شهر: أبريل 2015

سارتر والمثقفون الأوروبيون و الصهيونية – جوزيف مسعد

 

Holocaust_Remembrance_Day

 

ماهو المميز في طبيعة الصهيوينة، و عنصريتها، و سياساتها الإستعمارية التي ما زالت تمر من أمام أفهام المثقفين الأوروبيين اليساريين مرور الكرام ؟ فنحن لدينا الفلسطينيون الذين لا يلقون تعاطفًا من مثقفين يساريين مهمين مثل جان بول سارتر و ميشيل فوكو، أو يلقون تعاطفًا مشروطًا من مثقفين آخرين مثل جاك دريدا و بيير بورديو و إيتيان باليبار و سلافوي جيجيك.

كتب إدوارد سعيد ذات مرة عن لقاءاته بسارتر و فوكو (الذي كان معاديا للفلسطينيين) و جيل دولوز (الذي كان معاديًا للصهيونية) و عن كتاباتهم بهذا الخصوص. حيث هذه الإلتزامات الثقافية و السياسية افتتحت من قِبل سارتر المؤيد للصهيونية ولاحظها إدوارد سعيد، تعتبر رمزا للكثير من المثقفين الأوربيين اليساريين و الليبراليين اليوم.

بينما وقف معظم هؤلاء المثقفين ضد العنصرية و تفوق البشرة البيضاء، و عارضوا النازية ونظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، و يبدو أنهم يعارضون الإستعمار قديما و حديثا. أيضا هم يتشاركون في التراث السارتري  الذي يرفض رؤية تغير وضع وحال اليهود الأوربيين، هذا الإرث الذي لم يزل يراهم كضحايا للهولوكوست فقط. بينما يرفض هذا الإرث ذاته النظر لوضع اليهود الأوروبيين كمستعمرين استخدموا العنف العنصري الإستعماري في القرن المنصرم ضد الشعب الفلسطيني، وهو وضع يرفض أن يراه متبعو التراث السارتري وبشدة. وبالرغم من أن بعض هؤلاء المثقفين أقروا بشكل قاطع بعنفية الدولة اليهودية و إحتلالها للضفة الغربية و قطاع غزة، إلا أنهم ما زالوا يحملون في ذهنهم تلك الصورة للدولة اليهودية كدولة تم تأسيسها من قِبل ناجين من الهولوكوست لا من قِبل مستوطنين مسلحين إستعماريين.

في مقابلة مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية في عام 2000 قال الراحل بيير بورديو: ” لطالما ترددت في تحديد موقفي للعامة من هذه القضية .. لأنني لم أشعر بأنني قادر بشكل كافٍ على الإتيان بتوضيح بخصوص ماهو بلا شك، أكثر الأسئلة مأساوية و صعوبة في زماننا: كيف نختار بين ضحايا عنف عنصري بشكل خالص و بين ضحايا هؤلاء الضحايا ؟ ”

إذا كان يقصد بورديو بهذا الكلام الهولوكوست، فإنه قد وقع ضحية لبروبغندا الصهيونية. فلا يهم كم من المرات حاولت الصهيونية إعادة إحياء هذه الحجة كمبرر لعنفها العنصري تجاه الفلسطينيين، فالهولوكوست لا يبرر طبيعة العنصرية الإسرائيلية. و إذا كان بورديو يقبل هذه الحجة، فالصراع الذي يشعر به بخصوص الإختيار بين إسرائيل و ضحاياه هو إشكال محلول مسبقا.

لنأخذ جاك دريدا كمثال آخر، دريدا الذي قال عندما كان يحاضر في القدس المحتلة عام 1986 حيث صرح بموقفه قائلا: ” إني أعلن تضامني مع أولئك الذين يطالبون بوقف العنف على هذه القطعة من الأرض، والذين ينكرون جرائم الإرهاب و جرائم الجيش و قمع الشرطة، والذين يطالبون بإنسحاب الجنود الإسرائيليين من الأراضي المحتلة و الإعتراف بحق الفلسطينيين في اختيار من يمثلهم في المفاوضات، وجميع المطالبين بهذه الأشياء التي لا غنى عنها الآن”.

