شهر: يناير 2015

شاعر الثورات المغدورة

1512413_421623021324903_6950993870408076172_n

 

وقد أصدر الفيتوري دواوينه الأولى « أغاني إفريقيا » (1955) ، «عاشق إفريقيا » (1964) ، « اذكريني يا إفريقيا » (1965) في سياق ماكان يحدث في العالم من تغيرات،ومتوافقاً مع استراتيجية الدولةالمصرية في إفريقيا وآسيا، ومنهنا فقد طغى الحس الثوري ذو اللغة الرومانسية على بدايات تجربته. إن ارتباط الفيتوري بمصر ارتباط رمزي، لا يمكن حصره فيما هو سياسي أو أيديولوجي، وإنما يمكن إحالته إلى الوعي أو إلى السياق الثقافي الذي تربّى فيه. إن حداثة الرواد في شعر العرب لم تكن مفصولة عن ما يحدث في الشرق الأوسط من صراعات، سواء أكانت داخلية أم خارجية، وكانت استجابة روحية ورمزية لتلك الفئات الفاعلة في تلك الحقبة. وكانت الاقتراحات الشعرية متنوِّعة ومختلفة، وتتقاطع جميعها مع فعل الحداثة مهما كانت درجة الوعي والانحياز الاجتماعي، فهناك الليبرالية ممثلة في صاح عبدالصبور وأنسي الحاج، التي تمجِّد حرية الفرد في المجتمع مهما كانت أفعاله، وهناك القومية مُمثلَة في حجازي، خليل حاوي، والفيتوري، والتي تسعى إلى خلق وعي جمعي يدعو إلى التحرُّر من الاستعمار، أما النموذج الماركسي الذي اعتمد الرؤيةالقائمة على الصراع الطبقي في الداخل ورفض الرأسمالية العالمية في الخارج فقد كان ممثله سعدي يوسف. ولقد تميّز الفيتوري دون غيره من شعراء العرب بالانحياز إلى قارة إفريقيا لا على المستوى السياسي فقط وإنما بما تملكه من ثقافة شديدة الخصوصية، سواء أكانت مادية أم رمزية، فقد كشف ما تعرضت له إفريقيا من اضطهاد واستبداد من
قبل قوى الاستعمار القديم، فقد تم نهب ثرواتها وتدمير وعيها الفطري وإثارة النزعات العرقية والطائفية بين شعوبها، كما تمت السيطرة عليها سياسياً وعسكرياً حتى خلقوا لدى شعوبها قابلية للاستعمار. وكان الفيتوري من أوائل شعراء إفريقيا المناهضين للنموذج الكولونيالي، إذ تماهى وتقاطع مع الوعي الجمعي لهذه القارة وكشف عن جذور التمرُّد والعصيان فيه، كما كشف عن أساليب الوحشية التي يمارسها الغرب تجاه أبناء هذه القارة من استعباد رغم طوباوية الخطاب الذي يروجون له. لقد بعث الفيتوري أساطير إفريقيا وقوتها الروحية التي تمثل المقاومة الحقيقية تجاه هذا التوحش، وأظهر أن أبناء القارة السوداء يمتلكون رؤية أكثر إنسانية تجاه العالم، فهم مازالوا يعيشون على الحضارات القديمة وهي حضارات أقل توحشاً وأقل عنصرية مما يحدث في العالم الغربي. ويقول:

 

إن نكن سرنا على الشوك سنينا
ولقينا من أذاه ما لقينا
إن نكن بتنا عراة جائعينا
أو نكن عشنا حفاة بائسينا.
هذه رؤيته على المستوى المعيش واليومي لأبناء القارة،

إلا أنه يدفعهم
دفعاً إلى المقاومة والعصيان.
فلقد ثرنا على أنفسنا ومحونا
وصمة الذلة فينا
الملايين أفاقت من كراها ما تراها
خرجت تبحث عن تاريخها
بعد أن تاهت على الأرض وتاها
فانظر الإصرار في أعينها وصباح
البعث
يجتاح الجباها.

أما على المستوى الرمزي فقد واكب الفيتوري شعرية الزنوجة، إذ يقول:

أنا زنجي
قلها لا تجبن
قلها في وجه البشرية
أنا زنجي
وأبي زنجي الجد
وأمي زنجية
أنا أسود
أسود لكني حرٌ امتلك الحرية.

