السينما كفلسفة

Untitled (2)

عندما نشاهدُ فيلمًا عميقًا، فيلمٌ يثير لدينا أسئلة ذات أصولٍ فلسفية، فيلم يجعلنا نستشعر مقولة جان لوك غودار: “إن السينما هي أجمل خدعة على الإطلاق”، خاصةً تلك الأفلام التي أخرجها مُخرجون كبار في تاريخ السينما مثل تاركوفسكي، بيرغمان، فيسكونتي، أنجلوبولوس، قودار، باراجانوف وغيرهم من مخرجين كبار صنعوا أفلامًا ليست مشابهة لتلك الأفلام التجارية التي تستهدف المتعة اللحظية فقط وتنتهي هذه المتعة وتنتهي علاقة الفيلم بالمشاهد بانتهائه.

إن فلسفة السينما أحد الموضوعات التي أُهمل نصيبها من الترجمة والكتابة في العالم العربي. ربما لقلة المشتغلين بالفلسفة من العرب بالسينما أو ربما لاعتبار الاهتمام بهذه الأمور وبمجال الاستطيقا بشكل عام من مظاهر الترف، خاصة في منطقة تغلب عليها الأزمات السياسية والخلافات الدينية. بعكس الفلاسفة الغربيين الذين اهتموا بمجال السينما وحللّوها من عين الفيلسوف المفكِّك للمَشاهد وللأفكار المطروحة في الفيلم، فلاسفة مثل ثيودور أدورنو والفيلسوف الفرنسي جيل دولوز والذي يحتل مكانة خاصة في مجال الفلسفة السينمائية وإسهامات هنري بيرغسون، وجاك دريدا وآلان باديو وفلاسفة معاصرين مثل سلافوي جيجيك وجاك رانسيير وجورجيو أغامبين، أيضًا من نقاد ومنظرين سينما كبار مثل أندري بازين وكريستيان ميتز وجان ميتري وبازوليني وإيريك رومير.

نقطة بداية جيدة لهذا الموضوع المتشعب هي بتحرير مصطلحاته والوقوف عند الحاجة لهذه الفلسفة في حياتنا اليومية وتأثير السينما بشكل عام، ومن أجل معرفة حدود وأين تقف فلسفة السينما وإشكالات التأويل.

ما هي السينما؟ ما هي فلسفة السينما؟

يعتبر أندري بازين في عمله الرائع من جزئين بعنوان “السينما ما هي؟”، أن سؤال “ما هي السينما؟” سؤال أنطولوجي، بمعنى أنه فعليًا سؤالٌ عن كيفية قيام السينما بجمع أجزاء مختلفة وظيفيًا، وأدوات تعبيرية متفاوتة في قدرتها على التعبير، وأساليب وتقنيات مختلفة لإنتاج وحدة كاملة هي الفيلم.

فالأنطولوجيا تُعرف بأنها دراسة الوجود، لكن ككل الدراسات اختلف الفلاسفة تاريخيًا والمفكرون بينهم فيما تعني الإنطولوجيا بالنسبة لكل منهم. بالعودة إلى السينما، فبإمكاننا اعتبار السينما هذا الوسط الخلَاق الذي باستطاعته أن ينتج أشياءً مختلفة. هذا الوسط -أي السينما- الذي يعنيه فلاسفة السينما ومنظّروها عندما يتحدثون عن ما يحكُم ويحرّك وينتج خواص هذا الوجود في حديثهم عن الأنطولوجيا.

إن صناعة الفيلم بأنواعها قد أعادت تشكيل المعرفة من خلال ما تقدمه من طرق مختلفة في طرح وتقديم الأفكار وتغيير مسلّماتنا وإثارتنا بكل الأشكال الانفعالية، كل هذا من خلال المجال المفتوح لها للافتراض وإبداع المتغير وتحقيق هدف معين.

