شهر: مايو 2015

ألتوسير ونظرية الفيلم

althusser-1

إنَّ ما يَربِط نَظرية الفيلم بما بعد بُنيوية سبعينيات القَرن المُنصرم هو التأثير العظيم لذلك الجانِب في ما بعد البنيوية الذي إدّعى أنه يقوم بإنتاج تَنظيرات جديدة للذاتية الانسانية. ولهذا […] فإنه من المُفيد عَرض النواحي ذات الصِلة بما يُعرَف على أنه نَظرية الذاتّ.

يُشير مَفهوم الذاتّ إلى ذلك النشاط العقلي الانساني والأولي المُتفاعل مع أمور العالم من خلال وضعها بمقابلة وعيّها الخاص بالنفس، كما في البُعد الفلسفي (المعرفي الابستميولوجي) من خلال وضع الذاتّ مقابل الموضوع. على أن الما بعد بُنيوية الفرنسية والتي تشمل مفكرين متباعدين كألتوسير وبارت ودريدا وفوكو وكريستفا ولاكان، قد إدعت ومن منطلقات مختلفة ومتقاطعة بأنَّ هذا الادراك الفلسفي التقليدي لمفهوم الذاتّ هو مفهوم مُضلِل من جوانب مهمة. يدّعي هؤلاء وبطرق مختلفة ضد هذا التقليد الديكارتي المتعارف عليه في تاريخ الحضارة الفرنسية والذي يتأسس على وعيّ زائف بالذاتّ – أو النفس أو الأنا- وهو إلى حد ما مركزيّ في مَسار معرفة العالم. وعموما فإن هؤلاء الما بعد بنيويون إدّعوا في حِينه بأنَّ معرفة الذاتّ والعالم تتشكل بتأثير الخِطاب (*). وكنتيجة يُمكن القول بأنَّ الذاتية الانسانية تَجِد نفسَها من خلال عالم تخاطبيّ، يُنتِج ويُعيد انتاج هذه الذاتية، وعلى الأغلب ايضا، أوهامَها المُؤسِسة.

[…]

أن يتم للمرء إدراكُ نفسه بوصفه واعيّا، ذي نَشاطٍ عقليّ مُتمايز، يعني أنه يَمتلِك هويةً. وظواهريا فإن هذا بالطبع أمرٌ يوميّ ثابتٌ يُعايشه المَرؤ ويُمكنّه من التعامل مع الوجود والقيام بنشاطاته بوصفِه كَينونة انسانية ” متواصلة”، بما يعنيه هذا بأنني أعي أني أنا اليوم هو “نفس” الشخص الذي كُنته بالأمس، مما يُشكل ضَمانة لهويتي الذاتية. على أنَّ مِثل هذا الادراك للنفس يمكن وصفه أيضا بالاعتماد على مسارات لا يمكن اختزالها إلى تجربة متفردة يعايشها الفرد من وعيّ بنفسه. ذالك أنه يمكن الادعاء بأن مثل هذا الادراك هو نِتاجٌ أو تَكوينٌ أكثرَ مِما هو مُعطى ماقبلي (a priori) غير قابل للاختزال. ويعتمد مثل هذا الادعاء على تبيان كيف يتم انتاج هذا النمط من الذاتية وكيف تقوم بوظيفتها.

وإذا ما تم للمرء اختيار فرضية مثل فرضية وجهة نظر النظرية الاجتماعية، فإن الادعاء سيكون عندها أن اتخاذ موقع الذاتّ المدركة لنفسها يعني أن عليه المُشاركة بنشاطات قيمة للمؤسسات الاجتماعية و \ أو المجتمع. وفي مثل هذه الحالة ستكون هوية الشخص نتاج وأثر لمسارات اجتماعية جارية. لقد تم دفع وجهة النظر هذه في ستينيات وسبعينيات القرن النصرم بتأثير ما قام به ألتوسير من اعادة صياغة النظريات الماركسية حول الايديولوجيا (1).

تُشكِل الايديولوجيا بالنسبة لألتوسير مُكونا ضُروريا لأيّ مجتمع. وتتألف من شبكة واسعة جدا من منظومات التَمثُل تزوّد الأفراد بالوسائِط التي من خِلالها قد يستطيعون إدراك وجودهم. وبما أن هذا يجري من خلال وضع الضوابط وإعداد المعاني الممكنة للوجود، فإن هذه الشبكة الضخمة من التمثلات، والتي يدعوها ألتوسير أيديولوجيا، ما هي الا ضوابط على الافكار والتجارب. ويدعي بأن هذه الضوابط هي مُكون ضروري حاسم للنظام والمؤسسة الاجتماعية ؛ فمن أجل الحفاظ على ديمومتها على مر الزمن، تحتاج المُجتمعات، على تعدد عامليها، حدا أدنى من “إدراك” عمومي متداول، مما يعني استمرار إنتاج هذه الامكانيات والضوابط على الافكار والتجارب على درجة من الكفاية، كجزء لا يتجزء في استمرار بقاء النظام الاجتماعي. يقود هذا المنظور بألتوسير إلى القول بأن مقولة الذاتّ هي دعامة ضرورية (وليست كافية) لقيام الايديولوجيا بوظيفتها.

