صرخات و همسات سينمائية

criesandwhispers2

يذكر دانييل فرامبتون أن مكسيم جوركي شاهد عرضًا سينمائيًا صامتًا في عام 1896، وبعد تجربته قال: ” كل شيء هناك، الأرض والأشجار، والناس، والماء، والهواء مصبوغ بلون واحد هو الرمادي. إن الأشعة الرمادية تسقط من الشمس الرمادية عبر السماء الرمادية، لتصبح العيون رمادية، والوجوه رمادية، والأوراق والأشجار بلون رمادي شاحب. إنها ليست الحياة وإنما ظلها، إنها ليست الحركة وإنما طيفها الذي لا صوت له”. ربما استطاع جوركي بهذه الكلمات البسيطة أن يشرح التركيبة الأنطولوجية للسينما التي تحدث عنها الكثير مثل أندري بازين، وتحدثت باقتضاب عنها في مقالي السابق (السينما كفلسفة)، وعن كون السينما ليست مرتبطة بالتأويل الفلسفي ارتباطًا مباشرًا على الأقل؛ بل هي طريقة تساؤل فلسفي جديدة عن طريق تلك التراكيب المعقدة من الصور المتحركة ومؤثراتها.

في ذات المقال السابق، تحدثت عن علاقة السينما والفلسفة لكن ربما لم أذكر بشكل كافٍ التعقيدَ السينمائي في سينما اليوم، سينما ما بعد الكلاسيكية. فنحن في مرحلة متأرجحة بين سينما ما بعد الحداثة والكلاسيكيات المطورة، مرحلة فيها الصورة السينمائية تحمل ثقلًا تعبيريًا أكثر بكثير من سينما القرن العشرين. وبالرغم من ذلك التطور التاريخي للسينما لمراحل ما بعد الحداثة؛ إلا أن السينما الما بعد حداثية مازالت تواجه السؤال الفلسفي النقدي الأول والأكثر كلاسيكية فلسفيًا تجاه السينما؛ ألا وهو كهف أفلاطون. فالفيلسوف الفرنسي ألين باديو، يعتبر أننا اليوم نحن في كهف أفلاطون أكثر من أي وقتٍ مضى؛ نظرًا لتطور وتعقد النظام الصوري (Image System) في حياتنا اليومية.

ما يميز السينما الحديثة، هو أنها تعيد بناء مفاهيم عدة بشكل جديد وتعيد هدمها في ذات السياق، مفاهيم مثل الرائع والصادم، مثل السرد الزماني. ولهذا السبب؛ اخترت عنوان المقال بنفس عنوان فيلم بالنسبة لي يجسد الحالة الفوضوية من بناء وهدم المفاهيم هذه؛ ألا وهو فيلم إنجمار بيرغمان صرخات وهمسات (Cries and Whispers) حيث يعتبر الفيلم تجسيدًا لبداية ما بعد الحداثة السينمائية في السينما الأوروبية غير الفرنسية، إذا ما اعتبرنا أن ما بعد الحداثة السينمائية هي وليدة محاولات الموجة الفرنسية في الستينيات.

الرائع و المروّع السينمائي وأدورنو

إن الفيلم الرائع هو ذاته الفيلم المروّع، ولكنها مسألة أبعاد إستطيقية ومسألةِ كشفية عن الواقع. فلطالما كان الفيلسوف الفرانكفورتي ثيودور أدورنو معجبًا بتعريف إيمانويل كانت لمفهوم الرائع قائلًا: “إن (كانت) كان عميقًا جدًا حينما عرّف الرائع بمقاومة الفكر لكل قوة خارقة للبشر”. فأفلام مثل أفلام بازوليني وستانلي كيوبريك وديفيد كرونينبرج تستخدم الصدمة كوسيلة مختلفة لاستيعاب الفيلم؛ حيث هذه الصدمة تعبر عما يسميه نيتشه “التبرير الإستطيقي للصيرورة”، أي إن هذا الحس الجمالي يتكشّف العالم بوصفه صيرورة خالدة. فالفن التراجيدي الصادم بريء من التأثيم الأخلاقي؛ لأنه ينبع من ذات الوجود المُعاش، بصفته تعبيرًا عن صيرورته.

