال مستقلة عن الدولة. وأيضا تغيب كل حقوق وسلطات العمال والفلاحين، التي يحققها وجود السوفييت وأجهزة السلطة العمالية.

إن مثل أجهزة العمال الديمقراطية هذه، التي لا غنى عنها لدولة عمالية سليمة، من شأنها أن تمثل عقبة هائلة في وجه الانتقال إلى نظام بونابارتي بروليتاري. لقد شكلت عائقا هائلا أمام البيروقراطية الستالينية في روسيا، والتي اضطرت إلى خوض صراع شاق ضدها، بل وحتى حرب أهلية من جانب واحد، لمحو آخر بقايا الديموقراطية العمالية، التي وقفت في طريق حكمها المطلق وديكتاتوريتها. وقد انعكس ذلك من خلال ديكتاتورية الرجل الواحد ستالين وخلفائه.

والشيء المهم هو أن هذا شكل نموذجا للـ “الاشتراكية” بالنسبة لماو وكاسترو ومنجستو ولجنرالات بورما وللجنرالات البعثيين “المسلمين” في سوريا.

الجيش والمثقفون

من المهم أن نرى أن ما تشترك فيه كل هذه القوى المختلفة ليس الفروقات الفردية الثانوية بل القوى الاجتماعية والقوى الطبقية التي تمثلها.

لقد قطع منجستو وكاسترو وجنرالات بورما مع أصولهم الطبقية ومزايا، أو عيوب، تعليمهم الجامعي البرجوازي وتصوراتهم البرجوازية. صحيح أنهم لم يتبنوا وجهة نظر البروليتاريا – كما فعل ماركس ولينين – لكنهم قبلوا “الاشتراكية” الأسهل بكثير التي تضمن حكمهم الفردي وحكم نخبتهم على ظهور الطبقة العاملة والفلاحين.

إن جميع الفروق الفردية يتم إلغاءها من طرف التغيرات الطبقية والاقتصادية الحاسمة التي أنجزوها في بلدانهم ومجتمعاتهم.

جميع العصب التي تطلق على نفسها اسم “الماركسية اللينينية” لم تفهم حتى ألف باء الماركسية كما شرحها مؤسسها وطورها لينين وتروتسكي. هذا شيء عجيب. إن تحرر الطبقة العاملة هو مهمة العمال أنفسهم. هذا ليس لأنه نوع من التكفير عن الذنب الذي يجب على العمال القيام به، أو لأنهم “أناس طيبون”. بل لأنه من دون هذا يصير من الحتمي أن تقوم أقلية صغيرة تحتكر الثقافة باستغلال ذلك الاحتكار– والشطط حتما في استغلاله- ضد مصالح العمال والفلاحين ومن أجل مصالحها الخاصة. وأيضا لأن تعبئة البروليتاريا، ونضالها الواعي من أجل السلطة، والنضال من أجل الديمقراطية العمالية، يغير البروليتاريا ويجعلها قادرة على انجاز مهمة بناء السلطة العمالية. ثم يصل هذا التأثير جزئيا إلى الفلاحين والبرجوازية الصغرى، التي تتبع البروليتاريا سواء في البلدان المتقدمة أو البلدان المتخلفة. هذه العملية لا تحدث بنضال حرب العصابات البرجوازية الصغيرة أو عندما تستولي فئة راديكالية من ضباط الجيش على السلطة.

وهكذا، تسيطر النخبة المثقفة وقادة الجيش في كل الثورات الاجتماعية والانقلابات، التي شهدتها البلدان المذكورة أعلاه، على الدولة بحزم بين يديها. إنهم يتمتعون بالدعم السلبي – أو النشط إلى هذا الحد أو ذاك- من طرف الجماهير. لكن ليست هناك حركة واعية منظمة للبروليتاريا. ليست حركة الفلاحين والبرجوازية الصغرى بديلا صالحا “للحركة الذاتية” للبروليتاريا.

من الملفت للنظر واقع أن العصب صارت تقبل بماو وبالثورة الصينية بعد أن صارا واقعا ووجدت في شارة ماو “الشيوعية” العذر لهذا الغرض. في الواقع إن ماو شيوعي سابق قطع علاقته مع البروليتاريا ووضع نفسه على رأس حرب الفلاحين.

وحقيقة انه في وقت لاحق تأرجح بين الطبقات بطريقة بونابارتية نموذجية، واستند على العمال لبعض الوقت، لا تغير شيئا. كما لا تغير شيئا حقيقة أن العصابة الحاكمة في بكين قد أطلقت على نظامها اسم “الاشتراكية” أو أحيانا دكتاتورية “البروليتاريا”. ليس هناك فرق جوهري اقتصاديا أو اجتماعيا بين أي من هذه الأنظمة. وهذا يعني أن الاختلافات الثانوية لا أهمية لها إذا ما قورنت مع التشابه في الجوهر.

خطأ لينين

ليس من قبيل الصدفة أيضا أن جميع العصب تستند إلى خطأ لينين في كتابه “ما العمل؟” حول أن البروليتاريا ليست قادرة من تلقاء نفسها على الوصول إلا إلى “وعي نقابي” وليس إلى “وعي اشتراكي”. في الواقع هذه ليست فكرة لينين بل فكرة كاوتسكي. وقد اكتشف لينين خطأه، وتعتبر مؤلفات لينين مثلها مثل مؤلفات ماركس وإنجلز وتروتسكي، إضافة إلى روزا لوكسمبورغ ومهرينغ، دحضا لهذه الفكرة. وفي كل مجلدات لينين الـ 55 التي تضم مؤلفاته لم يتكرر أبدا مرة أخرى هذا الخطأ. في الواقع ودون تمجيد البروليتاريا، كل مؤلفاته، كما هو حال جميع الماركسيين العظام، من أضخمها حتى أصغر مقالة، مشبعة بالإيمان وبالثقة في القوة الجبارة للبروليتاريا باعتبارها الطبقة الوحيدة التي من شأنها أن تقود الجنس البشري نحو الاشتراكية. وهذا الايمان يأتي بالطبع من المادية الجدلية لماركس.

في الواقع جميع هؤلاء السادة العصبويين يحتقرون في السر – وأحيانا ليس في السر تماما – الطبقة العاملة. وجدليا، في حين يتبنون بحماس هذه الفكرة الخاطئة عن الوعي النقابي، تجدهم في نفس الوقت يتعبدون في ضريح هوشي منه أو ماو أو كاسترو أو تيتو أو بعض الدكتاتوريين البونابارتيين البروليتاريين الآخرين. إنهم غير قادرين على فهم السيرورة التاريخية والظروف المؤقتة للازدهار الاقتصادي الذي أدى إلى هدوء طويل في الصراع الطبقي في الغرب واستمرار أزمة المجتمع في العالم المتخلف. كان هذا واحدا من عوامل الازدهار في الغرب وأدى حتما إلى ظهور وتطور الأنظمة البونابارتية البروليتارية في العالم المستعمر، والتي ساهمت فيه هيمنة الستالينية في روسيا وسيطرة الستالينية والإصلاحية في الحركة العمالية العالمية. وحدها الماركسية الحقيقية من تمكنت منذ البداية من شرح كل هذه الظواهر “الغريبة” من وجهة نظر الطبقة العاملة، وشرح الطبيعة الطبقية للمجتمع والأزمة الهيكلية للرأسمالية العالمية والتي تظهر في المقام الأول في الأطراف الأضعف والأكثر تخلفا.

جميع هذه الأنظمة البوناباترتية البروليتارية هي انحرافات مؤقتة على طريق الثورة العالمية. وسيتم استئصال هذا الورم المتمثل في الستالينية بسهولة عندما ستتمكن البروليتاريا القوية في إحدى البلدان المتقدمة من أخذ السلطة في الغرب أو عندما تعمل الطبقة العاملة في روسيا وأوروبا الشرقية على الإطاحة بالبيروقراطية.

لقد تتبعنا في عدد من مؤلفاتنا التناقضات التي تسقط فيها العصب بشأن مسألة معنى الدولة العمالية السليمة بتشوهات بيروقراطية، ومعنى دولة عمالية مشوهة. فعلى الرغم من أن كلاهما يستندان إلى ملكية الدولة، فإنهما مختلفتان اختلافا جوهريا من حيث بنيتهما الفوقية. لهذا السبب فإن الثورة السياسية ضرورية في حالة وجود دولة عمالية مشوهة لإقامة نظام “الديمقراطية العمالية”، أو “ديكتاتورية البروليتاريا” بمعناها السياسي وكذلك الاقتصادي. أما الدولة العمالية بتشوهات بيروقراطية من ناحية أخرى فهي دولة عمالية في ظل ظروف التخلف والعزلة، وما يزال في الإمكان إصلاحها من خلال استعادة الحزب والنقابة وديمقراطية الدولة، أي من خلال العودة إلى رقابة العمال والفلاحين، حيث ما تزال هذه المنظمات، وإن بشكل رمزي، موجودة تحت ضغط من العمال.

لقد انبطحت بعض العصب أمام كاسترو كزعيم ومنظم “لدولة عمالية سليمة”. بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك حيث شبهوا “نضاله ضد البيروقراطية” بنضال تروتسكي ضد الستالينية. لقد ارتكبوا خطأ نشر صور لتروتسكي وكاسترو معا كمناضلين ضد البيروقراطية ومن أجل الديمقراطية الاشتراكية. وبالتالي أظهروا انهم لا يفهمون لا دور تروتسكي باعتباره مناضلا خالدا ضد البيروقراطية الستالينية ولا دور كاسترو باعتباره مجسدا للبيروقراطية الستالينية الكوبية.

إن الكلمات رخيصة. لم يكن “صراع كاسترو” ضد البيروقراطية الكوبية يختلف في جوهره عن صراع ستالين في بعض المناسبات ضد البيروقراطية الروسية. ستالين باعتباره ديكتاتورا بونابارتيا هاجم أحيانا “البيروقراطية” بالكلمات. وذهب أبعد من ذلك في مناسبات معينة واستند على العمال والفلاحين. حدث هذا عندما ذهب البيروقراطيون الجشعون بعيدا جدا في النصب والمضاربة ونهب الدولة وهددوا بتقويض أسس الدولة.

لقد اتخذ ستالين اجراءات حتى ضد كبار البيروقراطيين وبالتأكيد ضد قطاعات واسعة من الرتب الدنيا من البيروقراطية. وكان الهدف من وراء هذا هو الحفاظ على النظام الستاليني بتقديم بعض البيروقراطيين، وخاصة من الرتب الدنيا، أكباش فداء.

إن دور كاسترو في كوبا هو نفسه من حيث الجوهر. صحيح، أنه لعب دورا قياديا في حرب العصابات، وفي الإطاحة بباتيستا، وفي الحركة نحو طرد الإمبريالية، والإطاحة بالملاكين العقاريين والرأسمالية.

ستالين عاش الثورة البروليتارية وشهد وجود الديمقراطية العمالية، لكنه نفذ ثورة مضادة ضدها. لكن الثورة الكوبية نشأت منذ اليوم الأول مشوهة. لم تأخذ البروليتاريا الكوبية أبدا السلطة السياسية مباشرة على عكس البروليتاريا في روسيا. وحقيقة أنه حتى اليوم ما زال ربما الجزء الأكبر من الشعب الكوبي، والشعب الصيني أيضا، يدعم النظام في هذه المرحلة، لا تغير شيئا من حيث الأساس. إن قيود كاسترو ضد البيروقراطية، مثلها مثل قيود ستالين، ضرورية بالنسبة له للحفاظ على دور “الحكم البونابارتي” ودور “أب الشعب”.

والآن، عندما ينتقلون إلى التعامل مع النظام الحاكم في إثيوبيا، يعلن بعض المنبطحين أمام كاسترو أن منجستو – الذي يعتبر نظامه من حيث الجوهر نسخة للأنظمة السائدة في روسيا والصين وكوبا – حاكم “فاشستي”. لا يمكن استقبال هذا المثال عن التشويهات والألعاب الانتقائية البهلوانية إلا بعواصف من الضحك من قبل الماركسيين الحقيقيين.

رأسمالية الدولة؟

لماذا يكون نظام منجستو نظام “رأسمالية الدولة” ومختلفا عن الاخرين؟ لا يوجد أي تفسير لذلك. إنهم لا يعملون سوى على ترديد صدى حجج الطلاب الماويين اليسروايين المتطرفين في إثيوبيا. الماويون الاثيوبيون منسجمون على الأقل إذ يعلنون – كما هو حال الماويين في كل مكان – أن روسيا هي أيضا “رأسمالية الدولة”.

والدليل على الطابع “الفاشستي” لنظام منجستو، كما يزعمون، هو القمع الشرس والإعدامات وقمع الحقوق القومية والثورات الوطنية في إريتريا وأوغادين ذات الطابع المماثل لتلك التي في إثيوبيا، وتصفية الأقليات القومية الأخرى. إن سحق وحل النقابات العمالية المستقلة وكل المؤسسات الديمقراطية الوليدة للعمال والفلاحين مسألة مدانة بالتأكيد. وكذلك هي مدانة أيضا مسألة تركيز السلطة في أيدي زمرة المجلس العسكري وديكتاتورية منجستو.

لكن لا يملك المرء سوى أن يفرك عينيه استغرابا من ضحالة “ماركسية” هؤلاء الذين يسمون أنفسهم تروتسكيين. فكل جريمة ارتكبها منجستو في هذا الصدد، ارتكب ستالين أكثر منها مائة مرة! لقد وصل قمع المنظمات المستقلة للعمال إلى حالة الكمال على يد البروقراطية في روسيا. “النقابات” المزيفة موجودة وتشبه منظمات Arbeitfront النازية في ألمانيا. والحزب “الشيوعي” الروسي هو أداة البيروقراطية نفسها، وقد توقف منذ فترة طويلة عن أن يكون حزبا عماليا. وتم إنشاء معسكرات الاعتقال، أو “معسكرات العمل” كما يطلق عليها، و”المستشفيات” النفسية لجميع المنشقين سواء من اليمين أو اليسار.

كما بلغ القمع القومي للأقليات، وخصوصا ذات الأصول العمالية، إلى مستويات لم يصل إليها حتى في ظل القيصرية. وقد أنشأت آلة الحزب الواحد الشمولية دون السماح لوجود أية معارضة بين العمال والفلاحين والمثقفين. كما تم فرض قيود الستالينية على الفن والعلم والحكومة، دون السماح بأية مبادرة مستقلة أو فكر مستقل، وهو ما لم يكن له مثيل في التاريخ ما عدا، ربما، في ظل ألمانيا تحت حكم هتلر. وهذه صورة مشتركة، إلى هذا الحد أو ذاك، بين جميع الدول البونابارتية البروليتارية، بما في ذلك الصين وكوبا.

