في التعذيب

 

/home/wpcom/public_html/wp-content/blogs.dir/d60/34214073/files/2015/01/img_5679.jpg

 

نشرت وكالة المخابرات الأمريكية «سي آي إيه» الشهر الماضي تقريرًا ذكرت فيه تفاصيل التعذيب أو كما تسميه «أدوات الاستجواب والتحقيق المحسنة»  الذي مارسته على المعتقلين بعد أحداث 11 سبتمبر من عام 2001. لست أكتب هنا بصدد شجب الأفعال هذه أو للحديث عن منظومة القيم الأمريكية التي ينظّر لها الإعلام الأمريكي اليميني بشكل دفاعي يعترف فيه بشرعية ووجود هذه القيم ويبرر لمثل هذه الأفعال، أو الإعلام الليبرالي الذي ينكر هذه الأفعال لأنه يؤمن بوجود منظومة القيم هذه، ولكنه يقول إن مثل هذه الأفعال تنافيها. ففي الواقع كلاهما يؤمنان بوجود هذه الخرافة، ولكن هناك فريق يدافع عنها بشكل مباشر وآخر يدافع عنها بشكل غير مباشر.

إن وجود مثل منظومات القيم الأخلاقية هذه للدول الحديثة، هو في الواقع ينافي طرق عملها الحقيقية فيما يتعلق بمثل هذه الأمور، فإن تطور مفهوم التعذيب والقسوة بشكل عام خاصة في الدول الحديثة وإختلاف أسلوبها في التعذيب عن الإمبراطويات وأشكال الدولة الما قبل حديثة هو مسألة مهمة لفهم كيف حدث هذا التعذيب من قِبل المخابرات الأمريكية وكيف بررت الدولة لنفسها ذلك وماهي الطرق التي استطاعت من خلالها نفي المسؤولية الأخلاقية عنها، ولماذا هذا الصمت من قِبل المجتمع الأمريكي، ولماذا تحدث أفعال كهذه في دول ديمقراطية رغم أن التعذيب هو من عادة الدول ذات الأنظمة الشمولية؟

إن مفاهيم التعذيب هي مفاهيم استثناء أو إقصاء بالمقام الأول، حيث التعذيب يتم تحت غطاء إقصاء الشخص الذي يتم تعذيبه من مجتمعه السياسي وبالتالي من إنسانيته ليصبح إنسانًا ذا إنسانية عارية (Bare life) وسأتحدث لاحقًا عن هذا المفهوم. بإمكاننا القول بأن التعذيب هو استخدام السلطة سلاح الإقصاء من خلال سلطتها على المجتمع الذي بدوره عبر تأثير سلطة الدولة عليه سيتقبل تنحية هذا الشخص من دائرته المجتمعية والتي تعطيه شرعية الحياة في الواقع.

فكما يذكر أغامبين أن مواطني الدولة الحديثة لا يملكون حقوقًا في الأصل وإنما هي معطاة لهم وإنما لم يُجرّدوا منها حتى الآن، وإذا ماجُرّد شخص من حقوقه السياسية فيُعتبر شخصًا مهدور الإنسانية أو الأهلية اللازمة للعيش كفرد كامل الحقوق في المجتمع إذا صح التعبير.

قبل أن نخوض في ذلك كله يجب الإشارة إلى تحولات تاريخية في مفاهيم القسوة والوحشية والتعذيب، والتأكيد على أن التعذيب كمفهوم ليس بالمصطلح الجامد على الأقل تاريخيًا. فتجدر الإشارة إلى أطروحة طلال أسد أستاذ الأنثروبولوجيا المعروف عن مفاهيم القسوة في المجتمعات الغربية الحديثة التي قدمها في ورقة مُضمّنة في كتاب “المعاناة الاجتماعية” بمشاركة كتاب آخرين.

