شهر: ديسمبر 2014

في التعذيب

 

/home/wpcom/public_html/wp-content/blogs.dir/d60/34214073/files/2015/01/img_5679.jpg

 

نشرت وكالة المخابرات الأمريكية «سي آي إيه» الشهر الماضي تقريرًا ذكرت فيه تفاصيل التعذيب أو كما تسميه «أدوات الاستجواب والتحقيق المحسنة»  الذي مارسته على المعتقلين بعد أحداث 11 سبتمبر من عام 2001. لست أكتب هنا بصدد شجب الأفعال هذه أو للحديث عن منظومة القيم الأمريكية التي ينظّر لها الإعلام الأمريكي اليميني بشكل دفاعي يعترف فيه بشرعية ووجود هذه القيم ويبرر لمثل هذه الأفعال، أو الإعلام الليبرالي الذي ينكر هذه الأفعال لأنه يؤمن بوجود منظومة القيم هذه، ولكنه يقول إن مثل هذه الأفعال تنافيها. ففي الواقع كلاهما يؤمنان بوجود هذه الخرافة، ولكن هناك فريق يدافع عنها بشكل مباشر وآخر يدافع عنها بشكل غير مباشر.

إن وجود مثل منظومات القيم الأخلاقية هذه للدول الحديثة، هو في الواقع ينافي طرق عملها الحقيقية فيما يتعلق بمثل هذه الأمور، فإن تطور مفهوم التعذيب والقسوة بشكل عام خاصة في الدول الحديثة وإختلاف أسلوبها في التعذيب عن الإمبراطويات وأشكال الدولة الما قبل حديثة هو مسألة مهمة لفهم كيف حدث هذا التعذيب من قِبل المخابرات الأمريكية وكيف بررت الدولة لنفسها ذلك وماهي الطرق التي استطاعت من خلالها نفي المسؤولية الأخلاقية عنها، ولماذا هذا الصمت من قِبل المجتمع الأمريكي، ولماذا تحدث أفعال كهذه في دول ديمقراطية رغم أن التعذيب هو من عادة الدول ذات الأنظمة الشمولية؟

إن مفاهيم التعذيب هي مفاهيم استثناء أو إقصاء بالمقام الأول، حيث التعذيب يتم تحت غطاء إقصاء الشخص الذي يتم تعذيبه من مجتمعه السياسي وبالتالي من إنسانيته ليصبح إنسانًا ذا إنسانية عارية (Bare life) وسأتحدث لاحقًا عن هذا المفهوم. بإمكاننا القول بأن التعذيب هو استخدام السلطة سلاح الإقصاء من خلال سلطتها على المجتمع الذي بدوره عبر تأثير سلطة الدولة عليه سيتقبل تنحية هذا الشخص من دائرته المجتمعية والتي تعطيه شرعية الحياة في الواقع.

فكما يذكر أغامبين أن مواطني الدولة الحديثة لا يملكون حقوقًا في الأصل وإنما هي معطاة لهم وإنما لم يُجرّدوا منها حتى الآن، وإذا ماجُرّد شخص من حقوقه السياسية فيُعتبر شخصًا مهدور الإنسانية أو الأهلية اللازمة للعيش كفرد كامل الحقوق في المجتمع إذا صح التعبير.

قبل أن نخوض في ذلك كله يجب الإشارة إلى تحولات تاريخية في مفاهيم القسوة والوحشية والتعذيب، والتأكيد على أن التعذيب كمفهوم ليس بالمصطلح الجامد على الأقل تاريخيًا. فتجدر الإشارة إلى أطروحة طلال أسد أستاذ الأنثروبولوجيا المعروف عن مفاهيم القسوة في المجتمعات الغربية الحديثة التي قدمها في ورقة مُضمّنة في كتاب “المعاناة الاجتماعية” بمشاركة كتاب آخرين.

فيشير طلال أسد أن هناك 4 نقاط تحدد محاور النقاش في مفاهيم التعذيب الحديثة، وتعمل هذه المحاور أيضًا كمقياس للمعايير الأخلاقية في الحضارة الغربية والتي هي غير قابلة للقياس عادةً.

أولًا: أن التاريخ المعاصر للتعذيب ليس نتيجة تطور تاريخي للقسوة واللاإنسانية والحط من قدر الإنسان وكرامته فقط، بل هو جزء من تاريخ معقد من العلمنة الحديثة لمعاني متعددة مثل معنى الإنسانية.

ثانيًا: أن الألفاظ الواردة في قوانين حقوق الإنسان والمنهي عن انتهاكها مثل التعذيب والقسوة واللاإنسانية صحيحٌ أنها تبدو اليوم كألفاظ عابرة ومشتركة بين الثقافات وتعمل كمعيار للأحكام الأخلاقية، ولكنها في نفس الوقت تشتق طبيعتها العملية من ثقافتها المحلية فقط لا العالمية.

النقطة الثالثة التي يطرحها أسد، هي كيفية تصور مفهوم المعاناة والذي يتضمن مفهوم المعاناة العقلية والأفعال التي تحط من إنسانية الآخر، والتي تنطبق على الكائنات الأخرى غير الإنسان. أخيرًا، يتطرق طلال أسد للنقطة الأهم ألا وهي أنّ التفاني في عصرنا الحديث لإنهاء معاناة الإنسان غالبًا ما يتعارض مع التزامات وقيم أخرى مثل: حقوق الأفراد وحرية اختيارهم وأيضًا واجب الدولة في الدفاع والمحافظة على مصالحها.

الهوموساكر والحياة خارج الحياة

إن مفهوم الهوموساكر -وهو مصطلح لاتيني- أو الـ(Homo Sacer) الذي ارتكز عليه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين في كتابه المهم “الهوموساكر: السيادة والحياة العارية” هو نقطة انطلاق جيدة لفهم حالة استثناء الشخص المُعذَّب من صفاته البشرية ومميزاتها أثناء خضوعه للتعذيب.

وجدير بالذكر أن مصطلح الهوموساكر لم يترجم للعربية بعد وهو مصطلح مركب؛ ولذلك آثرت أن أتركه كما هو وأحاول أن أشرحه لكوني غير مختص بالترجمة ولا أريد أن يساء فهم ترجمتي بشكل غير ما يقصده أغامبين. فأغامبين يطرح هذا المصطلح ليوضح كيف تنتقل الدول الديمقراطية إلى شمولية، وكيف أن هذه المعاملة ” الحيوانية ” ووسائل التعذيب الحديثة للبشر كما يسميها ليست طبيعة بشرية بل مُحدثة، فما هي إلا نتيجة لسيادة المجتمعات الحديثة الأكثر تطورًا وتعقيدًا.

ولنفهم نظرية أغامبين بشكل مقتضب عن الهوموساكر يجب أن نعود للإغريق، الذين لم يكن لديهم مصطلح وحيد يعبر عن الحياة؛ فالفلاسفة، مثل أفلاطون وأرسطو، كانوا يقسمون أنواع الحياة بناء على معايير معينة بسبب غياب هذا المصطلح الوحيد الكافي للتعبير.

فقد كان الإغريق يستخدمون مصطلحين للتعبير عن ذلك، هما: زوي (zoe) وبايوس (bios) حيث تعبر كلمة زوي (zoe) عن الحقيقة البسيطة لحياة كل الكائنات الحية مثل الإنسان و الحيوانات أو ما يسميه أغامبين الحياة العارية  Bare life، أو بإمكاننا النظر للمصطلح بأنه يعني الحياة غير المسيّسة، فالطفل مثلًا ينتمي إلى مفهوم زوي لأنه ليس كائنًا مسيّسًا. أما بايوس (bios) فتعني الحياة السياسية أو الحياة الاجتماعية الشرعية بالنسبة للفرد أو للجماعة. بالعودة لمفهوم الهوموساكر، الهوموساكر في القانون الروماني هو الشخص الذي يرتكب جُرمًا معينًا فيتم عقابه عن طريق إخراجه من دائرة البايوس إلى دائرة زوي عنوة، وتحويل هذا الإنسان لكائن مساوٍ للحياة الحيوانية العارية الغير سياسية، ليصبح قتل هذا الشخص مثلًا أو ارتكاب أي جرم بحقه لا ينطوي عليه عقوبة أو تجريم، أو بصياغة أخرى يمكن قتله بحَصَانة.

و يجدر التنبيه بأن الهوموساكر هو ليس زوي بالضرورة، ولكن الهوموساكر هو كل من يتم إنزاله من البايوس إلى زوي بالقوة. هذا الإخراج من دائرة الإنساني السياسي للحياة العارية هو ما تسميه حنة أرنت توحيش الإنسان (beastialization of man)، وهو نقل الإنسان من دائرة الإنسان الشرعي إلى الزوي المقدس؛ والتقديس هنا بمعنى الانتماء لغير الإنساني أو الانتماء لدائرة خارج المجتمع وليس بالضرورة المقدس المتعالي الديني فقط. إن عملية الإقصاء -على حسب تعبير أغامبين- هذه  تقابلها في مفاهيمنا الحديثة للمجتمع وعلاقته بالدولة بأنه إخراج للفرد من دائرة حقوق المواطنة إلى اللامواطنة حينها يصبح الشخص عاري الحياة وعديم الحقوق أو كما تضعها حنة أرنت بطريقة مباشرة: “لا حقوق للإنسان خارج المواطنة”، فإذا ما تم انتهاك حقوق هذا الشخص المجرد من مواطنته تصبح عملية معاملته بهذه الطريقة أمرًا ذا صبغة شرعية.

مثال جيد على نظرية الهوموساكر هو أنه في إحدى المناظرات على القناة الإخبارية الأمريكية NBC حول تعذيب معتقلين جوانتنامو، كانت إحدى الحجج تدور حول ثنائية الأخلاقي والقانوني (ethico-legal)، فطبقًا لهذا المنطق قال أحد المناظرين بأن معتقلي جوانتنامو هم أساسًا من نجوا من القصف. وبما إنهم كانوا مستهدفين من قبل القصف “الشرعي” الأمريكي فلن يهتم أحد لما يحدث لهم بعد ذلك؛ فهم طبقًا لهذه الحجة هم بين موتين، أموات بنظر المجتمع وأحياء بيولوجيا.

مفارقة السيادة والبيوسياسة

ما يجعل نظرية أغامبين مهمة في أيامنا الحاضرة هو تركيزه على مفهوم الهوموساكر ضمن نطاق الدولة الحديثة. والتي بالنسبة له لها قيمة تميزها عن أشكال الدول السابقة، ألا وهي كما يسميها مفارقة السيادة (paradox of sovereignty) والتي استلهم مفاهيمها من المفكر الألماني كارل شميت، والتي تقول بأن مفارقة السيادة هي أن يوجد السّيادي أو المتسيّد مثل الملك في الملكيات القديمة أو المجتمع في الدول الديمقراطية داخل و خارج الدائرة القانونية في نفس الوقت.

فالمتسيّد يستطيع أن يوقف عمل القانون إذا شاء، ليصبح هو شرعيًا خارج القانون وواضعًا لهذا القانون ومحددًا من يشمله ووقف عمل القانون عليه في الوقت ذاته. تعمل هذه المفارقة طبقًا لأغامبين في مجالات عدة في دولة الأمة الحديثة، من هذه المجالات مجال السياسة الحيوية أو البيوسياسة. فأغامبين يعتبر أن النظرة البيوسياسية للمواطنين بمعنى النظرة لهم كمكونات حيوية مجتمعة تشكل مفهوم الدولة، هي تنص على أن البشر ذوي حياة عارية بالمفهوم السابق الذي أشرت إليه أُضيف لهم حقوق سياسية فقط لا غير، لتصبح هوية الدولة (المتسيّدة) فعليًا هي مجموع تلك الحياة العارية لمواطنيها تعطيهم حقوقًا إن أرادت و تنزعها عنهم إن أرادت، والذين هم ذاتهم متسيدون بشكل جمعي! ويستطيع هذا المجتمع المتسيّد أن يوقف القانون أو الحقوق القانونية لشخصٍ ما من خلال نزع الحقوق السياسية عنه ليجعل منه هوموساكر بالإمكان اضطهاده أو قتله بدون تجريم قانوني. وهذا ربما إجابة لسؤال لماذا لا يُستفز المجتمع حين تمارس حكومته التعذيب على شخص ما، فتحت غطاء الأمن القومي أو الحرب على الإرهاب يصبح هذا المجتمع قابلًا لتحويل هذا “الإرهابي” إلى شخص عاري الحياة وبالتالي لا يكترث لتعذيبه أو ما يجري له من خروقات للقانون وحقوق للإنسان.