 ولمثل هذا المفهوم، فيما إذا ما تم قُبوله، تَداعيات نَظرية ومنهجية على السيمياء، إذ أن نُظم رُؤاها وتَمثُلاتها مُشتبك ومتداخل مع العديد من مسارات المؤسسة الاجتماعية. لكننا سوف نركز هنا على مقولة الذات من ناحية بنيتها الهيكلية. منظورا إلينا من منظور “الوعيّ” فإنه يمكن القول بأننا “مُحاطون” مُنذ الولادة بخِطابات دّالة تُهيءُ لنا مَسارات تَفكيرنا وعَيشنا لتجاربنا. لكن ومن منظور آخر، فإن هذه الخطابات هي ما يُكون العامل الاجتماعي (**)(agent Social) الفردي بوصفه ذاتا إنسانية. وبالقدر الذي تفترض فيه الدلالة وجود مُرسلٍ اليه أو “مُستمع \ مُتلقي” فإنها بهذا القدر أيضا، تستهدف منْ تُقدِر أنه قَابِل لأن يُدرِك- شخصا ما. والفردُ الذي يكون هو المرسل اليه في مِثل هذه المسارات التخاطبية هو وعيّ متماسكٌ، إنه ذاتٌّ ما.

يَضُم ألتوسير آليات هذه الخطابات التي تُكلف وتنادي ما يُفترض أنه كينونة ما قبل ذاتية- وبالتالي فإنها في الحقيقة شُروط تمهيدية لتمام انتاج هذه الذاتّ- ويجمعها في مَفهومٍ واحدٍ هو الأستجواب (Interpellation). ويمكن تسمية الإجراء الذي يتم فيه مسائلة الوزير المكلف بالرد والذي يتبنى المسؤولية عن نشاط الحكومة من قبل عضو في البرلمان، بالاستجواب.

وفي استعارة لهذا المسار يقوم ألتوسير بالتنظير مُدعيا بأن كلَ شخص وبوصفه عاملا (social agent) إجتماعيا يقع بشكل دائم في دائرة الاستجواب المتواصل. والخطابات التي تقوم بالاستجوب لا تفعل فعلها بشكل مستقل ذاتيا بل هي مُدمجة داخل المؤسسات الاجتماعية المتعددة بدءً بالعقيدة الدينية (يُنادى الشخص للمحاسبة أمام سُلطة مطلقة الصلاحية) مرورا بالممارسات القضائية (ينادى الشخص لتحمل مسؤوليته عن أفكاره وأفعاله، بوصفه ذاتا خاضعة للقانون) وصولا إلى النشاطات اليومية والتشكيلات الاجتماعية.

إنه لمن المربك أن يركز ألتوسير على الايديولوجيا بوصفها مسارات تَمثُلٍ، وفي نفس الوقت يقوم بالتحدث عن ما يمكن تسميته “تأثير الذاتّ”، لهذا فإننا نَجِد من الضروريّ القيام بالحديث بتفصيل أوسع قليلا عن مركزية هذا التأثير على المُمارسات التخاطبية. ففي كُل مرةٍ “يستخدم” فيها الفردُ نظام دلالة، كاللغة الكلامية مثلاً، فإن هذا النظام يضم في دخيلته “مواقع” تؤكد وجود ذواتٍ لهذه الدلالة. ففي النظام الأساسي وذي الأفضلية، أي نظام اللغة الكلامية تتضمن الأمثلة على هذا الضمائرَ الشخصية وأزمنةَ الفِعل وهي نِسبية للزمن الحاضر كما هي نسبية للمُتكلم ولهذا فإنه [أي هذا الفرد المتكلم] يتخذ مَوقع ذاتٍ لغوية في الزمن. وتتموضع هذه الذاتُّ بالضرورة داخل الخطاب بوصفها مُرسِلٌ و\أو مُستوعِبٌ. ويمكن القول في هذا السياق بأنَّ ألتوسير يقوم بشد الأنتباه نحو الدّمج القائم لمستويات مختلفة: المُرسِل و\أو المُستوعِب للدلالة، القادر على الكلام والإدراك، مُدمجٌ بالذاتّ الاجتماعية، والمُنتدبُ من قِبل المُؤسسات الاجتماعية، والذي ” يختار” و”يتحمل المسؤولية” عن أعماله\ها وهو القادر في النهاية على القيام بسلوكيات مُعادية للمجتمع. وبما أن الايديولوجيا هي على نحو ما، بِيئةٌ تخاطبيةٌ تقومُ بتزويد وسائِطَ إدراكٍ للوجودِ الفعليّ فإن مَوضِع الفرد كذاتٍّ اجتماعية هو مَوضِعها كذاتٍّ ” داخل” الخِطاب (2).