تعمل بعض العصب على التقاط توصيف نظام منجستو من عند الماويين. كما أنهم دعموا حرب العصابات الفلاحية البطولية في أوغادين وإريتريا، والتي كانت ستنتهي ربما، في حال انتصارها، إلى أن تشكل نسخة طبق الأصل من كوبا أو من إثيوبيا في ظل منجستو. من شأن ذلك أن يكون حتميا في ظل اقتصاد متخلف ومع قيادة قومية محدودة الأفق تبحث في مواردها الخاصة وحدها دون رؤية ضرورة ربط نضالها مع نضالات العمال من البلدان الرأسمالية المتقدمة. إننا في حالة اندلاع نضال من أجل الحقوق الوطنية لهذه الشعوب – وطالما لم يكن هناك تدخل مباشر للإمبريالية – سوف نقدم دعما نقديا لذلك النضال، كما قدمناه على سبيل المثال لنضال الشعب الأوكراني من أجل الاستقلال عن روسيا الستالينية. فمن شأن دولة أوكرانية اشتراكية سوفياتية مستقلة أن تمهد الطريق لبناء فدرالية للجمهوريات الاشتراكية السوفياتية حقيقية وطوعية لجميع شعوب الاتحاد السوفياتي. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال الإطاحة بالبيروقراطية الستالينية الروسية من قبل الطبقة العاملة الروسية.

دعم الثورة

في إريتريا وأوغادين، كما هو الحال في إثيوبيا خلال المرحلة المقبلة، لن تصل الديمقراطية للأسف إلى المستوى المطلوب. هذا أمر لا مفر منه على أساس حرب الفلاحين، فضلا عن سيطرة الأيديولوجية الستالينية على قادتهم.

لكن وكما فعلنا في حالة فيتنام ولاوس وكمبوديا والصين أيضا – سوف نقدم دعمنا دون إغلاق أعيننا على حتمية صعود أنظمة ستالينية شمولية مهما كانت نتيجة الصراع.

بسبب طبيعة نضالهم كنضال قومي (وإن على أساس ملكية الدولة والقضاء على الاقطاعية والرأسمالية) وضيق أفق قيادتهم، لا الصوماليون ولا الاريتريون يمتلكون وسائل التأثير على الجنود الفلاحين الإثيوبيين وكسبهم. فهم أيضا قاموا بثورة وتأثروا بالفكرة القومية عن إثيوبيا المتحدة.

ليس لسياسة لينين البروليتارية البعيدة النظر – القائمة على الدفاع بحزم عن الحق البرجوازي الديمقراطي في تقرير المصير – أي مكان للأسف في سياسة الاثيوبيين. لكن لا توجد أيضا، على كلا طرفي الصراع، أي من السياسات الماركسية الأخرى – المركزية الديمقراطية في الحزب، والديمقراطية في السوفييتات والنقابات العمالية، الخ.

إن ما يحدد سياستنا بالدرجة الأولى هو مصالح الثورة البروليتارية الاشتراكية الأممية ومستقبلها. وهزيمة الإمبريالية والإطاحة بالملاكين العقاريين والرأسمالية في منطقة القرن الأفريقي خطوات كبيرة إلى الأمام.

هذا على الرغم من الصراع الدائر بين “الدول الاشتراكية” الذي يزرع البلبلة بين العمال الطليعيين والبروليتاريا عموما. إن تعقيد المشكلة والحاجة إلى الحفاظ على أفكارنا واضحة يظهران في الكيفية التي غيرت بها الإمبريالية والبيروقراطية الروسية والكوبية مواقعهما.

بالأمس دعم الإمبرياليون هيلا سيلاسي والنظام الاقطاعي والرأسمالية في إثيوبيا ضد الصومال وحركة حرب العصابات في اريتريا. بينما مولت روسيا وكوبا الدولة الصومالية وسلحتها ونظمتها ودعمت المتمردين في إريتريا بالأسلحة والأموال والمساعدة التقنية. احتلت إثيوبيا أهمية أكبر في نظرهم مع انهيار الإمبراطور، وما تلاه من إسقاط للنظام شبه الإقطاعي والرأسمالي. اثيوبيا لديها 35 مليون شخص مقابل ما يقرب من 2 أو 3 ملايين في كل من إريتريا والصومال.

استغل الرئيس الصومالي بري بشكل انتهازي الحرب الأهلية في إثيوبيا، التي نظمت من قبل قوى الثورة المضادة الملاكين العقاريين والرأسماليين، فأرسل قواته الى أوغادين. وأعرب عن أمله في تفكك وانهيار الثورة الاثيوبية. تصوره قومجي محدود الأفق وقصير النظر، ومهتم فقط ببناء “الصومال الكبرى”. مما لا شك فيه قام الإمبرياليون خلسة، ومن خلال الدول العربية الرجعية شبه الإقطاعية مثل المملكة العربية السعودية، بتقديم الدعم للصوماليين، مثلما يقدمون الآن الدعم للإريتريين على الرغم من الطابع الاجتماعي للحركة في إريتريا. إنهم يرغبون في إضعاف إثيوبيا وتوجيه ضربة ضد البيروقراطية الروسية.

البيروقراطية الروسية وكاسترو عملا على تغيير الأحصنة في منتصف الطريق، بعد فشل محاولة إقناع الحكام الصوماليين بالوصول إلى تسوية وإقامة فدرالية مشكلة من إريتريا والصومال وإثيوبيا. كانت الفدرالية ستكون بدون شك الحل الأمثل، بالنظر إلى طبيعة كل تلك الأنظمة إما كدول بونابارتية عمالية مشوهة، أو كدول في طور التشكل.

عندما رفض الصوماليون هذا الاقتراح غيرت البيروقراطية موقفها. وليس من المؤكد أن الإثيوبيين كانوا متفقين مع هذا الاقتراح أيضا. والآن هم يحاولون ان يتفاوضوا حول شكل من أشكال الاتفاق بين إريتريا وإثيوبيا. فإذا لم يقبل الإريتريون بشكل محدود من أشكال “الحكم الذاتي” فإنه يبدو مؤكدا أن كوبا وروسيا سيدعمان سحق محاولة إريتريا لتقرير المصير. وسوف يذرف الإمبرياليون، العاجزون عن التدخل مباشرة، دموع التماسيح على الحقوق القومية والديمقراطية للشعب الاريتري. (رغم أنهم بالأمس فقط حاولوا بوحشية قمع حقوق الشعب الفيتنامي).

لكن ما هو مضحك حقا بخصوص هذه الصراعات الدرامية هو موقف بعض العصب. إنهم يقولون رسميا إن روسيا (وهذا صحيح) دولة عمالية مشوهة، وكوبا (وهذا غير صحيح) دولة عمالية “سليمة” نسبيا. لكنهم لا يشرحون بأي حال من الأحوال كيف ولماذا تقدم دولة كوبا العمالية “السليمة” نسبيا أو دولة روسيا العمالية المشوهة مساعدة نشيطة للدولة “الفاشية” في إثيوبيا لتأسيس نفسها وقمع الحقوق القومية لشعب إريتريا الذي يحاول إقامة نظام “ماركسي” وشعب الصومال من الأوغادين والأقليات الأخرى.

إن الغالبية الساحقة من الفلاحين الإثيوبيين، وبفضل سياسة توزيع الأراضي، يدعمون، بدون شك، النظام الإثيوبي لعدم وجود بديل عنه.

بالطبع من الممكن نظريا أن تقوم دولة عمالية مشوهة، أو حتى دولة عمالية سليمة، بالتحالف مع دولة رجعية أو فاشية لغرض “الدفاع” ضد الدول الرأسمالية الأخرى. وقد فعلت روسيا الستالينية هذا في عام 1939 بتوقيعها اتفاق “عدم الاعتداء” مع ألمانيا في عهد هتلر.

لكن ما هي الضرورة الاستراتيجية التي دفعت بريجنيف وكاسترو إلى التحول من دعم الصومال وإريتريا إلى دعم غريمتهما “الفاشية”؟ سينظر حكام الدول العمالية المشوهة بعين الخوف لاحتمال ظهور دولة عمالية سليمة في البلدان الصناعية بسبب الهزات الاجتماعية التي سوف تثيرها في بلدانهم. لكنهم سيرحبون بتأسيس أنظمة اجتماعية على شاكلة أنظمتهم في البلدان المتخلفة والتابعة.

هذا سيقوي موقعهم على الصعيد الدولي ضد منافسيهم الإمبرياليين الرأسماليين. فالتناقض العالمي الأساسي بين الهياكل الاجتماعية لهذه البلدان وبين البلدان الرأسمالية ما يزال قائما.

الستالينية والفاشية

إثيوبيا بلد أكثر تخلفا من روسيا القيصرية أو حتى من الصين قبل الثورة، وتعيش ظروف الحرب الأهلية على كل الجبهات. مع وجود قيادة تتخذ من كوبا والصين نموذجا لها، ومن دون تدريب ثوري، انتقل ضباط الجيش نحو تبني المفاهيم الستالينية في مسار الثورة. لكن لا يمكننا رمي الطفل مع مياه الحمام. بل يجب علينا فصل النواة التقدمية الهائلة عن القشرة الرجعية. لقد تم القضاء على الاقطاعية والرأسمالية وسيكون لهذه الحقيقة الحاسمة آثار بعيدة على مستقبل الثورة الأفريقية في المرحلة القادمة.

ليس عبثا شرح تروتسكي لحزب العمال الاشتراكي الأمريكي أن النظام السياسي في روسيا كان فاشيا، إذا ما وضعنا جانبا ملكية الدولة للصناعة والأرض! لم يكن هناك شيء يميز نظام ستالين السياسي عن نظام هتلر باستثناء الحقيقة الحاسمة المتمثلة في أن أحدهما يدافع عن ملكية الدولة وفي أن امتيازاته تعتمد على تلك الملكية، في حين أن النظام الآخر يعتمد في امتيازاته وسلطته ومداخيله ومكانته على أساس الدفاع عن الملكية الخاصة. وقد كان هذا اختلافا جوهريا وحاسما! ليس هناك فرق في أساسيات البنية الاقتصادية والسياسية بين إثيوبيا والصين وسوريا وروسيا أو أي دولة من الدول العمالية المشوهة.

إن الأحداث الأخيرة التي شهدتها الهند الصينية ساعدت مرة أخرى في إظهار التناقضات المثيرة للسخرية في سياسات جميع العصب. لقد أعطى تيارنا دعما مبدئيا لنضال حزب هوشي منه “الشيوعي” الفيتنامي وحركات حرب العصابات الفلاحية في لاوس وكمبوديا ضد الإمبريالية الأمريكية والعالمية وعملاؤهم المحليين.

لقد أيدنا ذلك الكفاح دون قيد أو شرط وبكل مبدئية. لقد أيدناه لأنه كان حربا من أجل التحرر من الاستعمار. وكنا سنؤيد مثل هذه الحرب حتى ولو كانت تحت قيادة برجوازية أو بورجوازية صغيرة لا تحارب إلا من أجل حق تقرير المصير القومي فقط. لكنها أصبحت بشكل حتمي حربا من أجل التحرر الاجتماعي وكذا التحرر الوطني، بمعنى النضال من أجل القضاء أيضا على الملاكين العقاريين والرأسمالية. وبدون هذا، لم يكن من الممكن خوض الكفاح لعشرات السنين ضد قوات عسكرية ساحقة.

ويظهر المدى الذي وصل إليه ابتعاد العصب عن الأسلوب الماركسي أو التروتسكي في المهاترات بين مجموعتين عصبويتين تنتميان إلى نفس التيار الأممي حول ما إذا كان الفيتناميون تروتسكيين “بشكل غير واع” ويعملون على أساس الثورة الدائمة.

لم يفهم أي من هؤلاء السادة الطبيعة الخاصة للمرحلة فيما يتعلق بتطور المناطق المستعمرة أو المستعمرة سابقا. كما أنهم لم يفهموا حتمية تشوه الثورة في ظل القيادات الستالينية المكشوفة – قيادة الأحزاب الشيوعية المزعومة – أو فئة الضباط الراديكاليين. لم يفهموا العواقب الحتمية عندما تصل ثورة تحررية إلى إنجاز مهمتها التقدمية و”النهائية” المتمثلة في القضاء على الرأسمالية والملاكين العقاريين في حين لا تكون القوة الرئيسية هي الطبقة العاملة بقيادة ماركسية.

عندما تكون القوة الرئيسية هي جيش الفلاحين الذي يستخدم تكتيكات الفلاحين الكلاسيكية المتمثلة في حرب العصابات، من المحتم أن يؤدي ذلك إلى “دولة عمالية مشوهة” حتى ولو لم يكن ذلك هو هدف القادة. وفي حالة وقوع انقلاب عسكري للضباط الشباب، المتحالفين مع “المثقفين” والطلاب، فإن النتائج تكون – لا محالة – هي نفسها.

يصير هذا حتميا أكثر بالنظر إلى الظروف العالمية المتمثلة في وجود دول بونابرتية عمالية قوية، كروسيا الستالينية وغيرها من البلدان. ومع وجود القوى الإمبريالية يصير من غير الممكن أن تكون هناك نتيجة أخرى.

بالطبع لو كانت هناك دول عمالية سليمة – في روسيا على سبيل المثال، أو واحدة من الدول الصناعية الكبرى في أوروبا أو اليابان- فإن النتائج والاحتمالات ستكون مختلفة تماما. كانت بروليتاريا الدول العمالية المتقدمة وشعبها سيقدمون العون والمساعدة إلى عمال الدول العمالية في البلدان المتخلفة، وربط الاقتصادات معا، وإرسال عشرات الآلاف من الفنيين إلى البلدان الصغيرة ومئات الآلاف منهم إلى البلدان الكبرى. سيعني هذا التصنيع السريع بالإضافة إلى الديموقراطية العمالية. هذا هو ما قصده لينين عندما قال إن إفريقيا يمكن أن تنتقل مباشرة من النظام القبلي إلى الشيوعية.

لكن وبالنظر إلى العلاقة الحالية للقوى الطبقية على الصعيد الأممي، ومع سيطرة الإصلاحية الكلاسيكية والإصلاحية الستالينية على الحركة العمالية في الدول المتقدمة، صارت مثل هذا الإمكانية في فيتنام وكمبوديا ولاوس مستبعدة.