الديمقراطية والعنف والرأسمالية

من الخصائص الحديثة لمسألة التعذيب التي يجدر الإشارة لها، هي ظهور استراتيجيات اقتصادية بهذا الخصوص تعبر عن منظومات عمل رأسمالي. من هذه الظواهر ظاهرة التعهيد (outsourcing) أو استئجار الكفاءات أو القوى العاملة من طرف ثالث. فقد كشف التقرير الخاص بوكالة المخابرات الأمريكية عن استخدام شركات أمنية خاصة -مماثلة للتي استخدمتها أمريكا في حروبها في العراق مثل شركة بلاك ووتر- ساهمت في التعذيب أو ابتكرت وسائل جديدة لخدمة المخابرات الأمريكية في ممارسة التعذيب على سجنائها.

وكشف التقرير عن توجه جدي لتحويل التعذيب إلى تجارة لأسباب عديدة منها أسباب أخلاقية؛ فهذه الشركات أو الحكومات التي شاركت في التعذيب لخدمة المصالح الأمريكية هي التي تقوم بالأعمال “القذرة” للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي لا تحمل الولايات المتحدة مسؤولية أخلاقية مباشرة إذا ما قامت مثلًا دولة حليفة لها بتعذيب مواطن من هذه الدولة بناء على طلب الولايات المتحدة.

في نفس السياق بإمكاننا ربط مسألة العنف والرأسمالية بالدول الديمقراطية، فبعض مفكري اليسار ونقاد الرأسمالية يعتبرون أن أفعالًا مثل هذه تعبر عن ذوبان وانحلال متدرج للعلاقة بين الديمقراطية والرأسمالية.

فما وصلنا له من دولة رفاه وديمقراطية في الحاضر يخوض معركة بقاء في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية وأزمات الرأسمالية، والتي أثرت على القيم الديمقراطية خصوصًا في الدول الإمبريالية. التي لم تستطع احتواء الامتعاض المحلي والعالمي على عدم قدرة النظام الرأسمالي الحالي توفير حياة الرفاه إلا عن طريق العنف وتضييق الحريات والظهور بشكل الأنظمة الشمولية. ويأخذ مفكرو اليسار تطور رأسمالية الدولة في الصين ونمو القطاعات الخاصة فيها مثالًا على انتهاء هذه الثنائيات القديمة، مثل: ثنائية الرأسمالية والحريات البرجوازية وحقوق الإنسان بمفهومها البرجوازي الليبرالي، و هذا من أهم تمرحلات الأزمة العالمية الاقتصادية وصعود النوع الجديد من الرأسمالية أو ما يسمى بالرأسمالية ذات الخصائص الآسيوية، أو بلفظة أقصر الرأسمالية الأوتوقراطية.

نشر في صحيفة التقرير الإلكتروني : http://altagreer.com/%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b0%d9%8a%d8%a8

Advertisements

سيرغي باراجانوف: حين لا يُقبَل نبيّ في وطنه

 

برحيل باراجانوف عام ١٩٩٠فقدت السينما العالمية أحد أهم عباقرتها وآخر سحرتها العظام ولكن ستبقى أعماله تسعد الناس زمناً طويلاً. كانت حياة باراجانوف بمثابة مسرح تجد فيه الضحك والأسى والفانتازيا ممزوجة كلها منتجة فيما بعد روائع سينمائية لاتنسى، فضلاً عن رسوماته وكولاجاته الخاصة المثيرة للتأمل والجدل. لقد كانت حياته حقاً عبارة عن عرض مسرحي وكان الممثل الوحيد الذي يتحرك على خشبة ذلك المسرح هو باراجانوف نفسه. كل يوم من حياته، وأي لقاء بأحبته وأصدقاءه، أو أي ظهور علني له هو بمثابة مشهد فانتازي. لقد اعتاد حين ينتابه إحساس بالحصار والقمع من حوله أن يقدم عروضاً مسرحية قصيرة ارتجالية وعفوية أمام جمع من معارفه وأصدقاءه وبعض العابرين من الناس وكان من الصعب الفصل بين ماهو حقيقي وماهو مختلق. إنسان في أعماقة طاقة خلاقة حبلى بالأفكار والأخيلة المبتكرة بشكل جنوني. لقد كان لغزاً، فضيحة، رجل مأساة حقيقي حقاً.