فيشير طلال أسد أن هناك 4 نقاط تحدد محاور النقاش في مفاهيم التعذيب الحديثة، وتعمل هذه المحاور أيضًا كمقياس للمعايير الأخلاقية في الحضارة الغربية والتي هي غير قابلة للقياس عادةً.

أولًا: أن التاريخ المعاصر للتعذيب ليس نتيجة تطور تاريخي للقسوة واللاإنسانية والحط من قدر الإنسان وكرامته فقط، بل هو جزء من تاريخ معقد من العلمنة الحديثة لمعاني متعددة مثل معنى الإنسانية.

ثانيًا: أن الألفاظ الواردة في قوانين حقوق الإنسان والمنهي عن انتهاكها مثل التعذيب والقسوة واللاإنسانية صحيحٌ أنها تبدو اليوم كألفاظ عابرة ومشتركة بين الثقافات وتعمل كمعيار للأحكام الأخلاقية، ولكنها في نفس الوقت تشتق طبيعتها العملية من ثقافتها المحلية فقط لا العالمية.

النقطة الثالثة التي يطرحها أسد، هي كيفية تصور مفهوم المعاناة والذي يتضمن مفهوم المعاناة العقلية والأفعال التي تحط من إنسانية الآخر، والتي تنطبق على الكائنات الأخرى غير الإنسان. أخيرًا، يتطرق طلال أسد للنقطة الأهم ألا وهي أنّ التفاني في عصرنا الحديث لإنهاء معاناة الإنسان غالبًا ما يتعارض مع التزامات وقيم أخرى مثل: حقوق الأفراد وحرية اختيارهم وأيضًا واجب الدولة في الدفاع والمحافظة على مصالحها.

الهوموساكر والحياة خارج الحياة

إن مفهوم الهوموساكر -وهو مصطلح لاتيني- أو الـ(Homo Sacer) الذي ارتكز عليه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين في كتابه المهم “الهوموساكر: السيادة والحياة العارية” هو نقطة انطلاق جيدة لفهم حالة استثناء الشخص المُعذَّب من صفاته البشرية ومميزاتها أثناء خضوعه للتعذيب.

وجدير بالذكر أن مصطلح الهوموساكر لم يترجم للعربية بعد وهو مصطلح مركب؛ ولذلك آثرت أن أتركه كما هو وأحاول أن أشرحه لكوني غير مختص بالترجمة ولا أريد أن يساء فهم ترجمتي بشكل غير ما يقصده أغامبين. فأغامبين يطرح هذا المصطلح ليوضح كيف تنتقل الدول الديمقراطية إلى شمولية، وكيف أن هذه المعاملة ” الحيوانية ” ووسائل التعذيب الحديثة للبشر كما يسميها ليست طبيعة بشرية بل مُحدثة، فما هي إلا نتيجة لسيادة المجتمعات الحديثة الأكثر تطورًا وتعقيدًا.

ولنفهم نظرية أغامبين بشكل مقتضب عن الهوموساكر يجب أن نعود للإغريق، الذين لم يكن لديهم مصطلح وحيد يعبر عن الحياة؛ فالفلاسفة، مثل أفلاطون وأرسطو، كانوا يقسمون أنواع الحياة بناء على معايير معينة بسبب غياب هذا المصطلح الوحيد الكافي للتعبير.

فقد كان الإغريق يستخدمون مصطلحين للتعبير عن ذلك، هما: زوي (zoe) وبايوس (bios) حيث تعبر كلمة زوي (zoe) عن الحقيقة البسيطة لحياة كل الكائنات الحية مثل الإنسان و الحيوانات أو ما يسميه أغامبين الحياة العارية  Bare life، أو بإمكاننا النظر للمصطلح بأنه يعني الحياة غير المسيّسة، فالطفل مثلًا ينتمي إلى مفهوم زوي لأنه ليس كائنًا مسيّسًا. أما بايوس (bios) فتعني الحياة السياسية أو الحياة الاجتماعية الشرعية بالنسبة للفرد أو للجماعة. بالعودة لمفهوم الهوموساكر، الهوموساكر في القانون الروماني هو الشخص الذي يرتكب جُرمًا معينًا فيتم عقابه عن طريق إخراجه من دائرة البايوس إلى دائرة زوي عنوة، وتحويل هذا الإنسان لكائن مساوٍ للحياة الحيوانية العارية الغير سياسية، ليصبح قتل هذا الشخص مثلًا أو ارتكاب أي جرم بحقه لا ينطوي عليه عقوبة أو تجريم، أو بصياغة أخرى يمكن قتله بحَصَانة.

