شهر: فبراير 2015

العرب و الإمبريالية

17197454-abstract-word-cloud-for-imperialism-with-related-tags-and-terms

إن القارئ العربي ربما يلاحظ ضعف الإنتاج الفكري العربي الذي يكاد لا يتعدى الترجمات في مجال الإمبريالية ودراسات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية عمومًا. فقليلٌ هم الكتاب الذين اهتموا بهذا الموضوع، ربما أذكر منهم: إدوارد سعيد، ومهدي عامل، وسمير أمين، وجورج قرم، وبرهان غليون وكتّاب أخُر. وقد تم حصر أغلب هذه الدراسات القليلة أصلًا في مجال الإمبريالية الثقافية والخصوصيات الثقافية ضد العولمة؛ دون تأصيلٍ منهجي ودراسة جادة لموضوع الاستعمار والإمبريالية في العالم العربي.

والمفارقة أن العرب هم الأمة الوحيدة التي لا زالت تعاني من الاستعمار في يومنا هذا، وهي من أكثر الأمم التي تتعرض للهيمنة الإمبريالية بسبب مواردها النفطية. وهذا الشح في الإنتاج الفكري يعود لتراجع الدراسات الثورية، بطبيعة الحال، ودراسات الإمبريالية مع سقوط المعسكر الاشتراكي في بداية تسعينيات القرن المنصرم؛ على عكس الدراسات الكولونيالية في إفريقيا، على سبيل المثال، المستلهمة من دراسات فانز فانون وغيره والتي تنطلق من الاستعمار كأساس في تحليلها لبنية الأنظمة والاقتصادات المحلية، وبالتالي تأثيرها على البنية الاجتماعية. وبالإمكان ملاحظة هذا الأمر في استخدام لفظة الإمبريالية على كل الاستعمار وخلط مفاهيم تختلف جذريًا عن بعضها البعض؛ نظرًا لعدم وجود دراسة جادة لموضوع الإمبريالية، كما أسلفت سابقًا.

والملاحظ اليوم أيضًا مثلًا أنه لا أحد تقريبًا، إلا ما ندر، يتحدث سواءً في التحليل السياسي أو الاجتماعي عن العالم العربي بصفته مُستعمرًا وخاضع للاستعمار، ولا يُنظّر لحركة ثورية مناهضة لأشكال الهيمنة الأمريكية وغيرها من الهيمنات بصفتها تمارس شكلًا من أشكال الإمبريالية الجديدة، كما يصفها أستاذ الأنثروبولوجيا، الماركسي ديفيد هارفي. وهذا ما ينعكس دائمًا على التحليلات السياسية التي تبتسر بعض القضايا من سياق وارتباط هذه الهيمنة بالمحافظة على شبكات الهيمنة في العالم العربي وهذه متناقضة غير مفهومة، بالنسبة لي على الأقل.

إن قِصر الذاكرة السياسية العربية في موضوع الاستعمار له عدة أسباب، منها: السياسي ومنها الثقافي وأسباب أخرى. السبب الثقافي يتلخص في ضعف مجال الدراسات النقدية للرأسمالية في الفكر العربي المعاصر والتي يُعتبر تجاهلها أو فصلها عن تشريح الاستعمار هو نقطة انحراف عن المسار الصحيح في نقد وتفكيك الإمبريالية، وأعني هنا بالإمبريالية، من بدء تاريخها، أي من أزمنة الاستعمار العسكري المباشر إلى العولمة.

ماهي الإمبريالية؟

بالإمكان الإجابة عن هذا السؤال بذكر مميزات الإمبريالية عن أشكال الاستعمار القديم، خاصة تكوّنها كاستعمار جديد يقوّض وينهب الأمة المستعمَرة، بخلاف الاستعمار القديم الذي كان عادة ما ينحصر اهتمامه بسلب الفائض من إنتاج المُستعمرات؛ الغنية بالأساس فلاحيًا.

أحد أهم مميزات الإمبريالية أيضًا هي عالميتها، فهي لا تكتفي بالدول ذات الخيرات فقط؛ إنما تهدف إلى توسيع  نفوذها وسيطرتها على العالم كله. فلفظة الإمبريالية مشتقة من “Empire”، وتعني الإمبراطورية، وهي كلمة قديمة لاتينية الأصل ذات تاريخ طويل ارتبط بالإمبراطورية الرومانية ورغباتها التوسعية. وبرغم قِدم مصطلح الإمبريالية، إلا أنه لم ينتشر فعليًا، بحسب الدكتور الهادي التيمومي، الباحث التاريخي؛ إلا بعد منتصف القرن الـ 19،  ليفضي إلى اقتسام العالم كله بين أقطاب النظام الرأسمالي حينها، وهذه سابقة في التاريخ البشري. إن تفسير الإمبريالية بناءً على المعنى الحرفي لمعناها بالإنجليزية، وهو أي سياسة توسعية لمصلحة بناء إمبراطورية، هو تفسير لا يصح؛ لأنه فضفاض ولا يستوفي شروط السياقات التاريخية للإمبرياليات المختلفة في التاريخ.

