لتطاردنا الصور الصادمة – جون غريناواي

Capture

 

” تضمنت مجموعة هذا الصباح صورة لما يبدو بأنه جسد رجل، أو امرأة، فالصورة مشوهة لدرجة أنه يمكن أن يكون شيئا مختلفا كجسد خنزير ربما. لكن هؤلاء بالتأكيد هم أطفالٌ أموات، وتلك بلا شك قطعةٌ من منزل. مزقته قنبلة فأضحى جدارُ جانبِ البيتِ مهدما، ولا يزال بداخله قفصٌ للطيور معلّق بداخل ما يبدو بأنه كان غرفة للجلوس .. “

– فيرجينيا وولف، ” ثلاث جنيهات “، يونيو 1938.

هناك شئ مغرٍ بخصوص الصور الفوتوغرافية في حين النص هو قطعاً موضوع ومادة للتأويل، فعالم الإعلام المرئي يمنح سلطة نادرة للصور، خاصة الصور الفوتوغرافية منها. ولنخلص ذلك كما فعلت الكاتبة والناقد سوزان سونتاغ، حيث النص يعطي غموضاً معيناً، نعزوه نحن للصور الفوتوغرافية بمقدار معين من الوضوح. فحيث تفشل الكلمات، يبدو أن الفوتوغرافيا تستطيع الكلام. وفي عالم يحمل ثقافة الإعلام الحديث، تبدو الصورة وكأنها تحمل طريقة للتحدث بشكل لا تستطيع الكلمات مقارعته. فعندما تحتدم المآسي والكوارث، فهي تحتدم من خلال الصور الفوتوغرافية، لا في صفحات التحليل والتفكير، ولا في التقارير التي توضح للقارئ حجم الأزمة.

ونظرا بأن أوروبا تعيش أكبر أزمات النزوح لأراضيها منذ الحرب العالمية الثانية، فإن إعادة النظر في أعمال سونتاغ عن الفوتوغرافيا تبدو منطقية في مساعدتنا على فهم صور العائلات اليائسة الفارة إلى ما يُتلقى عادة بأنه الأمان الأوروبي. فكما توضح الفيلسوفة جوديث بتلر في مقالها الممتازة المعنونة بـ “الفوتوغرافيا، الحرب، الغضب”، فإن سونتاغ كانت متشككة بعمق في مقدرة الفوتوغرافيا في تغيير سلوكنا، ففي أواخر سبعينات القرن العشرين جادلت سونتاع أن الصور الفوتوغرافية لم تعد تمتلك قوة إثارة الحنق والسخط ولا قدرة على التحريض. أيضا ناقشت سونتاغ أن الفوتوغرافيا تستطيع العمل كوسيط للأثر المترتب على المأساة، لكن سوزان عانت في رؤية كيفية تأثير الصور علينا بشكل أبعد من ذلك. فالصور تجعلنا نشعر،نعم،  ولكن ماهو أكثر أهمية، أن الصور ليست بالضرورة قادرة على جعلنا أن نفعل شيئا ما.