منظورا اليها على هذا النحو فإن الذاتّ الانسانية هي إذا دالة-في-علاقة (function of) بالتشكيلة الاجتماعية التي تفترض وجودها وتقوم بتكوينها بالتالي تكوينا متواصلا من خلال الممارسة داخل المؤسسات أي من خلال الخِطاب، الذي وبدونه لا تقوم أية ممارسة اجتماعية ولا أية مؤسسات، وبوصفه مَقُولةً عامةً “للمُمارسة الحيَّة”. ومن خلال بِناء الذاتّ داخل الايديولوجيا- والتي هي في نهاية المَطاف البُنية الهيكلية لفهم الواقع فَهما يتلائم مع نظام اجتماعي مُحدد- تعمل البُنية الاجتماعية على استمرار استقرارها النسبيّ عبر الزمن( سواء كان الحديث عن حياة الفرد ام الاجيال القادمة).  وتشتبك ممارسة الذاتية متداخلة مع إعادة البُنية الاجتماعية إنتاجَ نفسها وكأنها هي هذا الوضوع “الطبيعي” للأمور. وبالطبع فإنَّ إنتاج وتصوير ما هو قائِم على أنَّه ” طبيعيّ” هو وظيفة الايديولوجيا.

تُلقي وجهة النظر هذه بتداعياتها المباشرة على نظرية الفيلم. وفيما إذا كانت الايديولوجيا موجودة في عالم من التَمثُلات التخاطبية، فيجب عندها بحث السينما- وهي القائمة كمنظومة تمثلات تخاطبية أو كجزء منها- بوصفها ايديولوجيا. وإذا ما كان الفعلُ التخاطبيّ غيرَ مُنفصلٍ عن إستجواب الفَرد كذاتٍّ، فإنَّ هذه النظرية السينمائية التي تُنظِر للسينما على أنها أيديولوجيا، مطالبةٌ ببحث الآليات التي يَتعرف المُشاهِد من خلالها على نفسه كذاتٍّ خلال مسار مُشاهدة الفيلم. وفي حقيقة الامر فإن طرح هذا السؤال من قِبل التحليل السينمائي تواصل خلال السبعينيات وإن لم يكن طرحه قد تم بنفس الشكل الذي تفترضه وجهة نظر الاستجواب الاجتماعي [بمفهومه لدى ألتوسير]. وبالأخذ بعين الاعتبار أهمية الجناح المُسيّس من بين باحثي السيمياء السينمائية كان من المتوقع أن يتم إعادة جوهرية لبحث السينما من منطلقات بنيوية، تتصل بتحليل السينما بوصفها أيديولوجيا: أي ببحث ما هي تلك المفاهيم والمعتقدات والاساطير والافكار ألخ، التي يُعاد تدويرها؟ لكن هؤلاء الباحثين كانوا منشغلين باهتمام اكبر بما قد تمت تسميته لاحقا” موقع الذاتّ” أو ” موضعة الذاتّ” في السينما: كيف تَسعى الاستراتيجيات السينمائية المُهيمنة إلى مَوضَّعِة المُشاهِد كذاتّ، وما هي السُبل المُمكِنة لمُواجهة مثل هذا التَموضُع؟ ولقد أثبت هذا التُوجه البَحثي أنه الاكثرَ صلابةً وإثمارا في نظرية الفيلم.

لكنه إذا ما تم بحثُ الفيلم من مَنظور الآليات التي يقدم من خلالها مَوقِعا أو مَواقِعا للمُشاهِد مُتعرفا فيها على نَفسه كذاتّ، فإن المرء سوف يواجِه عِندها نقصا مُحددا في نظرية الايديولوجيا. ذلك لأنَّ نظرية الايديولوجيا ليست تفسيرا يشرحُ الذاتية الانسانية بوصفها هذا، بل هي شَرحٌ حول إنتاج وتدوير وأَحكَام ما يُعتبر أنه مَعرفةٌ\ أو موقعٌ مُلائمٌ لتحصيل المَعرفة في التشكيلة الاجتماعية المحددة. وعليه فإن الموافقة مع إدعاء ألتوسير القائل بأنَ مقولة الذات هي مقولة ذاتُ أهمية خاصة في التشكيلة الاجتماعية، تبرز الحاجة إلى تفسير نظري للجاذبية الكامنة في وضعية “أن تكون ذاتاً” (Subjecthood). ما هي إذا المَنفعة التي تَحصُل عليها الكينونة الانسانية الفردية من تبنيها لهذا الموقع الذي تُحدده لها هذه المقولة ؟ إنَّ فِكرة الاستجواب ومُوضَّعة المُشاهِد تبدوان وكأنهما تفترضان وجودا مُسبقا لفرد رَاغب بالتعرف على نفسه بوصفه ذاتا. لهذا فإن فَهم هذه الرَغبة هو أمر ضروريّ من أجل التعامل مع هذه المُوضوعات في تحليل الفيلم.