ومن خلال هذا المجال المفتوح من الأدوات، يقوم الفيلم بعرض آرائنا في الأشياء من حولنا والتشكيك فيها، بل حتى التشكيك والتفكير في طريقة تفكيرنا ذاتها كعملية خاصة بالإدراك. من خلال هذا النوع من الطرح، يصبح أيضًا سؤال “ما هي السينما؟” سؤالًا فينومونولجيًّا، حيث هذه الاستنتاجات السينمائية للوعي والوجود كائنة ومتلقاة عبر إدراكنا للتجربة والحركة السينمائية.

لذلك يعتبر بازين “أن السينما لم تُخترع بعد”، فما السينما إلا إنزال مفاهيمنا الإدراكية حول السينما لمستوى المشعور به، لكن هذه الوِحدة -الفيلم- لم تخترع بعد. وهذا شيء خاص بالسينما وحدها وبأنطولوجية صورها فقط. فالسينما كما يعتبرها جاك رانسيير “تعبر عن صورة علمانية للفن”؛ بمعنى أنها تفصل ما بينها وبين الفنون الأخرى وما يسميه بالنظام الاستطيقي (aesthetic regime) بخط واضح ولا تكتفي بالاختلاف عن الفنون الأخرى لمجرد الاختلاف بالأدوات، بل تختلف مع نفسها أيضًا لتمتلك هوية اختلافية قادرة على التعبير عن طرف ثالث على حد تعبيره في استحضار واضح لمفاهيم جدلية هيجلية. وسأكتفي بهذا التفكيك لبازين بدلًا من الإطالة في التعريفات الأكاديمية للسينما والتي قد لا تخدم موضوعنا.

أما ماهي فلسفة السينما؟ فهو سؤالٌ صعب أن يُختصر جوابه، ليس فقط لأنها امتداد من فلسفة الجمال المتشعبة والتي يطول الحديث عنها، بل لأنها تغيرت وتطورت بتطور آليات وتقنيات السينما بشكل أسرع وأكثر من أي مجالٍ فنيّ آخر. فمن السينما الصامتة أو السينما-الحركة كما سماها وخصها جيل دولوز بمؤلف مهم، إلى السينما الزمنية وتقنيات التقطيع والمونتاج أو ما أسماه دولوز الصورة-الزمن في مؤلفه الثاني.

فالفلسفة السينمائية تبدأ من الصورة الصوتية المتحركة، حيث تنتج هذه الحركة للصورة ما يسمى “صيغة سينمائية”   ( Cinematic form ) ، هذه الصيغ تعتبر شبيهة بقنوات الاتصال فهي طريقة تواصل وحامل للمعلومة والدلالات اللغوية، وليس فقط قادرة على إيصال الرسالة وقادرة على الكشف عن “كيانات” مادية واجتماعية، بل إنتاجها أيضًا وهذا من خصائص السينما فقط ربما.

كل هذا يُنتج ما أسماه دولوز بالصورة-الإحساس والصورة-الفعل التي بالرغم من قدرتها الكلامية من خلال النص السينمائي؛ إلا أنها لدى دولوز ليس لها لسان ولا لغة؛ بل هي كتلة تشكيلية ومادة غير دالة، ليحيلنا دولوز إلى مرحلة السيميوتيك (علم الإشارة العامة) الذي يعرّفه بأنه منظومة الصور والإشارات المستقلة عن اللغة. ليصبح الفيلسوف السينمائي ليس مجرد مشاهد سلبي، بل مشارك في هذه الشبكة من الدلالات والإشارات اللغوية من أجل تكريس وترسيخ المبدأ أو تحليل الإشكال الذي يناقشه الفيلم عبر هذه المادة الإعلامية المعقدة من صوت وصورة وحركة وإضاءة ونص وألوان، إلخ.

لذلك عن طريق ما توصلنا له مسبقًا نستطيع القول إن فلسفة السينما بشكلها التحليلي هي دراسة هذه الصيغ السينمائية ودلالاتها، أو بصيغة دولوز هي ممارسة جديدة للصور وللعلامات.