فهذا التطهُّر قد تحوَّل لدى الشاعر إلى أيقونة غامضة وفريدة:

« ربما لم تزل تلكم الأرض تسكن صورتها الفلكية لكن شيئاً على سطحها قد تكسر.

ربما بستان صيفك أبيض في العواصف لكن برق العواصف خلف سياجك أحمر.

ربما كان طقسك ناراً مجوسية في شتاء النعاس الذي لا يفسر.

ربما كنت أصغر مما رأت فيك النبووءات أو كنت أكبر. »

و لقد استخدم الشاعر لأداء هذه التجربة عدة تقنيات منها:

  • الإقرار أو الاعتراف بما فيها من لغة حميمية ومحاولة خلق علاقة مع
    الآخر مثل قصيدة « أصبح الصبح » :

أصبح الصبح وها نحن مع النور التقينا
التقى جيل البطولات بجيل التضحيات
التقى كل شهيد بشهيد
لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات.

  • القصيدة كأنها خطاب موجه إلى الآخر، وهذا يستدعي لغة حادة وعنيفة وواضحة في الآن ذاته، كما يكثر فيها استخدام أدوات النداء والحوار، وأن تكون الدلالة مشتركة بين الشاعر والمتلقي مثل:

يا أخي في الشرق في كل سكن

يا أخي في الأرض في كل وطن
أنا أدعوك فهل تعرفني؟

ولم يقتصر دور الفيتوري على تحرير الوعي الكلي لإفريقيا بل امتد للوعي العربي، فقد انحاز مبكراً للثورات ذات الطابع القومي التي كانت تدعو إلى العدالة الاجتماعية، وقد استطاعت أن تدفع الطبقة المتوسطة إلى إدارة شؤون الباد مما خلق نوعاً جديداً من الوعي وممارسات مادية جديدة كانت كلها تسعى إلى تحقيق حداثة ما تتقاطع من اللحظة الراهنة، فهو يقول:

تبقى أمة عربية رفعت مصاحفها على راحتها وتدفقت
موجاً من الأمجاد
تبقى رغم ما حشد الصليبي المعربد تحت رايته
وما استقوى به الموتور والمأجور والجلاد
تبقى الأرض والأوتاد
تبقى فرحة الميلاد.

ومن الإشكاليات التي تسيطر على الخيال والذهن العربيين مشكلة فلسطين، فهي التي تخلق الوحي الشقي، وهي التي تدفع المبدعين إلى اكتشاف أشكال جديدة لأداء:

دوي نفير الثأر يا جراح عشرين سنة
نجمة إسرائيل فوق المئذنة
فمن إذن يا وطني
ينهض إلى الصلاة
بينما حوافر اليهود تدوس سقف المسجد الأقصى
وخوذات الجنود تطال المطران العابد والشماس.

إن أسطورة فلسطين هي أسطورة الذات المجروحة التي تمارس فعلها باستمرار، ولم يستطع الفيتوري في كل تجربته أن يغفلها ولو لحظة حتى في طورها الأخير، ففي قصيدة طفل الحجارة، يكتب:

ليس طفلاً ذلك القادم في أزمنة الموتى إلهي الإشارة
ليس طفلاً وحجارة
ليس بوقاً من نحاس ورماد
ليس طوقاً حول أعناق الطواويس محلى بالسواد
إنه طقس حضارة.

 

إن فعل المقاومة هنا ليس عبثاً، إنه قانون الحضارة التي تعلي من قيمة الحرية والعدالة (إنه العدل الذي يكبر في صمت الجرائم)، ثم يذكر أسباب الكارثة:

إنها الأرض التي لم تخن الأرض
وخانتها الطرابيش
وخانتها العمائم
إنه الحق لم يخن الحق
وخانته الحكومات
وخانته المحاكم

ثم يمارس نقداً عنيفاً للاستبداد العربي الذي صاحب تلك الثورات:

قد مرّ طاغية من هنا ذات ليل
أتى فوق دبابة
وتسلّق مجداً
وحاصر شعباً
غاص في جسمه
ثم هام بعيداً
ونصب من نفسه للفجيعة رباً

ثم يصل الشاعر إلى الذات العربية في طور اكتمالها من خال أحد رموزها الفاعلين وهو المتنبي وإن اعتمد في رؤيته على ما هو تاريخي وعلى الصوفية في العلاقات فظهرت الذات وكأنها قادرة على خلق الممالك والأساطير:

كانوا ملوكاً على أرض ممزقة يجوع على ثراها النبت
والبشر
كانوا ملوكاً مماليكا وأعظمهم تحت السماوات
من في ظلك استتروا
ورحت تنفخ فيهم منك ترفعهم فيسقط البعض أو تبني
فينكسر،
أردت تخلق أبطالاً تعيد بهم عصر النبوة والرؤيا فما
قدروا.