إن شخصية باراجانوف تتماهى كثيراً وحياة بطله القرة وسطي الشاعر الجوال سايات نوفا “ملك الأغنية”، الأرمني من تبليسي، المدينة التي كانت بمثابة الجسر الذي يربط آسيا بأوروبا والمكان الذي تتعايش وتتلاقح فيه الثقافات المختلفة مثل سجادة تتداخل فيها ألوان وأشكال متعددة ومتنوعة دون أن تفقد سماتها وهويتها.
كان سايات نوفا يكتب الشعر بلغات قوقازية رئيسية ثلاث هي الأرمنية والجورجية والأذربيجانية، فضلاً عن اللهجات المتعددة أيضاً، وما بورتريه شاعر الأثنيات هذا في فيلم “لون الرمان” إلا توظيفاً من مخرجه كنوع من السيرة الذاتية له شخصياً، والتي تعكس الإيكامينيزم الخاص (الحركة التي تسعى لوحدة العالم) لسينماه، تلك التي تخلق على الشاشة توليفة من الثقافات الأكثر تنوعاً، أو نمطاً من النظام الإثني الثقافي المنفتح على بعضه البعض والذي يتشكل من عناصر تم جمعها داخل حوار حميم يدور بين كل تلك الثقافات. في حديث له في مجلة الفيلم السوفييتي وقبل تصويره لفيلم سايات نوفا قال باراجانوف:”إن عصر النهضة الأرمنية وهب العالم رسامين وشعراء وفلاسفة بارعين من بينهم سايات نوفا الذي كان ذو شخصية ساطعة موهوبة ولامثيل لها. لقد ولد سايات نوفا في تبليسي مدينة طفولتي حيث أعرف كل شارع وبيت فيها. وربما كان هذا هو السبب في حبي لأغانيه التي تشدو بها شعوب ماوراء القفقاس”.
ولد هذا الطفل الحالم والمدهش سيريوجا “هكذا يكنّى سيرغي لوسيفوفيتش باراجانوف” في التاسع من شهر يناير كانون ثان ١٩٢٤ في أحضان عائلة غنية لتاجر أرمني يدعى يوسف باراجانوف ووالدة اسمها سيرانوش بيجانوف في مدينة تبليسي “عاصمة جورجيا” وكانت طفولته مليئة بجمال لايمكن وصفه على حد تعبيره.
أكمل باراجانوف دراسته الثانوية عام ١٩٤٢ والتحق بكلية الهندسة المدنية التابعة لمعهد السكك الحديدية في تبليسي، إلا أنه غادر المعهد فوراً لدراسة الغناء والعزف على آلة الكمان في الكونسرفاتور “معهد الموسيقى والرقص”، وأخيراً في عام ١٩٤٥ قدم إلى موسكو والتحق بمعهد السينما “فگيك” حيث درس الإخراج السينمائي تحت إشراف المخرج الروسي إيغور سافتشينكو الشهير بفيلمه “غارمون” ١٩٣٤، ومن بعد تحت إشراف الكساندر دوفجنكو مخرج فيلم “الأرض” ١٩٣٠، الفيلم الذي غرس البذرة الأولى للواقعية الشعرية في السينما السوفييتية آنذاك.
الخطوة الأولى هي التي تقرر كل شيء. هكذا بدأ سيريوجا، نجل تاجر القطع الأثرية خطوته الأولى في اختياره طريق الفن مساراً نهائياً مخيباً رغبة والده الذي كان يحلم بأن ولده سيتابع السير على خطى مهنة العائلة. لكن، وبعد سنوات سيلعب عصيانه لوالده دوراً حاسماً في المآسي القادمة التي ستنعكس على مجمل حياته وفنه.
تزوج باراجانوف أثناء دراسته في معهد السينما من الفتاة الشابة التتارية “نيغيار” ذي الأصول المولدافية. وبعد وقت قصير من تلك الزيجة وصل أخوة الفتاة إلى موسكو مطالبين بأموال العروس أو الفدية وهذا عُرف سائد لدى الشعب التتاري. حينها كتب باراجانوف رسالة إلى والده “مرغماً” يتوسل أن يقرضه المبلغ المطلوب واعداً إياه بتسديده في وقت لاحق. إلا أن الأب الذي شعر بإساءة نجله في وقت سابق حين خان تقاليد مهنة العائلة ما دفعه إلى أن يرفض طلبه. وهكذا أرغمت نيغيار من قبل أخوتها على التخلي عن زوج مفلس والعودة إلى وطنها، إلا أن الفتاة الشابة رفضت ذلك، حينها وطبقاً للتقاليد البربرية قام الأقارب بقتل الفتاة حيث قام أحدهم بدفعها من على رصيف المحطة لتسقط تحت عجلات القطار في إحدى ضواحي موسكو. لم يستطع باراجانوف التغلب على حزنه العميق لوقت طويل جداً، لذا غالباً ما نرى في أفلامه المبكرة ما يشار دائماً إلى الثيمة المولدافية لارتباطها بفقدان حبيبته التتارية نيغيار. تزوج باراجانوف ثانية في عام ١٩٥٦ من شابة أوكرانية هي سفيتلانا إيفانوفنا شيرباتوك التي أنجبت له الولد الوحيد سورين عام ١٩٥٨. إلا إن تلك الزيجة لم تستمر طويلاً حيث تم طلاقه من زوجته الأوكرانية عام ١٩٦٢ إلا أنهما بقيا أصدقاء مقربين. أنجز باراجانوف في هذه الفترة ستة أفلام وثائقية هي: “دومكا”، “ناتاليا أوزفي” و “الأيادي الذهبية”، “الصبي الأول”، “إنشودة أوكرانية”، ثم “زهرة وسط الصخر”.
إن بداية المسيرة الفنية لهذا الرجل الذي سمي بعد وفاته بـ”العبقري الأخير لسينما القرن العشرين”، لم تكن تبشر بخير، ولم توحِ بداياته بأنه سيكون أكثر السينمائيين السوفييت مشاكسة أو مثار للجدل، إذ أن أغلب أفلامه التي أخرجها في العقد الأول من عمله كانت أفلاماً تسجيلية قصيرة عادية تتناول حياة فنانين جورجيين أرمن وأوكرانيين ولم تجلب له لا الشهرة ولا القناعة الذاتية. إن التحول النوعي في الرؤية الفنية لباراجانوف حدث فقط بعد مشاهدته فيلم تاركوفسكي “طفولة إيفان” ١٩٦٢، الفيلم الذي قلب رؤاه وغير مساراته الفنية تماماً، ليس هذا فحسب، إنما كان سبباً في اكتشافه لذاته كمخرج مجّدد، ودافعاً حقيقياً في مغادرته لأسلوب الواقعية الإشتراكية دون رجعة. ففي حديث له مع الفنانين والعلماء الشباب في بيلاروسيا “روسيا البيضاء” في ديسمبر عام ١٩٧١ قال باراجانوف:
“لقد صدمت بسينما أندريه فايدا ولايمكنني التفكير مطلقاً أن أكون أحد معلميه أو ناصحيه. لكنني بنفس الوقت عثرت على معلم وناصح مخلص في شاب موهوب بشكل هائل هو المخرج أندريه تاركوفسكي. ربما هو نفسه لايدرك تماماً أي عمل عبقري كان فيلمه (طفولة إيفان) وأي إرث مذهل كشف النقاب عنه ليتم نهبه، وأي تفكير ليتم نسخه ومحاكاته في الطريق نحو سينما تعني بتداعي الدلالات”. وهكذا دشن رؤيته الجديدة بفيلمه المميز “ظلال أجدادنا المنسيين” عام ١٩٦٤ الذي صوره في ستوديو دوفجينكو في كييف عاصمة أوكرانيا. الفيلم الذي قورن حينها بفيلم أيزنشتين “المدرعة بوتيومكن”، وأعتبر أعظم وأهم فيلم أوكراني منذ فترة الأفلام الصامتة لدوفجنكو. فيلم شعري مفعم بالأساطير الشعبية والرموز والأغاني والثيمات الفولكلورية. حينها علق باراجانوف على جل أفلامه التي سبقت هذا الفيلم قائلاً أنها لم تكن سوى محض “قمامة”.
وهكذا ولد نجم جديد في سماء السينما السوفييتية. إلا أن ضوء تلك النجمة كان ضوءاً غير عادي، ضوء يغشي العيون ويصعب التنبؤ بمساراته، لا بل أصبح مصدر تهديد لرؤوساء إدارة السينما السوفيتية برمتها. يقول باراجانوف بهذا الشأن:
“حين شاهد الرسميون في وزارة السينما الفيلم فهموا أنه بمثابة تقويض لقواعد الواقعية الاشتراكية والقذارات الاجتماعية تلك التي أدارت وتحكمت في السينما السوفييتية آنذاك. لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء لأن الوقت كان قد تأخر جداً: فبعد يومين جرى الاحتفال اليوبيلي بالذكرى المئوية لمؤلف قصة الفيلم ميخائيل كوتسيوبنسكي (*)، لذلك قالوا:(دعوه يذهب ويعرض فيلمه).
عرض الفيلم لكنهم أوقفوا عرضه ثانية فيما بعد بالطبع. لكن حين شاهد المثقفون الفيلم أثار فيهم شيء ما وسبّب ردة فعل مضطربة في أوساطهم مادفع الوزارة أن تطلب مني عمل نسخة للفيلم باللغة الروسية. الفيلم بالطبع لم يكن باللغة الأوكرايينية فحسب إنما باللهجة الهوتسللية (لهجة القبائل السلافية كالرومانية). إلا إنني لم أستجب لطلبهم وامتنعت بشكل مطلق في ذلك الحين من عمل نسخة باللغة الروسية، وهكذا وضع اسمي حينها في القائمة السوداء”.
ينبغي القول إن القدرات التعبيرية لبراجانوف لم تتجلى في أفلامه ورسوماته فحسب، إنما تجسدت في حياته وسلوكه الشخصي أيضاً. بمعنى آخر، كان باراجانوف يحيا حياته كفنان، وليس ثمة حدود فاصلة بين سيرته كأنسان ومهنته كفنان، وهذه واحدة من معضلاته الكبرى. فمن الأشياء الطريفة وربما الغريبة أيضاً في سلوكه مثلاً أنه أراد أن يحتفل ذات مرة بعيد ميلاده في كييف فخرج إلى الشوارع وصار يعلن عن عيد ميلاده ويدعو جميع معارفه لحضور الحفل.
وحين بدأ الحفل كان عدد ضيوفه يقارب المائة ضيف. حينها حشر عشرون منهم في شقته الصغيرة، أما البقية، ومن دون اسئذان من سكنة المبنى، فقد أجلسهم على سلالم وممرات المبنى من الطابق الأول وحتى الطابق الخامس، بعد أن غطى تلك السلالم بالسجاد وزينها بالإكسسوارات والفضيات العتيقة. وكان يستقبل الضيوف بنفسه صعوداً ونزولاً في المصعد وهو يرفع نخب كل ضيف ويضحك فرحاً مثل طفل. وفيما كانت ابواب المصعد تفتح وتغلق كان هو يتنقل بين الطوابق أشبه بمهرج في سيرك.
وثمة مثال آخر على حبه للمشاكسة وكراهيته للنظام، أن استعراضاً عسكري رسمي كان يمر في الشارع الذي يقيم فيه ما أثار غضبه ونقمته فخرج من شرفة شقته المطلة على الشارع وراح يضرب السجادة بحذاءه بقوة لنفض الغبار العالق بها وكان الغبار يتساقط فوق رؤوس المستعرضين والجمهور معاً.
كان سيريوجا عاشقاً لإحداث نوعاً من الصدمة عند الجمهور بإعلانات وتصريحات فاضحة وكان مبتكراً ولعوباً في عمل ذلك. ففي مقابلة له في صحيفة دنماركية مثلاً صرح بأنه كان يتلقى تحرشات جنسية قاربت العشرين من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، وكان ذلك مجرد مزحة بالطبع، لكن كان لتلك المزحة صدىً واسعاً في جميع بقاع العالم.
وصل باراجانوف إلى أرمينيا في عام ١٩٦٦ وفي العام الذي تلاه أخرج فيلماً وثائقياً بعنوان “هاكوب هوفناتانيان”، والتقى في ذات العام بالمصور والسيناريست والمخرج ميخائيل فارتانوف الذي سيصبح صديقه الأقرب والذي سيكمل إخراج آخر فيلم له وهو “الاعتراف” في عام١٩٩٠ بسبب وفاته، الفيلم الذي حمل عنواناً آخر هو “باراجانوف” الربيع الأخير.
شهد عام ١٩٦٨ تصوير فيلم “لون الأرض الأرمنية” أو “سايات نوفا” في الإستديوهات الأرمنية. الذي هو بمثابة تحفة باراجانوف المطلقة وجوهرة السينما الأرمنية والعالمية على حد سواء. وبسبب من عدم تطابق أسلوب الفيلم مع متطلبات الأيدولوجية السوفييتية أرغم باراجانوف على تغيير اسم الفيلم باسم آخر هو “لون الرمان”، لكن وبالرغم من كل التعديلات التي تم إجرائها على الفيلم إلا إن الفيلم لم يلقَ قبولاً من لجنة الدولة لصناعة السينما أو وزارة السينما، فقد خبئوا جميعاً عجزهم وضعفهم وراء القرار الذي أصدروه بجملة مبتسرة:”إن الشعب السوفييتي ليس بحاجة إلى مثل هذه السينما”.
المخرج السوفييتي سيرغي يوتكيفيتش أعاد مونتاج الفيلم بعد عام من إنجازه وعمل نسخة منه باللغة الروسية لكن الفيلم بقي محظوراً لفترة طويلة جداً.
أنجز باراجانوف خلال تلك الفترة كتابة أربعة سيناريوهات اشترك معه في الكتابة فيكتور شكولوفسكي إلا أنها رفضت جميعها، وهي:”اللحن الفاصل”، “آرا الجميلة”، “الشيطان”، “معجزة أودينس”.
أفرج أخيراً عن فيلم “لون الرمان” في عام ١٩٧٣ أي بعد مرور خمس سنوات على انتاجه لعرضه في الصالات. ومع ذلك لم يعرض الفيلم إلا لشهور قليلة فقد تم توقيف عرضه نتيجة لتهم جديدة لفقت لباراجانوف في ديسمبر من العام نفسه حيث تزايد لدى السلطات السوفياتية الشك في النزعات التخريبية لمداركه وأحاسيسه لاسيما الجنسية منها متهمين إياه بالمثلية ونشر الإباحية وبأنه ولص ومجرم ومحرض واستفزازي ومحب لانتهاك الأعراف الاجتماعية
والثقافية على حد سواء، وهذه كلها تعتبر جرائم كبرى في الإتحاد السوفييتي. وهكذا تم اعتقاله وحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات في معسكر للأشغال الشاقة في سيبيريا. يومها وجّه المخرج أندريه تاركوفسكي رسالة إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في أوكرانيا قبل ثلاثة أيام من قرار الحكم قال فيها:
” في السنوات العشر الماضية حقق سيرجي باراجانوف فيلمين فقط، فيلم “ظلال أجدادنا المنسيون” وفيلم “لون الرمان” وكان لهذين الفيلمين تأثير هائل على السينما في أوكرانيا أولاً، وفي البلاد ثانياً وفي العالم بأسره ثالثاً.
فنياً، ثمة عدد قليل جداً من الناس في العالم بأسره ممن يمكن أن يحّلوا بدلاً من سيرغي باراجانوف في هذا الميدان. إنه مذنب – مذنب بسبب تفرّده. نحن جميعاً مذنبون لأننا لم نفكر به يومياً، مذنبون لأننا فشلنا في اكتشاف أهمية هذه الفنان البارع”.
رسائل إلى المنطقة المعزولة
هذه رسالة كان قد بعث بها أندريه تاركوفسكي إلى صديقه باراجانوف في ١٨ أكتوبر ١٩٧٤ وقد تم نشرها في مجلة إيسكوستفا كينو (فن السينما) العدد ١٢ عام ١٩٩٠. كتبت المحررة سفيتلانا شيرباتيوك:
“هذه الرسالة بعثها لي باراجانوف كي أحتفظ بها وهي تستحق النشر كاملة لأنها كانت عزيزة إلى قلب باراجانوف بشكل خاص، وهي من بين الرسائل المدهشة التي بعثها لآخرين أمثال ليلي بريك وفاسيلي كاتانيان وفاسيلي شوكشين ويوري لوبيموف وكيرا موراتفا وإيميل لوتيانو وسواهم. »
نص الرسالة:
١٨أكتوبر ١٩٧٤
عزيزي سيريوجا
أنت على حق ـ إن وفاة فاسيا (**) هي بمثابة حلقة في سلسلة تربطنا جميعاً معاً.
إننا نفتقدك هنا ونحبك كثيراً حقاً ونحن في انتظارك بطبيعة الحال. كيف هو وضعك الصحي؟ وهل بمقدورك أن تستلم كتباً؟
أكتب لي “حين تكون لديك فرصة” إذا ما كان بإمكاني أن أفعل أي شيء لك الآن.
هنا في موسكو، الأشياء القديمة هي نفسها: فيلمي “المرآة” لم يُقبل وهو ينتظر منذ نصف عام. لكنني آمل الآن أنهم سيوافقون عليه، سواء اليوم أو في الغد.
متعب أنا إلى أبعد الحدود من هذه البيروقراطية التافهة التي تتعامل معنا بمثل هذه القسوة. سأغادر موسكو لأمضي هذا الشتاء في الريف قرب نهر أوكا.
ينبغي أن تعرف ياسيرغي أن الجميع هنا في موسكو قد صعق بتجربتك الملحمية في السجن. إنه لشيء غريب كيف سمحنا لأنفسنا من قبل أن لانهتم ونحب أحدنا الآخر. إجمالاً، نحن ننتظر المصائب التي لاتحصى أن تحدث أولاً. وهنا، في الواقع، “لايُقبل نبّي في وطنه”.
إن الشيء الوحيد الذي أنا واثق منه تماماً هو استبسالك الذي هو بمثابة خلاصك.
أنت، قبل كل شيء، إنسان موهوب جداً “وهذا الوصف غير كاف!” والناس الموهوبون يكونوا أقوياء عادة. دع كل ما هو أفضل أن يبقى في داخل روحك ليمنحك القوة الآن.
أعانقك ايها الصديق العزيز!.
* لاريسا (***) تبعث تحياتها وكذلك غاله شيبانوفا.
صديقك أندريه تاركوفسكي

 

الحالات النفسية للفيتوري

Untitled

 

هذا المقال يستعرض وبشكل موجز بعض من الحالات النفسية التي عاشها وعايشها وتعايش معها الشاعر وأثرت فيه أو تأثر بها بشكل مباشر أو غير مباشر، أو كان لها دور في تكوين شخصيته الإبداعية والإنسانية، ومن ثَمّ انعكست على حياته العملية والشعرية ومجمل نتاجه الأدبي والثقافي على مدى عشرات السنين. الشاعر محمد الفيتوري « لا يعرف العام الذي وُلِدَ فيه فقد ذكر إحسان عباس أنه  يجهل تاريخ ميلاده، ولكن الباحثين أجمعوا على أن 1930 ، هو تاريخ ميلاده الفعلي ». عاش طفولته في الجنينة، وهي بلدة صغيرة هادئة بغرب السودان، وهذا أَثّرَ على شخصيته فأصبح يُؤْثِرُ الانطواء على نفسه ويكره الضوضاء. كان لحكايات جدته زهرة )أم والدته( تأثيرها العميق على تكوينه النفسي وهو في مراحل الطفولة؛ هذه الجدة كانت دائمة الشكوى والتذمر فتحكي بحرقة وربما بدموع لحفيدها الصغير عن ماضيها البائس، وعدم استقرارهم وهجرتهم من ليبيا إلى السودان هرباً من سطوة الطليان، كما كانت تشكو إليه معاناتها الشخصية ونظرة الناس الدونية لها لدمامتها ولونها الأسود، هذا كله كان له تأثيره العميق في تكوينه النفسي وأدائه الإبداعي فكانت زهرة حاضرة بقوة، ولم ينسها، وأهداها ديوان شعره المهم «يأتي العاشقون إليك » فكتب يقول :

«إلى الزهرة الإفريقية.. جدتي المسكينة.. القائمة في
ذاتي.. رغم شواهد النسيان .»

