في علمانية الخطاب الغربي والإسلاموفوبيا

large

قال الصحفي الأمريكي المعروف توماس فريدمان ذات مرة في أحد مقالاته في صحيفة النيويورك تايمز: ” إن الإسلام لم يستطع أن يكون حداثيًا حتى الآن”؛ فالإسلام بحسب فريدمان في مرحلة هي في المنتصف أو بوصفٍ آخر مرحلة طيش ما بين النضج (وهو تقمص الحداثة في هذه الحالة) والطفولة (البدائية). هذا الرأي يمثل رأيًا سائدًا في خطاب المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الغربية، خاصة بعد أحداث صحيفة تشارلي إيبدو في مطلع العام الجاري.

هذا الرأي لا يعبر فقط عن ثنائية الإسلام والحداثة؛ بل يعبر عن أصول اللاعقلانية في الإسلام في مقابل العقلانية الراسخة في الثقافة الغربية، ويعبر عمومًا عن مجموعة ثنائيات في الواقع لا ثنائية واحدة. يُقال هذا الرأي في سياقات معينة، مثل سياق المواجهة بين الحضارتين الغربية والإسلام. الذي يُستحضر كلما ارتفعت أصوات المسلمين تجاه نقد لاذع أو إساءة للإسلام أو رموزه القدسية.

فمنذ أحداث قضية سلمان رشدي في عام 1988 مرورًا بالرسوم المسيئة للرسول في الدنمارك عام 2005 حتى تشارلي إيبدو في 2015، وما تخلل هذا كله من نقد محيّد للاعتبارات الدينية تجاه الإسلام، يُنظر له بصفة النقد التنويري الذي منذ أيام كانت وهيجل وهيوم إلى ميل وماركس، اعتبر هذا النقد بمفهومه الغربي هو النقد الحقيقي والموضوعي والمنطقي فقط، وأداة تضمن تعميم التقدم والتحضر. فالنقد هو من الخصائص المميزة للحضارة الغربية، وهذا النقد هو علماني بالضرورة، فبحسب إدوارد سعيد في مقالته “النقد العلماني” يقول: “النقد، دائمًا هو متشكك، علماني، منفتح على إمكانية فشله”.

فالنقد للمقدسات إنما يعتبر دلالة وتذكيرًا على علمانية الحضارة الغربية وعلى أن خصوم هذه الحضارة إنما هم يملكون عكس ما تمتلكه؛ بل وأبعد من ذلك، فالحداثة العلمانية أصبحت تعبر عن الهوية الغربية بشكل عام كصفة جوهرية للغرب الحديث. فيساوي ميشيل فوكو في مقال قدمه كمحاضرة في جامعة السربون عام 1987 النقد بالمفهوم الكانتي للتنوير ويعتبر النقد الصفة الاستثنائية للغرب الحديث. فإذا كانت الحداثة العلمانية هذه تعني الحريات بشكل عام وحرية التعبير بشكل خاص، وتعني العقلانية والمنطق، فهي بالضرورة تعني في سياق كهذا بدائية الإسلام وسلطويته على الناس واللاعقلانية.

بل يذهب بعض النقاد مثل طلال أسد بالقول إلى أن هذه النظرة، أي مواجهة الحداثة ضد الإسلام، هي نظرة ذات أصول نزاعية بين المسيحية والإسلام. فالحداثة بحسب أسد، هي صفة جوهرانية في الحضارة المسيحية لأسباب عدة، كانت المسيحية فيها حاضنة لبذرة الديمقراطية، وبالتالي حرية التعبير وغيرها من أشكال الحريات.

هنا، أريد أن أضع بعض الروايات المختلفة عن علمانية النقد وحرية التعبير في الخطاب الغربي. أيضًا أريد أن أشير إلى الخرافات التي تتعلق ببديهية الإسلاموفوبيا وخطابها كناتج طبيعي للتراث الإسلامي وللأحداث العنفية من قِبل المسلمين.