و بغض النظر عن معارضة دريدا لفوقية البشرة البيضاء في جنوب أفريقيا في منتصف الثمانينات، إلا أنه يؤمن بأن إسرائيل دولة عنصرية يهودية يجب على الجميع الإعتراف بها. إن إنكار دريدا و مقاومته لرؤية النزعة الإستعمارية و العنصرية الإسرائيلية، يعمل بنفس القوة و إن كان بوسائل مختلفة داخل الدولة اليهودية، حيث تقوم بإظهار ارتباط عاطفي تجاه إسرائيل في المناطق التي تحتلها إسرائيل. هذا الإرتباط هو دافع دريدا لقول: ” إن تواجدي هنا هو تعبير واضح ليس فقط عن قلقي بشأن العدالة و بصداقات تربطني بالفلسطينيين و الإسرائيليين. بل هو تعبير عن احترام لصورة معينة لإسرائيل  و تعبير عن أمل لمستقبلها”. من الواضح تعلق دريدا بصورة معينة لإسرائيل دنستها بعض أفعالها، مثل الإحتلال. في هذه هو لا يختلف كثيرًا عن الصهاينة الليبراليين الذين لم يمانعوا المجازر و القمع من قِبل حكومات حزب العمال المتلاحقة، لكنهم اعتبروا ذات الأفعال فضيحة عندما وصل الليكود لسدة الحكم رغم أنه قام بذات الأفعال في غزو لبنان.

وفي مقابلة أجراها دريدا بعد ذلك مع صحيفة الحياة في شهر مارس من عام 2000 في زيارة له لمصر لتقديم سلسلة محاضرة هناك، أصر على معارضته للإحتلال الإسرائيلي و دعمه للمقاومة الفلسطينية ضد الإحتلال. لكنه تحفظ بخصوص معاداة اليهودية حيث قال: ” لكني أيضا لست بجانب الميول المعادية لليهود.” لم يشرح دريدا قط الرابط بين المقاومة الفلسطينية ضد العنف اليهودي العنصري و بين ” الميول المعادية لليهود “. إن موقف دريدا من إسرائيل مثل موقف بورديو منها، لا شئ بخصوصه مميزٌ البتة.

هناك أيضا اليساري الفرنسي إيتيان باليبار الذي أرسل عددًا كبيرًا من التبريرات لزيارته لإسرائيل لإلقاء محاضرة هناك. باليبار الذي يجادل في جدوى المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل و التي يعمل بها بعض الأكاديميين الفرنسيين و بعض المؤسسات الأكاديمية، ويُعتبر إيتيان من المناهضين لمقاطعة إسرائيل حتى بدون أن يصرح بذلك. و بالرغم من أنه يصرح بتأييده لمقاطعة إسرائيل إلا أنه يزور إسرائيل و يحاضر فيها في تكذيب لما يدعيه من مقاطعة. و في سبيل تبرير فعله، ادعى باليبار أن المسألة ليست تناقضًا بل هي ” صعوبة “. و على الجانب المقابل يقول أنه يزور إسرائيل لأنه لا يريد أن يعزل أولئك الأكاديميين الإسرائيليين المعارضين لحكومتهم و إحتلالها على الرغم من اعترافه بقلتهم. باليبار لا يشرح كيف ستفيد محاضراته التي ألقاها في إسرائيل هؤلاء الأكاديميين الإسرائيليين و ستكسر عزلتهم، ولم يشرح كون زيارته زادت من شرعية إسرائيل عندما تُزار من قبل أحد أهم المثقفين في العالم و الذين باستطاعتهم نقدها على أراضيها (و بالتالي يؤكدون بهذا البروبغندا الإسرائيلية القائلة بكون إسرائيل الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط). في تبرير باليبار لزيارته لإسرائيل لا يذكر في أي مكان فيها أن إسرائيل دولة يهودية، حيث معارضته لها تكمن فقط في إحتلالها للضفة الغربية و قطاع غزة. فباليبار يعتقد على ما يبدو بأن تضمينه لمجموعة من المؤسسات الأكاديمية الفلسطينية في محاضراته كجزء من الجمهور أو لقاءه بها، يبرر زيارته لدولة الإحتلال. من الواضح أن باليبار ليس جاهل بطبيعة إسرائيل و سياساتها العنصرية. فهو ينتقد نظام الأبارتهيد في جنوب أفريقيا على سبيل المثال. لكنه هل كان ليزور جنوب أفريقيا في منتصف الثمانينات و يطالب بإنسحاب الجنود الجنوب أفريقيين من أنجولا و ناميبيا و يطلب مقابلة أكاديميين ناميبيين، بينما يبقى صامتًا تجاه عنصرية جنوب أفريقيا ؟ أي نوع من الأخلاق يمتلك شرعية في ظل حجة كهذه ؟ إن المرء ليَعجَب إذا كان باليبار يرى هذا المثال كـ”تناقض” أم “صعوبة”.