كما تأثر الفيتوري بحكايات جدته عن جده الذي كان يتاجر بالعاج والرقيق، وكيف أن أمه لوالدته أصلها جارية، هذا كله كان كافياً لطفل يعيش في جلباب جدته أن يورث منها وفي وقت مبكر عقدة العبودية لتلازمه وتكون محور اهتمامه طيلة حياته كلها، وربما لتكون أيضاً سبب تميزه في معظم نتاجه الإبداعي. في مرحلة الصبا غادر والد الشاعر قرية الجنينة الهادئة مُصطَحِباً أسرته، ليستقر في الإسكندرية، لتبدأ معاناة شاعرنا ويزداد شعوره بالحزن بسبب العيون التي كانت ترمقه باستغراب بسبب لونه وتعاظم إحساسه بالدونية وقصر القامة، وكان نتيجة هذا الإحساس أن أصبح أكثر انطواء على نفسه من ذي قبل، وقد وصف محمود أمين العالم ذلك فقال «إن بشرته السوداء كانت تقيم بينه وبين المدينة التي يحيا فيها حاجزاً كثيفاً يحرمه المشاركة والاندماج ويشعل في نفسه مشاعر مريرة »، وقد بقيت هذه المشاعر والحالات النفسية مكبوتة في عقله الباطن زمناً طوياً، حتى عبر عنها في شعره:

 

فقير أجل.. ودميم دميم
بلون الشتاء.. بلون الغيوم
يسير فتسخر منه الوجوه
وتسخر حتى وجوه الهموم
فيحمل أحقاده في جنون
ويحضن أحزانه في وجوم

وقد بين نجيب صالح) 5( أن الشاعر في هذه المرحلة «كان يحس إحساس الرجل، كانت عنده يقظات حواس مبكرة قبل أن تنضج، وكانت لأقاصيص جدته الزنجية ولأساطيرها أثرها البعيد في نفسه، كان يبحث عن الحقيقة في اليقظة المبكرة، كل ذلك تضافر وساعد على استيقاظه الدائم للكلمة والنظرة، لقد كان في هذه المرحلة مُتذمراً تحت وطأة شعوره بأنه مشدود إلى قيد ما هو قيد لا يدرك مداه، ويرفض محتواه، وكان يحس أن بركاناً بدأ مرحلة الانفجار الأولى .» في هذه المرحلة أيضاً حفظ القرآن الكريم، وكتبه بيده، كما درس الحساب والأناشيد وكتب مواضيع الإنشاء، ثم التحق بعدها بالمعهد الديني الأزهري، ثم بالمعهد الثانوي في القاهرة، وليواصل دراسته هناك حتى عام 1953 ، ويُجْمِعُ النقاد على أن هذه الفترة تعدّ من الفترات المهمة في حياته، حيث تمكّن من الاطاع على مختلف المعارف الإنسانية والدينية والفلسفية، وأكاد أجزم أن بسبب انطواء الشاعر على نفسه زاد نهمه في التحصيل المعرفي الذي مَثّلَ رافداً قوياً له في عمله كصحافي، ورغم أنه لم يكن له أصدقاء في العالم الواقعي، لكنه وبا شك كَوّنَ صداقات متينة مع عنترة، وأبي زيد الهلالي، وتولوستوي، وفاوست، وجوته، وبودلير هذا الشاعر الفرنسي الشهير الذي نادى في شعره بتحطيم الفوارق الطبقية. في عام 1954 التحق بجامعة القاهرة، وبدأ الدراسة بقسم الآداب الإنسانية، وهو مزهواً بنفسه معتداً بما يحمله في رأسه متفوقاً به عن أقرانه، ولكنه كان كسولاً، ولا يواظب على حضور المحاضرات، وتنامى إحساسه بأنه مقيد، وأن هناك من يكبله بقوانين ولوائح، فترك الجامعة قبل أن ينال شهادتها. والتحق بالصحافة ووجد فيها البراح الواسع للحرية، فأطلق العنان لقلمه، وبرز نجمه كصحافي قدير ثم كشاعر مهم في مصر، والدول العربية وإفريقيا كلها التي تغنى بها وحده كما كان يقول دائماً. أثر في شخصيته والده الشيخ مفتاح رجب الفيتوري صوفي كبير وشيخ السجادة الصوفية من خلفاء الطريقة الشاذلية الأسمرية، فقد كان الشاعر يترك اللعب، لينضم لرفاق والده مُردداً معهم التواشيح الصوفية التي كان لها دور بارز في شعره. أزمة الهوية عند الفيتوري والانتماء للوطن والاستقرار فيه كانت حالة نفسية تشكل له هاجساً يؤرِّق حياته الشعرية والشخصية بسبب اختاط نسبه وتحديد هويته، فجدته زنجية، ووالده من ليبيا، وأمه تعود أصولها لتاجر إفريقي يتاجر في الرقيق والعاج. سحب منه النميري جنسيته السودانية، فمنحه القذافي الجنسية الليبيية وجواز سفر دبلوماسياً، ثم سُحِبَتْ منه الجنسية الليبية بعد قيام الثورة الليبية، ومؤخراً منحته القيادة السودانية جواز سفر دبلوماسياً وأعادت إليه جنسيته السودانية. مهنته كدبلوماسي سهلت له السفر الدائم، وقبلها تنقله الدائم من بلد لبلد أورث شاعرنا إحساساً متأصاً بالغربة التي شكَّلت أبرز ملامح شخصيته ومنحته لوناً مميزاً في أدبه وشعره. علاقته بالسلطة والرؤساء معقدة، أحبه أنور السادات، وقربه إليه في بداية مسيرته، وأرسله ليشارك باده في عيد استقلالها عام 1956 ، وبعدها بسنوات هجاه في قصيدة ( الراقدون على بطونهم والدجى من فوقهم حجر ) الشهيرة، إرضاء للقذافي الذي رحب به بعد أن طرده النميري وسحب منه جواز سفره وجنسيته، فمنحه القذافي كل ما يريد.. وسام الفاتح وجنسية ليبية وجواز سفر دبلوماسياً ووظيفة سفير، هذا ما جعل الفيتوري يصفه في إحدى قصائده بأنه مثل بعض النبيين!!! كان شاعرنا شديد الإعجاب بالرئيس محمد نجيب، بينما هاجم جمال عبد الناصر، هجوماً لاذعاً في قصيدة «مات غداً 6 » قال فيها:

مات
وملء روحه المسودة المحترقة
رمز يغطيه دم المشانق المعلقة
وصرخات الثائرين في السجون المطبقة

كتب قصيدة شعرية في بغداد عنوانها «يأتي العاشقون إليك »، أعجب بها صدام حسين كثيراً فقربه منه ومنحه جائزة قيمتها مئة ألف دولار، وكان صديقاً حميماً للرئيس الجزائري السابق أحمد بن بلة، كتب عنه يقول :

يا بن بيلا
ما أجمل أن يصحو الإنسان
فإذا التاريخ بلا قضبان
وإذا الثورة في كل مكان

هذه العلاقة مع الرؤساء ولدت عنده نوعاً من الزهو والتفاخر جعاه يتطاول على النقاد ولا يعترف بهم، ويقلل من أهمية أقرانه الشعراء، فقال إن أحمد عبد المعطي حجازي ليس شاعراً بالمطلق وإنه مجرد ناقد، والبياتي أيضاً، وحتى محمود درويش عنده ليس شاعراً، ولكن القضية جعلت منه شاعراً، ونزار قباني في نظره شاعر، لكنه كان في خدمة آخرين. الفيتوري يعتقد دائماً ولايزال إن كان الشعراء لا يموتون فهو أكثرهم بعداً عن الموت، ويقول :

مثلي أنا ليس يسكن قبراً

لا تحفروا لي قبراً سأرقد

في كل شبر من الأرض

تم إفراغ هذا المقال من العدد الخاص بالشاعر محمد الفيتوري في مجلة الدوحة الثقافية الـ 84.

شعرية الفيتوري : بين مجازات التّخوم والاستعارات السوداء

Untitled-1

 

لم يستطع محمد مفتاح الفيتوري ( 1936 – ) أن يجعل من مقولة «الحب » جوهراً شعرياً أو مركزاً تتمحور حوله رؤاه وبلاغته الثرّة، كما كان يفعل نزار قباني مثاً، ولا أن يصنع من تراكيب معجمه الشعري واستعاراته رصاصاتٍ مجازيّةً وأسلحةً فتّاكةً موجهةً إلى صدر العدو المحتلّ، كما كان يفعل محمود درويش أو سميح القاسم، أو غيرهما من شعراء المقاومة. لم يُرِدْ الفيتوري أن يعيد، شعرياً، إنتاج صورة مصطفى سعيد بطل ( موسم الهجرة إلى الشمال ) بوصفها أيقونة سردية وثقافية استطاع من خلالها رفيقه السوداني الطيّب صالح ( 1929 – 2009 ) أن يفكّك بنية المجتمع الإنجليزي، الكولونيالي، عبر تمثيلاته الجنسية واستعاراته الإفريقية، التي كانت تخرج من رحم الأرض المثقلة بالأنين والفقر والطموح الجارف كالشلاّل الهادر. وعلى الرغم من كل هذا تظل قصيدة الفيتوري مشدودةً بحبل متين إلى جماليات الحياة اليومية، ومترعةً برائحة الأرض والطين والبشر المهمّشين والمطحونين والمقموعين والبسطاء والثوّار والمتمرّدين، كأنه نموذج شعري يقف على الحافة بين جماليتين أو بلاغتين: قصيدة الفصحى، الرسمية، السلطوية، الفوقية، النخبوية، التي كان أنموذجها متمثاً في نازك الملائكة ( 1923 – 2007 ) و عبد الوهاب البياتي ( 1926 – 1999 ) وبدر شاكر السياب ( 1926 – 1964 ) ، ثم لحق بهم محمود درويش ( 1941 – 2008 ) وسميح القاسم ( 1939 – 2014 ) ونزار قباني ( 1923 – 1998 )  وأدونيس ( 1930 – ) وصلاح عبد الصبور ( 1931 – 1981 ) و أمل دنقل ( 1940 – 1983 ) ، وغيرهم من أساطين القصيدة الفصيحة، في مقابل بلاغة القصيدة العامية، الشعبية، التحتية، ممثَّلة في بيرم التونسي ( 1893 – 1961 ) وفؤّاد حدّاد ( 1928 – ) وصلاح جاهين ( 1930 – 1986 ) وعبد الرحمن الأبنودي ( 1939 – )، وغيرهم. من هنا، يمكن القول إن قصيدة الفيتوري قصيدة مخضرمة؛ بمعنى أنها عاصرت أكثر من جيل شعري، فضاً عن كونها قد راهنت، أو قامرت بالأساس، على الجمع بين طبقتين بالمصطلح السوسيولوجي، أو مقامين بالمصطلح الموسيقي، في مزيج كيميائي واحد معجون بنبرة مشبعة بالهمّ العربي والإنساني العام، دون أن تُغفِل، ولو للحظة، غائية انتماء صاحبها إلى القارة السوداء التي انتمى إليها فكرياً مفكّر كبير بحجم فرانز فانون، أو عضوياً الكثير من الكتّاب من أمثال نجوجي وا ثيونجو وشينوا أتشيبي،.. وآخرين. يعدّ فانون F. Fanon واحداً من أبرز من كتبوا عن مناهضة الآخر ( المُستعمِر ) في القرن العشرين، جنباً إلى جنب ألبرت ميمي Albert Mimi و إدوارد سعيد E. W. Said وهومي بابا Homi Bhabha وغيرهم، بحيث ألهمت كتاباته ومواقفه الكثير من حركات التحرّر في العالم خال القرن الفائت، وهو الأمر الذي دفع الكثيرين إلى وصفه بصفات عدّة؛ من بينها «شاعر العالم » و «نبيّ العنف » و «مسيح الثقافات المقهورة » وغير ذلك، كما قال عنه صبحي حديدي. وليس فانون بعيداً كثيراً عن الفيتوري الذي وصفه عبده وازن بأنه «شاعر التخوم ». فإذا كان فانون شبيهاً بإيميه سيزار في كونهما فرنسيين من جزر المارتينيك، ومدافِعَيْن عن حركات التحرر في العالم آنذاك، من ناحية، فإن وجه الشبه بين الفيتوري وفانون يكمن في إدراكهما الحادّ وتعريتهما خطورة الدور الذي مارسه الرجل الأبيض طويلاً ضد إفريقيا السوداء.