و يشير التيمومي إلى أن التفريق بين الكولونيالية (الاستعمار العسكري) والإمبريالية، هو أحد أهم منطلقات البحث في مجال الإمبريالية؛ فهل يمكن فعلا اللجوء والتوجه إلى وسائل الهيمنة الاقتصادية فقط، مثل ما مارست القوى العظمى سابقًا نفوذها اقتصاديًا على دول وإمبراطوريات مثل الصين وأمريكا اللاتينية والإمبراطورية العثمانية، دون الحاجة لتوسع عسكري؟ أو بصيغة أخرى: هل يشترط أن تكون كل إمبريالية كولونيالية؟

من أهم من حاول الإجابة على هذا السؤال هو الاقتصادي الليبرالي البريطاني، جون هوبسون، في مؤلفه “دراسة حول الإمبريالية”، الصادر في أوائل القرن الـ 20، والذي يقول بأن الإمبريالية هي قائمة على إشكالية نقص الاستهلاك في الدول الرأسمالية؛ نظرًا لأزمة التوزيع الغير عادل للثروة فيها. ولذلك تحتاج هذه الدول تمديد مساحة أسواقها للدول الأخرى، ولكنه يعتبر هذه السياسة -أي الإمبريالية- رجعية ومدمِّرة ولكنها ضرورية؛ لذلك اقترح ما أسماه بـ “الإمبريالية المتحدة”، وهو أن تَقتسم الدول الرأسمالية العظمى العالم سلميًا لنتجاوز مرحلة الإمبريالية هذه. فهوبسون يقول بوضوح أنه بالإمكان إيجاد إمبريالية سلمية تخلو من العمل العسكري، ليس ذلك فقط، بل لا تنبني على صراعات بين أقطاب النظام الرأسمالي. وهو ليس وحده الذي يقول بهذه الفكرة؛ فحتى الألماني، كارل كاوتسكي، الذي يُعتبر من أهم الرموز في الفكر الاشتراكي تاريخيًا، يقول في نظريته المسماة “ما بعد الإمبريالية”: إن أقطاب النظام الرأسمالي قادرين على اقتسام العالم سلميًا وتجنّب الصراع الدموي.

وهذا التفريق المهم بين الإمبريالية والعمل العسكري هو دلالة واضحة على أن الإمبريالية ليست شرط استعمار عسكري، ولا كل استعمار عسكري هو إمبريالية؛ فقد يكون مرحلة سابقة لها، كما يذكر ديفيد هارفي.

الإمبريالية وتاريخ الرأسمالية

إن ارتباط الإمبريالية بالرأسمالية هو إرتباط وثيق وتأسيسي، فلم تخلو أي محاولة جادة لدراسة الإمبريالية من ربطها بالرأسمالية وحركة رؤوس الأموال والاستهلاك والسوق؛ سواءً كانت الدراسة ذات اتجاه ليبرالي أم اشتراكي. ففعليًا بدأ توجه القوى الرأسمالية العظمى للإمبريالية في أواخر القرن الـ 19، خصوصًا فترة الكساد الكبير (1873- 1895) تقريبًا.

في هذه الفترة: صعدت ظاهرة التراكم السريع لرأس المال، مما تسبب، بحسب كارل ماركس، في كساد رؤوس الأموال؛ لتبرز بسبب هذه الظاهرة فكرة الاحتكار، باعتبارها حلًا لتوسع وتراكم رأس المال. مما تسبب في مشكلة نقص الاستهلاك، نظرًا، كما يرى هوبسون، لقلة موارد الفقراء وقلة عدد من يملكون قيمة السلع الاستهلاكية هذه، وبالتالي ستضطر الشركات الاحتكارية هذه لتوظيف رؤوس أموالها خارج حدودها الوطنية؛ لتصبح، كما يصفها الهادي التيمومي، طبقات ريعية طفيلية تعيش على حساب بلدانٍ أخرى.