قدرة وحدود السينما على التعبير عن الفلسفة

تاريخيًّا، قلل العديد من المفكرين من قدرة السينما على التفلسف ويعترف بذلك كريستوفر فازلون أحد المدافعين عن السينما في هذا المجال في كتابه “الفلسفة تنتقل للأفلام” أنه: “منذ الحديث عن كهف أفلاطون، كان هناك تحامل على قدرة الصورة المرئية على التنوير الفلسفي”.

فعندما نتساءل عن إلى أي أحد بإمكان السينما التعبير عن الفلسفة؟ فمن وجهة نظري وهنا بالتأكيد لا أعمم قدرة الأفلام كلها على التعبير عن الفلسفة، فالكثير من الأفلام أفلام خفيفة تقصد نوعًا معينًا من المتعة أو أفلام تجارية لا تعبر عن محتوى يستحق الذكر. ربما يخطر مباشرة على بال أحدهم بأن مقدرة السينما على التعبير عن الفلسفة هي نفسها القدرة التعبيرية للفلسفة في الكتب والنصوص المقروءة، وهذا ليس صحيحًا.

فالسينما لا تعبر بفجاجة عن الفلسفة، وإنما تواجه الأسئلة الفلسفية بطريقتها الخاصة، وفعليًّا تلك هي الفلسفة: الاسم الجامع لجميع التساؤلات الإنسانية الأساسية. ففي كتابه الشهير “نقد العقل المحض”، أشار إيمانويل كانط إلى أن الفلسفة تحاول الإجابة على ثلاث تساؤلاتٍ رئيسة: ماذا باستطاعتي أن أعرف؟ وما يجدر عليّ فعله؟ وإلى ماذا آمُل؟ وهذه التساؤلات بداية جيدة لربط الفلسفة بالسينما.

فأفلام مثل أفلام تاركوفسكي التي تتساءل عن معاني الذاكرة والحلم والوطن والحنين إلى أفلام بيرغمان الأولى عن الأسئلة الوجودية عن اللاهوت والمغزى من الحياة إلى أفلامه المتأخرة عن العلاقات الإنسانية  والعاطفية… مثل هذه الأفلام، لا تمارس الفلسفة بشكل مباشر. فهي وسيلة تعبير عن الإشكال الأوليّ، فكما قال دولوز الذي انشغل بالسينما كوسيلة تحطيم لدوغمائية الفكر: “إنّ البحث عن وسائل جديدة للتعبير الفلسفي كان قد دُشّن من قبل نيتشه وينبغي اليوم أن تتمّ متابعته بالتجديد الذي شهدته بعض الفنون الأخرى مثل المسرح والسينما”.

سؤال آخر هنا: ما الفائدة من هذه الطريقة الجديدة في التعبير؟ هذا سؤال جيد لدى سلافوي جيجيك الذي لا يكتفي بالحاجة للتعبير عن الفلسفة، بل يبذهب للقول إن السينما تخبرنا عن الواقع في الحقيقة وتخبرنا كيف يعمل الإيمان بعُرف الواقع أو ما يسمّيه بـ “مفارقة الإيمان” ( paradox of belief)، فالواقع لدى جيجيك غير مكتمل وعدم الاكتمال هنا ليس بالمفهوم الكمّي، ولكن بالمعنى التحقّقي. فالواقع لن يتحقّق كليًا مهما يكن.

فيُصبح دور السينما وصف عدم الاكتمال هذا. فمثلًا، يتساءل جيجيك: لماذا ننبهر بالأفلام الخيالية -بغضّ النظر عن المؤثرات البصرية المُبهرة- رغم معرفتنا التامة بأن هذه المشاهد هي زيف وخرافة؟ هنا يصبح الحديث عن ما هو واقعيٌّ في الخيال وهو مكمّل للواقع غير المكتمل، وهنا قوة السينما الكبرى بالنسبة له، وكما يقول: “إننا نحتاج لفسحة من الخيال لنحدد بالضبط أين نحن في الواقع .”