 

تنوّعت التجربة الشعرية للفيتوري تنوّعاً لافتاً للنظر، لا على المستوى الكمّي فحسب؛ إذ هو شاعر مخضرم عاصر أجيالاً شعرية متنوعة ما بين قصيدة التفعيلة والشعر الحر وقصيدة النثر، بل على المستوى النّوعي أيضاً، حيث استطاعت قصيدته أن تخلق لنفسها مساراً خاصاً، جمعت فيه بين طاقة التفعيلة وبراءة الشعر الحر وتمرّد القصيدة النثرية. وهذا أمر واضح للعيان في تنوّع دواوينه التي بدأت من « أغاني إفريقيا » صدر في عام (1955) « عاشق من إفريقيا » عام (1964 ) « اذكريني يا إفريقيا » (1965)  « أحزان إفريقيا » (1966) « البطل والثورة والمشنقة » (1968) ، مروراً بتحولات شعرية وجمالية تجسّدت في « سقوط دبشليم » (1969) « معزوقة إلى درويش متجوّل » (1971) « ثورة عمر المختار » (1973) « ابتسمي حتى تمر الخيل » (1975) « عصفورة الدم » (1983)  « شرق الشمس، غرب القمر » (1985) « يأتي العاشقون إليك » (1989) « قوس الليل، قوس النهار » (1994) وانتهاء ب «عرياناً يرقص في الشمس  » (2005)، فضاً عن بعض المسرحيات الشعرية الأخرى مثل «سولارا » (1970) « يوسف بن تاشفين » (1997) « الشاعر واللعبة » (1997) ، والواقع أن قصيدة الفيتوري، في أغلب منعطفاتها الجمالية، لم تتنازل عن إيقاعها الصوتي والجمالي يوماً ما، كما أنها لم تسقط في أحضان بلاغة شكلية، أو معاضلة جمالية، أو رمزية مركّبة داعبت الكثيرين من أرباب الحداثة التي تنطوي قصائدهم على رمزية الرؤية/ الرؤيا في المقام الأول، كما كان أدونيس يفعل في بداياته على سبيل المثال لا الحصر. لم تنشغل قصيدة الفيتوري كثيراً بثيمة الحب، ولم يقف طوياً عند المرأة جسداً أو عاطفةً مشبوبةً، مثلمافعل نزار مثلاً، اللهمّ إلا وقوفه عندها بوصفها امرأة من لحم ودم وجسد مُثْخَن بطعنات القهر المتراكم في طبقات بعضها فوق بعض، فضاً عن سعيه الحثيث، المتواتر، إلى تكبير صورة المرأة لتصبح موازياً رمزياً لصورة الوطن السليب، كما في قصيدة « الليل والحديقة المهجورة :»

« الليل/ ليل العبيد المتوّجين.. العرايا/ القابعين تماثيل/ فوق
أرض الخطايا/ الآثمين.. النبيين../
القاتلين.. الضحايا/ مثلي.. ومثلك/
نحن المسوخ../ نحن السبايا.. .»

تنزع قصيدة الفيتوري كثيراً إلى تعدّد الأصوات، كأنها قصيدة بوليفونية Polyphonic ، وهذا عنصر أصيل من عناصر دراميّتها؛ إذ تشتغل على رسم ملامح الإنسان في علاقته الرباعية بالزمان والمكان والحدث والصراع. عندئذ، تتفجَّر الحالة الدرامية ويتخلّق صراع درامي بين الأصوات والضمائر والصور في فضاء القصيدة الواحدة. فقصيدته قصيدة درامية، تشتغل على مبدأ تحويل الصورة الشعرية إلى صورة بصرية، ذات أحداث متراكمة، وهو أمر واضح الدلالة حتى فيما كتبه من نصوص مسرحية. وهنا، يمكن الاستشهاد بقصيدة « معزوفة إلى درويش متجول » التي تشبه حواريةً صوتيةً من ناحية، وتتناغم أو تتناصّ بوضوح، وزناً ولحناً موسيقياً، وشكّاً فلسفياً، مع (مأساة الحاج) لصلاح عبد الصبور من ناحية أخرى:

« دنيا لا يملكها من يملكها/ أغنى أهليها سادتها الفقراء/الخاسر من لم يأخذ .. ما تعطيه على استحياء/ والغافل من ظنّ أن الأشياء هي الأشياء/ تاج السلطان الغاشم تفاحة/ تتأرجح أعلى سارية الساحة/ … والراحة ليست هاتيك الراحة/ عن أيّ بحار العالم تسألني يا محبوبي؟/ عن صوتٍ قدماه من صخر وعيناه من ياقوت؟/ عن سحب من نيران؟/ وجزائر من مرجان؟/ عن ميْتٍ يحمل جثته ويهرول حيث يموت؟/ لا تعجب يا ياقوت/ الأعظم من قدر الإنسان هو الإنسان.. »

تنطوي شعرية الفيتوري على تضافر عدد كبير من الثيمات الإفريقية؛ أقصد إلى تجسيد هموم القارة السوداء شعرياً، والدفاع عن قضاياها التاريخية جمالياً؛ الأمر الذي يجسّد مأساة الإنسان الأسود في مسيرته الكبرى لمقاومة المُستعمِر الأبيض الذي احتلّ إفريقيا، كأنه يستدعي فانون وألبرت ميمي وجدل المُستعمِر والمُستعمَر، حيث يقول مثاً في قصيدة «حدث في أرضٍ :»

« أنا لا أملك شيئاً غير إيماني
بشعبي/ وبتاريخ بلادي/ وبلادي
أرض إفريقيا البعيدة/ هذه الأرض
التي أحملها ملء دمائي/ والتي
أنشقها ملء الهواء/ والتي أعبدها
في كبرياء/ هذه الأرض التي يعتنق
العطر عليها والخمول/ والخرافات
وأعشاب الحقول/ هذه الأسطورة
الكبرى.. بالدي »

في قصائد الفيتوري ملامح ومفردات عالم إفريقي مكتمل القسمات، غنيّ بالتفاصيل، على طريقة الديكور والسينوغرافيا المسرحية. ففي قصائده راياتٌ كرايات الحروب، وطبول لا تكفّ عن الدقّ في مواسم البهجة أو الحصاد أو النذير بحروب مشؤومة، ورقص مفعم بروح الأفارقة المخلصين التوَّاقين إلى الحياة البرّية، وإيقاع متجاوب صعوداً وهبوطاً مع نوائب الدهر وتحولات الزمان والمكان والقدَر، وألوان شتّى تمتاح من خصوبة الأرض والزرع والدماء والكرنفال، وكثير من مفردات الصورة الإفريقية المشبعة بعرق الجسد الأسود ورائحة البخور. يقول مثاً في قصيدة «من أغاني إفريقيا » الشهيرة:

« يا أخي في الشرق في كل سكن/
يا أخي في الأرض في كل وطن/ أنا
أدعوك.. فهل تعرفني؟ … »

لكنّه في سياق آخر يستدعي لومومبا، بوصفه أيقونةً دالّةً على تحرّر الكونغو من براثن المُستعمِر، كما يستدعي المتنبّي وآخرين في مدوّنته الشعرية العريضة، لا استدعاء الحنين المنكسر، بل استدعاء المُترقّب للنصر، المُتشبِّث بالخيط الأبيض في آخر النفق. يقول في قصيدة « عصر الميلاد : »

« يا لومومبا../ في قلبي أنت/
البطل الأسود ذو القدمين العاريتين/
الراكضتين على نهر الكونغو/ كانت
تركض خلفهما أشجار الغابات/ كانت
تتهدّج لهما أنفاس الظلمات/ كانت
أمواج الكونغو../ توغل في الركض/
كان الفارس ذو الرهبة/ ذو الصوت
الفضي/ عيناه عالقتان على نجمة/
شفتاه مطبقتان على كلمة/ كانت
أصوات المضطهدين/ تجلجل في روح
الأرض/ يا لومومبا../ إن الخونة لا
ينتصرون/ لا يصبح بطاً من خان
قضية شعبه/ من أسقط رايته يوم
نضاله/ من سدَّ عليه طريق الحرية/
من قبَّل أقدام القتلة/ أبداً.. أبداً يا
لومومبا »

لذا، لا يبدو غريباً، في هذا السياق، احتفاء الفيتوري بالزنوجة التي هي قدر الإنسان الإفريقي المرتبط بالأرض المُستلَبَة منذ فجر التاريخ، الباحث عن الحق والخير والجمال، التوّاق إلى غد مشرق، لا سلطان فيه لأحد سوى سلطان الحرية وميزان العدل:

« أنا زنجي/ قلها لا تجبن.. لا
تجبن!/ قلها في وجه البشرية../ أنا
زنجي../ وأبي زنجي الجد/ وأمي
زنجية../ أنا أسود../ أسود لكني
حرّ أمتلك الحرية/ أرضي إفريقيا../
عاشت أرضي../ عاشت إفريقيا../
أرضي.. والأبيض دنّسها/ دنّسها
المحتل العادي../ فلأمضِ شهيداً../
وليمضوا مثلي شهداء أولادي/ فوراء
الموت.. وراء الأرض/ تدوي صرخة
أجدادي../ لستم ببنينا إن لم تَذْرِ
الريحُ رمادَ الجاد »