مواجهات الهند الصينية

هذا هو السبب الذي جعل تيارنا يدعم بكل إخلاص الثورات الفيتنامية والهند الصينية وفي نفس الوقت يشرح للعمال والفلاحين في هذه البلدان أنه عليهم أن يدعموا بنشاط النضال والكفاح من أجل التحرر الاجتماعي والوطني، لكن هيمنة القيادة الستالينية على النضال يعني أنه في حين ستتحقق خطوة اجتماعية هائلة إلى الأمام مع انتصار حركة التحرر الوطني، سيتلوها استعباد جديد على يد البيروقراطية الستالينية الشمولية. بدون حزب ماركسي وبدون قيادة ماركسية سيكون هدف قيادة “الحزب الشيوعي” إقامة دولة على شاكلة ما يسمى بـ “الاشتراكية” السائدة في روسيا أو الصين.

نحن نناشد العمال الطليعيين في بريطانيا وأمريكا وفرنسا والعالم لدعم النضال من أجل التحرر الوطني والاجتماعي لشعوب الهند الصينية، لأنه يضعف الإمبريالية والرأسمالية العالمية. إن تحرير القوى المنتجة في هذه البلدان، من خلال الإطاحة بسيادة الرأسمال، سيكون ذا فائدة كبيرة على المدى البعيد بالنسبة لشعوب هذه البلدان، وكذلك بالنسبة للبروليتاريا العالمية.

لكننا أبدا لم نخدع أنفسنا أو نخدع العمال والفلاحين في العالم بخصوص الطبيعة الحتمية (علاقة القوى الطبقية) للأنظمة التي ستنشأ في هذه البلدان.

لقد توقعنا وحذرنا من حتمية نشوء أنظمة قومية ستالينية شمولية في تلك البلدان، لكن حتى نحن لم نتوقع المدى الذي ستصله في تشوهها.

إن الاشتباكات المسلحة بين كمبوديا وفيتنام هي إدانة ساحقة لكل تلك العصب ‘التروتسكية ” المزعومة في بريطانيا وأمميا، والتي لم تفهم الطبيعة الطبقية لتلك الأنظمة وطابعها الستاليني. لم تكن هناك أية مفاجأة بخصوص هذا بالنسبة لتيارنا. فقد أظهرت الاشتباكات الحدودية بين روسيا والصين عندما قتل عشرات الآلاف حجم الجرائم التي يمكن للبيروقراطيين القوميين أن يقترفوها.

لا يمكن لهذه البيروقراطية أن تنظر أبعد من حدود الدولة الوطنية. ويقف وراء هذه الاشتباكات في الهند الصينية تطلعات الفيتناميين لإنشاء فدرالية من “الدول الاشتراكية” في الهند- الصينية. من الواضح أن هذا سيكون له فائدة كبيرة لاقتصادات جميع تلك البلدان. لكن السبب الذي جعل الكمبوديين يقفون ضد إقامة مثل هذه الفدرالية هو أنه في ظل ظروف الاستبداد البونابارتي سيجدون انفسهم لا محالة تحت الهيمنة القومية والاضطهاد القومي من طرف البيروقراطية الفيتنامية. وبغض النظر عن النزعة القومية الشوفينية عند الستالينيين الكمبوديين، فإن ذلك سيكون أمرا لا مفر منه مثلما كان في الصين وروسيا الستالينيتين.

ولنفس السبب سيرفض الستالينيون الفيتناميون، بدورهم، الاتحاد مع الصين الستالينية. إنهم يعرفون، كما عرفت الأقليات في الصين، أنهم سيتعرضون للاضطهاد القومي من طرف البيروقراطية الصينية. ورغم أن ذلك الاتحاد سيكون من الناحية الاقتصادية ذا فائدة كبيرة، فإنهم لن يوافقوا عليه، مثلما لن توافق البيروقراطية الصينية على الاتحاد مع روسيا، على الرغم من أنه من الناحية الاقتصادية وحتى على صعيد موازين القوى السياسية العالمية، سيكون مفيدا بشكل هائل لشعوب واقتصادات كل تلك البلدان. إن ما يقف في طريق ذلك هو المصالح القومية الخاصة لبيروقراطيات جميع هذه البلدان.

وحدها الديمقراطية العمالية، بدون أية نزعة للتفوق أو التميز القومي، كما كان الحال في أيام لينين وتروتسكي، من يمكنها أن تمتلك مثل هذا البرنامج. لكن نظاما بونابارتيا، يستند إلى الامتيازات واللامساواة، عاجز عن مثل هذه السياسة: وتعتبر التجاوزات الشوفينية التي تقترفها روسيا والصين الستالينيتين دليلا على ذلك. إن الأنظمة البونابارتية الشمولية، بحكم طبيعتها، لا يمكنها أبدا أن تنظر أبعد من الأفق الضيق للدولة القومية. إن البيروقراطية أفقها قومي ضيق بسبب طبيعتها وامتيازاتها بالذات.

ولأنهم يستندون إلى الفلاحين والطلاب والمثقفين، دون هيمنة ومشاركة حاسمة من طرف الطبقة العاملة، فإنهم حتما قوميون ضيقو الأفق.

أفغانستان

لا يمكن للطبقة العاملة أن تضمن تحررها وهيمنتها على المجتمع إلا عن طريق التغلب على جميع أشكال الأحكام المسبقة التي تعود إلى الماضي: القومية والعنصرية والفئوية والجنسية أو غيرها. لكن وحدها الطبقة العاملة وليس غيرها – وفقط تحت قيادة ماركسية – القادرة على هذا الانجاز الفذ. لكن تحرر العمال يعني أيضا تحرر الطبقة البورجوازية الصغرى في المجتمع والتي يمكنها، في ظل قيادة الطبقة العاملة، وفقط في ظل هذه القيادة، أن تصير قادرة على التقدم إلى الأمام.

لا يمكن للبورجوازيين الصغار والمثقفين أن يتبنوا وجهة نظر البروليتاريا إلا بعد القطع تماما مع أصولهم وتصوراتهم الطبقية. لكن في ظل الظروف الحديثة من الصعب للغاية تحقق ذلك، حيث صار الماركسيون الحقيقيون، كما هو الحال في الأيام الأولى لماركس وإنجلز، مجرد أقلية صغيرة.

هذا هو الحال بصفة خاصة اليوم حيث الصراع لا يتم فقط في المجال الأيديولوجي بل حيث صارت المسألة العاجلة في بلد بعد الآخر هي إحداث تغيير في المجتمع. في هذه الحالة من السهل أن يسقط المثقفون تحت هيمنة الأفكار الستالينية المشوشة في أشكالها المختلفة.

وحدها حركة عمال قوية بقيادة ماركسية من يمكنها أن تجعل كسب هؤلاء المثقفين مسألة ممكنة.

هذا أمر صعب خصوصا في البلدان المستعمرة أو المستعمرة سابقا حيث المشاكل ملحة، وحيث تعيش الجماهير في شروط أقرب إلى الحيوانية، وحيث هناك أيضا عقبات هائلة أمام تحديث وتطوير المجتمع على أساس الأنظمة الرأسمالية وملكية الأرض شبه الإقطاعية.

من الأسهل بالنسبة للمثقفين والضباط الراديكاليين وحتى الموظفين والفئات العليا من المهنيين والأطباء والمحامين وهلم جرا، أن ينتقلوا إلى دعم البونابارتية الستالينية على دعم التيارات الماركسية الحقيقية لكن الصغيرة. ويصدق هذا بوجه خاص في معظم تلك البلدان حيث لا توجد الحركة “الماركسية” بوصفها تيارا منظما.

إن ما يسمى بـ ‘الماركسية اللينينية’ الروسية والصينية والإثيوبية تناسبهم تماما. انها تناسب كل أحكامهم المسبقة. إن “الاشتراكية” حيث تعيش نخبة المسؤولين في الدولة والحزب والصناعة والجيش في مستوى معيشة أعلى من الجماهير تبدو طبيعية تماما وعادية بالنسبة لهم. إن لهذا المجتمع حيث تصبح فيه هذه الفئات هي المهيمنة والحاكمة جاذبية هائلة بالنسبة لهم، خاصة حين يرون الخطوات الهائلة التي تحققها البلدان المتخلفة في مسيرتها القسرية نحو “الاشتراكية”.

وبالتالي فمن السهل بالنسبة إليهم تبرير موقفهم الطبقي. إنهم يكرهون الملاكين العقاريين والرأسماليين الفاسدين الذين تحت سيطرتهم صارت مجتمعاتهم إما تتفكك أو أنها تتطور ببطئ شديد. كما أنهم يحتقرون الجماهير المسحوقة من الفلاحين وحتى الطبقة العاملة الضعيفة.

إن هذه الفئة، وبصرف النظر عن وضعها الاقتصادي، مشبعه بغرور واهتمام كبيرين بأهميتها الخاصة في المجتمع. إنها مهوسة بالاكراميات والمناصب والسلطة والامتيازات، والدخل والمكانة الاجتماعية. وبالتالي فمن السهل في العالم الحديث أن نرى كيف يمكنها أن تتبنى “الاشتراكية” على نمط كوبا، على سبيل المثال.

في الفترة الماضية أكد مثال أفغانستان التحليل الذي قدمناه عن الثورة في المستعمرات. لقد تم تشكيل الحزب “الشيوعي” في هذا البلد المتخلف بشكل رهيب فقط خلال العقد الماضي أو نحو ذلك. ومثله مثل حزب البعث في سوريا، لم يجد أية صعوبة في تبني عقيدة “الإسلام” و”الشيوعية” معا. وقد فعل ذلك لأن الخرافات الدينية لها جذور عميقة بين الأغلبية الساحقة من الفلاحين، الذين 90% منهم أميون.

التحول الكامل

والآن في أفغانستان، كما هو الحال مع حزب البعث في سوريا، تحالف قادة الحزب الشيوعي مع الفئات الراديكالية الدنيا والمتوسطة من ضباط الجيش.

ان القضية المباشرة التي عجلت بحدوث الانقلاب هي المجاعة – كما هو الحال في إثيوبيا – واستحالة حلها من قبل النظام الآسيوي شبه الإقطاعي الفاسد. لقد شهدت أفغانستان العديد من الانقلابات في العقود الماضية مما أدى إلى وصول مختلف زعماء القبائل والمجموعات إلى السلطة. لم يؤد ذلك سوى إلى تغيير في القمة بينما ترك البنية الاجتماعية على حالها. فتطور نفس الفساد حتما، مما أدى، عندما أصبح الوضع لا يطاق بالنسبة إلى الجماهير، إلى المجاعة، أو بفعل المؤامرات الخارجية إلى حدوث انقلاب جديد. وهكذا اعتقلت العلاقات الاجتماعية في نفس الحلقة المفرغة ذاتها. يفتح هذا الانقلاب احتمالات السير في اتجاه جديد. لقد أصبح “الشيوعيون” في رئاسة الوزراء ومنصب الرئيس ولهم أيضا دور مهيمن في الحكومة. هذا يدل على الاتجاه الذي يرغب الضباط في الذهاب إليه. كان أحد أول الاجراءات التي اتخذها النظام الجديد هو الاستيلاء على أراضي الأسرة المالكة، والتي على الرغم من الاطاحة بها من قبل نظام داود[3]، كانت ما تزال تمتلك 20% من الأراضي في أفغانستان! هذه انطلاقة جديدة، وربما تكون بداية التحول الكامل للعلاقات الاجتماعية.

كما هو الحال في بولندا، حيث وصلت البيروقراطية الستالينية البولندية إلى اتفاق مع الكنيسة الكاثوليكية، يمكن لقيادة الحزب الشيوعي في أفغانستان، جنبا إلى جنب مع الضباط، أن يصلوا إلى اتفاق مع رجال الدين الاسلاميين. ولا تغير حقيقة أن تراقي، رئيس الوزراء الجديد، هو زعيم ما يسمى بالحزب الشيوعي أي شيء. إنه ينتهج نفس السياسة التي ينتهجها قادة حزب البعث السوريين.

في حالة أفغانستان هناك طريقان اثنان فقط ممكنان في هذه المرحلة. الطبقة العاملة ضئيلة. تريد قطاعات من المثقفين، وأغلبية الضباط وجزء كبير من الموظفين على ما يبدو، بناء دولة حضارية حديثة. والفلاحون يريدون الأرض.

لا يوجد هناك من مخرج على قاعدة الرأسمالية والملكية العقارية. ضباط الجيش يرغبون في السير على الطريق الذي اجتازته منغوليا. في الواقع إن هذه التغييرات الخاصة ممكنة فقط بسبب السياق الدولي. أزمة الإمبريالية والرأسمالية، ومأزق البلدان المتخلفة في العالم الثالث، ووجود ثورات بروليتارية في الغرب، هي عوامل قوية في ما تشهده أفغانستان.

إن الأنظمة الوحشية السائدة في باكستان وايران والهند ليست لديها جاذبية. ينجذب ضباط الجيش، والذين تدرب العديد منهم، إن لم يكن معظمهم، في روسيا، عندما يرون نتائج النظام الستاليني. لديه تأثير كبير على رجال القبائل في المناطق المتاخمة لروسيا عندما يرون التحديث في المناطق الروسية التي كانت تعرف سابقا مستويات منخفضة للمعيشة، ومستويات الأمية والجهل كبيرة مشابهة لتلك التي لديهم.

المقاربة الماركسية

إن التصنيع والقضاء النهائي على الأمية وتحقيق مؤشرات عالية بالمقارنة مع أفغانستان، لا بد أن تثير إعجاب تلك الفئات. وفي المقابل فإن التخلف والهمجية التي أغرق فيها النبلاء أفغانستان لا يمكن إلا أن يرعبا أفضل العناصر من بين المثقفين والمهنيين وحتى فئة الضباط. إنهم يرغبون في الخروج من الفقر والجهل والأوساخ التي تعاني منها بلادهم. والرأسماليون في الغرب، مع انتشار البطالة والركود الصناعي، لا يقدمون لهم شيئا. إنهم يرغبون في الخروج من الدائرة المفرغة لحكام القبائل والأنظمة العسكرية المختلفة التي لم تحدث أي تغيير جوهري.

الأزمة العالمية للرأسمالية تضرب المناطق المتخلفة من العالم بشكل أكثر قسوة، وتدفعهم إلى الاستنتاج بأن الرأسمالية لا تقدم أي مخرج.