علمانية حرية التعبير والنقد في الخطاب الغربي

إن ازدراء الأديان أو التجديف “Blasphemy”، هي تهمٌ يراها الخطاب العلماني الغربي بحسب طلال أسد مخالفة لقيم مثل حرية التعبير والحرية كقيمة قائمة بذاتها والتي تضمنها مبادئ الديمقراطية، ومبادئ المنطق الذي يمثل مركزية الثقافة الغربية. لكن، طلال أسد يشير إلى ارتباط مفاهيم الدمقرطة بالمسيحية في كثير من أنواع الخطاب الغربي، فالبابا بيندكت بابا الكنيسة الكاثوليكية في الفترة (2005 – 2013) يؤكد على أن الصراع الحقيقي هو بين الحضارتين المسيحية والتي تُصالح المنطق اليوناني، أي العقلانية مع تعاليم الإنجيل في مواجهة الإسلام والذي يحرض على العنف كونه لا يؤمن بالمنطق؛ بل يفصل المنطق عن صفة الإله، فالإله في الإسلام عند البابا بينيدكت غير مُتوقع، وبالتالي لا عقلاني.

وهذا الرأي ليس شاذًا في الدراسات المسيحية وليس مختصًا برجال الدين مثل البابا بينيديكت أبدًا، فمنظرون في مجال الفلسفة السياسية ومؤرخون يرون أيضًا أن الأصول التاريخية لمفاهيم مثل المساواة والتي تقود للديمقراطية هي أصولٌ مسيحية. مثال على ذلك الفيلسوف السياسي المعروف فرانسيس فوكوياما الشهير بنظريته “نهاية التاريخ” والذي يقول بأن الديمقراطية إنما تنبع من مفاهيم منها مفهوم المساواة السياسية والذي يرجع بحسب فوكوياما إلى “عالمية كرامة الإنسان” في العقيدة المسيحية.

أيضًا، يقول المؤرخ والفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه في كتابه “تبديد أوهام العالم”: “إن المسيحية هي بذرة أزهرت إلى العلمنة الإنسانوية، لتتخلى في طريقها إلى ذلك عن توجهها المتسامي عن الدنيويات، وتجعل من استقلال الدنيوي عن المتعالي ممكنًا، وهذا الأخير هو الآن جوهر المجتمع الغربي الديمقراطي”، و هذه السردية غايتها هو خلاص الإنسانية جمعاء.

أيضًا، بحسب الفيلسوف السياسي والمؤرخ فيليبي نيمو الذي يقول إن المسيحية بثورتها الأخلاقية التي أتت بها في الكتاب المقدس والتي تتلخص في مفاهيم مثل الإحسان والعدل إضافة إلى استلهامها للتراث الإغريقي فيما يتعلق بالقانون والحريات، شكّل ذلك -نظرًا لهذه الصفات الجوهرية في المسيحية السابق ذكرها- دافعًا للثورة البابوية التي استمرت من القرن السادس للقرن الثالث عشر والتي تجلى فيها العقل البشري تجليًا صريحًا. و هناك أيضًا أستاذ الفلسفة سانتياغو زابالا في الذي يصرح في كتابه “مستقبل الدين” أن  العلمنة ليست ناتجًا عن المسيحية القديمة فقط؛ بل هي عهد أو وصية للوجود المسيحي في شكله الما بعد مسيحي “post-Christian mode”.

ينتقد طلال أسد هذا الخطاب الخاص بالمسيحية الغربية التي تتخذ من نفسها شكل الحاضنة الإلهية والتي تتحول لمُنتج إنساني على هيئة الحداثة، هذا المنتج المتسامي يتجسد في العالم الدنيوي على شكل العلمانية، ونتدرج حتى نصل لفكرة الكونية. كل هذا إنما هو سردية مُقلدة  للسردية المسيحية المتعلقة بالمسيح، الذي يتجسد بشكل إلهي ثم يموت ثم يبعث على يمين الأب.

أيضًا، ينوه الأسد على أن هذا الخطاب في سياقه السياسي يؤكد على هوية أوروبية تفترض أن غياب العادات الديمقراطية في الإسلام هي ما يتسبب مثلًا في غضب المسلمين العارم تجاه قضايا مثل ازدراء دينهم أو مقدساتهم. و من ثم موضوع الأصول التاريخية لما يسمى بالحضارة الغربية هو موضوع إشكالي، فالحضارة الغربية كمفهوم تختلف من مكان لآخر ومن إثنية لإثنية ومن طبقة لطبقة، ولطالما عانت هذه الحضارة من صراعات داخلية، فكيف يتم هذا التعميم عليها بأنها منبت الديمقراطيات الحديثة؟