ينتمي الفيتوري إلى جيل محيي الدين فارس وأحمد صالح إبراهيم وغيرهما من شعراء وكتاب السودان الذين تفتّح وعيهم على الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من تحوّلات سياسية وأيديولوجية. ومن ثَمّ فقد أسّسوا جميعاً لتدشين جماليات القصيدة الحديثة في السودان، متأثّرين بشكل أو بآخر بالقصيدة المصرية والعراقية واللبنانية، ومستلهِمين النماذج الكبرى التي كانت ملء السمع والبصر آنذاك، من أمثال نازك الملائكة والسياب والبياتي وبلند الحيدري،.. وغيرهم، لا على سبيل المحاكاة الشعرية فحسب، بل على سبيل المعارضة والمغايرة. قضى الفيتوري شطراً طوياً من حياته في القاهرة، فاعاً في المشهد الإبداعي المصري، إلى الدرجة التي كنّا – ونحن في المرحلة الإعدادية في أواخر السبعينيات – ندرس قصائده؛ تحديداً قصيدتي «من أغاني إفريقيا » و «أصبح الصبح »، دون أن نلتفت مُطلقاً إلى كونه شاعراً سودانياً في الأصل. كم كنّا نظنّه مصرياً خالصاً آنذاك! ولعل هذا راجع إلى مفردات صورته الشعرية التي كانت تمتاح من بيئة و روح مصريتين، يحتلّ نهر النيل فيها والثقافة الفرعونية مركزاً دلالياً بارزاً. وهو أمر يمكن تلمسّه في عدد غير قليل من القصائد؛ منها قصيدته «التراب المقدّس » التي يقول فيها:

« وسِّدْ الآن رأسك/ فوق التراب
المقدّس/ واركع طوياً لدى حافة
النهر/ ثمة من سكنت روحه
شجر النيل/ أو دخلت في الدّجى
الأبنوسي/ أو خبّأت ذاتها في نقوش
التضاريس/ ثمة من لامست شفتاه/
القرابين قبلك/ مملكة الزرقة الوثنية
قبلك/ عاصفة اللحظات البطيئة
قبلك.. »

هكذا، تبدو استعارة النّيل، لدى الفيتوري، استعارةّ أثيرة، غير أنه يتسامى بها فوق جغرافيتها المحدودة التي قد تصلها بمصر أو السودان فحسب؛ ليجعل منها استعارة تمثيلية كبرى تمتدّ من المنبع حتى المصبّ، مروراً ببلدان وحضارات شتّى. يستطيع القارئ الجيّد لمدونة الفيتوري الشعرية أن يلمح مدى قدرته على متابعة أغلب التحوّلات السياسية والاجتماعية التي مرت بها المنطقة العربية وإفريقيا، منذ تفاعله مع ثورة عرابي 1881 م ، وحادثة دنشواي 1906 م، ( كما في قصائد «عندما يتكلم شعب » و «النهر الظامئ » و «إلى مومياء » )، مروراً برصده الجمالي لأحداث القضيية الفلسطينية في بعض القصائد مثل «طفل الحجارة » وغيرها، والمسألة العراقية في قصيدة جميلة ذات نفس ملحمي بعنوان «يأتي العاشقون إليك يا بغداد »، يقول فيها:

« لم يتركوا لك ما تقول/ والشعر
صوتك/ حين يغدو الصمت مائدة../
وتنسكب المجاعة في العقول/ لم
يعرفوك، وأنت توغل عارياً في
الكون../ إلا من بنفسجة الذبول/ لم
يبصروا عينيك../ كيف تقلّبان تراب
أزمنة الخمول/ لم يسكنوا شفتيك../
ساعة تطبقان على ارتجافات الذهول/
لم يشهدوك../ وأنت تولد مثل عشب
الأرض/ في وجع الفصول/ لم يتركوا
لك ما تقول/ لم يتركوا لك ما تقول »

تنهض شعرية الفيتوري وطاقته الإبداعية على محورين؛ أولهما قدرته على نسج مجازات مُدهشة تتخلّق عند التّخوم، كأنه واحد من شعراء المنفَى؛ نظراً لارتحاله الدائم بين السودان ومصر ولبنان وليبيا، حتى استقرّ به المقام أخيراً في المغرب، فضلاً عمّا ينطوي عليه الفنّان من غربة وجودية، وثانيهما خروج استعاراته من رحم مناخ إفريقي مُفعم بمفردات البكارة والبريّة والدماء الحارة وإرث أسود مثقل بالعبودية، وكل ما من شأنه إنضاج قصيدة حارة الطعم، سوداء اللون، فوّاحة الرائحة.

 

تم إفراغ هذا المقال من العدد الخاص بالشاعر محمد الفيتوري في مجلة الدوحة الثقافية الـ 84.

قراءات ورؤى حول مشروع سمير أمين – رؤية نقدية

Wikilife_eu-Samir-Amin-La-competitividad-es-la-farsa-1728x800_c

 

 

لا شك أن سمير أمين يعتبر من أبرز مفكرى العصر ، لما تتميزبه تحليلاته الجادة ومنهجه الواضح من أبراز الطابع المحلى – خاصة للمنطقة العربية – فى تشابكها مع الواقع العالمى ، وقدرته على رصد التطور التاريخى العام من خلال رؤية متفردة وصياغات جديدة ، وتحديده لطبيعة أزمة النظام الرأسمالى فى تطورها عبر العقود الماضية ، وطرحة لتصور محدد لكيفية الخروج من هذه الأزمة المستحكمة والمستمرة طالما بقى النظام الرأسمالى .
وينطلق الأساس الفكرى لنظريته ، ومشروعه الحضارى لفهم طبيعة التطور العالمى وأساس الأزمات الدورية فى النظام الرأسمالى ، ورؤيته فى كيفية الخروج منه لبناء نظام اشتراكى جديد على أسس سليمة ، من نقده لنظرية مراحل النمو ، سواء فى صورتها البورجوازية ، أو صورتها الماركسية ، هذه النظرية التى ترى البلدان المتخلفة باعتبارها مجرد بلدان متأخرة فى طريق التطور ، ولا بد لها من الانتقال عبر مراحل محددة لتتجاوز تخلفها ، وهو يرى أن لهذه النظرية طبعة بورجوازية متمثله فى نظرية روستو Rostow ، كما ظهرت لها طبعة أخرى مستمدة من الماركسية السوقية المذهبية ، وجدت فى بعض تفسيرات ماركس بعد تشويهها أساس يقوم على رد المادية التاريخية إلى مادية اقتصادوية ، فمنذ نهاية القرن التاسع عشر قصرت بعض تيارات الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية تفسيرها للمادية التاريخية بسبب رؤيتها غير الجدلية للعلاقة بين البنية التحتية الاقتصادية ، والبنية الفوقية السياسية والعقائدية ، بقدصد ربط تفائلها بقدوم منقذ عن طريق تطور القوى المنتجة على أساس تقنى ، وسحبت تيارات اليسار المذهبى هذا التفسير على نطاق عالمى انطلاقا من تصور المركزية الأوربية فى النظر إلى العالم ، وكان يجب أن يكون هذا التطور تعاقبى حتى يمكن الانتقال عبر مراحله ذات الطابع الحتمى ، وهكذا تم تدشين الأطوار الخمسة الشهيرة كمسيرة للتطور الإنساني كله ، حدثت ويجب أن تستكمل لكل مناطق العالم . من الشيوعية البدائية ، إلى العبودية ، ثم الإقطاعية ، فالرأسمالية ، وصولا إلى الاشتراكية .
ولكن سمير أمين يرى أن تاريخ الإنسانية لم يكن تعاقبيا ، ومن ثم لن يكون بالضرورة تعاقبيا ، فقد كانت الحضارات الأقدم والأعظم لعالم ما قبل الرأسمالية ، حضارات الصين ومصر ، منظمة بطريقة تضمن لها الاستقرار والمرونة فى نفس الوقت ، والذى يمكنها من استيعاب النقد المستمر ، وان لم يؤكد إمكانية انفتاحها على التطور الدائم ، وهو يرى أن سبب توقفها يعود إلى ا لبطئ المحدود للقوى المنتجة ، وهذا ليس تفسير كافى لتوقف هذه الحضارات القديمة ، كما أنه يلتقى مع تيار الاشتراكية الديمقراطية الذى سبق وأن عاب عليه دور تطور القوى المنتجة كسبب للتطور ، واعتقد أن ذلك يمثل نقطة ضعف واضحة فى صلب نظرية سمير أمين .
ومع ذلك فأنه يعتبر الحضارات القديمة تمثل نموذج لحضارات ناجزه ، بالمقابل مع حضارات مستقلة تشكلت فى محيط هذه الحضارات لم تستكمل صفة الإنجاز، وهى حضارات اقل لمعانا ، وبسبب عدم استكمالها للإنجاز تصبح الأكثر استعدادا لتكوين أشكال تنظيم جديدة ، تكون ملائمة لتطور متفوق للقوى المنتجة ، وهكذا يصل سمير أمين لفرضيته الأولى ، والتى تقوم على أساس أن أى نظام لا يتم تجاوزه انطلاقا من مركزه ، ولكن من محيطه ، مثاله على ذلك ولادة الرأسمالية انطلاقا من محيط الأنظمة الخاصة بالحضارات الكبرى القديمة ، ولا يقف عند هذا الحد بل يصيغ هذه الفرضية باعتبارها قانون عام يميز التطور الإنسانى فى تاريخه المستمر ، قانون التطور الامتكافئ الذى يقضى بأن تجاوز أى نظام لا يتحقق فى مركزه ولكن انطلاقا من محيطه !! أليست هذه حتمية أكثر صرامة من حتمية مراحل النمو التى يناقضها سمير أمين ، سواء فى صورتها البورجوازية ، أو صورتها الماركسية ، كما أن هذا القانون حكم تصوره وجعله ينتظر ولادة الاشتراكية من اطراف النظام الرأسمالى ، وليس من داخل مركزه الأكثر تقدما فى قوى الانتاج ، والذى يتميز بوضوح الصراع الاجتماعى بداخلة وبتكرار ازماته الدورية ، لوجود تبلور طبقى ناجز فى بنيته الاجتماعية ، وهذا ما كان يعول عليه ماركس وعديد من المفكرين الثوريين اتباع الثورة الدائمة ، كما أن هذا التصور وضع البلدان النامية والأصح المتخلفة فى إشكالية البحث عن منقذ وعن قوى اجتماعية جديدة تستطيع القيام بتغيير النظام الرأسمالى من خارجه ، ومن هنا كانت تداعيات تصوره فى ضرورة فك ارتباط هذه البلدان المتخلفة وضرورة خروجها من النظام الرأسمالى والاعتماد على الذات من أجل بناء اشتراكية جديدة على أسس سليمة . ولا يفوتنا أن نشير إلى أن بعض بلدان جنوب وشرق أسيا قد حققت درجة من التطور بأقتداء نظام الاقتصاد الحر الرأسمالى ، وبالتفاعل مع السوق العالمى دون اللجوء إلى فلك الارتباط معه ، بعد أن كانت من أكثر بلدان العالم تخلفا ، وعلى نفس الدرب تسير ولو من خلال مدخل متضافر بين نزعة رأسمالية ونزعة اشتراكية تجربة الصين محققة درجة من التطور والنمو الاقتصادى السريع خاصة بعد الانفتاح على الأخذ بالنظامين .
مفاهيم أساسية ـ أنماط الإنتاج ـ التشكيلات الاجتماعية
يضع سميرأمين تصور خاص لفهم التاريخ الإنسانى ليس على أساس تعاقبى ، ولكن من خلال مفهومين محددين هما : أنماط الإنتاج ، والتشكيلات الاجتماعية ، ويقترح أن يتم التمييز بين خمسة أنماط إنتاج هى
· نمط إنتاج جماعى بدائى : وهو السابق على كل الأنماط ، والشكل الأولى لإرساء بداية تمايز طبقى جنينى ، يقوم على أساس تنظيم العمل بشكل فردى أو عائلى ، والأرض هى وسيلة العمل الأساسية ، الملكية تبقى جماعية للعشيرة ، ولكن الاستعمال يكون حرا أمام كل الأفراد ، لا يوجد تبادل تجارى ، ويتم توزيع الإنتاج حسب قواعد القرابة ، وحيث أن بعض العائلات تحوز الأقسام الأجود من الأرض ، أو الأفضل موقعا ، أو المساحة الأوسع ، فأن كل ذلك يمثل جنين التمايز الطبقى ، وحيث يحق لكل فرد استخدام قطعة من الأرض ، فأن إمكانية البرتلة أى فصل المنتج عن وسائل إنتاجه غير ممكنة .