وبوجود مِثل هذه الصِلة ما بين الايديولوجيا والرَغبة من جِانب والوضعية التَخاطُبية من جانبٍ آخر، فإن هذا الانجذابَ إلى، والسعيَّ وراء مَسارات الدلالة يَحتاج إلى بَحثٍ نَظريٍّ خَاصٍ بِه. مما يستدعي السعيَّ نحو تَفسيرٍ دَقيقٍ و مُفصلٍ للعلاقات القائمةِ ما بين النَص والمَعنى واللّذة ووضعية المُشاهَدة. ما هي هذه المَسارات التي من خلالها تُنادي أنماط تخاطبية معينة المُشاهِد مستميلة إياه بوصفِه ذاتاً؟ لم تستطع النظرية الاجتماعية منفردة الاجابة على هذا التساؤل. ولكن الطريقةّ التي سيُجيب فيها المرؤ على هذا التَساؤل سوف تُحدِد كيف سيتم تَحليل النصوص الفيلمية والتنظير السينمائي.

لقد تمت مواجهة هذه القضية من قبل سيمياء سينما سبعينيات القرن المنصرم من خلال معالجة الدلالة بمفاهيم تزودها نظريات محددة في التحليل النفسي. وفيما إذا اضفى المرؤ أية مصداقية على المغامرة النفس تحليلية عندها لن تكون هذه النقلة مستغربة. إذ أنه من الممكن النظر إلى التحليل النفسي الكلاسيكي بالضبط كتفسير يشرح رغبة الذاتّ بالهوية، بوضعية آمنة من الذاتية، ضد القوى التي تهددها. أن “اكتشاف” فرويد للاوعيّ غير منفصل عن تفسير الهوية الانسانية ككينونة تتأسس على الكبت وهو الشرط الضروري لتشكيل إدراك بالنفس.

يتم وفق فرويد وأتباعه تكوين الممارسة الأولية للهوية في مواجهة القلق الجذري والذي يُلخَص على أنه قلق الخِصاء. وتشتبك مسارات الرغبة والجنسانية والوهم متداخلة مع وعيّ بالنفس يتم إنتاجه في مواجهة ذالك القلق المُؤسِس وهو معه في جدل دائم. وفي النتيجة، فإن ممارسة الهوية مشروطة بخفية مع هذه المسارات الاساسية لل”أنا” المتكون من خلالها. إنَّ هذه النقطة لدى فرويد وأتباعه نقطة جوهرية: هنالك دائما إدراك زائف يُؤسِس ويرتبِط برَغبة الفرد في الحُصول على- والتَّعرف إلى- نفسه بوصفه فَردا رَاسخا وآمنا.

ولهذا فإن الاطروحة القائلة بأنَّ اللاوعي هو القاعدة التي يتأسس عليها وعيُّ النفس (“الأنا”) يمكن ان تستخدم كتفسير للرغبة العامة لدى الذاتّ في سعيها نحو موقع ذاتي آمن. ولهذا فإن مفاهيم النظرية النفس تحليلية الكلاسيكية يمكن أن تَجد لها مَكانة هَامة في التنظير حول الكيفية التي تتوجه فيها الأفلام إلى الذات الانسانية مستميلة إياها. بالإضافة إلى هذا فإن النظرية النفس تحليلية التي تم توظيفها مُؤخرا في السيمياء السينمائية غالبا ما كانت تحت تأثير أعمال لاكان. إن العِدة المفهومية الكُبرى في الاعمال الأكثر تأثيرا حول موضع الذاتّ في السينما تم تقديمها من خلال صياغات لاكان النظرية.

[…]

المصدر:  Narrative, Apparatus, Ideology . By Philip Rosen, 1986


مُلاحظات المُؤلف

(1) يُنظر في: “Marxism and Humanism,” in Louis Althusser, For Marx, trans. BenBrewster (New York: Pantheon Books, 1969)”Ideology and Ideological State Apparatuses (Notes Towards an Investigation),” in Louis Althusser, Lenin and Philosophy and Other Essays, (New York: Monthly Review Press, 1971).

(2) لم يتم التعبير عن الصلة ما بين الشكل الدلالي والمؤسسة الاجتماعية من خلال مفهوم الذاتّ من قِبل ألتوسير حصرا. لكن وبالحد الذي تُكون فيه مقولة الذاتّ مركزَ اهتمام نظرية الفيلم من وجهة النظر الاجتماعية-الثقافية، فإن مثل هذه القفزة تبدو ضرورية. للمزيد حول بُنى اللغة الكلامية وتأثيراتها على الذاتّ يمكن النظر في أعمال : Emile Benveniste.  في : Problems in General Linguistics, trans. Mary Elizabeth Meek (Coral Gables, FL: University of Miami Press, 1971).