في آخر كتبه ” مرحبا في صحراء الواقع ” واجه المثقف الإجتماعي الشهير سلافوي جيجيك المسألة الفلسطينية بأكثر الطرق زيفًا. فما يقلق جيجيك ليس العنف الأصولي للصهيونية و نتائجه الواضحة، ولا يقلقه وجود دولة يهودية عنصرية، ولا المناهج العنصرية في المدارس اليهودية، ولا يقلقه التصوير العنصري للفلسطينيين في الإعلام الإسرائيلي، ولا يقلقه التصريحات العنصرية للقادة الإسرائيليين سواء كانوا من أحزاب اليمين أو اليسار، ولا حقوق الفوقية اليهودية ولا التفضيلات الإجتماعية التي تحركها الصهيونية و تقود قوانين الدولة و سياساتها، كل هذا لا يبدِ جيجيك له إهتمام كبير. لكن جل ما يقلقه هو معاداة السامية العربية الغير مقبولة بنظره. فجيجيك يتكلم بلسان البروغندا الصهيونية عن أشياء ليس لها وجود في الواقع، مثل اعتبار هتلر بطل في أغلب الدول العربية و وجود بعض الخرافات المعادية للسامية في المناهج الدراسية العربية للمرحلة الإبتدائية مثل بروتوكولات حكماء صهيون و غيرها. نعم، جيجيك يلاحظ و يرى التفريق بين المواطنين الفلسطينيين الذين يقطنون في دول الإحتلال و الرعب الذي يخيم على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة في الضفة الغربية و قطاع غزة، لكن المسألة بالنسبة له هي صراع قوميات بالإمكان حله بتدخل من حلف الناتو.

إن النزعة الإستعمارية الصهيونية اليهودية و التزامها بتفوق البشرة البيضاء الأوروبية متمثلة بالمواطن اليهودي ليست ما يدفع العرب للمقاومة و إبداء ردات فعل تجاه إسرائيل؛ ولكن هو رفض الإسلام للحداثة النابعة من أممية اليهود، و هذا ما يميز الصراع بالنسبة له.

وبالرغم من سخرية جيجيك في كتابه من إسرائيل قائلا :” إن إسرائيل تمثل التسامح الليبرالي الغربي ” ، و توضيحه دورها الإستعماري الجديد. لكن سخريته من إسرائيل لم تمنعه من زيارة الدولة العنصرية اليهودية حيث قام بإلقاء أربع محاضرات الأسبوع الماضي، أربع محاضرات لم يذكر فيها الفلسطينيين أو عنصرية إسرائيل و إرهابها ولو مرة واحدة بحسب صحيفة الهارتس. هذا هو إرث جان بول سارتر و أثره على العديد من المثقفين الأوروبيين. فإذا كان سارتر فشل في رؤية وصول اليهود الأوروبيون إلى فلسطين كمستعمرين مسلحين، فإن مقاربة جيجيك للقضية تبدو غير مباشرة أكثر. فبينما يصر جيجيك على أنه لا علاقة للهولوكوست بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، إلا أنه ما يزال يرى بأن المستعمرين اليهود ضحايًا للهولوكوست ولاجئين منه و ضحايا محتملين لمعاداة السامية العربية. هنا يكمن هوس جيجيك بمعارضة معاداة السامية المحدقة باليهود التي يدعيها من قِبل ضحايا هؤلاء اليهود ذاتهم. هناك أيضا معاداة السامية التي ابتكرها جيجيك و الآنف ذكرها و التي يحصر و يضيق بها مفهوم اليهودية إلى مفهوم ” التراث المسيحي اليهودي المشترك “، و الذي يصور اليهود – بشكل معادي للسامية في الواقع – كأمميين، هذه المعاداة للسامية و الذي يسقطها على الفلسطينيين لا تبدو واضحة لجيجيك.