نمط الإنتاج الخراجى : وهو الشكل الأكثر شيوعا فى المرحلة ألما قبل رأسمالية .
نمط الإنتاج العبودى : والذى يشكل نمط نادر ومشتت فى التاريخ الإنسانى .
نمط الإنتاج السلعى البسيط : يؤلف شكلا متواتر فى التاريخ ، بدون تشكيلة اجتماعية.
نمط الإنتاج الرأسمالى .

وبما أن نمط الإنتاج الخراجى هو الشكل العام للمجتمع الطبقى ما قبل الرأسمالى ، وهوالأكثر شيوعا فى التاريخ البشرى ، فأن سمير أمين يركز فى شرحه ويعتبره جوهر نظريته فى التطور الامتكافئ ، وهذا النمط يتسم بانقسام المجتمع إلى طبقتين أساسيتين : الطبقة الفلاحية المنتظمة فى جماعات ، والطبقة القائدة التى تحتكر وظائف التنظيم السياسى ، وتستحوذ على الخراج بشكل غير سلعى من ناتج عمل الفلاحين ، وهناك شكل أكثر تطورا داخل النمط الخراجى يصبح نظاما إقطاعيا ، أى تحل فيه الطبقة القائدة محل الجماعة فى الملكية المباشرة للأرض ، لذا فأنه ينقسم إلى طبقتين ، طبقة الأسياد التى تمتلك الأرض ، وطبقة الأفنان ، ويستحوذ الأسياد على الفائض مع غياب التبادل التجارى ، وهذا النمط مهدد بالتفكك إذا حاول السيد الإقطاعى التخلص من قسم من المنتجين ، أو تحرير أقنانه .
والنمط الخراجى الذى يسمى أحيانا دون مراعاة الدقة ” بالنمط الآسيوى ” موجود فى القارات الأربع : أسيا فى الصين والهند ، وبلاد ما بين النهرين . وفى أفريقيا مصر وأفريقيا السوداء . ثم فى أوروبا . وفى أمريكا الهندية
أما عن التشكيلات الاجتماعية ، فنظرا لعدم وجود أى من هذه الأنماط الإنتاجية فى حالته الصافية ، فالمجتمعات التاريخية هى تشكيلات تتضافر فيها أنماط إنتاجية مختلفة وعلاقات اجتماعية متباينة ، ولكن يوجد دائما نمط إنتاج سائد مع مجموعة من الأنماط الهامشية خاضعة له ، وهكذا نجد أن نمط الإنتاج الخراجى المبكر أو الإقطاعى يتواجد معه نمط سلعى بسيط أو نمط عبودى ، ونفس الأمر قد يتشابك مع النمط الرأسمالى أنماط أخرى ، فالولايات المتحدة الأمريكية كانت نظام رأسمالى يتشابك معه نمط عبودى خلال الحقبة الكلاسيكية ، وكل المجتمعات القبل رأسمالية هى تشكبلات اجتماعية قد يكون النمط المسيطر جماعى أو خراجى مع وجود علاقات تجارية بسيطة ، وعلاقات تجارية بعيدة المدى .
والتجارة البعيدة المدى ليست نمط إنتاج ، ولكنها تشكيلات اجتماعية تربط بين مجتمعات لا تعرف بعضها البعض ، أى تربط بين منتجات يجهل كلفتها المجتمع المصدرة اليه ، وتمثل بالنسبة له منتجات نادرة ، لذا فان الفئات التى تحتكر تجارتها تحقق أرباح عالية ، وبهذا فان التجارة البعيدة المدى تساعد عن طريق هذا الربح الاحتكارى على انتقال الفائض من مجتمع إلى آخر ، وهذا الفائض المنقول يمكن أن يكون أساسيا ويشكل بالنسبة للمجتمع الذى يستفيد منه القاعدة الرئيسية لثروة ولقوة الطبقات القائدة فيه ، ويمكن أن يتوقف مصير حضارة ما بأكملها على هذه التجارة ، وأن يدفع تغير خطوط التبادل التجارى إلى انحطاط مناطق أو ازدهار مناطق أخرى ، دون أن يكون لهذا أى أثر هام على تطور القوى المنتجة أو على تدهورها .
أن تحليل تشكيلة اجتماعية يجب أن يتركز على تحليل طبيعة الفائض من حيث ، نمط توليد هذا الفائض ، وكيفية توزيعه ، ومستوى تطور القوى المنتجة أى درجة تقسيم العمل ، ومستوى تطور قوى الإنتاج أى التقدم التكنولوجى ، ويأخذ الفائض أشكالا مختلفة حسب أنماط الإنتاج ، فهو غير سلعى ( خراج ، ريع طبيعى 00 الخ ) أو سلعى وفى هذه الحالة يطلق عليه ” فائض القيمة ” وفى نمط الإنتاج الرأسمالى يكون الربح هو الشكل الخاص الذى يأخذه فائض القيمة .
وبما أن كل تشكيلة اجتماعية هى مركب من عدة أنماط إنتاجية ، فان الفائض يتكون من تضافر فوائض من أصول مختلفة ، والمسألة الأساسية بالنسبة للتشكيلة الاجتماعية هى معرفة نمط الإنتاج السائد ، وبالتالى شكل الفائض السائد أيضا ، وكذلك معرفة إلى أى مدى يعيش المجتمع على فائض يتحقق داخله أم على فائض قادم من مجتمع أخر ، أو بمعنى آخر ما هو الموقع الذى تحتله التجارة البعيدة فى هذا المجتمع ، كما أن توزيع الفائض هو الذى يعطى للتشكيلة وجهها الحقيقى .
وعائلة التشكيلات الأكثر شيوعا فى تاريخ الحضارات الماقبل رأسمالية هى عائلة التشكيلات الخراجية ، التى يمكن تمايزها بين تشكيلات خراجية غنية ، مؤسسة على فائض داخلى عظيم كما فى مصر والصين ، وتشكيلات خراجية فقيرة لضائلة الفائض الداخلى ، وهى تمثل غالبية التشكيلات للحضارات القديمة والوسيطة ، وتشكيلات خراجية سلعية ، تظهر هنا وهناك لفترات قصيرة أو طويلة حسب تقلبات طرق التجارة ومثالها اليونان القديمة والعالم العربى .
كما أن تحليل التشكيلات الاجتماعية يلقى الضوء كذلك على مسألة الطبقات ، فلكل نمط إنتاج تشكيل طبقى معين فى حالة تناحر وصراع ، فى النمط الخراجى توجد الطبقة / الدولة فى مقابل الفلاحون ، فى العبودى الأسياد مقابل العبيد ، فى الإقطاعى الإقطاعيون مقابل الأفنان ، فى النمط الرأسمالى البورجوازية فى مواجهة البروليتاريا ، وكل هذه الطبقات تجد تعريفها بالوظيفة التى تحتلها فى عملية الإنتاج ، لكن الأمر لا يتعلق بملكية وسائل الإنتاج ، فالطبقة / الدولة فى النمط الخراجى ليست مالكة للأرض ، بل هى ملك الجماعة ، أما النمط الإقطاعى فليس له إلا الملكية العامة للأرض ، بينما تحتفظ الجماعة بحق الانتفاع فقط ، ومع ذلك فان كلا الطبقتين – الدولة وكذلك الإقطاعى – هما اللذان ينظمان و يخططان عملية الإنتاج ، ومن ثم فهما تسيطران على عملية الإنتاج وعلى المجتمع .
تقود أيضا دراسة التشكيلات الاجتماعية إلى طرح مشكلة الأمة ، والتى يرى كثيرين أنها لم تظهر إلا فى إطار النظام الرأسمالى الحديث ، والأمر على خلاف ذلك فالأمة فى مصر والصين كانت سابقة بوقت طويل على وجود النظام الرأسمالى ، ويحدد سمير أمين مفهومين لتوضيح وجهة نظره فى هذا الصدد ، فهو يفرق بين مفهوم القوم ومفهوم الأمة ، فالقوم مجرد جماعة لغوية ثقافية وتماثلا فى البيئة الجغرافية ، أما الأمة فتتجاوز ذلك ، وكما يقول سعد زهران فأن الأمة تظهر فى الواقع إذا استطاعت طبقة اجتماعية متحكمة فى جهاز الدولة المركزية أن تضمن وحدة اقتصادية لحياة الجماعة ، أى إذا كان تنظيم إنتاج الفائض وتوزيعه يخلق تضامنا فى مصير الأقاليم المتعددة ، وهكذا ففى المناطق التى يتطلب تنظيم الرى أداره مركزية وتخطيط حاكم للإنتاج على مستوى كل البلاد ، فأننا نرى الطبقة / الدولة المسيطرة تحول الإمبراطورية إلى أمة ، ومثال ذلك الصين رغم تعدد وتنوع الأقاليم ، والنموذج الأمثل فى مصر ، وهما دليلان على تشكل الأمم قبل وجود النظام الرأسمالى بآلاف السنين ، أما إذا كان شرط التماثل القومى ليس متحققا ، أو شرط الوحدة الاقتصادية ، فلا توجد أمة ، ولكن توجد إمبراطورية كما هو الحال فى الهند .
الطبقة / الدولة ليست الوحيدة التى تستطيع تحقيق ذلك ، فهناك طبقة التجار فى التشكيلات الخراجية التجارية ، أو العبودية / التجارية ، الوحدة هنا مضمونة عن طريق تداول الفائض ، ففى اليونان القديم والعالم العربى تشكلت أمم من هذا النوع ، فى اليونان وجدت الأمة رغم غياب السطة المركزية ، وفى العالم العربى كان التماثل القومى بفضل اللغة والثقافة ، وما حققته الطبقة التجارية المتحالفة مع المحاربين من وحدة اقتصادية ، وبهذا تشكلت الأمة العربية فى عصور الازدهار التجارى .
والأمم التى تأسست على قاعدة طبقة التجار تظل متوقفة على قوة هذه الطبقة ، تزدهر بازدهارها أو تتلاشى حسب مصير الطبقة ، فالظاهرة القومية هنا يمكن أن تنقلب ، وحالة العالم العربى الذى كان الفائض الأساسي يأتيه من الخارج ، ولم يكن يتولد فى داخل المجتمع ، نجد أن تقلبات هذا الفائض تترافق مع تقلبات الحضارة وقوة الأمة ، وانحطاط التجارة سيجر معه انحطاط طبقة التجار/ المحاربين ، وهنا تتلاشى الأمة ويتفرق الجمع إلى أقوام .
واهم ما يوجد فى أطروحة سمير أمين سؤاله الذى يتردد فى مجمل كتاباته ، خاصة كتابه الأثير ” التطور الامتكافئ ” لماذا لم ينجب العالم العربى أو الصين رأسمالية محلية ؟ ؛ وهو فى سبيل ذلك يدير نقاش حول أصول الرأسمالية ، فى البداية يشير إلى تصادم مدرستان ، فبالنسبة للبعض تولد الرأسمالية بفضل الاكتشافات الكبرى للقرن السادس عشر ، وتحت تأثير التجارة الأطلسية ، أما بالنسبة للبعض الآخر تظهر كنتيجة لتفكيك العلاقات الإقطاعية .
وفى هذا الصدد يشير إلى ضرورة توفر شرطين أساسيين : التكديح ، وتراكم رأس المال النقدى ، فأذا كان تراكم رأس المال النقدى قد وجد لدى جميع المجتمعات التجارية الشرقية ، إلا أنه لم يؤدى إلى تطور علاقات رأسمالية لأنه لم توجد فى هذه المجتمعات أيد عاملة حرة وجاهزة ، أى عملية التكديح التى تتطلب طرد قسم من السكان الزراعيين من الجماعة القروية ، وهذه العملية لم تجد تفسيرا لها إلا فى أوروبا من خلال تفكيك العلاقات الإقطاعية ، من هنا فأن ترابط الشرطين ضرورى ، وغياب هذا الترابط هو الذى اعاق تولد الرأسمالية فى العالم العربى .
أن النقد والتجارة قد وجدا قبل الرأسمالية ، وهما يظهران منذ يحوز المنتجون على فائض ، ومنذ أن يصبح فى مقدور تقسيم العمل أن يتيح تبادل السلع ، لكن ليس كل تبادل بالضرورة تجاريا ، فالتبادل بين المنتجين الصغار لا يحتاج إلى وسيط تجارى متخصص ، وقد لا يحتاج إلى نقد ، وهناك فرق بين الوسيط التجارى الذى يجنى الفوائد التى مصدرها اختلاف القيم بين مجتمعين يتاجران بمواد نادرة ، وهذه الفائدة يجب تمييزها عن الربح الذى يحققه رأس المال التجارى ، فقط فى نمط الإنتاج الرأسمالى تصبح التجارة فعالية رأسمالية مثل الإنتاج الصناعى ، ويظهر الرأسمال التجارى الذى يحقق الربح المتولد من داخل المجتمع .
وهذه الوظيفة التجارية تحتاج إلى شرائح خاصة جدا ، قوم متخصصين كاليهود فى أوروبا الوسيطة ، وتنشأ من خلال ذلك مدن ومجتمعات تقوم بوظيفة الوسطاء بين التشكيلات المختلفة ، مثل المدن الفينيقية واليونانية ، والمدن الإيطالية التى نشأت فى القرن الثانى عشر حتى السادس عشر ؛ وعندما لا يكون التجار مجتمعين فى مدن مستقلة أو فى طوائف فسنجدهم ضمن مجموعات مغلقة ، قد تتكون هنا ثروات مكنوزة ، ولكن لا ينبع عنها رأسمالية ، وهناك من يخلط بين النقد والرأسمال ويرى ما حدث فى الصين أو عند الفينيقيين واليونان والرمان وعند العرب فى القرون الوسطى شكل من الرأسمالية ، ولكن يبقى السؤال : لماذا إذن لا نجد سوى الرأسمالية الأوروبية .
للرد على ذلك يشير سمير أمين أنه تم التذرع بالدين – البروستنتية حسب ماكس فيبر – أو العرق – الصفات الخاصة النابعة عن ديمقراطية الجرمان – أو عبقرية التراث اليونانى ، مما أعطى للأوربيين تفوق خاص على باقى الشعوب .
فى الواقع ليس من الضرورى أن يقود تركز الثروة / النقدية لدى التجار إلى الرأسمالية ، بل لا بد من توفر تفكيك للنمط المافبل رأسمالى فى التشكيلات الخاصة بالتجارة وإلى توليد التكديح ، أى فصل المنتجين عن وسائل إنتاجهم ، وبالتالى ينفتح الطريق نحو سوق عمل حرة ، هذا ما حدث فى أوروبا ولم يحدث لا فى الصين ولا فى العالم العربى ولا فى أى مكان آخر : لماذا وكيف ؟
الأمر يعود أساسا إلى طبيعة نمط الإنتاج الخراجى الإقطاعى غير الناجز الذى وجد فى أوروبا البربرية المتخلفة والتى يسهل تفككها ، على عكس النمط الخراجى الناجز الذى يستعصى على التفكيك لوجود سلطة مركزية قادرة على حماية الجماعات القروية ، وحتى أثناء فترات الانحطاط حين تضعف السلطة المركزية ، كان المجتمع يتحول إلى ما يشبه الإقطاعية كتدهور أو انحراف عن النموذج ، ولكن تمردات الفلاحين كانت تأتى لتقيم من جديد النظام الخراجى عن طريق إعادة بناء الدولة المركزية ، وتحطيم الإقطاعيين .
أما النمط الإقطاعى ذى الطابع المتخلف فقد كانت القطاعات التجارية تتمتع بقسط أوفر من الاستقلالية ، وقد ترافق مع هروب الفلاحون الاقنان من الظلم الإقطاعى ، قيام الأسياد بطرد الفلاحين بهدف تحديث المؤسسة الإنتاجية ، وقد تجمع أولئك وهؤلاء فى المدن الحرة وكونوا برولتياريا تحت طلب التجار الذين يتحكمون فى هذه المدن ، وهكذا رأينا ازدهار الإنتاج البضاعى الحرفى الحر ، الذى يقوم على العمل المأجور ، مما مكن تجار هذه المدن الحرة من تحقيق منجزات ذهبت ابعد من زملائهم فى التشكيلات الخراجية الناجزة .
ومنذ القرن السادس عشر بدأت المدن التجارية وسكانها تتطور ويتسع المجال التجارى نحو المحيط الأطلسي ، دامجا أمريكا فى محيط هذا النظام ، وتمكن تجار هذه المدن من إخضاع الشركات والتحالف مع الأنظمة الملكية الوليدة لدعم طموحاتها فى السيطرة على طرق التجارة الدولية ؛ وستساهم عروض الثروة الجديدة بدورها فى الإسراع بتفكيك العلاقات الإقطاعية ، فمن اجل الحصول على ما تطرحه السوق الحرة من منتجات وجب على الأسياد الإقطاعيين أن يحدثوا استثماراتهم حتى يمكنهم أن يحصلوا على فائض أعظم ، وأن يعطوا لهذا الفائض شكلا نقديا ، وهذا التحديث فرض عليهم الاستمرار فى طرد الفضلة الباقية من السكان ، وأخذ الريع بالنقد يحل محل الريع الطبيعى ، مما أدى إلى تحول الزراعة الإقطاعية إلى زراعة رأسمالية ، أما عن طريق تحول الإقطاعيين إلى ملاك رأسماليين ، أو عن طريق ظهور طبقة جديدة من الكولاك من خلال تحرر الفلاحين .
ومن اجل فهم طبيعة هذه التحولات ، وكيف تم تحويل الملكية العقارية للأرض إلى نمط إنتاج رأسمالى فأن سمير أمين يشير إلى تفرقة هامة بين طبيعة الريع ، وطبيعة الربح ، فالربح يفترض رأسمال ، أى امتلاك حصرى لوسائل الإنتاج ، التى هى نفسها حصيلة للعمل الاجتماعى ، بينما ينبع الريع من السيطرة الحصرية لطبقة على وسائل طبيعية ليست حصيلة العمل الاجتماعى ، إذن الرأسمال يستوجب العمل المأجور الحر ، وسوق حرة للعمل ، كما يفترض بيع قوة العمل فى سوق العمل ، أما الريع فأنه يقوم على العكس من ذلك بفرض عبودية الفلاح الشغيل وربطه بأرض الإقطاعية ، الذى لا يأخذ بالضرورة شكل حقوقى ، ولكن غالبا ما يكون مجرد حق استعمال الأرض .
الرأسمال بطبيعته متحرك ومنه يستنتج ماركس تحول القيمة إلى ثمن الإنتاج ، الذى يضمن الجزاء المتساوى للرساميل الفردية ، بينما يظل امتلاك العناصر الطبيعية لا منقولا بطبيعته ويظل الريع لا متكافئا حسب الأرض ، وهكذا نرى أن الرأسمالية لم تتطور من فراغ ولكن فى حضن التشكيلات السابقة ، فحيث كانت الملكية العقارية تشكل عائق أمام التطور الرأسمالى فقد تحولت الزراعة إلى راسمال زراعى منذ بدأ المالك العقارى يفقد وظيفته ودوره وتحول إلى مزارع رأسمالى ، كما ساهمت أيضا القطاعات الجديدة الصناعية التى لم تخضع للعلاقات السابقة فى دفع وتيرة التطور الرأسمالى .
وهكذا إذن فأن العنصرين – التجارة البعيدة المدى وتفكك العلاقات الإقطاعية – يتفاعلان معا لينجبا نمط الإنتاج الرأسمالى ، وتمركز الثروة النقدية قد ينجب رأسمالا امكانيا ا ، ولكن يجب أن يتحقق التركز على ايدى التجار ثم بعد ذلك عند الرأسماليين الزراعيين الجدد كى يصبح الرأسمال الامكانى رأسمالا فعليا بفضل تفكك العلاقات الإقطاعية ، وتحرير اليد العاملة ، فيصبح هؤلاء عمال مأجورين عند الرأسماليين الجدد ، كما عند الملاك والمزارعين الجدد .