نظام داود “الجمهوري” – الذي بالمناسبة كان مدعوما ومسنودا من موسكو – لم يغير شيئا. والانتفاضات والانقلابات، التي تؤدي فقط إلى مجرد تغييرات في السلالات الحاكمة من مختلف عشائر طبقة النبلاء خلال السنوات الخمسين الماضية كانت عقيمة تماما. لقد كانت النبالة وعلاقات ملكية الأرض التي كانت تستند إليها هي العقبة الرئيسية أمام التحديث.

في ظل هذه الظروف، إذا استند النظام الجديد على دعم الفلاحين وتحويل المجتمع، سيتم فتح الطريق في أفغانستان أمام بناء نظام مثل ذلك القائم في كوبا وسوريا أو روسيا. وسوف يحمل هذا، للمرة الأولى منذ قرون، المجتمع الأفغاني إلى الأمام نحو العالم الحديث. وإذا تم اكتمال التحول الاشتراكي يمكن أن يشكل ذلك ضربة جديدة للرأسمالية والاقطاعية في بقية بلدان آسيا الرأسمالية – الاقطاعية، وخاصة في منطقة جنوب آسيا. وسوف يكون لها آثار لا تحصى على الباتان والبلوش في باكستان، وسيكون لها تأثير مماثل على الشعوب الموجودة على حدود إيران. إن النظام المتعفن في باكستان سيواجه في السنوات القادمة تفككا كاملا. ويمكن لتجديد العلاقات الاجتماعية في أفغانستان أن يسهم في تسريع تفكك ذلك النظام.

وسوف يتأثر رجال القبائل بالسيرورة التي تجري عند إخوانهم على الجانب الآخر من الحدود. فعلى الحدود الشمالية الغربية لباكستان وبين البلوش هناك تحركات ثورية بالفعل، مع تطلع تلك الشعوب نحو الوحدة مع إخوانهم في أفغانستان. سوف يكون التأثير على شكل دوائر آخذة في الاتساع مع تداعيات يمكن أن ترى نتائجها في إيران وأبعد من ذلك، وأيضا في الهند.

هذا هو الطريق الذي سوف يسير عليه “الحزب الشيوعي”، الذي يتولى السلطة إلى جانب الضباط الراديكاليين. إن المعارضة من طرف القوى الرجعية في أفغانستان، وكما هو الحال في إثيوبيا، سوف تفرض عليهم في جميع الاحتمالات السير في هذا الاتجاه.

إذا ما تماطلوا، ربما تحت تأثير السفير الروسي والنظام الحاكم في روسيا، فإنهم سيمهدون الطريق أمام اندلاع ثورة مضادة شرسة يقوم بها النبلاء والملالي المهددون. وفي حال نجاح الثورة المضادة سوف تعيد إقامة النظام القديم على عظام مئات الآلاف من الفلاحين، ومذابح ضد الضباط الراديكاليين والإبادة التامة تقريبا للنخبة المثقفة. في الوقت الحالي، وإلى حين أن تكون هناك حركة للطبقة الطليعية الوحيدة التي في إمكانها أن تحقق الانتقال في اتجاه الاشتراكية في البلدان المتقدمة صناعيا – فإن التطور الأكثر تقدمية في أفغانستان يبدو هو عملية تثبيت لنظام بونابارتي بروليتاري.

وبينما لن نغلق أعيننا على التناقضات الجديدة التي سيتضمنها هذا، على أساس اقتصاد انتقالي لدولة عمالية، دون ديمقراطية عمالية، سوف ندعم نحن الماركسيون، بطريقة واقعية، ظهور مثل هذه الدولة والمزيد من إضعاف ليس فقط الإمبريالية والرأسمالية، بل أيضا الأنظمة المستندة على بقايا الإقطاع في البلدان الأكثر تخلفا.

ألتوسير ونظرية الفيلم

althusser-1

إنَّ ما يَربِط نَظرية الفيلم بما بعد بُنيوية سبعينيات القَرن المُنصرم هو التأثير العظيم لذلك الجانِب في ما بعد البنيوية الذي إدّعى أنه يقوم بإنتاج تَنظيرات جديدة للذاتية الانسانية. ولهذا […] فإنه من المُفيد عَرض النواحي ذات الصِلة بما يُعرَف على أنه نَظرية الذاتّ.

يُشير مَفهوم الذاتّ إلى ذلك النشاط العقلي الانساني والأولي المُتفاعل مع أمور العالم من خلال وضعها بمقابلة وعيّها الخاص بالنفس، كما في البُعد الفلسفي (المعرفي الابستميولوجي) من خلال وضع الذاتّ مقابل الموضوع. على أن الما بعد بُنيوية الفرنسية والتي تشمل مفكرين متباعدين كألتوسير وبارت ودريدا وفوكو وكريستفا ولاكان، قد إدعت ومن منطلقات مختلفة ومتقاطعة بأنَّ هذا الادراك الفلسفي التقليدي لمفهوم الذاتّ هو مفهوم مُضلِل من جوانب مهمة. يدّعي هؤلاء وبطرق مختلفة ضد هذا التقليد الديكارتي المتعارف عليه في تاريخ الحضارة الفرنسية والذي يتأسس على وعيّ زائف بالذاتّ – أو النفس أو الأنا- وهو إلى حد ما مركزيّ في مَسار معرفة العالم. وعموما فإن هؤلاء الما بعد بنيويون إدّعوا في حِينه بأنَّ معرفة الذاتّ والعالم تتشكل بتأثير الخِطاب (*). وكنتيجة يُمكن القول بأنَّ الذاتية الانسانية تَجِد نفسَها من خلال عالم تخاطبيّ، يُنتِج ويُعيد انتاج هذه الذاتية، وعلى الأغلب ايضا، أوهامَها المُؤسِسة.

[…]

أن يتم للمرء إدراكُ نفسه بوصفه واعيّا، ذي نَشاطٍ عقليّ مُتمايز، يعني أنه يَمتلِك هويةً. وظواهريا فإن هذا بالطبع أمرٌ يوميّ ثابتٌ يُعايشه المَرؤ ويُمكنّه من التعامل مع الوجود والقيام بنشاطاته بوصفِه كَينونة انسانية ” متواصلة”، بما يعنيه هذا بأنني أعي أني أنا اليوم هو “نفس” الشخص الذي كُنته بالأمس، مما يُشكل ضَمانة لهويتي الذاتية. على أنَّ مِثل هذا الادراك للنفس يمكن وصفه أيضا بالاعتماد على مسارات لا يمكن اختزالها إلى تجربة متفردة يعايشها الفرد من وعيّ بنفسه. ذالك أنه يمكن الادعاء بأن مثل هذا الادراك هو نِتاجٌ أو تَكوينٌ أكثرَ مِما هو مُعطى ماقبلي (a priori) غير قابل للاختزال. ويعتمد مثل هذا الادعاء على تبيان كيف يتم انتاج هذا النمط من الذاتية وكيف تقوم بوظيفتها.

وإذا ما تم للمرء اختيار فرضية مثل فرضية وجهة نظر النظرية الاجتماعية، فإن الادعاء سيكون عندها أن اتخاذ موقع الذاتّ المدركة لنفسها يعني أن عليه المُشاركة بنشاطات قيمة للمؤسسات الاجتماعية و \ أو المجتمع. وفي مثل هذه الحالة ستكون هوية الشخص نتاج وأثر لمسارات اجتماعية جارية. لقد تم دفع وجهة النظر هذه في ستينيات وسبعينيات القرن النصرم بتأثير ما قام به ألتوسير من اعادة صياغة النظريات الماركسية حول الايديولوجيا (1).

تُشكِل الايديولوجيا بالنسبة لألتوسير مُكونا ضُروريا لأيّ مجتمع. وتتألف من شبكة واسعة جدا من منظومات التَمثُل تزوّد الأفراد بالوسائِط التي من خِلالها قد يستطيعون إدراك وجودهم. وبما أن هذا يجري من خلال وضع الضوابط وإعداد المعاني الممكنة للوجود، فإن هذه الشبكة الضخمة من التمثلات، والتي يدعوها ألتوسير أيديولوجيا، ما هي الا ضوابط على الافكار والتجارب. ويدعي بأن هذه الضوابط هي مُكون ضروري حاسم للنظام والمؤسسة الاجتماعية ؛ فمن أجل الحفاظ على ديمومتها على مر الزمن، تحتاج المُجتمعات، على تعدد عامليها، حدا أدنى من “إدراك” عمومي متداول، مما يعني استمرار إنتاج هذه الامكانيات والضوابط على الافكار والتجارب على درجة من الكفاية، كجزء لا يتجزء في استمرار بقاء النظام الاجتماعي. يقود هذا المنظور بألتوسير إلى القول بأن مقولة الذاتّ هي دعامة ضرورية (وليست كافية) لقيام الايديولوجيا بوظيفتها.

 ولمثل هذا المفهوم، فيما إذا ما تم قُبوله، تَداعيات نَظرية ومنهجية على السيمياء، إذ أن نُظم رُؤاها وتَمثُلاتها مُشتبك ومتداخل مع العديد من مسارات المؤسسة الاجتماعية. لكننا سوف نركز هنا على مقولة الذات من ناحية بنيتها الهيكلية. منظورا إلينا من منظور “الوعيّ” فإنه يمكن القول بأننا “مُحاطون” مُنذ الولادة بخِطابات دّالة تُهيءُ لنا مَسارات تَفكيرنا وعَيشنا لتجاربنا. لكن ومن منظور آخر، فإن هذه الخطابات هي ما يُكون العامل الاجتماعي (**)(agent Social) الفردي بوصفه ذاتا إنسانية. وبالقدر الذي تفترض فيه الدلالة وجود مُرسلٍ اليه أو “مُستمع \ مُتلقي” فإنها بهذا القدر أيضا، تستهدف منْ تُقدِر أنه قَابِل لأن يُدرِك- شخصا ما. والفردُ الذي يكون هو المرسل اليه في مِثل هذه المسارات التخاطبية هو وعيّ متماسكٌ، إنه ذاتٌّ ما.

يَضُم ألتوسير آليات هذه الخطابات التي تُكلف وتنادي ما يُفترض أنه كينونة ما قبل ذاتية- وبالتالي فإنها في الحقيقة شُروط تمهيدية لتمام انتاج هذه الذاتّ- ويجمعها في مَفهومٍ واحدٍ هو الأستجواب (Interpellation). ويمكن تسمية الإجراء الذي يتم فيه مسائلة الوزير المكلف بالرد والذي يتبنى المسؤولية عن نشاط الحكومة من قبل عضو في البرلمان، بالاستجواب.

وفي استعارة لهذا المسار يقوم ألتوسير بالتنظير مُدعيا بأن كلَ شخص وبوصفه عاملا (social agent) إجتماعيا يقع بشكل دائم في دائرة الاستجواب المتواصل. والخطابات التي تقوم بالاستجوب لا تفعل فعلها بشكل مستقل ذاتيا بل هي مُدمجة داخل المؤسسات الاجتماعية المتعددة بدءً بالعقيدة الدينية (يُنادى الشخص للمحاسبة أمام سُلطة مطلقة الصلاحية) مرورا بالممارسات القضائية (ينادى الشخص لتحمل مسؤوليته عن أفكاره وأفعاله، بوصفه ذاتا خاضعة للقانون) وصولا إلى النشاطات اليومية والتشكيلات الاجتماعية.

إنه لمن المربك أن يركز ألتوسير على الايديولوجيا بوصفها مسارات تَمثُلٍ، وفي نفس الوقت يقوم بالتحدث عن ما يمكن تسميته “تأثير الذاتّ”، لهذا فإننا نَجِد من الضروريّ القيام بالحديث بتفصيل أوسع قليلا عن مركزية هذا التأثير على المُمارسات التخاطبية. ففي كُل مرةٍ “يستخدم” فيها الفردُ نظام دلالة، كاللغة الكلامية مثلاً، فإن هذا النظام يضم في دخيلته “مواقع” تؤكد وجود ذواتٍ لهذه الدلالة. ففي النظام الأساسي وذي الأفضلية، أي نظام اللغة الكلامية تتضمن الأمثلة على هذا الضمائرَ الشخصية وأزمنةَ الفِعل وهي نِسبية للزمن الحاضر كما هي نسبية للمُتكلم ولهذا فإنه [أي هذا الفرد المتكلم] يتخذ مَوقع ذاتٍ لغوية في الزمن. وتتموضع هذه الذاتُّ بالضرورة داخل الخطاب بوصفها مُرسِلٌ و\أو مُستوعِبٌ. ويمكن القول في هذا السياق بأنَّ ألتوسير يقوم بشد الأنتباه نحو الدّمج القائم لمستويات مختلفة: المُرسِل و\أو المُستوعِب للدلالة، القادر على الكلام والإدراك، مُدمجٌ بالذاتّ الاجتماعية، والمُنتدبُ من قِبل المُؤسسات الاجتماعية، والذي ” يختار” و”يتحمل المسؤولية” عن أعماله\ها وهو القادر في النهاية على القيام بسلوكيات مُعادية للمجتمع. وبما أن الايديولوجيا هي على نحو ما، بِيئةٌ تخاطبيةٌ تقومُ بتزويد وسائِطَ إدراكٍ للوجودِ الفعليّ فإن مَوضِع الفرد كذاتٍّ اجتماعية هو مَوضِعها كذاتٍّ ” داخل” الخِطاب (2).

منظورا اليها على هذا النحو فإن الذاتّ الانسانية هي إذا دالة-في-علاقة (function of) بالتشكيلة الاجتماعية التي تفترض وجودها وتقوم بتكوينها بالتالي تكوينا متواصلا من خلال الممارسة داخل المؤسسات أي من خلال الخِطاب، الذي وبدونه لا تقوم أية ممارسة اجتماعية ولا أية مؤسسات، وبوصفه مَقُولةً عامةً “للمُمارسة الحيَّة”. ومن خلال بِناء الذاتّ داخل الايديولوجيا- والتي هي في نهاية المَطاف البُنية الهيكلية لفهم الواقع فَهما يتلائم مع نظام اجتماعي مُحدد- تعمل البُنية الاجتماعية على استمرار استقرارها النسبيّ عبر الزمن( سواء كان الحديث عن حياة الفرد ام الاجيال القادمة).  وتشتبك ممارسة الذاتية متداخلة مع إعادة البُنية الاجتماعية إنتاجَ نفسها وكأنها هي هذا الوضوع “الطبيعي” للأمور. وبالطبع فإنَّ إنتاج وتصوير ما هو قائِم على أنَّه ” طبيعيّ” هو وظيفة الايديولوجيا.