بينما تعلق هذه الحالة لليهود الأوروبيين في أفهام المثقفين الأوروبيين، الذين يفشلون في رؤية أن الكثير من الإستعمارية الصهيونية بدأت قبل الهولوكوست بنصف قرن، وأن اليهود كانوا من ضمن فرق الإعدام البريطانية الإستعمارية التي أعدمت الثوار الفلسطينيين بين أعوام 1936 و 1939، في ذات الوقت حيث كان هتلر يشن عملية ليلة البلور في ألمانيا تجاه اليهود. لم يتفحص أبدا هؤلاء المثقفين المشروع الصهيوني المعادي للسامية فعلا، و الذي دمر الثقافات اليهودية و لغاتها في الشتات اليهودي لمصلحة عبرية مخترعة لم يتكلمها هؤلاء ممن دمرت ثقافتهم من قبل الصهيونية، و لمصلحة إخراج اليهود من أوروبا و نقلهم لأرض آسيوية لم يكونوا فيها من قبل قط. ولم يتفحص الكثقفون هؤلاء أيدولوجيات و ممارسات التعاون بين الصهيونية و معاداة السامية منذ نشأة الصهيونية كحركة.

يبدو جيجيك مراقبا للوضع بشكل كافٍ،  ليلاحظ ففي مقال آخر، أن اليهود الصهاينة يوظفون مصطلحات معادية للسامية لتوصيف الفلسطينيين. ففي استنتاجه لا يعتبر أن الصهيونية لطالما اعتمدت على معاداة السامية و على أحلاف بين الصهاينة و إمبرياليات معادية للسامية، و لكنه يقرأ هذه التحالفات اليوم بين الصهاينة و معاداة السامية ضرورة وثمن لا مناص من دفعه لتأسيس دولة يهودية.

إن هؤلاء المثقفون الأوروبيون عندما يقلقون بخصوص معاداة السامية التي تضر المستوطن الإسرائيلي، إذ هم يغضون الطرف عن أهم إنجازات إسرائيل بتحويل اليهودي إلى الكائن المعادي للسامية و الفلسطيني لليهودي. وطالما موقفهم لا يعارض الأسس العنصرية للدولة اليهودية، فإن دعمهم للمقاومة الفلسطينية هو كلام فارغ لا معنى له. وكما يضعها الفيلسوف الراحل جيل دولوز، بأن صرخة الصهاينة لتبرير عنفهم العنصري لطالما كانت ” نحن لسنا كمثل باقي البشر ” ، بينما كانت صرخة مقاومة الفلسطينية ” نحن مثل باقي البشر “، فالمثقفون الأوربيون عليهم أن يختاروا أي صرخة او استغاثة عليهم أن يرعوا سمعهم لها عند الحديث عن المسألة الفلسطينية.

 

النص الأصلي بالإنجليزي من موقع الإنتفاضة الإلكترونية: http://electronicintifada.net/content/sartre-european-intellectuals-and-zionism/4384

Advertisements

مسارات النيوليبرالية

by-tiago-hoisel

 

إن الحديث عن المؤتمرات الاقتصادية ومؤتمرات إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الربيع العربي في العالم العربي حديثٌ ليس له من مستمع، إما معارض لأسباب سياسية وإما موافق لنفس الأسباب. لنأخذ مصر على سبيل المثال التي يُعارض مؤتمرها الاقتصادي ونتائجه هو من يعارض النظام السياسي الحاكم هناك، ويؤيده غالبًا من يؤيد ذات النظام أو من يتعاطف مع الأوضاع في مصر بغض النظر عن موقفه من النظام المصري. لم يعارض الإسلاميون مثلًا وهم خصوم نظام السيسي في مصر المؤتمر لسياساته الاقتصادية التي ينتهجها منذ تسلمه السلطة، وهذا بديهيّ؛ لأن سياساتهما الاقتصادية تكاد تتشابه. فنظام السيسي حدد ما يقارب الـ 200 إلى 300 مليار دولار لتجاوز الأزمة، وهذا المبلغ ذاته ما وضعه الإخوان المسلمون ضمن برنامجهم الانتخابي ووعدوا باجتذاب المستثمرين من الخارج لتحقيقه. هي ذاتها السياسات النيوليبرالية التي تدع للشركات اليد الطولى والقدرة على التحكم في الاقتصاد المصري، هذا الاقتصاد الذي يعيش تحت خط فقره أكثر من ربع المصريين. ذات السياسات التي يتبعها مثلًا قدوة الإسلاميين في الحكم حزب التنمية والعدالة في تركيا، فضلًا عن اتباع الإسلاميين سياسات صندوق الدولي وتطبيق متطلباتها التي فقط بإتمامها يتاح للدولة بالاقتراض وهذا ما فعلته حكومة أردوغان في تركيا إبان استلامها الحكم.