و يجدر التنبيه بأن الهوموساكر هو ليس زوي بالضرورة، ولكن الهوموساكر هو كل من يتم إنزاله من البايوس إلى زوي بالقوة. هذا الإخراج من دائرة الإنساني السياسي للحياة العارية هو ما تسميه حنة أرنت توحيش الإنسان (beastialization of man)، وهو نقل الإنسان من دائرة الإنسان الشرعي إلى الزوي المقدس؛ والتقديس هنا بمعنى الانتماء لغير الإنساني أو الانتماء لدائرة خارج المجتمع وليس بالضرورة المقدس المتعالي الديني فقط. إن عملية الإقصاء -على حسب تعبير أغامبين- هذه  تقابلها في مفاهيمنا الحديثة للمجتمع وعلاقته بالدولة بأنه إخراج للفرد من دائرة حقوق المواطنة إلى اللامواطنة حينها يصبح الشخص عاري الحياة وعديم الحقوق أو كما تضعها حنة أرنت بطريقة مباشرة: “لا حقوق للإنسان خارج المواطنة”، فإذا ما تم انتهاك حقوق هذا الشخص المجرد من مواطنته تصبح عملية معاملته بهذه الطريقة أمرًا ذا صبغة شرعية.

مثال جيد على نظرية الهوموساكر هو أنه في إحدى المناظرات على القناة الإخبارية الأمريكية NBC حول تعذيب معتقلين جوانتنامو، كانت إحدى الحجج تدور حول ثنائية الأخلاقي والقانوني (ethico-legal)، فطبقًا لهذا المنطق قال أحد المناظرين بأن معتقلي جوانتنامو هم أساسًا من نجوا من القصف. وبما إنهم كانوا مستهدفين من قبل القصف “الشرعي” الأمريكي فلن يهتم أحد لما يحدث لهم بعد ذلك؛ فهم طبقًا لهذه الحجة هم بين موتين، أموات بنظر المجتمع وأحياء بيولوجيا.

مفارقة السيادة والبيوسياسة

ما يجعل نظرية أغامبين مهمة في أيامنا الحاضرة هو تركيزه على مفهوم الهوموساكر ضمن نطاق الدولة الحديثة. والتي بالنسبة له لها قيمة تميزها عن أشكال الدول السابقة، ألا وهي كما يسميها مفارقة السيادة (paradox of sovereignty) والتي استلهم مفاهيمها من المفكر الألماني كارل شميت، والتي تقول بأن مفارقة السيادة هي أن يوجد السّيادي أو المتسيّد مثل الملك في الملكيات القديمة أو المجتمع في الدول الديمقراطية داخل و خارج الدائرة القانونية في نفس الوقت.