تُلقي وجهة النظر هذه بتداعياتها المباشرة على نظرية الفيلم. وفيما إذا كانت الايديولوجيا موجودة في عالم من التَمثُلات التخاطبية، فيجب عندها بحث السينما- وهي القائمة كمنظومة تمثلات تخاطبية أو كجزء منها- بوصفها ايديولوجيا. وإذا ما كان الفعلُ التخاطبيّ غيرَ مُنفصلٍ عن إستجواب الفَرد كذاتٍّ، فإنَّ هذه النظرية السينمائية التي تُنظِر للسينما على أنها أيديولوجيا، مطالبةٌ ببحث الآليات التي يَتعرف المُشاهِد من خلالها على نفسه كذاتٍّ خلال مسار مُشاهدة الفيلم. وفي حقيقة الامر فإن طرح هذا السؤال من قِبل التحليل السينمائي تواصل خلال السبعينيات وإن لم يكن طرحه قد تم بنفس الشكل الذي تفترضه وجهة نظر الاستجواب الاجتماعي [بمفهومه لدى ألتوسير]. وبالأخذ بعين الاعتبار أهمية الجناح المُسيّس من بين باحثي السيمياء السينمائية كان من المتوقع أن يتم إعادة جوهرية لبحث السينما من منطلقات بنيوية، تتصل بتحليل السينما بوصفها أيديولوجيا: أي ببحث ما هي تلك المفاهيم والمعتقدات والاساطير والافكار ألخ، التي يُعاد تدويرها؟ لكن هؤلاء الباحثين كانوا منشغلين باهتمام اكبر بما قد تمت تسميته لاحقا” موقع الذاتّ” أو ” موضعة الذاتّ” في السينما: كيف تَسعى الاستراتيجيات السينمائية المُهيمنة إلى مَوضَّعِة المُشاهِد كذاتّ، وما هي السُبل المُمكِنة لمُواجهة مثل هذا التَموضُع؟ ولقد أثبت هذا التُوجه البَحثي أنه الاكثرَ صلابةً وإثمارا في نظرية الفيلم.

لكنه إذا ما تم بحثُ الفيلم من مَنظور الآليات التي يقدم من خلالها مَوقِعا أو مَواقِعا للمُشاهِد مُتعرفا فيها على نَفسه كذاتّ، فإن المرء سوف يواجِه عِندها نقصا مُحددا في نظرية الايديولوجيا. ذلك لأنَّ نظرية الايديولوجيا ليست تفسيرا يشرحُ الذاتية الانسانية بوصفها هذا، بل هي شَرحٌ حول إنتاج وتدوير وأَحكَام ما يُعتبر أنه مَعرفةٌ\ أو موقعٌ مُلائمٌ لتحصيل المَعرفة في التشكيلة الاجتماعية المحددة. وعليه فإن الموافقة مع إدعاء ألتوسير القائل بأنَ مقولة الذات هي مقولة ذاتُ أهمية خاصة في التشكيلة الاجتماعية، تبرز الحاجة إلى تفسير نظري للجاذبية الكامنة في وضعية “أن تكون ذاتاً” (Subjecthood). ما هي إذا المَنفعة التي تَحصُل عليها الكينونة الانسانية الفردية من تبنيها لهذا الموقع الذي تُحدده لها هذه المقولة ؟ إنَّ فِكرة الاستجواب ومُوضَّعة المُشاهِد تبدوان وكأنهما تفترضان وجودا مُسبقا لفرد رَاغب بالتعرف على نفسه بوصفه ذاتا. لهذا فإن فَهم هذه الرَغبة هو أمر ضروريّ من أجل التعامل مع هذه المُوضوعات في تحليل الفيلم.

وبوجود مِثل هذه الصِلة ما بين الايديولوجيا والرَغبة من جِانب والوضعية التَخاطُبية من جانبٍ آخر، فإن هذا الانجذابَ إلى، والسعيَّ وراء مَسارات الدلالة يَحتاج إلى بَحثٍ نَظريٍّ خَاصٍ بِه. مما يستدعي السعيَّ نحو تَفسيرٍ دَقيقٍ و مُفصلٍ للعلاقات القائمةِ ما بين النَص والمَعنى واللّذة ووضعية المُشاهَدة. ما هي هذه المَسارات التي من خلالها تُنادي أنماط تخاطبية معينة المُشاهِد مستميلة إياه بوصفِه ذاتاً؟ لم تستطع النظرية الاجتماعية منفردة الاجابة على هذا التساؤل. ولكن الطريقةّ التي سيُجيب فيها المرؤ على هذا التَساؤل سوف تُحدِد كيف سيتم تَحليل النصوص الفيلمية والتنظير السينمائي.

لقد تمت مواجهة هذه القضية من قبل سيمياء سينما سبعينيات القرن المنصرم من خلال معالجة الدلالة بمفاهيم تزودها نظريات محددة في التحليل النفسي. وفيما إذا اضفى المرؤ أية مصداقية على المغامرة النفس تحليلية عندها لن تكون هذه النقلة مستغربة. إذ أنه من الممكن النظر إلى التحليل النفسي الكلاسيكي بالضبط كتفسير يشرح رغبة الذاتّ بالهوية، بوضعية آمنة من الذاتية، ضد القوى التي تهددها. أن “اكتشاف” فرويد للاوعيّ غير منفصل عن تفسير الهوية الانسانية ككينونة تتأسس على الكبت وهو الشرط الضروري لتشكيل إدراك بالنفس.

يتم وفق فرويد وأتباعه تكوين الممارسة الأولية للهوية في مواجهة القلق الجذري والذي يُلخَص على أنه قلق الخِصاء. وتشتبك مسارات الرغبة والجنسانية والوهم متداخلة مع وعيّ بالنفس يتم إنتاجه في مواجهة ذالك القلق المُؤسِس وهو معه في جدل دائم. وفي النتيجة، فإن ممارسة الهوية مشروطة بخفية مع هذه المسارات الاساسية لل”أنا” المتكون من خلالها. إنَّ هذه النقطة لدى فرويد وأتباعه نقطة جوهرية: هنالك دائما إدراك زائف يُؤسِس ويرتبِط برَغبة الفرد في الحُصول على- والتَّعرف إلى- نفسه بوصفه فَردا رَاسخا وآمنا.

ولهذا فإن الاطروحة القائلة بأنَّ اللاوعي هو القاعدة التي يتأسس عليها وعيُّ النفس (“الأنا”) يمكن ان تستخدم كتفسير للرغبة العامة لدى الذاتّ في سعيها نحو موقع ذاتي آمن. ولهذا فإن مفاهيم النظرية النفس تحليلية الكلاسيكية يمكن أن تَجد لها مَكانة هَامة في التنظير حول الكيفية التي تتوجه فيها الأفلام إلى الذات الانسانية مستميلة إياها. بالإضافة إلى هذا فإن النظرية النفس تحليلية التي تم توظيفها مُؤخرا في السيمياء السينمائية غالبا ما كانت تحت تأثير أعمال لاكان. إن العِدة المفهومية الكُبرى في الاعمال الأكثر تأثيرا حول موضع الذاتّ في السينما تم تقديمها من خلال صياغات لاكان النظرية.

[…]

المصدر:  Narrative, Apparatus, Ideology . By Philip Rosen, 1986


مُلاحظات المُؤلف

(1) يُنظر في: “Marxism and Humanism,” in Louis Althusser, For Marx, trans. BenBrewster (New York: Pantheon Books, 1969)”Ideology and Ideological State Apparatuses (Notes Towards an Investigation),” in Louis Althusser, Lenin and Philosophy and Other Essays, (New York: Monthly Review Press, 1971).

(2) لم يتم التعبير عن الصلة ما بين الشكل الدلالي والمؤسسة الاجتماعية من خلال مفهوم الذاتّ من قِبل ألتوسير حصرا. لكن وبالحد الذي تُكون فيه مقولة الذاتّ مركزَ اهتمام نظرية الفيلم من وجهة النظر الاجتماعية-الثقافية، فإن مثل هذه القفزة تبدو ضرورية. للمزيد حول بُنى اللغة الكلامية وتأثيراتها على الذاتّ يمكن النظر في أعمال : Emile Benveniste.  في : Problems in General Linguistics, trans. Mary Elizabeth Meek (Coral Gables, FL: University of Miami Press, 1971).

خذ مثلا قوله في ص. 224 ” إنه في ومن خلال اللغة يستطيع المرؤ بناء نفسه بوصفها ذاتّا…”

ملاحظات المترجم

*خطاب (Discourse): يتم تداول المصطلح “خطاب” في الدراسات المعاصرة ليشير إلى معان مختلفة باختلاف حقول الدراسة الاكاديمية، وبمعناه الأعم يشير إلى أنماط الفِكر وحزمة المفردات اللغوية التي تميز المؤسسات، الحضارات والمِهن ( الحقوق، الطب، السينما، تقنيات التواصل ، الإذاعة، الأزياء، تذوق النبيذ …)، وأشكال التعبير الثقافية، بهدف تحديد حقول الدراسة وتميزها عن بعضها ومن أجل التعرف على اللغة المُستخدمة لدى المجموعات الاجتماعية المختلفة، أو في الاحوال الاجتماعية المختلفة (اللغة المستخدمة في الإدارة، أو تلك المستخدمة لدى العمال، أو خلال لقاءات العمل، الزواج أو المباريات الرياضية ). ويُستخدم المصطلح ” الممارسات الخطابية” و “التشكيلات الخطابية” في أعمال المفكر الفرنسي فوكو من أجل تحليل تعابير البيان اللغوي المختلفة والمرتبطة بالمؤسسات المختلفة وكيف تؤسس هذه المؤسسات من خلال خطابها هذا لنوع محدد من “الحقيقة” و”الواقع”، ويعكس الخطاب علاقات القوة والسيطرة يُعززها ويتعزز بها. وبهذا فإن استخدامه لدى فوكو يُشير نوعا ما إلى حالة من الاستقرار، بعكس ما يشير اليه مُستخدما في الفكر الماركسي كصراع حامل لتغير كامن.  

** العامل/ الفاعل الاجتماعيّ (Social agent) يشير المصطلح إلى الشخص (أو مجموعة الأشخاص) بوصفه قادرا على إتيان فعل انساني مؤثرا من خلاله على مجرى الاحداث التاريخية \الاجتماعية وتوجيهها بشكل فعال. وعليه فإن العامل الاجتماعي غير مُقيد نسبيا في تقرير مصيره وصياغة واقعه الاجتماعي. تعترف الماركسية بتأثير الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يحُد من مساعي الفرد كعامل اجتماعي، لتقدم وجهة نظر أكثرَ تعقيدا وتداخلا. “يصنع المرؤ تاريخه الخاص” يقول ماركس ” لكنه يقوم بهذا تحت شروط لا يستطيع أن يختارها هو بنفسه”. وعليه فإن الطبقة العاملة تبقى معدومة الفعل الاجتماعي اذا لم تستطيع الانتقال إلى حالة الفعل الاجتماعي باكتسابها وعيها الطبقي الخاص بها. أما من وجهة نظر فوكو (وما بعد البنيوية) فلا وجود لمثل هذه الفاعلية الاجتماعية فالذاتّ الانسانية مشتتة وواقعة بلا حول تحت تأثير علاقات قوة\وسيطرة، كلية القدرة، ولا وجود لذات قادرة على اتيان الفعل الاجتماعي.

ترجمة هشام روحانا ونشرت في موقع قديتا

شاعر الثورات المغدورة

1512413_421623021324903_6950993870408076172_n

 

وقد أصدر الفيتوري دواوينه الأولى « أغاني إفريقيا » (1955) ، «عاشق إفريقيا » (1964) ، « اذكريني يا إفريقيا » (1965) في سياق ماكان يحدث في العالم من تغيرات،ومتوافقاً مع استراتيجية الدولةالمصرية في إفريقيا وآسيا، ومنهنا فقد طغى الحس الثوري ذو اللغة الرومانسية على بدايات تجربته. إن ارتباط الفيتوري بمصر ارتباط رمزي، لا يمكن حصره فيما هو سياسي أو أيديولوجي، وإنما يمكن إحالته إلى الوعي أو إلى السياق الثقافي الذي تربّى فيه. إن حداثة الرواد في شعر العرب لم تكن مفصولة عن ما يحدث في الشرق الأوسط من صراعات، سواء أكانت داخلية أم خارجية، وكانت استجابة روحية ورمزية لتلك الفئات الفاعلة في تلك الحقبة. وكانت الاقتراحات الشعرية متنوِّعة ومختلفة، وتتقاطع جميعها مع فعل الحداثة مهما كانت درجة الوعي والانحياز الاجتماعي، فهناك الليبرالية ممثلة في صاح عبدالصبور وأنسي الحاج، التي تمجِّد حرية الفرد في المجتمع مهما كانت أفعاله، وهناك القومية مُمثلَة في حجازي، خليل حاوي، والفيتوري، والتي تسعى إلى خلق وعي جمعي يدعو إلى التحرُّر من الاستعمار، أما النموذج الماركسي الذي اعتمد الرؤيةالقائمة على الصراع الطبقي في الداخل ورفض الرأسمالية العالمية في الخارج فقد كان ممثله سعدي يوسف. ولقد تميّز الفيتوري دون غيره من شعراء العرب بالانحياز إلى قارة إفريقيا لا على المستوى السياسي فقط وإنما بما تملكه من ثقافة شديدة الخصوصية، سواء أكانت مادية أم رمزية، فقد كشف ما تعرضت له إفريقيا من اضطهاد واستبداد من
قبل قوى الاستعمار القديم، فقد تم نهب ثرواتها وتدمير وعيها الفطري وإثارة النزعات العرقية والطائفية بين شعوبها، كما تمت السيطرة عليها سياسياً وعسكرياً حتى خلقوا لدى شعوبها قابلية للاستعمار. وكان الفيتوري من أوائل شعراء إفريقيا المناهضين للنموذج الكولونيالي، إذ تماهى وتقاطع مع الوعي الجمعي لهذه القارة وكشف عن جذور التمرُّد والعصيان فيه، كما كشف عن أساليب الوحشية التي يمارسها الغرب تجاه أبناء هذه القارة من استعباد رغم طوباوية الخطاب الذي يروجون له. لقد بعث الفيتوري أساطير إفريقيا وقوتها الروحية التي تمثل المقاومة الحقيقية تجاه هذا التوحش، وأظهر أن أبناء القارة السوداء يمتلكون رؤية أكثر إنسانية تجاه العالم، فهم مازالوا يعيشون على الحضارات القديمة وهي حضارات أقل توحشاً وأقل عنصرية مما يحدث في العالم الغربي. ويقول:

 

إن نكن سرنا على الشوك سنينا
ولقينا من أذاه ما لقينا
إن نكن بتنا عراة جائعينا
أو نكن عشنا حفاة بائسينا.
هذه رؤيته على المستوى المعيش واليومي لأبناء القارة،

إلا أنه يدفعهم
دفعاً إلى المقاومة والعصيان.
فلقد ثرنا على أنفسنا ومحونا
وصمة الذلة فينا
الملايين أفاقت من كراها ما تراها
خرجت تبحث عن تاريخها
بعد أن تاهت على الأرض وتاها
فانظر الإصرار في أعينها وصباح
البعث
يجتاح الجباها.