خذ مثلا قوله في ص. 224 ” إنه في ومن خلال اللغة يستطيع المرؤ بناء نفسه بوصفها ذاتّا…”

ملاحظات المترجم

*خطاب (Discourse): يتم تداول المصطلح “خطاب” في الدراسات المعاصرة ليشير إلى معان مختلفة باختلاف حقول الدراسة الاكاديمية، وبمعناه الأعم يشير إلى أنماط الفِكر وحزمة المفردات اللغوية التي تميز المؤسسات، الحضارات والمِهن ( الحقوق، الطب، السينما، تقنيات التواصل ، الإذاعة، الأزياء، تذوق النبيذ …)، وأشكال التعبير الثقافية، بهدف تحديد حقول الدراسة وتميزها عن بعضها ومن أجل التعرف على اللغة المُستخدمة لدى المجموعات الاجتماعية المختلفة، أو في الاحوال الاجتماعية المختلفة (اللغة المستخدمة في الإدارة، أو تلك المستخدمة لدى العمال، أو خلال لقاءات العمل، الزواج أو المباريات الرياضية ). ويُستخدم المصطلح ” الممارسات الخطابية” و “التشكيلات الخطابية” في أعمال المفكر الفرنسي فوكو من أجل تحليل تعابير البيان اللغوي المختلفة والمرتبطة بالمؤسسات المختلفة وكيف تؤسس هذه المؤسسات من خلال خطابها هذا لنوع محدد من “الحقيقة” و”الواقع”، ويعكس الخطاب علاقات القوة والسيطرة يُعززها ويتعزز بها. وبهذا فإن استخدامه لدى فوكو يُشير نوعا ما إلى حالة من الاستقرار، بعكس ما يشير اليه مُستخدما في الفكر الماركسي كصراع حامل لتغير كامن.  

** العامل/ الفاعل الاجتماعيّ (Social agent) يشير المصطلح إلى الشخص (أو مجموعة الأشخاص) بوصفه قادرا على إتيان فعل انساني مؤثرا من خلاله على مجرى الاحداث التاريخية \الاجتماعية وتوجيهها بشكل فعال. وعليه فإن العامل الاجتماعي غير مُقيد نسبيا في تقرير مصيره وصياغة واقعه الاجتماعي. تعترف الماركسية بتأثير الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يحُد من مساعي الفرد كعامل اجتماعي، لتقدم وجهة نظر أكثرَ تعقيدا وتداخلا. “يصنع المرؤ تاريخه الخاص” يقول ماركس ” لكنه يقوم بهذا تحت شروط لا يستطيع أن يختارها هو بنفسه”. وعليه فإن الطبقة العاملة تبقى معدومة الفعل الاجتماعي اذا لم تستطيع الانتقال إلى حالة الفعل الاجتماعي باكتسابها وعيها الطبقي الخاص بها. أما من وجهة نظر فوكو (وما بعد البنيوية) فلا وجود لمثل هذه الفاعلية الاجتماعية فالذاتّ الانسانية مشتتة وواقعة بلا حول تحت تأثير علاقات قوة\وسيطرة، كلية القدرة، ولا وجود لذات قادرة على اتيان الفعل الاجتماعي.

ترجمة هشام روحانا ونشرت في موقع قديتا

Advertisements

صرخات و همسات سينمائية

criesandwhispers2

يذكر دانييل فرامبتون أن مكسيم جوركي شاهد عرضًا سينمائيًا صامتًا في عام 1896، وبعد تجربته قال: ” كل شيء هناك، الأرض والأشجار، والناس، والماء، والهواء مصبوغ بلون واحد هو الرمادي. إن الأشعة الرمادية تسقط من الشمس الرمادية عبر السماء الرمادية، لتصبح العيون رمادية، والوجوه رمادية، والأوراق والأشجار بلون رمادي شاحب. إنها ليست الحياة وإنما ظلها، إنها ليست الحركة وإنما طيفها الذي لا صوت له”. ربما استطاع جوركي بهذه الكلمات البسيطة أن يشرح التركيبة الأنطولوجية للسينما التي تحدث عنها الكثير مثل أندري بازين، وتحدثت باقتضاب عنها في مقالي السابق (السينما كفلسفة)، وعن كون السينما ليست مرتبطة بالتأويل الفلسفي ارتباطًا مباشرًا على الأقل؛ بل هي طريقة تساؤل فلسفي جديدة عن طريق تلك التراكيب المعقدة من الصور المتحركة ومؤثراتها.

في ذات المقال السابق، تحدثت عن علاقة السينما والفلسفة لكن ربما لم أذكر بشكل كافٍ التعقيدَ السينمائي في سينما اليوم، سينما ما بعد الكلاسيكية. فنحن في مرحلة متأرجحة بين سينما ما بعد الحداثة والكلاسيكيات المطورة، مرحلة فيها الصورة السينمائية تحمل ثقلًا تعبيريًا أكثر بكثير من سينما القرن العشرين. وبالرغم من ذلك التطور التاريخي للسينما لمراحل ما بعد الحداثة؛ إلا أن السينما الما بعد حداثية مازالت تواجه السؤال الفلسفي النقدي الأول والأكثر كلاسيكية فلسفيًا تجاه السينما؛ ألا وهو كهف أفلاطون. فالفيلسوف الفرنسي ألين باديو، يعتبر أننا اليوم نحن في كهف أفلاطون أكثر من أي وقتٍ مضى؛ نظرًا لتطور وتعقد النظام الصوري (Image System) في حياتنا اليومية.