لنأخذ كمثال أفلام بازوليني التي تبرر فظاعاتها بأنها تعبر عن خطورة الفاشية حين وصولها للسلطة السياسية، والسلطة هنا هي القوة الخارقة التي أوردها إيمانويل كانت في تعريفه السابق للرائع، هذه الفظاعة بحسب أدورنو هي سمة أساسية من سمات الفن الحديث؛ حيث أعلن في كتابه النظرية الإستطيقية أن القبح هو سمة الفن الحديث وأضاف: “إنّ ماهو قبيح في عين مجتمع ما إنما يكشف عن قيم جمالية كبرى”. فما هو الجميل المكشوف في أفلام بازوليني مثلًا؟ إنه الحرية.

علّق بازوليني على أحد أفلامه الصادمة قائلًا: “لا أظننا سنكون قادرين يومًا على العيش بحرية في أي شكل من أشكال المجتمعات بعد الآن”، ويقصد أن تسلط القوة السياسية في الدول الحديثة في أشكالها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تستهلك خطابات الأمل بحرية قادمة من أجل شعارات انتخابية أو ترويجية.

بالطبع أدورنو ينطلق من مفاهيم نقدية تجاه سيطرة الرأسمالية على “التربية الجمالية” في المجتمع كما يسميها أدورنو، وفي ذات الوقت فإن دور الإستطيقا أن تكتشف وتستعيد دورها بنفسها عن طريق ما أسمته أستاذة الفلسفة أم الزين بن شيخة الإنخراط في تناقضات الفعلية للمجتمع: “إنما على الإستطيقا أن تنخرط رأسًا ضمن التناقضات الفعلية المحايثة لمجتمعٍ آل فيه العقل إلى أداة هيمنة، والإنسان إلى فرد مشوّه متشيئ متشظٍّ، و الفن إلى بضاعة مبتذلة”. نعم، إن الصادم السينمائي ليس مثل الرائع من ناحية جمالية، ولكنه مثل الرائع السينمائي في كونه يعكس ماهو مخفيّ اليوم في ظل الأنظمة الاجتماعية القائمة من جماليات.

أيضًا، يكمل أدورنو قائلًا: “ينبغي على الفن أن يأخذ في حسبانه ما يشار إليه بوصفه قبيحًا، ليس أبدًا من أجل إدماجه أو تلطيفه أو التصالح معه؛ بل من أجل أن يفضح القبيح ذاته العالم الذي صنعه وأدى إلى حدوثه”. فلا ينفصل مفهوم الروعة إذن حسب أدورنو عن مفهوم تشيؤ الفن وتحوله لسلعة مستهلكة في المجتمعات الرأسمالية حتى في أكثر حالة الفن جماليةً؛ لذا على ذات الفن أن يضمّن القبيح له إذا ما أراد أن يتحرر مما سبق ذكره من قيم فنية مستهلكة ومعايير تجارية، صنعتها أفكار السوق لا الناس. ونستطيع أن نلخص أفكار أفلام بازوليني الصادمة في جملة أدورنو التي يقول فيها: “إن وراء إستطيقا القبح نقدًا للهيمنة”.

وبالمجمل، علاقة مفهوم الفني بالقبيح هي قديمة قدم النظرة الجمالية ذاتها وبلغت ذروتها ربما مع نيتشه، وأصبحت نظرية تتعلق بالاغتراب مع النظريات الماركسية والنقدية. هذه العلاقة تجسدت بقوة مع قدوم السينما؛ بسبب قدرة السينما الفائقة على إيصال الصدمة، بسبب وسائلها البصرية والسمعية وتأثيراتها.

في الإدراك السينمائي والواقع

لطالما اعتبرت وصف فيلم ما بأنه “واقعي”، هو وصف غير منطقي فليس هناك فيلم واقعي؛ لأننا لا نرى الفيلم مطابقًا للواقع أبدًا. في النهاية لو كانت الصورة ملتقطة بشكل جيد ومعروضة بشكل جيد ونحن على مسافة مناسبة من الصورة السينمائية سيعطينا “انطباع” كما لو أننا ننظر من لوح زجاجي، هكذا وضع هذه الجملة عالم النفس هوجو مونتربيرج واصفًا شبهة الانطباع السينمائي وخداعه للمشاهد. فما يشاهده الفرد منا أثناء مشاهدته للفيلم أشبه ما يكون بالوهم الحميد، إنه إعادة إنتاج للواقع بشكله السينمائي بكينونته الجديدة المتخيلة التي لا علاقة لها بكل ما نعرفه عن واقعنا المحسوس، وإنما هي تتماهى معه فقط. يتفق على هذا التفسير أكثر مدرستين ناقشتا موضوع الإدراك السينمائي، وهما مدرسة النظرية المعرفية التي تضع تفسيرًا مثاليًا بنيويًا لإدراك المشاهد، ومدرسة الفينومينولوجيا والتي تقول بأصلية معاني وجمالية أفكار السينما.