في نقد بديهية الخطاب الإسلاموفوبي

مما يُثار أيضًا بهذا الخصوص، هو موضوع بديهية الخطاب الإسلاموفوبي الغربي. أي بمعنى التعامل مع الإسلاموفوبيا كثنائية طرفها الآخر هو التراث الديني للإسلام وظهور الجماعات المتطرفة. فإذا ما كان التراث يحمل في طياته تطرفًا، فإن الأوصاف المشينة للإسلام والنظرة العدائية للمسلمين في الغرب أمر حتمي. والإشكال في هذا الخطاب أولًا أنه ذو نمط استشراقي سطحي تخطته الدراسات الأكاديمية. ثانيًا، أنه يغفِل اعتبارات البيئة الحاضنة للإسلاموفوبيا، وكونها -أي الإسلاموفوبيا- خطابًا يتقصد فئة طبقية معينة ويظهر في بيئات تشهد صعودًا كبيرًا لليمين المتطرف، بالإضافة إلى وجود مؤسسات تدعم هذا الخطاب الإسلاموفوبي لدوافع عدة.

ففي فرنسا مثلًا حيث وقعت أحداث صحيفة تشارلي إيبدو، تنحاز النخبة والإعلام وأيضًا القانون ضد المسلمين أكثر من غيرهم لكونهم يشكلون غالبية الطبقة العاملة والتي لا تملك أي نوع من أنواع السلطة. فيذكر أكبر فلاسفة فرنسا ألاين باديو في مجلة الاشتراكي الدولي: “العلمانية الفرنسية بمفهومها الجمهوري يُدّعى أنها تخلق فضاء محايدًا. لكنها ليست كذلك، فهي لا تُستخدم إلا ضد المسلمين. فليست هناك قوانين ضد المسيحيين واليهود، لكن الكثير من هذه القوانين موضوعة خصيصًا ضد المسلمين، وأيضًا علينا أن لا ننسى أن الإسلام في فرنسا هو دين الفقراء”.

إن السياسات النيوليبرالية في فرنسا المستمرة رغم وصول الحزب الاشتراكي والذي لا يحمل من الاشتراكية غير اسمها بوصول الرئيس فرنسوا هولاند، تستقصد الطبقات العاملة والمهاجرين بشكل عام. فمنذ عام 2007 إبان وجود الرئيس ساركوزي في السلطة، ارتفع أعداد المهجّرين من النازحين إلى 32921 شخصًا بارتفاع قرابة 20% من العام الذي سبقه. حينئذ وصف وزير الداخلية الفرنسي كلاود جان بأن كثرة المسلمين في البلاد جعلته يشعر بأن فرنسا لم تعد كما كانت.

يجب الأخذ أيضًا بعين الاعتبار صعود اليمين والفاشية المتزايد في أوروبا كأحد مسببات صعود الخطاب الإسلاموفوبي. هذا الصعود لليمين والذي تتراوح أسبابه ما بين السياسية والاجتماعية والاقتصادية ليس طبيعيًا بشكل كامل هو الآخر. فصعود الفاشية هو مرتبط بدعم الولايات المتحدة للعصبويات والجماعات المتشددة ضد الشيوعية منذ الثمانينيات. فهذه الفاشية التي نراها في خطاب منظمات تمثل ثقلًا سياسيًا اليوم في أوروبا مثل: الجبهة الوطنية الفرنسية والتي فازت بـ24 مقعدًا في البرلمان الأوروبي أو ما يعادل ربع المقاعد الفرنسية.

هذه الجبهة التي تقودها مارين لوبان والتي أسسها والدها جان ماري لوبان عام 1972، والمصابة برهاب الأجانب والمهاجرين وتصدير الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية أيضًا. فجان ماري لوبان اتهِم بالعنصرية عدة مرات وإثارة النعرات العرقية، ففي عام 1986 صرح لوبان تصريحًا شهيرًا ذكر فيه أن غرف الغاز والمحرقة اليهودية إنما هي مجرد جزء من تفاصيل الحرب العالمية الثانية فقط. والجبهة الوطنية الفرنسية إنما هي مثال على الحركات اليمينية المنتشرة في أرجاء أوروبا مثل بيجيدا في ألمانيا، وحزب الاستقلال البريطاني، وحزب التقدم في النرويج، وحزب الفجر الذهبي اليوناني.

من الأسباب المهيئة لصعود الخطاب الإسلاموفوبي أيضًا هي المؤسسات التي حملت على عاتقها المهاجمة الدائمة للمسلمين والعرب والتي تدعمها عدة جهات. ففي تقرير نشره مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية “CAIR”، ذُكر أن قرابة الـ37 منظمة -يتداخل كبار الموظفين بشكل كبير فيما بين هذه المنظمات- تشكل ما أسماه التقرير جوهر شبكات الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة الأمريكية.