إن الفيتوري أحد رواد شعر الحداثة بما قدَّم من تجربة متميزة ولها خصائص فريدة من أهمها اللغة الحيّة والخيال القريب الذي لم ينفصل عن الواقع، ونستطيع أن نسميه بوضوح شاعر الثورات المغدورة.

تم إفراغ هذا المقال من العدد الخاص بالشاعر محمد الفيتوري في مجلة الدوحة الثقافية الـ 84.

Advertisements

فوكو والغليون .. أو طلاق للضرر بين الكلمات والأشياء

 

 

عنوان مثير للوحة ترسم غليونا، لكنّها لا ترسم الغليون تماما أوهي لا تقصده بالرسم ولا بالاسم.. لوحة لا يهمّها ان كان هذا الغليون هو الغليون- الأصل أم الغليون -النسخة، وان كانت هذه اللوحة طيفا لغليون آخر أو شبحه أو ظلّه أو انعكاسه أو دخانه.. غليون ماغريت تحت وقع كلمات فوكو هو غليون ينتحر فيه نرسيس ثانية على صدر اللوحة و تنتهي معه كل معارك المرآة.. هنا تقع خيانة الصورة لعنوانها في مكان تتمنّع فيه اللغة عن أشيائها.. ويقرع السؤال باب اللغة بوجه سافر : لماذا يرسم الرسّام غليونا و يسمّيه بضدّ اسمه؟ قصّة أخرى “لطلاق ضرر” بين الكلمات و الأشياء وبين الرسم و الاسم حينما يسقط فجأة كل ضامن أنطولوجي و معرفي بين العلامات اللسانية والتقنيات التشكيلية. .رسوم تخرج عن أسمائها خلسة لأنّ اللغة لم تعد في رحاب اللوحة سقفا لأحد. .


ماغريت رسّام فرنسي سرّيالي الأسلوب (1898 -1967)لا يعني الرسم عنده تمثيلا لشيء واقعي، انّه يرسم دوما رسومات “تثير العجب”و تبعثر الفواصل بين العلامات اللغوية واللغة التشكيلية. و قد اهتمّ الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشال فوكو بلوحة الغليون التي اعتبرها لوحة- حدثا لأنّها وقّعت نهاية براديغم التمثيل منكّلة بالعلاقات التقليدية بين النسخة و الأصل و الكلمات والأشياء والرسم وموضوعاته. هنا تغرينا لوحة الغليون بالتجوال في حقل من العلاقات المثيرة بين الحضور والغياب : من حضور اللوحة وغياب الرسّام الى حضور المتفرّج و غياب المعاني الى حضور العنوان وغياب المؤوّل. . الى حضور الرسم وغياب الاسم. . يصير السؤال حينئذ الى الأمر التالي : ما العلاقة بين النصّ الذي نكتبه و الصورة التي نكتب عنها، بين الرسوم و الكلمات و بين العناصر التشكيلية العلامات اللسانية وهل تدعونا هذه اللوحة التي تقف شاهرة صمتها في و جوه المتطفلين، في منطقة التخوم ما بين الحضور والغياب، الى كتابة صمتها ؟ كيف نكتب ذاك الصمت ؟بأي لون وبأي حبر ؟ بالحبر الأسود الذي هو لحم اللوحة و دمها ؟أم بألوان الطيف غير المرئية التي يدخّنها الغليون و ينفث غازاتها على عيون المتفرّجين الآتين الى اللوحات بلا سبب واضح غير التطفّل الأخرس و ضجيج المؤوّلين؟
و أيّ ارتباك أراد ماغريت أن يدخله على فضاء اللوحة و على كينونة الرسم ؟ يبدو أنّ في الحكاية -حسب قراءة فوكو-انهزاما لكاليغرام الرسم و انهيارا للمرسم نفسه. .ثمّة طلاق منذ البداية بين اللوحة و عنوانها. .بين اللوحة و اللوحة نفسها. .على صدر هذه اللوحة و في ضباب دخان الغليون يزعزع الفيلسوف فوكو نسق براديغم التمثّل برمّته، فيشوّش على اللوحة تناسقها مع ما ترسمه و مع ما تسمّيه و مع من يرسمها أومن يتفرّج عليها. .
و النتيجة : انهيار للمرسم و للاطار. .سقوط فظيع لبراديغم التمثيل. .لوح مكسّر. .شظايا من الأشكال و الحروف المنفصلة. .كل الركح سقط أرضا. .في حين تبقى اللوحة التي تقيم في الأعلى، ذاك الغليون الكبير بلا قيس و لا حدّ و لا احداثية. .يظلّ غليونا صامدا في سكونه غير القابل للمس..