الإسلاميون بشكل عام لا يقدّمون برنامجا اقتصاديًا خاصًّا بهم، بل هم يرون بالنيوليبرالية التكافلية إذا صح تسميتها بهذا الاسم. لكنها هي النيوليبرالية ذاتها عند الإسلاميين أو غيرهم، هي ما جعلت السوريين أيضًا يثورون على نظام الأسد بعد تفشي النيوليبرالية في سوريا تفشيًا متوحشًا. حيث عجزت الصناعة المحلية الحكومية بعد قرارات تحرير التجارة في مجاراة الخصخصة، وتضخمت رأسمالية المحاسيب وتركّز الثروة لدى قلة قليلة في ظل ضعف النمو، وإرتفاع نسب البطالة بسبب إغلاق التجارات المتوسطة لعدم قدرتها على منافسة البضاعة الأجنبية والصناعات الكبرى. فما سر العودة إلى سياسات النيوليبرالية ما دامت هي المشكلة في الأساس؟

نعم، حققت النيوليبرالية وسياسات صندوق النقد الدولي بعض النجاحات مثل تركيا والهند وتشيلي. لكن هذه الحالات كان لها خصوصية معينة، هذا إذا تغاضينا بالطبع عن كيف حدثت هذه السياسات النيوليبرالية وكيف انتقلنا لها في المقام الأول. فجلبير أشقر، يعتبر بأن التجربة التركية مثلًا مع النيوليبرالية لا تصلح في عالمنا العربي؛ فوجود رأسمال صناعي متوسط وكبير استفاد من انفتاح السوق الأوروبية أمام منتوجات البلاد بحكم الاتفاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي المرتبطة بطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد. هذه الشروط غير متوفرة في المنطقة العربية، وبالتالي لا يمكن هذه السياسات أن تعطي ذات الوتيرات العالية في النمو، لكون السوق ليس كبيرا بشكل كافٍ وليس بقادر بشكل كافٍ.

إن النيوليبرالية إذ تعود بهذا الشكل القوي في المنطقة؛ أي إنها تعود بحملٍ ثقيل من التاريخ وراءها، بحمل من جرائم وانقلابات على الديمقراطية وهزائم ونجاحات أحيانا، ولكن الأهم من ذلك أنها لا تعود وحيدة، بل تعود من خلال صعود الإمبريالية الاقنصادية الناعمة معها، فالأفعال الإمبريالية تاريخيا تتلازم مع الطغيان الداخلي بحسب ديفيد هارفي أستاذ الأنثروبولجيا والمفكر الماركسي.

في تاريخ النيوليبرالية

تعود تسمية النيوليبرالية للقرن التاسع عشر تحديدا في النصف الثاني منه، حيث سُميت كتابات المنظرين الليبراليين مثل ألفريد مارشال ووليام جيفونز وليون والراس، بالنيوكلاسيكية أو الكلاسيكية الجديدة كونها بدلت نظريات الليبرالية الكلاسيكية مثل نظريات آدم سميث وديفيد ريكاردو بعد أن استفادت من نقودات كارل ماركس بالطبع، مع الحفاظ على القيم الأساسية مثل حريق السوق وغيرها. لكن يعيد أغلب مؤرخي النيوليبرالية تاريخها كنظام على الأرض لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كان هناك توجه لإعادة هيكلة أشكال النظم الاقتصادية والعلاقات الدولية من أجل ضمان عدم حدوث انتكاسة اقتصادية جديدة مشابهة لما حدث قبلها بحوالي 15 عاما في الولايات المتحدة من كساد يصعب التعافي منه. فيشير ديفيد هارفي بأن بعد الحرب العالمية كان ينبغي وجود نوع من أنواع التهدئة أو التسوية الاجتماعية خاصة على المستوى الطبقي، لذلك ظهرت حركات فكرية تحاول إيجاد هذا التقارب.