أما على المستوى الرمزي فقد واكب الفيتوري شعرية الزنوجة، إذ يقول:

أنا زنجي
قلها لا تجبن
قلها في وجه البشرية
أنا زنجي
وأبي زنجي الجد
وأمي زنجية
أنا أسود
أسود لكني حرٌ امتلك الحرية.

فهذا التطهُّر قد تحوَّل لدى الشاعر إلى أيقونة غامضة وفريدة:

« ربما لم تزل تلكم الأرض تسكن صورتها الفلكية لكن شيئاً على سطحها قد تكسر.

ربما بستان صيفك أبيض في العواصف لكن برق العواصف خلف سياجك أحمر.

ربما كان طقسك ناراً مجوسية في شتاء النعاس الذي لا يفسر.

ربما كنت أصغر مما رأت فيك النبووءات أو كنت أكبر. »

و لقد استخدم الشاعر لأداء هذه التجربة عدة تقنيات منها:

  • الإقرار أو الاعتراف بما فيها من لغة حميمية ومحاولة خلق علاقة مع
    الآخر مثل قصيدة « أصبح الصبح » :

أصبح الصبح وها نحن مع النور التقينا
التقى جيل البطولات بجيل التضحيات
التقى كل شهيد بشهيد
لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات.

  • القصيدة كأنها خطاب موجه إلى الآخر، وهذا يستدعي لغة حادة وعنيفة وواضحة في الآن ذاته، كما يكثر فيها استخدام أدوات النداء والحوار، وأن تكون الدلالة مشتركة بين الشاعر والمتلقي مثل:

يا أخي في الشرق في كل سكن

يا أخي في الأرض في كل وطن
أنا أدعوك فهل تعرفني؟

ولم يقتصر دور الفيتوري على تحرير الوعي الكلي لإفريقيا بل امتد للوعي العربي، فقد انحاز مبكراً للثورات ذات الطابع القومي التي كانت تدعو إلى العدالة الاجتماعية، وقد استطاعت أن تدفع الطبقة المتوسطة إلى إدارة شؤون الباد مما خلق نوعاً جديداً من الوعي وممارسات مادية جديدة كانت كلها تسعى إلى تحقيق حداثة ما تتقاطع من اللحظة الراهنة، فهو يقول:

تبقى أمة عربية رفعت مصاحفها على راحتها وتدفقت
موجاً من الأمجاد
تبقى رغم ما حشد الصليبي المعربد تحت رايته
وما استقوى به الموتور والمأجور والجلاد
تبقى الأرض والأوتاد
تبقى فرحة الميلاد.

ومن الإشكاليات التي تسيطر على الخيال والذهن العربيين مشكلة فلسطين، فهي التي تخلق الوحي الشقي، وهي التي تدفع المبدعين إلى اكتشاف أشكال جديدة لأداء:

دوي نفير الثأر يا جراح عشرين سنة
نجمة إسرائيل فوق المئذنة
فمن إذن يا وطني
ينهض إلى الصلاة
بينما حوافر اليهود تدوس سقف المسجد الأقصى
وخوذات الجنود تطال المطران العابد والشماس.

إن أسطورة فلسطين هي أسطورة الذات المجروحة التي تمارس فعلها باستمرار، ولم يستطع الفيتوري في كل تجربته أن يغفلها ولو لحظة حتى في طورها الأخير، ففي قصيدة طفل الحجارة، يكتب:

ليس طفلاً ذلك القادم في أزمنة الموتى إلهي الإشارة
ليس طفلاً وحجارة
ليس بوقاً من نحاس ورماد
ليس طوقاً حول أعناق الطواويس محلى بالسواد
إنه طقس حضارة.

 

إن فعل المقاومة هنا ليس عبثاً، إنه قانون الحضارة التي تعلي من قيمة الحرية والعدالة (إنه العدل الذي يكبر في صمت الجرائم)، ثم يذكر أسباب الكارثة:

إنها الأرض التي لم تخن الأرض
وخانتها الطرابيش
وخانتها العمائم
إنه الحق لم يخن الحق
وخانته الحكومات
وخانته المحاكم

ثم يمارس نقداً عنيفاً للاستبداد العربي الذي صاحب تلك الثورات:

قد مرّ طاغية من هنا ذات ليل
أتى فوق دبابة
وتسلّق مجداً
وحاصر شعباً
غاص في جسمه
ثم هام بعيداً
ونصب من نفسه للفجيعة رباً

ثم يصل الشاعر إلى الذات العربية في طور اكتمالها من خال أحد رموزها الفاعلين وهو المتنبي وإن اعتمد في رؤيته على ما هو تاريخي وعلى الصوفية في العلاقات فظهرت الذات وكأنها قادرة على خلق الممالك والأساطير:

كانوا ملوكاً على أرض ممزقة يجوع على ثراها النبت
والبشر
كانوا ملوكاً مماليكا وأعظمهم تحت السماوات
من في ظلك استتروا
ورحت تنفخ فيهم منك ترفعهم فيسقط البعض أو تبني
فينكسر،
أردت تخلق أبطالاً تعيد بهم عصر النبوة والرؤيا فما
قدروا.

إن الفيتوري أحد رواد شعر الحداثة بما قدَّم من تجربة متميزة ولها خصائص فريدة من أهمها اللغة الحيّة والخيال القريب الذي لم ينفصل عن الواقع، ونستطيع أن نسميه بوضوح شاعر الثورات المغدورة.

تم إفراغ هذا المقال من العدد الخاص بالشاعر محمد الفيتوري في مجلة الدوحة الثقافية الـ 84.

فوكو والغليون .. أو طلاق للضرر بين الكلمات والأشياء

 

 

عنوان مثير للوحة ترسم غليونا، لكنّها لا ترسم الغليون تماما أوهي لا تقصده بالرسم ولا بالاسم.. لوحة لا يهمّها ان كان هذا الغليون هو الغليون- الأصل أم الغليون -النسخة، وان كانت هذه اللوحة طيفا لغليون آخر أو شبحه أو ظلّه أو انعكاسه أو دخانه.. غليون ماغريت تحت وقع كلمات فوكو هو غليون ينتحر فيه نرسيس ثانية على صدر اللوحة و تنتهي معه كل معارك المرآة.. هنا تقع خيانة الصورة لعنوانها في مكان تتمنّع فيه اللغة عن أشيائها.. ويقرع السؤال باب اللغة بوجه سافر : لماذا يرسم الرسّام غليونا و يسمّيه بضدّ اسمه؟ قصّة أخرى “لطلاق ضرر” بين الكلمات و الأشياء وبين الرسم و الاسم حينما يسقط فجأة كل ضامن أنطولوجي و معرفي بين العلامات اللسانية والتقنيات التشكيلية. .رسوم تخرج عن أسمائها خلسة لأنّ اللغة لم تعد في رحاب اللوحة سقفا لأحد. .


ماغريت رسّام فرنسي سرّيالي الأسلوب (1898 -1967)لا يعني الرسم عنده تمثيلا لشيء واقعي، انّه يرسم دوما رسومات “تثير العجب”و تبعثر الفواصل بين العلامات اللغوية واللغة التشكيلية. و قد اهتمّ الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشال فوكو بلوحة الغليون التي اعتبرها لوحة- حدثا لأنّها وقّعت نهاية براديغم التمثيل منكّلة بالعلاقات التقليدية بين النسخة و الأصل و الكلمات والأشياء والرسم وموضوعاته. هنا تغرينا لوحة الغليون بالتجوال في حقل من العلاقات المثيرة بين الحضور والغياب : من حضور اللوحة وغياب الرسّام الى حضور المتفرّج و غياب المعاني الى حضور العنوان وغياب المؤوّل. . الى حضور الرسم وغياب الاسم. . يصير السؤال حينئذ الى الأمر التالي : ما العلاقة بين النصّ الذي نكتبه و الصورة التي نكتب عنها، بين الرسوم و الكلمات و بين العناصر التشكيلية العلامات اللسانية وهل تدعونا هذه اللوحة التي تقف شاهرة صمتها في و جوه المتطفلين، في منطقة التخوم ما بين الحضور والغياب، الى كتابة صمتها ؟ كيف نكتب ذاك الصمت ؟بأي لون وبأي حبر ؟ بالحبر الأسود الذي هو لحم اللوحة و دمها ؟أم بألوان الطيف غير المرئية التي يدخّنها الغليون و ينفث غازاتها على عيون المتفرّجين الآتين الى اللوحات بلا سبب واضح غير التطفّل الأخرس و ضجيج المؤوّلين؟
و أيّ ارتباك أراد ماغريت أن يدخله على فضاء اللوحة و على كينونة الرسم ؟ يبدو أنّ في الحكاية -حسب قراءة فوكو-انهزاما لكاليغرام الرسم و انهيارا للمرسم نفسه. .ثمّة طلاق منذ البداية بين اللوحة و عنوانها. .بين اللوحة و اللوحة نفسها. .على صدر هذه اللوحة و في ضباب دخان الغليون يزعزع الفيلسوف فوكو نسق براديغم التمثّل برمّته، فيشوّش على اللوحة تناسقها مع ما ترسمه و مع ما تسمّيه و مع من يرسمها أومن يتفرّج عليها. .
و النتيجة : انهيار للمرسم و للاطار. .سقوط فظيع لبراديغم التمثيل. .لوح مكسّر. .شظايا من الأشكال و الحروف المنفصلة. .كل الركح سقط أرضا. .في حين تبقى اللوحة التي تقيم في الأعلى، ذاك الغليون الكبير بلا قيس و لا حدّ و لا احداثية. .يظلّ غليونا صامدا في سكونه غير القابل للمس..



و رغم كل هذه المسرحة للوحة و انهيارها يظلّ رسم ماغريت حسب فوكو “رسما بسيطا. .لا شيء غير غليون و نصّ يسمّيه. .كلّنا يعلم اسم الغليون. .لغتنا تعلم جيّدا اسم الغليون”. لكنّ وجه الغرابة في هذه اللوحة هو هذا “التناقض بين الصورة و الرسم”. و المشكلة التي تولد للتوّ هي اذن : “هل نحن مضطرّون دوما الى الربط بين الأشياء و أسماءها ؟” لقد صمّم ماغريت كاليغرام الرسم ثمّ هزمه بعناية فائقة. .لقد رسم ماغريت غليونا و قال “هذا ليس غليونا”، انّه بذلك يهزم أكثر تناقضات حضارتنا الأبجدية قدما : العلاقة بين النصّ و الصورة و بين الكلمات و الأشياء. .لقد هزم الدور الأبدي الذي أوكلتها الحضارة الانسانية للكلمات : أن تسمّي، أن تبيّن، أن تشكّل، أن تقول، أن تعيد انتاج المعنى، أن تبلّغ، أن تحاكي، أن تدلّل، أن تنظّر، أن تقرأ، أن تؤوّل… كلّ هذه الأدوار للكلمات قد انهزمت دفعة واحدة في لوحة ماغريت التي ترسم غليونا و تسمّيه بنفيه..“هذا ليس غليونا”..لقد زعزع ماغريت بذلك العلاقات التقليدية بين الصورة و الكلمة و حرّر الكلمة من الصورة و شوّش صفاء العلاقة الكلاسيكية بين الكلمات و الأشياء. هنا يدفع بنا ماغريت الى مضيق يصعب اختراقه حيث يبدو أنّنا انّما نعطي اسما للوحة من أجل استبعاد التسمية نفسها. .فالاسم ليس مقصودا لذاته. .ثمّة مغالطة و مناورة تعدّها لعبة التسمية في كل مرّة لكلّ من ينتظر من الاسم أن ينقذه من امتناع اللوحة عن الكلام. .و كأنّما يد مجهولة تأتي في كل مرّة كي تلقي بعنوان ما تحت صمت اللوحة. .و بذلك يغدو عنوان “هذا ليس غليونا” مكر من اللغة دُبّر خصّيصا من أجل الزجّ بنا نحو فضاء غامض من العلاقات الغريبة و الاجتياحات المفاجئة و المدمّرة معا. .رسوم تسّاقط في باحة الألفاظ اللعوب و كلمات متكبّرة تخترق اللوحات و تندسّ بينها و بين ألوانها و أشكالها فتتناثر الرسم شظايا ثائرة متمردة خارجة عن طور الصمت و عن طور اللون و عن طور الشكل..و يتحول الرسم الى فضاء تائه متعب من ثقل الأسماء و من تطفّل النقّاد و من كسل المتذوقين و من اعتباطية المعاني.



يتعلّق الأمر اذن باعتباطية عنوان اللوحة الى حدّ يهرب فيه الموضوع و تذهل اللوحة عمّ رسمت كاشفة بذلك عن هشاشة و رهافة الغطاء الرقيق الذي يلفّها. .ثمّة اذن ضرب من هشاشة الرسم و من قابليته للضرر من فرط العناوين التي تسكنها الرغبة في الاستحواذ على الرسم و اختزاله في العلامة اللسانية. .لكن الرسوم تثور على سلطة الكلمات و على استبدادها.

المصدر : http://alawan.org/article13232.html

سيرغي باراجانوف: حين لا يُقبَل نبيّ في وطنه

 

برحيل باراجانوف عام ١٩٩٠فقدت السينما العالمية أحد أهم عباقرتها وآخر سحرتها العظام ولكن ستبقى أعماله تسعد الناس زمناً طويلاً. كانت حياة باراجانوف بمثابة مسرح تجد فيه الضحك والأسى والفانتازيا ممزوجة كلها منتجة فيما بعد روائع سينمائية لاتنسى، فضلاً عن رسوماته وكولاجاته الخاصة المثيرة للتأمل والجدل. لقد كانت حياته حقاً عبارة عن عرض مسرحي وكان الممثل الوحيد الذي يتحرك على خشبة ذلك المسرح هو باراجانوف نفسه. كل يوم من حياته، وأي لقاء بأحبته وأصدقاءه، أو أي ظهور علني له هو بمثابة مشهد فانتازي. لقد اعتاد حين ينتابه إحساس بالحصار والقمع من حوله أن يقدم عروضاً مسرحية قصيرة ارتجالية وعفوية أمام جمع من معارفه وأصدقاءه وبعض العابرين من الناس وكان من الصعب الفصل بين ماهو حقيقي وماهو مختلق. إنسان في أعماقة طاقة خلاقة حبلى بالأفكار والأخيلة المبتكرة بشكل جنوني. لقد كان لغزاً، فضيحة، رجل مأساة حقيقي حقاً.