و رغم كل هذه المسرحة للوحة و انهيارها يظلّ رسم ماغريت حسب فوكو “رسما بسيطا. .لا شيء غير غليون و نصّ يسمّيه. .كلّنا يعلم اسم الغليون. .لغتنا تعلم جيّدا اسم الغليون”. لكنّ وجه الغرابة في هذه اللوحة هو هذا “التناقض بين الصورة و الرسم”. و المشكلة التي تولد للتوّ هي اذن : “هل نحن مضطرّون دوما الى الربط بين الأشياء و أسماءها ؟” لقد صمّم ماغريت كاليغرام الرسم ثمّ هزمه بعناية فائقة. .لقد رسم ماغريت غليونا و قال “هذا ليس غليونا”، انّه بذلك يهزم أكثر تناقضات حضارتنا الأبجدية قدما : العلاقة بين النصّ و الصورة و بين الكلمات و الأشياء. .لقد هزم الدور الأبدي الذي أوكلتها الحضارة الانسانية للكلمات : أن تسمّي، أن تبيّن، أن تشكّل، أن تقول، أن تعيد انتاج المعنى، أن تبلّغ، أن تحاكي، أن تدلّل، أن تنظّر، أن تقرأ، أن تؤوّل… كلّ هذه الأدوار للكلمات قد انهزمت دفعة واحدة في لوحة ماغريت التي ترسم غليونا و تسمّيه بنفيه..“هذا ليس غليونا”..لقد زعزع ماغريت بذلك العلاقات التقليدية بين الصورة و الكلمة و حرّر الكلمة من الصورة و شوّش صفاء العلاقة الكلاسيكية بين الكلمات و الأشياء. هنا يدفع بنا ماغريت الى مضيق يصعب اختراقه حيث يبدو أنّنا انّما نعطي اسما للوحة من أجل استبعاد التسمية نفسها. .فالاسم ليس مقصودا لذاته. .ثمّة مغالطة و مناورة تعدّها لعبة التسمية في كل مرّة لكلّ من ينتظر من الاسم أن ينقذه من امتناع اللوحة عن الكلام. .و كأنّما يد مجهولة تأتي في كل مرّة كي تلقي بعنوان ما تحت صمت اللوحة. .و بذلك يغدو عنوان “هذا ليس غليونا” مكر من اللغة دُبّر خصّيصا من أجل الزجّ بنا نحو فضاء غامض من العلاقات الغريبة و الاجتياحات المفاجئة و المدمّرة معا. .رسوم تسّاقط في باحة الألفاظ اللعوب و كلمات متكبّرة تخترق اللوحات و تندسّ بينها و بين ألوانها و أشكالها فتتناثر الرسم شظايا ثائرة متمردة خارجة عن طور الصمت و عن طور اللون و عن طور الشكل..و يتحول الرسم الى فضاء تائه متعب من ثقل الأسماء و من تطفّل النقّاد و من كسل المتذوقين و من اعتباطية المعاني.



يتعلّق الأمر اذن باعتباطية عنوان اللوحة الى حدّ يهرب فيه الموضوع و تذهل اللوحة عمّ رسمت كاشفة بذلك عن هشاشة و رهافة الغطاء الرقيق الذي يلفّها. .ثمّة اذن ضرب من هشاشة الرسم و من قابليته للضرر من فرط العناوين التي تسكنها الرغبة في الاستحواذ على الرسم و اختزاله في العلامة اللسانية. .لكن الرسوم تثور على سلطة الكلمات و على استبدادها.

المصدر : http://alawan.org/article13232.html