لويس ألتوسير قاتلاً: كثير من العبقرية، كثيرٌ من الجنون

580599.jpg

ما سيلي هو ترجمةٌ عدة صفحات من كتاب “المستقبل يدوم للأبد” الذي يحوي مذكرات الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير الذي كان يوماً أهم فيلسوف ماركسي في أوروبا وربما العالم. المذكرات التي حررها أوليفر كوربيت ويان بوتانج والتي تحتوي على عدة يوميات كتبها في المصحة النفسية التي أودع بها بعد حداثة قتله لزوجته. وقد نُقلت العديد من رسائل ألتوسير إلى العربية، وكثُرت التحليلات حول حادثة قلته لزوجته دون أن تُترجم روايته هو للواقعة. وقد اخترت فعل ذلك لأن أسلوبه الخاص كان جذابا وجمالياً رغم أنه يصف بشاعة جريمة قتل، لكنني لم أستطع النأي بنفسي عن الاستطيقا الخاصة به.

قد يُصدم البعض بكوني اخترت ألا ألتزم الصمت حيال ما فعلت، نظراً لأنه كان يُعتقد بأن ما أفادني حقاً هو قرار المحكمة بعدم أهليتي للترافع. ولو أنني لم أستفد من هذا القرار لتقدمت في قاعة المحكمة ورددت على التهم الموجهة إلي.

هذا الكتاب هو الأجوبة التي لو لم يكن ما كان لاضطررت على تقديمها في المحاكمة. إن جل ما أطلبه هو أن يُسمح لي أن أقدم هذه الإجابات كما كان يُضغط علي لأقدمها آنذاك تحت تلك الظروف.

إنني أعي بالطبع  أن ما أقدمه الآن لا يتطابق بأي شكل كان مع طبيعة أو قوانين الظهور في قاعة المحكمة. وحقيقة انني لم ولن أُحاكم بشكل لائق تدعني أتعجب إذا ما كان ما سأقوله لن يجعلني أبدو أضعف أمام حكم الجماهير الأحرار في اختيارهم هنا. لكن هذا ما أريد أن يحدث في واقع الأمر. إنه قدري أن أُطمئن بداخلي خوفاً واحداً، في مقابل أن أثير مخاوف فيّ أخرى متعددة.

ما سأكتبه حتى في آخر تفاصيل ما يلي هو ما أتذكره بالضبط بخصوص تلك الأحداث، وكما هي محفورة في عقلي ومنقوشة عل كل أوجاع معاناتي. سأصف ما حدث بين مكانين مُظلميْن، مكانٌ كنت أخرج منه ومكانُ كنت على وشك الدخول إليه. وما سيلي هو مشهد الجريمة كما أتذكرها.

استيقظت فجأة من نومي، وكنت مرتديا ثياب النوم وعلى طرف السرير في شقتي في سكن المدرسة العليا للأساتذة في باريس. في الساعة التاسعة من صباح الأحد السادس عشر من نوفمبر ذو الأضواء الفضية في الصباح دوماً. ذلك الضوء المار عبر النوافذ المغطاة بستائر حمراء قديمة ذات طابع إمبراطوري مُعلقة منذ زمن طويل حتى بَليَت واحترقت بسبب الزمن وحرارة الشمس.

كانت هيلين أيضا ترتدي ثياب النوم، مستلقيةً أمامي على ظهري. وكان حوضها مُرتاحاً عل حافة السرير بينما تدلّت قدما على السجادة.  وكنت راكعاً بجانبها ومتكئاً على جسدها، أقوم بتدليك رقبتها. ولطالما دلّكت رقبتها من الخلف وظهرها بهودء وصمت. فلقد تعلمت هذا الأسلوب أثناء سجني كأسير حرب عن طريق محترف كرة قدم كان له خبرةٌ في هذا الموضوع. لكن هذه المرة كنت أدلك مقدمة عنقها. وكنت أضغط بإبهاميّ على الفراغ في أعلى عظام قفصها الصدري، ثم حرّكت إبهاميّ أحدهم ناحية اليمين والآخر جهة اليسار وأنا ما أزال ضاغطاً. حتى صعدت بيديّ لأذنيْها، حيث يبدو اللحم أقسى وأكثر صلابة. وكنت مستمراً في التدليك على شكل حرف V، حتى شعرب بأن عضلات سواعدي قد نال منهم التعب وإن كنت مُدركا أن هذا يحدث دائما عندما أقوم بتدليك هيلين.