في الجانب الآخر، كان هناك ذات الربط بين التطور الهائل للرأسمالية والإمبريالية في الفكر الاشتراكي بأنواعه، فاليمين الاشتراكي مثل الألماني إدوارد برنشتاين كان يرى بضرورة مواجهة الإمبريالية الرأسمالية بإمبريالية أخرى اشتراكية، لتطوير المستعمرات وتحويلها للمرحلة الصناعية، وبالتالي نقلها للاشتراكية، أيضًا من أجل تحسين أوضاع البروليتاريا المادية. ووافق اليسار الاشتراكي هذه النظرية الخاصة بهوبسن، مثل روزا لوكسمبورغ، التي كانت ترى أن الحاجة لمستهلكين لما يُنتج في البلدان الرأسمالية هو السبب الرئيس للتوسع الإمبريالي، بمعنى أن الدول الرأسمالية تبحث عن ما تسميه هي “أوساط ما قبل رأسمالية”، تستطيع من خلالها تحقيق الربح وفائض القيمة.

ويذهب فلاديمير لينين لما هو أبعد من ذلك، فهو صاحب الجملة الشهيرة “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، وأفرد لهذا الموضوع كتابه الذي يحمل نفس الجملة كعنوان الصادر عام 1916، والذي حدد فيه سبع خصائص للإمبريالية هي:

أولًا: تكثف الإنتاج ورأس المال لدرجات تؤدي لظهور الاحتكار، وهو مقوض للتنافس الحر، الذي هو السمة الرئيسة للرأسمالية التنافسية.

ثانيًا: إلتحام رأس المال الصناعي ورأس المال البنكي عن طريق البنوك الكبرى.

ثالثًا: حيازة ظاهرة تصدير رؤوس الأموال نحو المستعمَرات والدول الأقل نموًا اقتصاديا، المكانة الأولى في المنظومة الاقتصادية، وهو ما يجعل الدول هذه دولًا طفيلية ريعية، تكتفي من عائدات المستعمَرات.

رابعًا: تقاسم العالم اقتصاديا بين الجهات الاحتكارية.

خامسًا: انتهاء عملية تقسيم العالم حدوديًا والتي استمرت في القرن الـ 19، وإعادة اقتسام العالم عن طريق الهيمنة، بالأخذ بعين الاعتبار طبيعة العلاقة بين البلدان الإمبريالية.

سادسًا: هيمنة التيارات “التنقيحية”، كما يسميها هادي التيمومي.

أخيرًا: الطابع الاشتراكي لنضالات حركات التحرر.

هذه الطريقة في التفكير وإن صحت فهي تتضمن إشكالية المركزية الأوروبية، والتي أدت لتكريس الخطاب الإمبريالي الغربي لاحقًا، والذي انتقدها المفكر الاقتصادي سمير أمين نقدًا مفصّلًا، وضّح فيه أن إشكالية “التبعية”، ويقصد تبعية دول العالم الثالث للدول الإمبريالية، تنم عن نظرة اقتصادوية متمركزة حول الذات الأوروبية وإن حاول الفكر الماركسي تجنّب ذلك؛ لكنه لم ينجح. فسمير أمين يرى أن هناك قوانينًا تحكم تطور المجتمعات الإنسانية، وهذه القوانين لا تُستنبط من التاريخ الأوروبي فقط.

من بين هذه القوانين: قانون التطور اللامتكافئ “unequal development” ألا وهو مجال دراسته الأبرز، فقانون التطور اللامتكافئ يفترض أنه يوجد في كل حقبة تاريخية حتى الحقب الما قبل رأسمالية، بلد مهيمِن يسميه أمين المركز وبلد مُهيمَن عليه يسميه الطرف أو التخوم، لتنشأ بسبب ذلك ظاهرة الاستقطاب “Polarization”، في القرن الـ 19، ويُقصد بها تشكل علاقة غير متكافئة بين قطبين مسيطِر ومسيطَر عليه. فتكتل التصنيع في البلدان الغربية وغيابه في بقية العالم ومنها العالم العربي هو الشكل الذي اتخذه الاستقطاب آنذاك. هذا الاستقطاب الواضح هو ما أظهر الحدة في التعامل مع الإمبريالية في المنطقة العربية إبان حركات التحرر من الاستعمار، خاصة من الأربعينيات إلى بداية السبعينيات وظهور الحركة القومية واليسار والحقبة الناصرية. هذه الحدة في التعامل مع الدول الإمبريالية تراجعت تراجعًا كبيرًا بسبب موجة الانفتاح الاقتصادي في المنطقة بداية بمصر وظهور النيوليبرالية ظهورًا رسميًا وبالتالي تقلص الاستقطاب، هذه الخفة التي قادت لانحسار الفكر المناهض للإمبريالية والهيمنة في نهاية الأمر.

وإني هنا حيث أذكر الأصول التاريخية المادية للإمبريالية وارتباطها الوثيق بالرأسمالية، لا أتجاهل أهمية عناصر البنى الفوقية، مثل الدين؛ خاصة في منطقة مثقلة بالإرث الديني. فالاستعمار الغربي كان يحملُ طابعًا بروتستانتيًا متشددًا حملهُ لأرض أمريكا الشمالية تحت حجة أنها أرض الميعاد الجديدة، وحمله على أرض فلسطين بحجة أنها أرض الميعاد الأصلية.