مثال على هذا، حركة أفكار روبرت داهل بروفسور علم الاجتماع في جامعة ييل ” Yale” وأطروحاته عن الديمقراطية والسلطة، خاصة كتابه مع أستاذ العلوم السياسية والاقتصاد تشارلز لندبلوم “السياسة والاقتصاد والرفاه”، والذي قالا فيه بأن الرأسمالية والاشتراكية على حد سواء لم يفلحا بشكلهما الأولي، في إيجاد الشكل الملائم للسوق داخل عمل الدولة. وإن الحل يكمل في إيجاد موازنة بين الدولة والسوق والمؤسسات الديمقراطية بهدف ضمان السلم والرفاه والاستقرار. كان هذا الكتاب هو أبرز إنتاجات المرحلة الفكرية التي حاولت بشكل واضح تخفيف حدة الاستقطاب الاقتصادي في الحرب الباردة.

تزامن ذلك مع مؤتمر بيتون وودز في عام 1944 الذي تأسس لضبط تعاملات المؤسسات المالية في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وضبط عملية الإعمار بعد الحرب. في ذات السياق، تشكلت مجموعة من فلاسفة وأكاديميين واقتصاديين أعلنوا بأنهم ليبراليون أحرار، أبرزهم كان الفيلسوف النمساوي فريدريك فون هايك أحد أهم الأكاديميين الليبراليين والمناهضين للاشتراكية والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد. أيضا، ممن انضم لهذه المجموعة لودفيغ فون ميسيس الفيلسوف والاقتصادي النمساوي والذي كان من مناهضي النازية في النمسا، والذي يعتبر من أهم المؤثرين في حركة اللبرلة الأمريكية في منتصف القرن العشرين. أيضا، من أبرز هذه الأسماء كان الاقتصادي الشهير ميلتون فريدمان قائد الحركة النيوليبرالية الحديثة وأشهر منظريها والمستشار الاقتصادي المقرّب للرؤساء الأمريكيين بالأخص رونالد ريغان. أخيرا، كان من المشاركين الفيلسوف الشهير كارل بوبر المعروف بنقده الشديد للماركسية وميوله الليبرالية. اجتمع هؤلاء وأسسوا جمعية تحمل اسم جمعية مونت بليرين والتي جاء في نص تأسيسها التالي:

“القيم الأساسية للحضارة في خطر. فقد اختفت الظروف الأساساية لكرامة الإنسان وحريته من بقاع واسعة من سطح الكرة الأرضية. وفي بقاع أخرى، تتعرض هذه القيم لخطر دائم من تظور التوجهات الحالية السياسية. وقد ضعف موقف الفرد والجماعة التطوعية وعلى نحو متصاعد بسبب امتدادات القوة القسرية. حتى حرية الفكر والتعبير، وهي أثمن ما يملكه الرجل الغربي أصبحت مهددة”.

تميزت هذه الجمعية بالالتزام بمبادئ الحرية الشخصية والفلسفات الفردانية وتمسكهم بنقدهم الشديد للسياسات الكينزية -نسبة لنظريات جون مينارد كينز- والتي ظهرت بعد الثلاثينيات والتي تتيح للدولة التوغل في السوق للحفاظ على توازنه وعدم تكرار تجربة الكساد مرة أخرى. تلقت هذه الجمعية دعما ماليا وسياسيا من الولايات المتحدة وتفرعت عنها جمعيات أخرى في واشنطن ولندن. حتى بلغت ذروة قربها من السلطة بحصول فريدريك هايك على جائزة نوبل -والتي تسيطر عليها نخب مصرفية سويدية- في عام 1974 وحصول فريدمان عليها في عام 1976. من هذه اللحظة بدأ الفكر النيوليبرالي يتجسد في قرارات السلطة الأمريكية خاصة في عهد الرئيس جيمي كارتر، حتى ترسخ كمبدأ اقتصادي ينظم السياسة العامة عالميا في عام 1979 بعد أن بدأت بريطانيا في تطبيق السياسات النيوليبرالية حاذية حذو الولايات المتحدة الأمريكية مع مجئ مارغريت تاتشر في رئاسة الحكومة، والتي كانت قد ارتأت التخلي عن النظريات الكينزية وإجراء إصلاحات لمعالجة التضخم الذي أصاب الاقتصاد البريطاني في ذلك العقد من الزمن. تركزت هذه الإصلاحات في القضاء على مظاهر الديمقراطية الاجتماعية لمصلحة الفردانية، حيث قالت: “لا يوجد شيء اسمه مجتمع، بل أفراد من الرجال والنساء فقط”. أيضا يورد ديفي هارفي في كتابه عن تاريخ النيوليبرالية أنها قالت: “الاقتصاد هو المنهاج لكن الهدف هو تغيير الروح”.