وهذه الشكوى لهي أمرٌ مشترك بين المنظمات المدنية والمنظمات الخيرية اليائسة من أجل جمع التبرعات لعدة أزمات طارئة حول العالم، ويبدو أن صورا معينة تجدا تعاطفا ضخما من العامة، ولكن على الجانب الآخر هناك بعض الأزمات أو الكوارث لا تلقى ذات الزخم والإهتمام الإعلامي. وعلى ما يبدو أن سونتاغ كانت محقة في تخوفها من فقدان الفوتوغرافيا قدرتها على صدم الجمهور ومن أن  الفوتوغرافيا تميل لإستسطاق* المعاناة لترضي رغبات المستهلك. هنا نحن نسلط الضوء على أزمة النازحين واللاجئين إلى أوروبا والصور الصادمة للطفل الغارق ذو الثلاث سنوات أيلان الكردي، والذي جرف الموج جسمه الصغير إلى شاطئ بودروم في مطلع هذا الشهر. حيث أصبحت هذه الصورة محمّله بالمعاني وهي تنتشر في الإعلامي الأوروبي، فقد ورد من خلال كلمات صحيفة “داس بيلد” الألمانية عنوان يقول: ” إيقاظ الملايين “. لتنهل التبرعات وتنطلق الحملات عبر أوروبا عن طريق أناس عاديين أعطوا من وقتهم ومالهم وحتى منازلهم الخاصة، ليساعدوا أولئك الذين وصلوا لتوهم إلى أوروبا. ليظهر لنا إشكالان في طرح سونتاغ، حيث أثرت صورة أيلان الكدري على الناس وأدت إلى تغيير سياسي مزلزل عبر أغلب أوروبا. لكن رغم ذلك يجد الكثيرن هذه الصورة تم إلصاقها بدوافع ليبرالية على صفحات الجرائد، بشكل صعب التصديق. فعلى الرغم من أنها زادت من الوعي بمدى وحجم مأساة اللاجئين، إلا أنه كان هناك شئ مقزز، بخصوص أن الشركات الإعلامية تقوم برفع مبيعاتها من خلال استخدام مثل هذه المآسي. واستجابة لهذه الإعتراضات، قامت صحيفة “داس بيلد” بخطوة شجاعة بإزالة جميع الصور من المطبعة والنسخ الإلكترونية من الصحيفة، تاركة مربعات رمادية تحلُ محل الصور التي كانت تشغل هذه المربعات.

وكما تشير جوديث بتلر، أن سونتاغ أعادت النظر في موضوع الفوتوغرافيا في عمل آخر لاحق هو “الالتفات إلى ألم الآخرين”، وفي هذا العمل تبدو أطروحتها وقد تغيرت بشكل كبير. فقد ابتعدت عن عقلانيتها القياسية المعتادة، لتعلن بأنه : “لتطاردنا الصور الموغلة بالبشاعة! “، صور المعاناة، والأناس العاجزين، كل هذا يقوم بتخديرنا، ولكنه قادر في ذات الوقت على أن يهزنا بطريقة قوية حتى بالنسبة لعالم ثقافة الإعلام المهزوز. قد تكون الصور المأساوية قد اختفت من صحيفة “داس بيلد” لكن أفعال الآلاف عبر أممٍ شتى تثبت أن هذه الصور بإمكانها إذا ما أقرينا بأن طي الصفحة لا يجدر به أن يطوي الصورة تلك من وعينا الجمعي. وفي مجموعة مقالاتها الأخيرة المتعلقة بالصور الصادمة، عبرت سونتاغ عن شعور عميق بالتردد بين الشعورين أولهما الغضب من الصورة ليس فقط لكونها جعلتها تشعر بالحنق، إنما لأنها أثبتت فشل أنه كيف من الممكن أن يؤدي هذا الشعور بالحنق إلى عمل سياسي فعّال.

ففي الكثير من الأحيان تهيج صور المعاناة والوجوه اليائسة قدراً كبيرًا من المشاعر، وأيضا عجزٌ سياسي عميق. فحجم الأزمة يقزّمنا بينما نشيح نحن بنظرنا عن تلك الصور ونحن نتساءل ماذا بإمكاننا أن نعمل حيالها ؟

تجيب سونتاغ على هذا السؤال بأن علينا أن نبدأ بالنظر لهذه الصور الصادمة وعلينا أن نثابر في فعل ذلك. نعم “لتطاردنا الصور الصادمة!” من خلال عملية المطاردة هذه، نستطيع البدء بفهم أن الفوتوغرافيا تستطيع أن تكون دعوة للتركيز، ولفحص ولنشر جهود تنظيم الجموع الرازحة تحت المعاناة التي تقدمها القوى المؤسسية.”

 

*الإستسطاق: إضافة بُعد إستطيقي للأشياء.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s