ما يميز السينما الحديثة، هو أنها تعيد بناء مفاهيم عدة بشكل جديد وتعيد هدمها في ذات السياق، مفاهيم مثل الرائع والصادم، مثل السرد الزماني. ولهذا السبب؛ اخترت عنوان المقال بنفس عنوان فيلم بالنسبة لي يجسد الحالة الفوضوية من بناء وهدم المفاهيم هذه؛ ألا وهو فيلم إنجمار بيرغمان صرخات وهمسات (Cries and Whispers) حيث يعتبر الفيلم تجسيدًا لبداية ما بعد الحداثة السينمائية في السينما الأوروبية غير الفرنسية، إذا ما اعتبرنا أن ما بعد الحداثة السينمائية هي وليدة محاولات الموجة الفرنسية في الستينيات.

الرائع و المروّع السينمائي وأدورنو

إن الفيلم الرائع هو ذاته الفيلم المروّع، ولكنها مسألة أبعاد إستطيقية ومسألةِ كشفية عن الواقع. فلطالما كان الفيلسوف الفرانكفورتي ثيودور أدورنو معجبًا بتعريف إيمانويل كانت لمفهوم الرائع قائلًا: “إن (كانت) كان عميقًا جدًا حينما عرّف الرائع بمقاومة الفكر لكل قوة خارقة للبشر”. فأفلام مثل أفلام بازوليني وستانلي كيوبريك وديفيد كرونينبرج تستخدم الصدمة كوسيلة مختلفة لاستيعاب الفيلم؛ حيث هذه الصدمة تعبر عما يسميه نيتشه “التبرير الإستطيقي للصيرورة”، أي إن هذا الحس الجمالي يتكشّف العالم بوصفه صيرورة خالدة. فالفن التراجيدي الصادم بريء من التأثيم الأخلاقي؛ لأنه ينبع من ذات الوجود المُعاش، بصفته تعبيرًا عن صيرورته.

لنأخذ كمثال أفلام بازوليني التي تبرر فظاعاتها بأنها تعبر عن خطورة الفاشية حين وصولها للسلطة السياسية، والسلطة هنا هي القوة الخارقة التي أوردها إيمانويل كانت في تعريفه السابق للرائع، هذه الفظاعة بحسب أدورنو هي سمة أساسية من سمات الفن الحديث؛ حيث أعلن في كتابه النظرية الإستطيقية أن القبح هو سمة الفن الحديث وأضاف: “إنّ ماهو قبيح في عين مجتمع ما إنما يكشف عن قيم جمالية كبرى”. فما هو الجميل المكشوف في أفلام بازوليني مثلًا؟ إنه الحرية.

علّق بازوليني على أحد أفلامه الصادمة قائلًا: “لا أظننا سنكون قادرين يومًا على العيش بحرية في أي شكل من أشكال المجتمعات بعد الآن”، ويقصد أن تسلط القوة السياسية في الدول الحديثة في أشكالها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تستهلك خطابات الأمل بحرية قادمة من أجل شعارات انتخابية أو ترويجية.

بالطبع أدورنو ينطلق من مفاهيم نقدية تجاه سيطرة الرأسمالية على “التربية الجمالية” في المجتمع كما يسميها أدورنو، وفي ذات الوقت فإن دور الإستطيقا أن تكتشف وتستعيد دورها بنفسها عن طريق ما أسمته أستاذة الفلسفة أم الزين بن شيخة الإنخراط في تناقضات الفعلية للمجتمع: “إنما على الإستطيقا أن تنخرط رأسًا ضمن التناقضات الفعلية المحايثة لمجتمعٍ آل فيه العقل إلى أداة هيمنة، والإنسان إلى فرد مشوّه متشيئ متشظٍّ، و الفن إلى بضاعة مبتذلة”. نعم، إن الصادم السينمائي ليس مثل الرائع من ناحية جمالية، ولكنه مثل الرائع السينمائي في كونه يعكس ماهو مخفيّ اليوم في ظل الأنظمة الاجتماعية القائمة من جماليات.

أيضًا، يكمل أدورنو قائلًا: “ينبغي على الفن أن يأخذ في حسبانه ما يشار إليه بوصفه قبيحًا، ليس أبدًا من أجل إدماجه أو تلطيفه أو التصالح معه؛ بل من أجل أن يفضح القبيح ذاته العالم الذي صنعه وأدى إلى حدوثه”. فلا ينفصل مفهوم الروعة إذن حسب أدورنو عن مفهوم تشيؤ الفن وتحوله لسلعة مستهلكة في المجتمعات الرأسمالية حتى في أكثر حالة الفن جماليةً؛ لذا على ذات الفن أن يضمّن القبيح له إذا ما أراد أن يتحرر مما سبق ذكره من قيم فنية مستهلكة ومعايير تجارية، صنعتها أفكار السوق لا الناس. ونستطيع أن نلخص أفكار أفلام بازوليني الصادمة في جملة أدورنو التي يقول فيها: “إن وراء إستطيقا القبح نقدًا للهيمنة”.