هذا ما كان يحدث في بريطانيا في عام 1979، وفي نفس العام في الولايات المتحدة تخلى البنك الاحتياطي الفيدرالي عن برنامج “New Deal” ذي السياسات الكينزية الذي وضعه الرئيس فرانكلين روزفلت في الثلاثينيات، من أجل حل أزمة التضخم التي كانت تضرب أمريكا حينئذ. لتبدأ مرحلة الركود الاقتصادي في أوائل الثمانينيات وتأتي مرحلة اشتهرت باسم “صدمة فولكر”، حيث بول فولكر هو رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي حينها. في بداية الثمانينيات، وفترة الرئيس اليميني رونالد ريغان ازدهرت السياسيات النيوليبرالية أيما ازدهار وكف ريغان يد الحكومة من التدخل في أغلب القطاعات خاصة قطاع النقل، من نتائج هذا كان إضراب عمال النقل الشهير في عام 1981.

النيوليبرالية والعنف السياسي

عندما نشر جون بيركنز كتابه “اعترافات القاتل الاقتصادي” والذي أثار ضجة كبيرة في عام 2004، اتُهم بأن كتابه عبارة عن خيال تآمري لا أكثر. لكن من يطّلع على تاريخ الولايات المتحدة في تدمير الديموقراطيات والحركات الوطنية في إيران في أفريقيا وفي أمريكا اللاتينية وفي أوروبا الشرقية يعرف أن ما كُتب في ذلك الكتاب ليس بمستحيل.

ففي أفريقيا أمريكا اللاتينية، خاصة بعد انتصار الثورة الكوبية منتصف الخمسينيات، كانت هذه القارة حقل تجارب للاقتصاديين الأمريكيين والنيوليبراليين بشكل خاص للتخلص من أزمات الركود في الولايات المتحدة، وتوسيع السوق الأمريكية ليشمل أمريكا اللاتينية، حيث حصلت أكبر مظاهر العنف السياسي ذات الدوافع الاقتصادية بسبب هذا الدافع. أشهرها انقلاب سبتمبر في تشيلي على الرئيس المنتخب ديموقراطيا سيلفادور أليندي عام 1973 بقيادة بيونشيه، وتشكيل أول نظام نيوليبرالي اقتصادي في العالم في ذلك الوقت. كان الانقلاب الشهير مدعوما من البرجوازيات الوطنية المناهضة لسياسات أليندي الاشتراكية وسياسات التأميم، بالإضافة إلى دعم وكالة الاستخبارات المركزية CIA وكبرى الشركات الأمريكية، وبالطبع هنري كيسينجر. استخدم بيونشيه العنف لقمع الحراك الديمقراطي واليساري المناهض له آنذاك، وألغى النقابات والتنظيمات الشعبية، في سبيل ذلك قام نظام بيونشيه بقتل 3 آلاف شخص واعتقال 80 ألفا، منهم 30 ألفا تعرضوا للتعذيب الشديد. بعد الانقلاب جاء دور ميلتون فريدمان وطلبته بعدها بسنتين تحديدا في عام 1975 والذين اشتهروا باسم “أبناء شيكاغو” نسبة لجامعة شيكاغو التي كان يدرّس فيها فريدمان، والذين طبقوا سياسات خصخصة شاملة في البلاد وألغوا التأميم. ومثلما حدث في العراق تماما بحسب هارفي، حيث تم خصخصة كل شيء بعد الاحتلال الأمريكي ما عدا النفط لكونه يستخدم لتسديد فاتورة الغزو، اقترح أبناء شيكاغو خصخصة كل قطاعات الدولة في تشيلي ما عدا النحاس وهو أهم ثروات تشيلي الطبيعية.