عن التأويل السينمائي

إن القراءة للفيلم كطرح فلسفي هو تأويل له بطريقة معينة، فلماذا نقول إنّ أحد أفلام  هيتشكوك يساوي بين الجنون والعقل؟ ونذهب لتحليلات فرويدية لفهم الفيلم بينما قد يكون المعنى مختلفًا تمامًا؟ وهل هذا التفسير يغطي جميع جوانب الفيلم فعلًا أما أنه تأويل لجزء بنى عليه المتابع تأويله الخاص؟ هذا النوع من التأويل الاجتزائي الذي رفضته سوزان سونتاغ صاحبة العمل المعروف “ضد التأويل ومقالات أخرى”، والتي ترفض التأويل بشكله الاجتزائي الذي يأخذ جانبًا معينًا ويبني عليه تفسيرًا لمتحوى العمل الفني. لتحليل هذا الإشكال كتب ديفيد بوردويل كتابًا هو من أهم المؤلفات في هذا المجال بعنوان: “صنع المعنى”، فيطرح سؤالين أولهما: كيف لشخص أن يفهم ماذا يعني الفيلم؟ وإلامَ يشير أو يطرح أو يناقش؟ حيث هناك دائمًا أشياء نسبية بخصوص الفيلم أو في أجزاءٍ منه وهذا ما يسمى بالأسلوب التفسيري ( exegetical model )  ألا وهو التأويل لاستخلاص المعنى الشبيه بتأويل النص المكتوب.

والسؤال الثاني: هل هو هذا الأسلوب الصحيح في تأويل الأعمال السينمائية؟ الإشكال هنا هو في معاملة السينما كنص أو ما يسميه بوردويل “قراءة السينما”؛ وهو أن السينما لها بُعد مختلف وضيق مقارنة بالنص المكتوب، حيث للقارئ القدرة الأكبر في تحديد المعنى لكون فسحة وحيز الخيال أكبر عندما يحول الرمز والحرف المقروء لصورة في خياله، بينما في الصور التأويل يكون مختلفًا يكون أشبه بتأويل لغوي، وسؤال مثل هل اللون الأحمر الذي أراه هو ذات الأحمر الذي تراه؟ على الجانب الآخر هناك الخط الآخر للتأويل السينمائي الذي يعتمد على افتراض أساسي ألا وهو امتلاك معرفة مُسبقة لما تعنيه الدوافع النفسية لفعل ما أو لقول ما، وهذا التحليل الذي يعتمد على التحليل النفسي هو خط حديث في هذا المجال مقارنة بغيره. من أهم متبعي هذا الخط هو سلافوي جيجيك الذي يتخذ من المعاني اللاكانية -نسبة لجاك لاكان عالم النفس المعروف- أساسًا ننطلق منه للتأويل. فنحن نعرف ماذا يعني الواقع واللذة والخوف والأيدولوجيا، إلخ.

ختامًا، أحب أن أستذكر رأي تاركوفسكي في التجربة السينمائية من كتابه “النحت في الزمن”، الذي يقول فيه:

“لماذا يذهب الناس إلى السينما؟ ماذا يأخذهم إلى غرفة مظلمة لمدة ساعتين ليشاهدوا عرضًا لمجموعة ظلال على ستار؟ هل يبحثون عن الترفيه؟ هل هم بحاجة إلى مخدر من نوعٍ ما؟ هناك الكثير من المنظمات حول العالم تستغل السينما والتلفزيون وأشياء أخرى.

نقطة البداية بالنسبة لنا هي أن لا نكون من ضمن هؤلاء، بل أن نكون ضمن أساسيات السينما المهمة، والتي تُعنى بحاجة الإنسان لتطويع ومعرفة العالم. وأنا أعتقد شخصيًا، أن الشخص منا يذهب للسينما من أجل الوقت: الوقت الذي ضاع منه أو قضاه وانتهى أو الوقت الذي حتى الآن لم يحصل عليه. فيذهب إلى السينما ليعيش تجربة، فالسينما تختلف عن بقية الفنون بأنها تحسّن وتوسّع وتكثّف التجربة الشخصية للإنسان، ولا تكتفي بتحسينها فقط، بل تطيل من مدتها وهذه قوة السينما”.

نشر في: صحيفة التقرير الإلكترونية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s