وبالمجمل، علاقة مفهوم الفني بالقبيح هي قديمة قدم النظرة الجمالية ذاتها وبلغت ذروتها ربما مع نيتشه، وأصبحت نظرية تتعلق بالاغتراب مع النظريات الماركسية والنقدية. هذه العلاقة تجسدت بقوة مع قدوم السينما؛ بسبب قدرة السينما الفائقة على إيصال الصدمة، بسبب وسائلها البصرية والسمعية وتأثيراتها.

في الإدراك السينمائي والواقع

لطالما اعتبرت وصف فيلم ما بأنه “واقعي”، هو وصف غير منطقي فليس هناك فيلم واقعي؛ لأننا لا نرى الفيلم مطابقًا للواقع أبدًا. في النهاية لو كانت الصورة ملتقطة بشكل جيد ومعروضة بشكل جيد ونحن على مسافة مناسبة من الصورة السينمائية سيعطينا “انطباع” كما لو أننا ننظر من لوح زجاجي، هكذا وضع هذه الجملة عالم النفس هوجو مونتربيرج واصفًا شبهة الانطباع السينمائي وخداعه للمشاهد. فما يشاهده الفرد منا أثناء مشاهدته للفيلم أشبه ما يكون بالوهم الحميد، إنه إعادة إنتاج للواقع بشكله السينمائي بكينونته الجديدة المتخيلة التي لا علاقة لها بكل ما نعرفه عن واقعنا المحسوس، وإنما هي تتماهى معه فقط. يتفق على هذا التفسير أكثر مدرستين ناقشتا موضوع الإدراك السينمائي، وهما مدرسة النظرية المعرفية التي تضع تفسيرًا مثاليًا بنيويًا لإدراك المشاهد، ومدرسة الفينومينولوجيا والتي تقول بأصلية معاني وجمالية أفكار السينما.

فالنظرية المعرفية تعتبر التجربة السينمائية مختلفة عن تجربتنا العادية وإن اعتمدت عليها، ولكن هذا لا يعني أننا نعاملها كنسخة من عالمنا. يقسم الفيلسوف السينمائي الأمريكي نويل كارول التجربة السينمائية لثلاث نظريات: الإيهام والتظاهر والفكر.

وهذه النظريات الثلاث معنية بكيفية استجابة المشاهد للعالم المتخيَّل، وكيف يتماهى المشاهد مع الحدث غير الحقيقي في الفيلم ويتعاطف معه كما لو كان حقيقيًا. فالإيهامية تقول بأن المشاهِد يُخدع بما يشاهده، فالصورة السينمائية ليست إشارة للشيء؛ بل لشبيه منه أو نظير، ليستمتع المشاهد بالمنظر كما لو كان هذا الشيء حقيقيًا رغم أنه وهم حميد كما أسلفت.

أما التظاهر، فهي تقول بأن التجربة السينمائية ماهي إلا استجابة عاطفية لعالم متخيل بما يتناسب مع تجاربنا العاطفية الحقيقية، ولكن هذه العاطفة ليست شرطًا حقيقيًا فهي من صنع معتقداتنا. ففي فيلم رعب ما نحن لا نخاف؛ بل نظن أننا نخاف، وهنا سر تسمية التظاهر. أخيرًا، نظرية الفكر، فهي تقول بفصل الفكر والإيمان وأن المشاهد يتحرك عاطفيًا بواسطة عامل التسلية دون الحاجة للاعتقاد بصدقها، فإننا نريد من الفيلم المرعب أن يرعبنا ومن الكوميدي أن يضحكنا، وهكذا.

أما فينومينولوجيًا، يعتبر آلان كاسبييه في كتابه “السينما والفينومينولوجيا” أن السينما تُبقي الأشخاص والرموز في موضع يمكن التعرف عليها، بشكل مستقل عن عملياتنا الذهنية، فليس هناك قصة أو حدث متخيل لكن يوجد الفيلم ذاته. ومن أبرز من كتب في الفينومينولوجيا هو الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي. الذي كتب ورقة عن الإدراك السينمائي في مارس عام 1945 بعنوان “الفيلم لا يفكّر به بل يُدرك”.

ناقش بونتي في الورقة شيئًا مقاربًا لما قاله كاسبييه بأن فهم السرد هو أمر حدسي على نحو إدراكي، وأن الإدراك السينمائي لا يعتمد على الحواس؛ بل هو إدراك بين-حسّي “intersensoriality”.  وتحدث عن الفروقات بين الإدراك العادي والإدراك السينمائي ولخصها في ثلاث نقاط.

أولًا: أن الإدراك العادي مفتوح وليس بمحدود بإطار الشاشة السينمائية التي تجعل من الإدراك السينمائي أكثر إغلاقًا وتركيزًا في الشيء؛ وبالتالي عندما أشاهد الفيلم لم أعد أنتمي للعالم اللا محدود وانتقلت لأنتمي لعالم ضيق تشكله عوامل الزاوية في التصوير والإضاءة أو كما يعبر عنها بونتي “إنها إيقاف للحياة كلها عن المشهد”.