فالنظرية المعرفية تعتبر التجربة السينمائية مختلفة عن تجربتنا العادية وإن اعتمدت عليها، ولكن هذا لا يعني أننا نعاملها كنسخة من عالمنا. يقسم الفيلسوف السينمائي الأمريكي نويل كارول التجربة السينمائية لثلاث نظريات: الإيهام والتظاهر والفكر.

وهذه النظريات الثلاث معنية بكيفية استجابة المشاهد للعالم المتخيَّل، وكيف يتماهى المشاهد مع الحدث غير الحقيقي في الفيلم ويتعاطف معه كما لو كان حقيقيًا. فالإيهامية تقول بأن المشاهِد يُخدع بما يشاهده، فالصورة السينمائية ليست إشارة للشيء؛ بل لشبيه منه أو نظير، ليستمتع المشاهد بالمنظر كما لو كان هذا الشيء حقيقيًا رغم أنه وهم حميد كما أسلفت.

أما التظاهر، فهي تقول بأن التجربة السينمائية ماهي إلا استجابة عاطفية لعالم متخيل بما يتناسب مع تجاربنا العاطفية الحقيقية، ولكن هذه العاطفة ليست شرطًا حقيقيًا فهي من صنع معتقداتنا. ففي فيلم رعب ما نحن لا نخاف؛ بل نظن أننا نخاف، وهنا سر تسمية التظاهر. أخيرًا، نظرية الفكر، فهي تقول بفصل الفكر والإيمان وأن المشاهد يتحرك عاطفيًا بواسطة عامل التسلية دون الحاجة للاعتقاد بصدقها، فإننا نريد من الفيلم المرعب أن يرعبنا ومن الكوميدي أن يضحكنا، وهكذا.

أما فينومينولوجيًا، يعتبر آلان كاسبييه في كتابه “السينما والفينومينولوجيا” أن السينما تُبقي الأشخاص والرموز في موضع يمكن التعرف عليها، بشكل مستقل عن عملياتنا الذهنية، فليس هناك قصة أو حدث متخيل لكن يوجد الفيلم ذاته. ومن أبرز من كتب في الفينومينولوجيا هو الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي. الذي كتب ورقة عن الإدراك السينمائي في مارس عام 1945 بعنوان “الفيلم لا يفكّر به بل يُدرك”.

ناقش بونتي في الورقة شيئًا مقاربًا لما قاله كاسبييه بأن فهم السرد هو أمر حدسي على نحو إدراكي، وأن الإدراك السينمائي لا يعتمد على الحواس؛ بل هو إدراك بين-حسّي “intersensoriality”.  وتحدث عن الفروقات بين الإدراك العادي والإدراك السينمائي ولخصها في ثلاث نقاط.

أولًا: أن الإدراك العادي مفتوح وليس بمحدود بإطار الشاشة السينمائية التي تجعل من الإدراك السينمائي أكثر إغلاقًا وتركيزًا في الشيء؛ وبالتالي عندما أشاهد الفيلم لم أعد أنتمي للعالم اللا محدود وانتقلت لأنتمي لعالم ضيق تشكله عوامل الزاوية في التصوير والإضاءة أو كما يعبر عنها بونتي “إنها إيقاف للحياة كلها عن المشهد”.

ثانيًا: القطيعة الذاتية مع السينما وعدم الارتهان بها. فأنا أشاركها في هذ العالم من خلال وجودي الجسدي فيه، وكل ما أقوم به خارج الأنا الخاصة بي ليصبح هناك الأنا والجسد والوسط، ليتماهى ويتطابق جسدي مع الوسط ليستقبل المؤثرات الخارجية فيصبحون واحدًا. أما في السينما، فليس كل عنصر ملقى به على شاشة السينما موضوعًا على حسب تفسير المشاهد الشخصي للعالم، وعندما يحصل الانفعال من قِبل المشاهد أثناء رؤية فيلم ما، فهو يحدث لوجود وسط مشترك يتماهى المشاهد معه.