فالمتسيّد يستطيع أن يوقف عمل القانون إذا شاء، ليصبح هو شرعيًا خارج القانون وواضعًا لهذا القانون ومحددًا من يشمله ووقف عمل القانون عليه في الوقت ذاته. تعمل هذه المفارقة طبقًا لأغامبين في مجالات عدة في دولة الأمة الحديثة، من هذه المجالات مجال السياسة الحيوية أو البيوسياسة. فأغامبين يعتبر أن النظرة البيوسياسية للمواطنين بمعنى النظرة لهم كمكونات حيوية مجتمعة تشكل مفهوم الدولة، هي تنص على أن البشر ذوي حياة عارية بالمفهوم السابق الذي أشرت إليه أُضيف لهم حقوق سياسية فقط لا غير، لتصبح هوية الدولة (المتسيّدة) فعليًا هي مجموع تلك الحياة العارية لمواطنيها تعطيهم حقوقًا إن أرادت و تنزعها عنهم إن أرادت، والذين هم ذاتهم متسيدون بشكل جمعي! ويستطيع هذا المجتمع المتسيّد أن يوقف القانون أو الحقوق القانونية لشخصٍ ما من خلال نزع الحقوق السياسية عنه ليجعل منه هوموساكر بالإمكان اضطهاده أو قتله بدون تجريم قانوني. وهذا ربما إجابة لسؤال لماذا لا يُستفز المجتمع حين تمارس حكومته التعذيب على شخص ما، فتحت غطاء الأمن القومي أو الحرب على الإرهاب يصبح هذا المجتمع قابلًا لتحويل هذا “الإرهابي” إلى شخص عاري الحياة وبالتالي لا يكترث لتعذيبه أو ما يجري له من خروقات للقانون وحقوق للإنسان.

الديمقراطية والعنف والرأسمالية

من الخصائص الحديثة لمسألة التعذيب التي يجدر الإشارة لها، هي ظهور استراتيجيات اقتصادية بهذا الخصوص تعبر عن منظومات عمل رأسمالي. من هذه الظواهر ظاهرة التعهيد (outsourcing) أو استئجار الكفاءات أو القوى العاملة من طرف ثالث. فقد كشف التقرير الخاص بوكالة المخابرات الأمريكية عن استخدام شركات أمنية خاصة -مماثلة للتي استخدمتها أمريكا في حروبها في العراق مثل شركة بلاك ووتر- ساهمت في التعذيب أو ابتكرت وسائل جديدة لخدمة المخابرات الأمريكية في ممارسة التعذيب على سجنائها.

وكشف التقرير عن توجه جدي لتحويل التعذيب إلى تجارة لأسباب عديدة منها أسباب أخلاقية؛ فهذه الشركات أو الحكومات التي شاركت في التعذيب لخدمة المصالح الأمريكية هي التي تقوم بالأعمال “القذرة” للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي لا تحمل الولايات المتحدة مسؤولية أخلاقية مباشرة إذا ما قامت مثلًا دولة حليفة لها بتعذيب مواطن من هذه الدولة بناء على طلب الولايات المتحدة.

في نفس السياق بإمكاننا ربط مسألة العنف والرأسمالية بالدول الديمقراطية، فبعض مفكري اليسار ونقاد الرأسمالية يعتبرون أن أفعالًا مثل هذه تعبر عن ذوبان وانحلال متدرج للعلاقة بين الديمقراطية والرأسمالية.

فما وصلنا له من دولة رفاه وديمقراطية في الحاضر يخوض معركة بقاء في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية وأزمات الرأسمالية، والتي أثرت على القيم الديمقراطية خصوصًا في الدول الإمبريالية. التي لم تستطع احتواء الامتعاض المحلي والعالمي على عدم قدرة النظام الرأسمالي الحالي توفير حياة الرفاه إلا عن طريق العنف وتضييق الحريات والظهور بشكل الأنظمة الشمولية. ويأخذ مفكرو اليسار تطور رأسمالية الدولة في الصين ونمو القطاعات الخاصة فيها مثالًا على انتهاء هذه الثنائيات القديمة، مثل: ثنائية الرأسمالية والحريات البرجوازية وحقوق الإنسان بمفهومها البرجوازي الليبرالي، و هذا من أهم تمرحلات الأزمة العالمية الاقتصادية وصعود النوع الجديد من الرأسمالية أو ما يسمى بالرأسمالية ذات الخصائص الآسيوية، أو بلفظة أقصر الرأسمالية الأوتوقراطية.

نشر في صحيفة التقرير الإلكتروني : http://altagreer.com/%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b0%d9%8a%d8%a8

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s