ثانيًا: القطيعة الذاتية مع السينما وعدم الارتهان بها. فأنا أشاركها في هذ العالم من خلال وجودي الجسدي فيه، وكل ما أقوم به خارج الأنا الخاصة بي ليصبح هناك الأنا والجسد والوسط، ليتماهى ويتطابق جسدي مع الوسط ليستقبل المؤثرات الخارجية فيصبحون واحدًا. أما في السينما، فليس كل عنصر ملقى به على شاشة السينما موضوعًا على حسب تفسير المشاهد الشخصي للعالم، وعندما يحصل الانفعال من قِبل المشاهد أثناء رؤية فيلم ما، فهو يحدث لوجود وسط مشترك يتماهى المشاهد معه.

ثالثًا: ما يسميه بونتي بـ “المتحرك “، وهو تكوّر الجسد على ذاته، والذي يعبر عن اهتزاز العلاقة بين الأنا والعالم، والذي يغيب عن الإدراك السينمائي؛ حيث إن القالب السينمائي أكثر كمالًا من الواقع فهو لا يعرف اهتزاز حقيقة كونه في العالم وحقيقة أنه جزء منه؛ وبالتالي يصبح الإدراك السينمائي النسخة المثالية من الإدراك العادي الخالية من أنواع القلق الوجودي. فمثلًا المشاهد السينمائي هو حاس ومدرِك ولكن غير محسوس غير مدرَك. إذن هذه العقدة التي تربط الذات بالعالم قد قطعت، وأصبح من الممكن في الإدراك السينمائي أن أكون حاسًا محضًا غير مهدد بالاستيلاء علي. فعلاقتي مع الفيلم أحادية، وهذا ما يقصده بالتكوّر على الذات وانعدام وجوده سينمائيًا، علاقة الذات أو الجسد مع نفسها أو تكورها على نفسها عن طريق إدراكها للآخر وإدراك الآخر لها.

عن البناء السردي والأفلام ما بعد الحداثية

منذ نشأة أفلام ما بعد الحداثة مع الموجة الفرنسية الجديدة خاصة مع جان لوك غودار المتسمة بالغموض والمستندة على البناء الملحمي، أي بمعنى لقطات ذات طابع سردي لكنها ضعيفة الترابط، والتي أثارت لغطًا واسعًا حول محتواها الفني وتأويلها وكيفية فهم تراكيبها وبنائها السردي. فالسينما الما بعد حداثية تعتمد على فكرة التغريب “Estrangement”، وهي فكرة إظهار المألوف بشكل غريب، أيًا كان هذا المألوف؛ ولهذا ليس من السهل تقبّل هذا النوع من الأفلام. فغودار مثلًا كان يعتمد على القطع الحاد بين اللقطات، حيث يوجِد قفزات بين الأحداث، وذلك يعطي انطباعًا بوجود مونتاج قاسٍ غير معتاد بالنسبة للعقل المشاهد؛ ولذلك ارتبط مفهوم ما بعد الحداثة بتدمير الأنماط السردية المألوفة، و أنها تطرح عالمًا أناركيًا ضد سلطة التقليد السردي وضوابطه ومعاييره وهذا ما يعتقده ديفيد لودج بخصوص البناء السردي لما بعد الحداثة عمومًا: “بدلًا من الطريقة الرمزية للترتيب وإعطاء التاريخ شكلاً ودلالة، هناك أيضًا تأكيد بأنه لا يوجد نظام ولا شكل ولا دلالة في أي مكان”.

فتم ترك الأساليب التقليدية في السرد والملتزمة بالانتقال من خلال نقاط زمنية متتالية، التي بحسب الما بعد حداثيين تعطي المشاهد وضوحًا كاملًا عن حركية الأحداث ومآلاتها، لكنها لا تعبر عن رؤى المخرجين الشخصية، ولا تعطي المشاهد حس المعايشة للأحداث في الفيلم، فليس الفيلم معنيًا بالأحداث فقط. و يبرر الما بعد حداثيين هذا الانتقال بنظرية “الهوّة” أو البعد بين السرد والواقع، منطلقين من فلسفات هرمينوطيقية معقدة، يلخصها الفيلسوف بول ريكور بالقول: “إن القصص تروى والحياة تُعاش، ويبدو بينهما هوّة لا تُردم، تفصل بين القصّ كفعل والحياة”.

وفي سبيل ذلك كله، أصبح الما بعد حداثيين يستخدمون نمطًا جديدًا في البناء السردي، وهو البعد الزماني-المكاني، فلا هو يعتمد على الزمان فقط ولا يرتبط بالمفهوم المكاني؛ بل كلاهما معًا في ذات الآن.

هذا النمط يتيح مشاركة المشاهد بشكل إيجابي وبشكل أكبر في عملية إدراك واستيعاب النص وإنتاج معنى خاص به بشكل أكثر حرية من التقييد الزمني. وعملية الإنتاج هذه هي العملية الأهم عند المشاهد؛ فالسرد الما بعد حداثي معنيّ بالمقاربة لأحداث الواقع اليومي بشكل عام، وبمقاربة الفجوات الحاصلة بين الأحداث والأفكار والمشاعر لشخصيات الفيلم بشكل خاص.

نشر في صحيفة التقرير الإلكترونية