ثالثًا: ما يسميه بونتي بـ “المتحرك “، وهو تكوّر الجسد على ذاته، والذي يعبر عن اهتزاز العلاقة بين الأنا والعالم، والذي يغيب عن الإدراك السينمائي؛ حيث إن القالب السينمائي أكثر كمالًا من الواقع فهو لا يعرف اهتزاز حقيقة كونه في العالم وحقيقة أنه جزء منه؛ وبالتالي يصبح الإدراك السينمائي النسخة المثالية من الإدراك العادي الخالية من أنواع القلق الوجودي. فمثلًا المشاهد السينمائي هو حاس ومدرِك ولكن غير محسوس غير مدرَك. إذن هذه العقدة التي تربط الذات بالعالم قد قطعت، وأصبح من الممكن في الإدراك السينمائي أن أكون حاسًا محضًا غير مهدد بالاستيلاء علي. فعلاقتي مع الفيلم أحادية، وهذا ما يقصده بالتكوّر على الذات وانعدام وجوده سينمائيًا، علاقة الذات أو الجسد مع نفسها أو تكورها على نفسها عن طريق إدراكها للآخر وإدراك الآخر لها.

عن البناء السردي والأفلام ما بعد الحداثية

منذ نشأة أفلام ما بعد الحداثة مع الموجة الفرنسية الجديدة خاصة مع جان لوك غودار المتسمة بالغموض والمستندة على البناء الملحمي، أي بمعنى لقطات ذات طابع سردي لكنها ضعيفة الترابط، والتي أثارت لغطًا واسعًا حول محتواها الفني وتأويلها وكيفية فهم تراكيبها وبنائها السردي. فالسينما الما بعد حداثية تعتمد على فكرة التغريب “Estrangement”، وهي فكرة إظهار المألوف بشكل غريب، أيًا كان هذا المألوف؛ ولهذا ليس من السهل تقبّل هذا النوع من الأفلام. فغودار مثلًا كان يعتمد على القطع الحاد بين اللقطات، حيث يوجِد قفزات بين الأحداث، وذلك يعطي انطباعًا بوجود مونتاج قاسٍ غير معتاد بالنسبة للعقل المشاهد؛ ولذلك ارتبط مفهوم ما بعد الحداثة بتدمير الأنماط السردية المألوفة، و أنها تطرح عالمًا أناركيًا ضد سلطة التقليد السردي وضوابطه ومعاييره وهذا ما يعتقده ديفيد لودج بخصوص البناء السردي لما بعد الحداثة عمومًا: “بدلًا من الطريقة الرمزية للترتيب وإعطاء التاريخ شكلاً ودلالة، هناك أيضًا تأكيد بأنه لا يوجد نظام ولا شكل ولا دلالة في أي مكان”.

فتم ترك الأساليب التقليدية في السرد والملتزمة بالانتقال من خلال نقاط زمنية متتالية، التي بحسب الما بعد حداثيين تعطي المشاهد وضوحًا كاملًا عن حركية الأحداث ومآلاتها، لكنها لا تعبر عن رؤى المخرجين الشخصية، ولا تعطي المشاهد حس المعايشة للأحداث في الفيلم، فليس الفيلم معنيًا بالأحداث فقط. و يبرر الما بعد حداثيين هذا الانتقال بنظرية “الهوّة” أو البعد بين السرد والواقع، منطلقين من فلسفات هرمينوطيقية معقدة، يلخصها الفيلسوف بول ريكور بالقول: “إن القصص تروى والحياة تُعاش، ويبدو بينهما هوّة لا تُردم، تفصل بين القصّ كفعل والحياة”.

وفي سبيل ذلك كله، أصبح الما بعد حداثيين يستخدمون نمطًا جديدًا في البناء السردي، وهو البعد الزماني-المكاني، فلا هو يعتمد على الزمان فقط ولا يرتبط بالمفهوم المكاني؛ بل كلاهما معًا في ذات الآن.

هذا النمط يتيح مشاركة المشاهد بشكل إيجابي وبشكل أكبر في عملية إدراك واستيعاب النص وإنتاج معنى خاص به بشكل أكثر حرية من التقييد الزمني. وعملية الإنتاج هذه هي العملية الأهم عند المشاهد؛ فالسرد الما بعد حداثي معنيّ بالمقاربة لأحداث الواقع اليومي بشكل عام، وبمقاربة الفجوات الحاصلة بين الأحداث والأفكار والمشاعر لشخصيات الفيلم بشكل خاص.

نشر في صحيفة التقرير الإلكترونية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s