ويذكر التقرير أن بعض هذه المنظمات تتكسب من وراء دعايات الإسلاموفوبيا، وتذكر شخصية الأكاديمي المعروف دانيال بايبس الذي يعتبر من أشهر قادة وداعمي الخطاب الأكاديمي الإسلاموفوبي وكراهية العرب والذي كان مقربًا من الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش ولا يزال مقربًا من المحافظين الأمريكيين كمثال. يذكر التقرير مثلًا أن مؤسسة دانييل بايبس والتي تحمل اسم منتدى الشرق الأوسط قامت بضخ ما قيمته مليوني دولار أمريكي لسبع مؤسسات ذات خطاب معادٍ للإسلام مذكورة أسماؤها في التقرير.

أيضًا، قام بايبس بدعم مشروع ستيفن إيميرسون للتحريات بخصوص الإرهاب، والذي يذكر أحداث تشارلي إيبدو يذكر قصة ستيفن إيميرسون الذي ادعى على قناة فوكس نيوز أن مدينة بيرمنغهام الإنجليزية هي مدينة لا يجب زيارتها لغير المسلمين، مما أثار حفيظة الكثير من الإنجليز واضطرت القناة اليمينية للاعتذار 12 مرة في التلفاز. يُذكر أن بايبس و ستيفن قادا حملة كبيرة ضد المسلمين في الفترة من عام 2009 إلى العام 2013، وفي عام 2013 بعد عملية تفجير ماراثون بوسطون بوقت قصير، قال بايبس وإيميرسون إن الفاعل هو مسلم سعودي الجنسية حتى تبين أنه من الشيشان.

أيضًا، من المؤسسات التي يجدر التطرق لها هي مؤسسة الشرق الأوسط للبحث الإعلامي “MEMRI” والتي أسسها الصهيوني وضابط المخابرات الإسرائيلية السابق ييجال كارمون. هذه المؤسسة قام دانييل بايبس بدعمها بما يقارب 450 ألف دولار في الفترة ما بين 2009 إلى 2013. ويقدر التقرير أن دخل المنظمات الـ37 مجتمعة في الفترة (2008 – 2011) ما يقارب 119,662,719 دولارًا أمريكيًا.

إن حادثة تشارلي إيبدو بالنسبة لي، ليست حدثًا يلزمنا بسببه مراجعة التراث الإسلامي أو البراءة من الجماعات المتطرفة؛ بل هو حدث يساعدنا على التذكر بأننا نعيش في واقع محسوس ومادي وليس مجرد سجالات فكرية. واقعٌ عن ظهور الفاشية واليمينية مرة أخرى في الساحة السياسية الأوروبية، واقع عن اضطهاد الطبقة العاملة المتمثلة بالمسلمين في فرنسا، واقع يخبرنا أن سياسات التقشف الأوروبية لا تنطبق على المؤسسات الكبرى والبنوك وإنما تستهدف هذه الطبقات المستغَلة.

أيضًا، هذه الحادثة تخبرنا عن بلطجة الخطاب الغربي ونفاقة ووقاحته، فيعلق على ذلك الفيلسوف سلافوي جيجيك قائلًا: “لماذا يستهدف المسلمون أفضل مافي الإرث الغربي (بالنسبة لنا على الأقل) الحريات الشخصية والتي تتضمن حرية نقد جميع السلطات والمساواة؟ المسلمون ذاتهم الذين تعرضوا بلا شك للاستغلال والهيمنة وكل ماهو مدمر في الاستعمار. إجابة واحدة تقول إن استهدافهم مختار بعناية، فالغرب اللليبرالي لا يطاق ليس فقط لأنه يستغل ويمارس الهيمنة العنفية على غيره فقط، ولكن لأنه يعرض هذه الحقائق الوحشية على شكل نقيضاتها: الحرية، والمساواة، والديمقراطية”.

إن حرية التعبير حق مكفول، ولكن إذا كانت مكفولة للجميع، وضد الجميع كما يقول تيم ساندرز في مجلة دورية الاشتراكي: “السخرية عليها أن تهاجم الأقوياء، عليها أن تفضح النفاق والسخافة، وبالطبع عليها أن تكون مضحكة. إذا تم توجيه السخرية نحو الضعفاء تسمى بلطجة لا سخرية”.

نشر في صحيفة التقرير الإلكترونية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s