وبعد دخول المال والاستثمار الأجنبي إلى تشيلي، ارتفع معدل النمو بشكلٍ عال؛ لكن هذه الوتيرة العالية لم تثبت حتى مرت بأزمة ديون جديدة في 1982. ومن خلال سطوة الولايات المتحدة أطلق صندوق النقد الدولي عملية تطهير من كل المبادئ الكينزية، حيث أصبح صندوق النقد مركز رئيس لنشر سياسات النيوليبرالية والسوق الحر، وصار من المطلوب بمقابل إعادة الجدولة للديون للدولة المدينة أن تطبق إصلاحات مؤسسية وسن قوانين مرنة في مجال الخصخصة والعمالة. ومنذ ذلك الحين، تستمر النيوليبرالية حتى بعد سقوط الديكتاتورية بشكل أقل تطرفا في تشيلي وبسوق مفتوح أمام الاستثمارات بدعم أمريكي بالطبع.

حدث مثل هذا في فترات الانقلابات العسكرية والديكتاتوريات في البرازيل وبوليفيا في 1964، والأرجنتين عام 1966 و1976 وفي الأورغواي في 1973، وفي المكسيك بعد ضغوطات ريغان بعد أزمة الديون مطلع الثمانينيات على الرئيس ميغيل دي لا مدريد. لكن الأمر ليس بهذا البساطة، فليست كل سياسة نيوليبرالية تُطبق في بلد ما هي نتيجة سياسة إمبريالية. هذا ليس دقيقا البتة، بل هو صراع طبقي في المقام الأول وإعادة تصحيح مسار ملكية الثروة لصالح الطبقة الواحدة. فهارفي يعتبر انقلاب تشيلي وإن كان انقلابا أمريكيا صرفا، إلا أن دور البرجوازية التشيلية هو الدور الرئيس فيما حدث. وكذلك في المكسيك، فلم يستطع دي لا مدريد القادم من حزب ثوري مجابهة ضغط البرجوازيات المحلية وضغط ريغن في تقديم سياسات اقتصادية إصلاحية نيوليبرالية.

وفي إيران، عندما أمم مصدق المصالح، الغربية كان العنف ردًا عليه، وتم تدبير الانقلاب الشهير ضده. في كوريا الجنوبية والانقلاب الحاصل عام 1961 وقدوم بارك تشانغ للسلطة والذي كان حدثًا مهما نظرًا لكون كوريا الجنوبية من رؤوس الحربة في الحرب الباردة آنذاك. تم دفع البلاد لحركة تصنيع كبرى تحت مظلة اقتصاد وطني في ظل طبقات رأسمالية ضعيفة، لتسير في طريق الخصخصات لتصبح هذه الطبقات الرأسمالية ذات موقع مكين عالميا، طبعا تحت غطاء استثمار أمريكي.

يقول سلافوي جيجك إن 90% من يساريي العالم أصبحوا فوكوياميين، أي إنهم يؤمنون بنظرية انتصار الديمقراطيات الليبرالية والرأسمالية كنهاية للتاريخ. لكن الموضوع ليس بهذا البساطة، ليس وقد وصل اليسارون للسلطة في اليونان وهم يواجهون سياسات التقشف والتي تستثني القطاعات الخاصة الكبرى مثل البنوك مثلا. وإن شعار إصلاح الرأسمالية بعد أزمة 2008 العالمية بمزيد من النيوليبرالية ليس شعارا فعالا بعد الآن، ليس فقط في أمريكا وأوروبا بل حتى في العالم العربي. فعندما نتحدث بعد الآن عن إجراءات إعادة الإعمار الاقتصادية بعد الربيع العربي والحروب، يجدر بنا أن نفكر في عواقب حجم ما نتركه أمام الإمبريالية أولا وأمام القطاعات الخاصة ثانيا من مساحة اقتصادية. وأن نتذكر أن ما جاء بالربيع العربي هو وحشية النيوليبرالية، فلا يجدر بمن جاؤوا على إثر هذه التغييرات، بأية طريقة كانوا، أن يُعيدوا نفس التجربة.

 

نشر في صحيفة التقرير الإلكترونية