إن شخصية باراجانوف تتماهى كثيراً وحياة بطله القرة وسطي الشاعر الجوال سايات نوفا “ملك الأغنية”، الأرمني من تبليسي، المدينة التي كانت بمثابة الجسر الذي يربط آسيا بأوروبا والمكان الذي تتعايش وتتلاقح فيه الثقافات المختلفة مثل سجادة تتداخل فيها ألوان وأشكال متعددة ومتنوعة دون أن تفقد سماتها وهويتها.
كان سايات نوفا يكتب الشعر بلغات قوقازية رئيسية ثلاث هي الأرمنية والجورجية والأذربيجانية، فضلاً عن اللهجات المتعددة أيضاً، وما بورتريه شاعر الأثنيات هذا في فيلم “لون الرمان” إلا توظيفاً من مخرجه كنوع من السيرة الذاتية له شخصياً، والتي تعكس الإيكامينيزم الخاص (الحركة التي تسعى لوحدة العالم) لسينماه، تلك التي تخلق على الشاشة توليفة من الثقافات الأكثر تنوعاً، أو نمطاً من النظام الإثني الثقافي المنفتح على بعضه البعض والذي يتشكل من عناصر تم جمعها داخل حوار حميم يدور بين كل تلك الثقافات. في حديث له في مجلة الفيلم السوفييتي وقبل تصويره لفيلم سايات نوفا قال باراجانوف:”إن عصر النهضة الأرمنية وهب العالم رسامين وشعراء وفلاسفة بارعين من بينهم سايات نوفا الذي كان ذو شخصية ساطعة موهوبة ولامثيل لها. لقد ولد سايات نوفا في تبليسي مدينة طفولتي حيث أعرف كل شارع وبيت فيها. وربما كان هذا هو السبب في حبي لأغانيه التي تشدو بها شعوب ماوراء القفقاس”.
ولد هذا الطفل الحالم والمدهش سيريوجا “هكذا يكنّى سيرغي لوسيفوفيتش باراجانوف” في التاسع من شهر يناير كانون ثان ١٩٢٤ في أحضان عائلة غنية لتاجر أرمني يدعى يوسف باراجانوف ووالدة اسمها سيرانوش بيجانوف في مدينة تبليسي “عاصمة جورجيا” وكانت طفولته مليئة بجمال لايمكن وصفه على حد تعبيره.
أكمل باراجانوف دراسته الثانوية عام ١٩٤٢ والتحق بكلية الهندسة المدنية التابعة لمعهد السكك الحديدية في تبليسي، إلا أنه غادر المعهد فوراً لدراسة الغناء والعزف على آلة الكمان في الكونسرفاتور “معهد الموسيقى والرقص”، وأخيراً في عام ١٩٤٥ قدم إلى موسكو والتحق بمعهد السينما “فگيك” حيث درس الإخراج السينمائي تحت إشراف المخرج الروسي إيغور سافتشينكو الشهير بفيلمه “غارمون” ١٩٣٤، ومن بعد تحت إشراف الكساندر دوفجنكو مخرج فيلم “الأرض” ١٩٣٠، الفيلم الذي غرس البذرة الأولى للواقعية الشعرية في السينما السوفييتية آنذاك.
الخطوة الأولى هي التي تقرر كل شيء. هكذا بدأ سيريوجا، نجل تاجر القطع الأثرية خطوته الأولى في اختياره طريق الفن مساراً نهائياً مخيباً رغبة والده الذي كان يحلم بأن ولده سيتابع السير على خطى مهنة العائلة. لكن، وبعد سنوات سيلعب عصيانه لوالده دوراً حاسماً في المآسي القادمة التي ستنعكس على مجمل حياته وفنه.
تزوج باراجانوف أثناء دراسته في معهد السينما من الفتاة الشابة التتارية “نيغيار” ذي الأصول المولدافية. وبعد وقت قصير من تلك الزيجة وصل أخوة الفتاة إلى موسكو مطالبين بأموال العروس أو الفدية وهذا عُرف سائد لدى الشعب التتاري. حينها كتب باراجانوف رسالة إلى والده “مرغماً” يتوسل أن يقرضه المبلغ المطلوب واعداً إياه بتسديده في وقت لاحق. إلا أن الأب الذي شعر بإساءة نجله في وقت سابق حين خان تقاليد مهنة العائلة ما دفعه إلى أن يرفض طلبه. وهكذا أرغمت نيغيار من قبل أخوتها على التخلي عن زوج مفلس والعودة إلى وطنها، إلا أن الفتاة الشابة رفضت ذلك، حينها وطبقاً للتقاليد البربرية قام الأقارب بقتل الفتاة حيث قام أحدهم بدفعها من على رصيف المحطة لتسقط تحت عجلات القطار في إحدى ضواحي موسكو. لم يستطع باراجانوف التغلب على حزنه العميق لوقت طويل جداً، لذا غالباً ما نرى في أفلامه المبكرة ما يشار دائماً إلى الثيمة المولدافية لارتباطها بفقدان حبيبته التتارية نيغيار. تزوج باراجانوف ثانية في عام ١٩٥٦ من شابة أوكرانية هي سفيتلانا إيفانوفنا شيرباتوك التي أنجبت له الولد الوحيد سورين عام ١٩٥٨. إلا إن تلك الزيجة لم تستمر طويلاً حيث تم طلاقه من زوجته الأوكرانية عام ١٩٦٢ إلا أنهما بقيا أصدقاء مقربين. أنجز باراجانوف في هذه الفترة ستة أفلام وثائقية هي: “دومكا”، “ناتاليا أوزفي” و “الأيادي الذهبية”، “الصبي الأول”، “إنشودة أوكرانية”، ثم “زهرة وسط الصخر”.
إن بداية المسيرة الفنية لهذا الرجل الذي سمي بعد وفاته بـ”العبقري الأخير لسينما القرن العشرين”، لم تكن تبشر بخير، ولم توحِ بداياته بأنه سيكون أكثر السينمائيين السوفييت مشاكسة أو مثار للجدل، إذ أن أغلب أفلامه التي أخرجها في العقد الأول من عمله كانت أفلاماً تسجيلية قصيرة عادية تتناول حياة فنانين جورجيين أرمن وأوكرانيين ولم تجلب له لا الشهرة ولا القناعة الذاتية. إن التحول النوعي في الرؤية الفنية لباراجانوف حدث فقط بعد مشاهدته فيلم تاركوفسكي “طفولة إيفان” ١٩٦٢، الفيلم الذي قلب رؤاه وغير مساراته الفنية تماماً، ليس هذا فحسب، إنما كان سبباً في اكتشافه لذاته كمخرج مجّدد، ودافعاً حقيقياً في مغادرته لأسلوب الواقعية الإشتراكية دون رجعة. ففي حديث له مع الفنانين والعلماء الشباب في بيلاروسيا “روسيا البيضاء” في ديسمبر عام ١٩٧١ قال باراجانوف:
“لقد صدمت بسينما أندريه فايدا ولايمكنني التفكير مطلقاً أن أكون أحد معلميه أو ناصحيه. لكنني بنفس الوقت عثرت على معلم وناصح مخلص في شاب موهوب بشكل هائل هو المخرج أندريه تاركوفسكي. ربما هو نفسه لايدرك تماماً أي عمل عبقري كان فيلمه (طفولة إيفان) وأي إرث مذهل كشف النقاب عنه ليتم نهبه، وأي تفكير ليتم نسخه ومحاكاته في الطريق نحو سينما تعني بتداعي الدلالات”. وهكذا دشن رؤيته الجديدة بفيلمه المميز “ظلال أجدادنا المنسيين” عام ١٩٦٤ الذي صوره في ستوديو دوفجينكو في كييف عاصمة أوكرانيا. الفيلم الذي قورن حينها بفيلم أيزنشتين “المدرعة بوتيومكن”، وأعتبر أعظم وأهم فيلم أوكراني منذ فترة الأفلام الصامتة لدوفجنكو. فيلم شعري مفعم بالأساطير الشعبية والرموز والأغاني والثيمات الفولكلورية. حينها علق باراجانوف على جل أفلامه التي سبقت هذا الفيلم قائلاً أنها لم تكن سوى محض “قمامة”.
وهكذا ولد نجم جديد في سماء السينما السوفييتية. إلا أن ضوء تلك النجمة كان ضوءاً غير عادي، ضوء يغشي العيون ويصعب التنبؤ بمساراته، لا بل أصبح مصدر تهديد لرؤوساء إدارة السينما السوفيتية برمتها. يقول باراجانوف بهذا الشأن:
“حين شاهد الرسميون في وزارة السينما الفيلم فهموا أنه بمثابة تقويض لقواعد الواقعية الاشتراكية والقذارات الاجتماعية تلك التي أدارت وتحكمت في السينما السوفييتية آنذاك. لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء لأن الوقت كان قد تأخر جداً: فبعد يومين جرى الاحتفال اليوبيلي بالذكرى المئوية لمؤلف قصة الفيلم ميخائيل كوتسيوبنسكي (*)، لذلك قالوا:(دعوه يذهب ويعرض فيلمه).
عرض الفيلم لكنهم أوقفوا عرضه ثانية فيما بعد بالطبع. لكن حين شاهد المثقفون الفيلم أثار فيهم شيء ما وسبّب ردة فعل مضطربة في أوساطهم مادفع الوزارة أن تطلب مني عمل نسخة للفيلم باللغة الروسية. الفيلم بالطبع لم يكن باللغة الأوكرايينية فحسب إنما باللهجة الهوتسللية (لهجة القبائل السلافية كالرومانية). إلا إنني لم أستجب لطلبهم وامتنعت بشكل مطلق في ذلك الحين من عمل نسخة باللغة الروسية، وهكذا وضع اسمي حينها في القائمة السوداء”.
ينبغي القول إن القدرات التعبيرية لبراجانوف لم تتجلى في أفلامه ورسوماته فحسب، إنما تجسدت في حياته وسلوكه الشخصي أيضاً. بمعنى آخر، كان باراجانوف يحيا حياته كفنان، وليس ثمة حدود فاصلة بين سيرته كأنسان ومهنته كفنان، وهذه واحدة من معضلاته الكبرى. فمن الأشياء الطريفة وربما الغريبة أيضاً في سلوكه مثلاً أنه أراد أن يحتفل ذات مرة بعيد ميلاده في كييف فخرج إلى الشوارع وصار يعلن عن عيد ميلاده ويدعو جميع معارفه لحضور الحفل.
وحين بدأ الحفل كان عدد ضيوفه يقارب المائة ضيف. حينها حشر عشرون منهم في شقته الصغيرة، أما البقية، ومن دون اسئذان من سكنة المبنى، فقد أجلسهم على سلالم وممرات المبنى من الطابق الأول وحتى الطابق الخامس، بعد أن غطى تلك السلالم بالسجاد وزينها بالإكسسوارات والفضيات العتيقة. وكان يستقبل الضيوف بنفسه صعوداً ونزولاً في المصعد وهو يرفع نخب كل ضيف ويضحك فرحاً مثل طفل. وفيما كانت ابواب المصعد تفتح وتغلق كان هو يتنقل بين الطوابق أشبه بمهرج في سيرك.
وثمة مثال آخر على حبه للمشاكسة وكراهيته للنظام، أن استعراضاً عسكري رسمي كان يمر في الشارع الذي يقيم فيه ما أثار غضبه ونقمته فخرج من شرفة شقته المطلة على الشارع وراح يضرب السجادة بحذاءه بقوة لنفض الغبار العالق بها وكان الغبار يتساقط فوق رؤوس المستعرضين والجمهور معاً.
كان سيريوجا عاشقاً لإحداث نوعاً من الصدمة عند الجمهور بإعلانات وتصريحات فاضحة وكان مبتكراً ولعوباً في عمل ذلك. ففي مقابلة له في صحيفة دنماركية مثلاً صرح بأنه كان يتلقى تحرشات جنسية قاربت العشرين من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، وكان ذلك مجرد مزحة بالطبع، لكن كان لتلك المزحة صدىً واسعاً في جميع بقاع العالم.
وصل باراجانوف إلى أرمينيا في عام ١٩٦٦ وفي العام الذي تلاه أخرج فيلماً وثائقياً بعنوان “هاكوب هوفناتانيان”، والتقى في ذات العام بالمصور والسيناريست والمخرج ميخائيل فارتانوف الذي سيصبح صديقه الأقرب والذي سيكمل إخراج آخر فيلم له وهو “الاعتراف” في عام١٩٩٠ بسبب وفاته، الفيلم الذي حمل عنواناً آخر هو “باراجانوف” الربيع الأخير.
شهد عام ١٩٦٨ تصوير فيلم “لون الأرض الأرمنية” أو “سايات نوفا” في الإستديوهات الأرمنية. الذي هو بمثابة تحفة باراجانوف المطلقة وجوهرة السينما الأرمنية والعالمية على حد سواء. وبسبب من عدم تطابق أسلوب الفيلم مع متطلبات الأيدولوجية السوفييتية أرغم باراجانوف على تغيير اسم الفيلم باسم آخر هو “لون الرمان”، لكن وبالرغم من كل التعديلات التي تم إجرائها على الفيلم إلا إن الفيلم لم يلقَ قبولاً من لجنة الدولة لصناعة السينما أو وزارة السينما، فقد خبئوا جميعاً عجزهم وضعفهم وراء القرار الذي أصدروه بجملة مبتسرة:”إن الشعب السوفييتي ليس بحاجة إلى مثل هذه السينما”.
المخرج السوفييتي سيرغي يوتكيفيتش أعاد مونتاج الفيلم بعد عام من إنجازه وعمل نسخة منه باللغة الروسية لكن الفيلم بقي محظوراً لفترة طويلة جداً.
أنجز باراجانوف خلال تلك الفترة كتابة أربعة سيناريوهات اشترك معه في الكتابة فيكتور شكولوفسكي إلا أنها رفضت جميعها، وهي:”اللحن الفاصل”، “آرا الجميلة”، “الشيطان”، “معجزة أودينس”.
أفرج أخيراً عن فيلم “لون الرمان” في عام ١٩٧٣ أي بعد مرور خمس سنوات على انتاجه لعرضه في الصالات. ومع ذلك لم يعرض الفيلم إلا لشهور قليلة فقد تم توقيف عرضه نتيجة لتهم جديدة لفقت لباراجانوف في ديسمبر من العام نفسه حيث تزايد لدى السلطات السوفياتية الشك في النزعات التخريبية لمداركه وأحاسيسه لاسيما الجنسية منها متهمين إياه بالمثلية ونشر الإباحية وبأنه ولص ومجرم ومحرض واستفزازي ومحب لانتهاك الأعراف الاجتماعية
والثقافية على حد سواء، وهذه كلها تعتبر جرائم كبرى في الإتحاد السوفييتي. وهكذا تم اعتقاله وحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات في معسكر للأشغال الشاقة في سيبيريا. يومها وجّه المخرج أندريه تاركوفسكي رسالة إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في أوكرانيا قبل ثلاثة أيام من قرار الحكم قال فيها:
” في السنوات العشر الماضية حقق سيرجي باراجانوف فيلمين فقط، فيلم “ظلال أجدادنا المنسيون” وفيلم “لون الرمان” وكان لهذين الفيلمين تأثير هائل على السينما في أوكرانيا أولاً، وفي البلاد ثانياً وفي العالم بأسره ثالثاً.
فنياً، ثمة عدد قليل جداً من الناس في العالم بأسره ممن يمكن أن يحّلوا بدلاً من سيرغي باراجانوف في هذا الميدان. إنه مذنب – مذنب بسبب تفرّده. نحن جميعاً مذنبون لأننا لم نفكر به يومياً، مذنبون لأننا فشلنا في اكتشاف أهمية هذه الفنان البارع”.
رسائل إلى المنطقة المعزولة
هذه رسالة كان قد بعث بها أندريه تاركوفسكي إلى صديقه باراجانوف في ١٨ أكتوبر ١٩٧٤ وقد تم نشرها في مجلة إيسكوستفا كينو (فن السينما) العدد ١٢ عام ١٩٩٠. كتبت المحررة سفيتلانا شيرباتيوك:
“هذه الرسالة بعثها لي باراجانوف كي أحتفظ بها وهي تستحق النشر كاملة لأنها كانت عزيزة إلى قلب باراجانوف بشكل خاص، وهي من بين الرسائل المدهشة التي بعثها لآخرين أمثال ليلي بريك وفاسيلي كاتانيان وفاسيلي شوكشين ويوري لوبيموف وكيرا موراتفا وإيميل لوتيانو وسواهم. »
نص الرسالة:
١٨أكتوبر ١٩٧٤
عزيزي سيريوجا
أنت على حق ـ إن وفاة فاسيا (**) هي بمثابة حلقة في سلسلة تربطنا جميعاً معاً.
إننا نفتقدك هنا ونحبك كثيراً حقاً ونحن في انتظارك بطبيعة الحال. كيف هو وضعك الصحي؟ وهل بمقدورك أن تستلم كتباً؟
أكتب لي “حين تكون لديك فرصة” إذا ما كان بإمكاني أن أفعل أي شيء لك الآن.
هنا في موسكو، الأشياء القديمة هي نفسها: فيلمي “المرآة” لم يُقبل وهو ينتظر منذ نصف عام. لكنني آمل الآن أنهم سيوافقون عليه، سواء اليوم أو في الغد.
متعب أنا إلى أبعد الحدود من هذه البيروقراطية التافهة التي تتعامل معنا بمثل هذه القسوة. سأغادر موسكو لأمضي هذا الشتاء في الريف قرب نهر أوكا.
ينبغي أن تعرف ياسيرغي أن الجميع هنا في موسكو قد صعق بتجربتك الملحمية في السجن. إنه لشيء غريب كيف سمحنا لأنفسنا من قبل أن لانهتم ونحب أحدنا الآخر. إجمالاً، نحن ننتظر المصائب التي لاتحصى أن تحدث أولاً. وهنا، في الواقع، “لايُقبل نبّي في وطنه”.
إن الشيء الوحيد الذي أنا واثق منه تماماً هو استبسالك الذي هو بمثابة خلاصك.
أنت، قبل كل شيء، إنسان موهوب جداً “وهذا الوصف غير كاف!” والناس الموهوبون يكونوا أقوياء عادة. دع كل ما هو أفضل أن يبقى في داخل روحك ليمنحك القوة الآن.
أعانقك ايها الصديق العزيز!.
* لاريسا (***) تبعث تحياتها وكذلك غاله شيبانوفا.
صديقك أندريه تاركوفسكي