كان وجه هيلين هادئاً وعديم الحركة، وكانت عيناها مفتوحتان ومحدقتان بالسقف. وفجأة أصابني الذعر، فعيناها كانت تحدق بالسقف كمن يحدق بشكل أبدي تجاه أمر ما. ثم لحظت أن طرف لسانِها كان بادياً بين أسنانها وشفتيها، بشكل غريب وهادئ. نعم لقد رأيت جُثثاً من قبل، لكنني لم أرَ في حياتي وجه شخص مخنوق. لكنني عرفت حينها أنها مخنوقة، ولكن كيف عرفت ذلك ؟ حينها نهضت وصحت عالياً: “لقد خنقت هيلين!”.

هلعت إلى خارق الشقة وأنا في حالة رعب مطلق، راكضاً بسرعة إلى الدرج الضيق ذو الدرابزين الحديدية المؤدي إلى الفناء الأمامي المحاط ببوابة حديدية طويلة. استمريت في الركض إلى غرفة التمريض حيث كنت أتوقع وجود الطبيب إيتيان الذي يعيش بالطابق الأول. كان ذلك يوم أحد كما قلت آنفا وكان المعهد خالياً والناس نيام، فلم أقابل أحدهم في طريقي. نزلت الدرج مسرعا آخذاً أربع درجات في خطوة واحدة وما كنت أزال أصرخ: “لقد خنقت هيلين!”.

طرقت باب غرفة التمريض بقوة حت فتح أخيرا. وكان هو الاخر يرتدي ثياب النوم وينظر لي باستغراب شديد. وكنت أصيح فيه بأنني قد خنقت هيلين ثم جررته من ياقة قميص نومه مهدداً إما أن يصعد معي لرؤيتها وإلا أحرقت المعهد على قاطنيه. لم يصدقني إيتيان واستمر بالقول: “ما تقوله مستحيل”.

هلعنا عائدين سوياً إلى الئقة، وكنا نقف كلانا عند هيلين. وكانت عيناها محدقتان كما تركتها وما زال لسانها على حاله ظاهرا بين أسنانها وشفتيها. جسّ إيتيان نبضها ثم قال: “لا يمكن فعل شئ، لقد تأخرنا”. فرددت: “هل يمكننا إنقاذها؟” فقال إيتيان أنه لا يمكننا ذلك. حينها استأذن مني إيتيان للحظة أو لحظتان وتركني وحيداً مع هيلين. أدركت لاحا أنه قام باجراء اتصال مع مدير المدرسة والمستشفى ومركز الشرطة، بينما كنت أنتظره مرتجفاً بلا هوادة. وكانت الستائر البالية معلقة كأسمالٍ بالية على الناحيتين من النافذة، وكانت الستارة اليمنى تداعب نهاية السرير عندما يدفعها الهواء. تذكرت حينها صديق مشترك لنا أنا وهيلين يدعى “جاك مارتن” في الذي وُجد ميتاً في غرفة نومه الصغيرة في الحي السادس عشر، كان ذلك في أغسطس عام 1964. كان ميتاً ومُمدداً على السرير لعدة أيام، وعلى صدره ساق وردة حمراء طويل. وكأنها كانت رسالة صامتة من خلف قبر مارتن لنا نحن الاثنان من عايشناه صديقا لمدة عشرين عاماً، ومُذكِّرا *بنيكوس بوليانيس.

حينها أخذت زماماً من الستارة بدون أن أمزقها، ووضعته بشكلٍ قُطريّ على صدر هيلين، بدايةً من كتفها الأيمن حتى نهدها الأيسر. ليعود إيتيان بعدها إلى الغرفة، وبعد هذه اللحظة فصاعداً كل شيء يبدو في ذهني مشوّشاً. أعتقد أنني أتذكره وهو يقوم بإعطائي حقنة وأنا أقوم باللحاق به إلى مكتبي، حيث كان هناك شخصٌ -لا أعرف من هو- يزيل الكتب التي استعرتها من مكتبة المدرسة. تحدث إيتيان بعدها عن مستشفىً ما، لأغرق بعدها بالظلام لأستيقظ في مستشفى سانت إيتيان، ولكني لا أعلم متى كان ذلك بالضبط.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s