العرب والإمبريالية

نستطيع أن نربط بين العرب والإمبريالية من خلال لحظة تحول المنطقة العربية إلى طرف تسيطر عليه أمة أخرى (مركز)، أي عندما انفصلت المنطقة عن التطور الاقتصادي العالمي في القرن الـ 16 نتيجة تطور التجارة العالمية، وبالتالي تغير شبكة الاتصال التجاري جغرافيًا، بحسب المفكر جورج قرم. أما الأوضاع الاقتصادية في المنطقة ما بين القرن الـ 16 وظهور الإمبريالية فيها، أي القرن الـ 19 كانت متميزة بطابع تجاري، كانت فيه مصر الاستثناء الوحيد؛ لكون المسألة الفلاحية متأسسة فيها وراسخة.

هذا الطابع التجاري تم تمزيقه من قِبل الإمبريالية، كما يصف سمير أمين، مما سبب انحلالًا هوياتيًا تحول لانحلال قومي لاحقًا. وقد دخلت المنطقة العربية في النمط الرأسمالي عندما دخلت فيه الدولة العثمانية في القرن الـ 19؛ لتبدأ مرحلة التطور اللامتكافئ، الذي هو سمة أساسية من سمات الرأسمالية. وللحفاظ على هذا اللاتكافئ؛ حرصت الإمبريالية على تخلف المنطقة اقتصاديًا وعسكريًا وفي كافة الأصعدة في الواقع بسبب آليات الاقتصاد الريعي، وقامت بإفشال أغلب المشاريع التنموية الوطنية وحركات التحرر التي قامت بها البرجوازيات الوطنية وحاربتها بشدة، ولن نجد مثالًا أفضل من مشروع قناة السويس والسد العالي أيام الناصرية في مصر.

هذه الحروب التي ولدت عداءً واضحًا في المنطقة تجاه الإمبريالية، هذا العداء تم تحجيمه عن طريق الإمبريالية ذاتها التي طبّعت وجودها عن طريق النيوليبرالية وسياسات الانفتاح في المنطقة على الاقتصاد الغربي، خاصة أيام السادات، وانفتاحه على الملكيات الموالية للمعسكر الغربي. ونتيجة لذلك؛ فرضت هذه البنى والشبكات الاقتصادية على الأنظمة العربية قبول إسرائيل كواقع في المنطقة، وقبول الهيمنة الإمبريالية كضامن للوضع القائم، وعلى رأس هذه الأنظمة: النظام المصري والأردني. فتحول شعار “نعم للغرب لا لإسرائيل” الذي كانت تتبناه هذه الأنظمة إلى “نعم للغرب نعم لإسرائيل”، أي بمعنى نعم للهيمنة الغربية.

كانت كامب ديفيد نقطة تحول، ليس فقط سياسيًا، كانت نقطة تحول فكرية مهمة؛ صُدمت فيها الأيديولوجيا العربية بالوجود الإسرائيلي في ثقافة كرسها النظام العربي كحقيقة لا مناص من تقبلها، أضف إلى ذلك هيمنة ما يسميه جاك لوغوف بـ “سياسة الذاكرة” والتي يقول عنها شارحًا: “إنه تحت ضغط التاريخ المباشر الذي تصنع جزءًا كبيرًا منه وسائل الإعلام في غمرة الأحداث، يجري السعي حثيثًا نحو إنتاج الذاكرات الجماعية إنتاجًا متناميًا؛ وهكذا يُكتب التاريخ، منذ أمد قصير، وكما لم يحصل ذلك من قبل، تحت ضغط هذه الذاكرات الجماعية”.

هذه السياسات جعلت من إسرائيل كيانًا منفصلًا عن نسيج وسياق معقد من الهيمنة الغربية على المنطقة، تحت سنين طويلة من التطبيع، هذا التطبيع مع الإمبريالية بأشكالها هو ما تسبب بفقدان المنطقة العربية ذاكرتها المملوءة بالمآسي بسبب الإمبريالية والاستعمار، وأصبحت تتعامل مع هذه الهيمنة ومع هذا الاستعمار المباشر الموجود ككيان غاصب على أرض فلسطين أمرًا واقعيًا ومستقلًا تاريخيًا عن تاريخ الهيمنة الغربية على العالم العربي، ولعل أفضل وصف لهذا التاريخ الممنهج من إفقاد الشعوب ذاكرتها هو ما قاله الناقد الراحل مهدي عامل بـ “فقدان صدمة النكبة”، فالإمبريالية أفقدت العرب صدمة مآسيهم.

نشر في صحيفة التقرير الإلكترونية

Advertisements