 

الحالات النفسية للفيتوري

Untitled

 

هذا المقال يستعرض وبشكل موجز بعض من الحالات النفسية التي عاشها وعايشها وتعايش معها الشاعر وأثرت فيه أو تأثر بها بشكل مباشر أو غير مباشر، أو كان لها دور في تكوين شخصيته الإبداعية والإنسانية، ومن ثَمّ انعكست على حياته العملية والشعرية ومجمل نتاجه الأدبي والثقافي على مدى عشرات السنين. الشاعر محمد الفيتوري « لا يعرف العام الذي وُلِدَ فيه فقد ذكر إحسان عباس أنه  يجهل تاريخ ميلاده، ولكن الباحثين أجمعوا على أن 1930 ، هو تاريخ ميلاده الفعلي ». عاش طفولته في الجنينة، وهي بلدة صغيرة هادئة بغرب السودان، وهذا أَثّرَ على شخصيته فأصبح يُؤْثِرُ الانطواء على نفسه ويكره الضوضاء. كان لحكايات جدته زهرة )أم والدته( تأثيرها العميق على تكوينه النفسي وهو في مراحل الطفولة؛ هذه الجدة كانت دائمة الشكوى والتذمر فتحكي بحرقة وربما بدموع لحفيدها الصغير عن ماضيها البائس، وعدم استقرارهم وهجرتهم من ليبيا إلى السودان هرباً من سطوة الطليان، كما كانت تشكو إليه معاناتها الشخصية ونظرة الناس الدونية لها لدمامتها ولونها الأسود، هذا كله كان له تأثيره العميق في تكوينه النفسي وأدائه الإبداعي فكانت زهرة حاضرة بقوة، ولم ينسها، وأهداها ديوان شعره المهم «يأتي العاشقون إليك » فكتب يقول :

«إلى الزهرة الإفريقية.. جدتي المسكينة.. القائمة في
ذاتي.. رغم شواهد النسيان .»

كما تأثر الفيتوري بحكايات جدته عن جده الذي كان يتاجر بالعاج والرقيق، وكيف أن أمه لوالدته أصلها جارية، هذا كله كان كافياً لطفل يعيش في جلباب جدته أن يورث منها وفي وقت مبكر عقدة العبودية لتلازمه وتكون محور اهتمامه طيلة حياته كلها، وربما لتكون أيضاً سبب تميزه في معظم نتاجه الإبداعي. في مرحلة الصبا غادر والد الشاعر قرية الجنينة الهادئة مُصطَحِباً أسرته، ليستقر في الإسكندرية، لتبدأ معاناة شاعرنا ويزداد شعوره بالحزن بسبب العيون التي كانت ترمقه باستغراب بسبب لونه وتعاظم إحساسه بالدونية وقصر القامة، وكان نتيجة هذا الإحساس أن أصبح أكثر انطواء على نفسه من ذي قبل، وقد وصف محمود أمين العالم ذلك فقال «إن بشرته السوداء كانت تقيم بينه وبين المدينة التي يحيا فيها حاجزاً كثيفاً يحرمه المشاركة والاندماج ويشعل في نفسه مشاعر مريرة »، وقد بقيت هذه المشاعر والحالات النفسية مكبوتة في عقله الباطن زمناً طوياً، حتى عبر عنها في شعره:

 

فقير أجل.. ودميم دميم
بلون الشتاء.. بلون الغيوم
يسير فتسخر منه الوجوه
وتسخر حتى وجوه الهموم
فيحمل أحقاده في جنون
ويحضن أحزانه في وجوم

وقد بين نجيب صالح) 5( أن الشاعر في هذه المرحلة «كان يحس إحساس الرجل، كانت عنده يقظات حواس مبكرة قبل أن تنضج، وكانت لأقاصيص جدته الزنجية ولأساطيرها أثرها البعيد في نفسه، كان يبحث عن الحقيقة في اليقظة المبكرة، كل ذلك تضافر وساعد على استيقاظه الدائم للكلمة والنظرة، لقد كان في هذه المرحلة مُتذمراً تحت وطأة شعوره بأنه مشدود إلى قيد ما هو قيد لا يدرك مداه، ويرفض محتواه، وكان يحس أن بركاناً بدأ مرحلة الانفجار الأولى .» في هذه المرحلة أيضاً حفظ القرآن الكريم، وكتبه بيده، كما درس الحساب والأناشيد وكتب مواضيع الإنشاء، ثم التحق بعدها بالمعهد الديني الأزهري، ثم بالمعهد الثانوي في القاهرة، وليواصل دراسته هناك حتى عام 1953 ، ويُجْمِعُ النقاد على أن هذه الفترة تعدّ من الفترات المهمة في حياته، حيث تمكّن من الاطاع على مختلف المعارف الإنسانية والدينية والفلسفية، وأكاد أجزم أن بسبب انطواء الشاعر على نفسه زاد نهمه في التحصيل المعرفي الذي مَثّلَ رافداً قوياً له في عمله كصحافي، ورغم أنه لم يكن له أصدقاء في العالم الواقعي، لكنه وبا شك كَوّنَ صداقات متينة مع عنترة، وأبي زيد الهلالي، وتولوستوي، وفاوست، وجوته، وبودلير هذا الشاعر الفرنسي الشهير الذي نادى في شعره بتحطيم الفوارق الطبقية. في عام 1954 التحق بجامعة القاهرة، وبدأ الدراسة بقسم الآداب الإنسانية، وهو مزهواً بنفسه معتداً بما يحمله في رأسه متفوقاً به عن أقرانه، ولكنه كان كسولاً، ولا يواظب على حضور المحاضرات، وتنامى إحساسه بأنه مقيد، وأن هناك من يكبله بقوانين ولوائح، فترك الجامعة قبل أن ينال شهادتها. والتحق بالصحافة ووجد فيها البراح الواسع للحرية، فأطلق العنان لقلمه، وبرز نجمه كصحافي قدير ثم كشاعر مهم في مصر، والدول العربية وإفريقيا كلها التي تغنى بها وحده كما كان يقول دائماً. أثر في شخصيته والده الشيخ مفتاح رجب الفيتوري صوفي كبير وشيخ السجادة الصوفية من خلفاء الطريقة الشاذلية الأسمرية، فقد كان الشاعر يترك اللعب، لينضم لرفاق والده مُردداً معهم التواشيح الصوفية التي كان لها دور بارز في شعره. أزمة الهوية عند الفيتوري والانتماء للوطن والاستقرار فيه كانت حالة نفسية تشكل له هاجساً يؤرِّق حياته الشعرية والشخصية بسبب اختاط نسبه وتحديد هويته، فجدته زنجية، ووالده من ليبيا، وأمه تعود أصولها لتاجر إفريقي يتاجر في الرقيق والعاج. سحب منه النميري جنسيته السودانية، فمنحه القذافي الجنسية الليبيية وجواز سفر دبلوماسياً، ثم سُحِبَتْ منه الجنسية الليبية بعد قيام الثورة الليبية، ومؤخراً منحته القيادة السودانية جواز سفر دبلوماسياً وأعادت إليه جنسيته السودانية. مهنته كدبلوماسي سهلت له السفر الدائم، وقبلها تنقله الدائم من بلد لبلد أورث شاعرنا إحساساً متأصاً بالغربة التي شكَّلت أبرز ملامح شخصيته ومنحته لوناً مميزاً في أدبه وشعره. علاقته بالسلطة والرؤساء معقدة، أحبه أنور السادات، وقربه إليه في بداية مسيرته، وأرسله ليشارك باده في عيد استقلالها عام 1956 ، وبعدها بسنوات هجاه في قصيدة ( الراقدون على بطونهم والدجى من فوقهم حجر ) الشهيرة، إرضاء للقذافي الذي رحب به بعد أن طرده النميري وسحب منه جواز سفره وجنسيته، فمنحه القذافي كل ما يريد.. وسام الفاتح وجنسية ليبية وجواز سفر دبلوماسياً ووظيفة سفير، هذا ما جعل الفيتوري يصفه في إحدى قصائده بأنه مثل بعض النبيين!!! كان شاعرنا شديد الإعجاب بالرئيس محمد نجيب، بينما هاجم جمال عبد الناصر، هجوماً لاذعاً في قصيدة «مات غداً 6 » قال فيها:

مات
وملء روحه المسودة المحترقة
رمز يغطيه دم المشانق المعلقة
وصرخات الثائرين في السجون المطبقة

كتب قصيدة شعرية في بغداد عنوانها «يأتي العاشقون إليك »، أعجب بها صدام حسين كثيراً فقربه منه ومنحه جائزة قيمتها مئة ألف دولار، وكان صديقاً حميماً للرئيس الجزائري السابق أحمد بن بلة، كتب عنه يقول :

يا بن بيلا
ما أجمل أن يصحو الإنسان
فإذا التاريخ بلا قضبان
وإذا الثورة في كل مكان

هذه العلاقة مع الرؤساء ولدت عنده نوعاً من الزهو والتفاخر جعاه يتطاول على النقاد ولا يعترف بهم، ويقلل من أهمية أقرانه الشعراء، فقال إن أحمد عبد المعطي حجازي ليس شاعراً بالمطلق وإنه مجرد ناقد، والبياتي أيضاً، وحتى محمود درويش عنده ليس شاعراً، ولكن القضية جعلت منه شاعراً، ونزار قباني في نظره شاعر، لكنه كان في خدمة آخرين. الفيتوري يعتقد دائماً ولايزال إن كان الشعراء لا يموتون فهو أكثرهم بعداً عن الموت، ويقول :

مثلي أنا ليس يسكن قبراً

لا تحفروا لي قبراً سأرقد

في كل شبر من الأرض

تم إفراغ هذا المقال من العدد الخاص بالشاعر محمد الفيتوري في مجلة الدوحة الثقافية الـ 84.