 

المصدر: https://www.ahewar.org/debat/s.asp?aid=75782&t=4

السينما كفلسفة

Untitled (2)

عندما نشاهدُ فيلمًا عميقًا، فيلمٌ يثير لدينا أسئلة ذات أصولٍ فلسفية، فيلم يجعلنا نستشعر مقولة جان لوك غودار: “إن السينما هي أجمل خدعة على الإطلاق”، خاصةً تلك الأفلام التي أخرجها مُخرجون كبار في تاريخ السينما مثل تاركوفسكي، بيرغمان، فيسكونتي، أنجلوبولوس، قودار، باراجانوف وغيرهم من مخرجين كبار صنعوا أفلامًا ليست مشابهة لتلك الأفلام التجارية التي تستهدف المتعة اللحظية فقط وتنتهي هذه المتعة وتنتهي علاقة الفيلم بالمشاهد بانتهائه.

إن فلسفة السينما أحد الموضوعات التي أُهمل نصيبها من الترجمة والكتابة في العالم العربي. ربما لقلة المشتغلين بالفلسفة من العرب بالسينما أو ربما لاعتبار الاهتمام بهذه الأمور وبمجال الاستطيقا بشكل عام من مظاهر الترف، خاصة في منطقة تغلب عليها الأزمات السياسية والخلافات الدينية. بعكس الفلاسفة الغربيين الذين اهتموا بمجال السينما وحللّوها من عين الفيلسوف المفكِّك للمَشاهد وللأفكار المطروحة في الفيلم، فلاسفة مثل ثيودور أدورنو والفيلسوف الفرنسي جيل دولوز والذي يحتل مكانة خاصة في مجال الفلسفة السينمائية وإسهامات هنري بيرغسون، وجاك دريدا وآلان باديو وفلاسفة معاصرين مثل سلافوي جيجيك وجاك رانسيير وجورجيو أغامبين، أيضًا من نقاد ومنظرين سينما كبار مثل أندري بازين وكريستيان ميتز وجان ميتري وبازوليني وإيريك رومير.

نقطة بداية جيدة لهذا الموضوع المتشعب هي بتحرير مصطلحاته والوقوف عند الحاجة لهذه الفلسفة في حياتنا اليومية وتأثير السينما بشكل عام، ومن أجل معرفة حدود وأين تقف فلسفة السينما وإشكالات التأويل.

ما هي السينما؟ ما هي فلسفة السينما؟

يعتبر أندري بازين في عمله الرائع من جزئين بعنوان “السينما ما هي؟”، أن سؤال “ما هي السينما؟” سؤال أنطولوجي، بمعنى أنه فعليًا سؤالٌ عن كيفية قيام السينما بجمع أجزاء مختلفة وظيفيًا، وأدوات تعبيرية متفاوتة في قدرتها على التعبير، وأساليب وتقنيات مختلفة لإنتاج وحدة كاملة هي الفيلم.

فالأنطولوجيا تُعرف بأنها دراسة الوجود، لكن ككل الدراسات اختلف الفلاسفة تاريخيًا والمفكرون بينهم فيما تعني الإنطولوجيا بالنسبة لكل منهم. بالعودة إلى السينما، فبإمكاننا اعتبار السينما هذا الوسط الخلَاق الذي باستطاعته أن ينتج أشياءً مختلفة. هذا الوسط -أي السينما- الذي يعنيه فلاسفة السينما ومنظّروها عندما يتحدثون عن ما يحكُم ويحرّك وينتج خواص هذا الوجود في حديثهم عن الأنطولوجيا.

إن صناعة الفيلم بأنواعها قد أعادت تشكيل المعرفة من خلال ما تقدمه من طرق مختلفة في طرح وتقديم الأفكار وتغيير مسلّماتنا وإثارتنا بكل الأشكال الانفعالية، كل هذا من خلال المجال المفتوح لها للافتراض وإبداع المتغير وتحقيق هدف معين.

ومن خلال هذا المجال المفتوح من الأدوات، يقوم الفيلم بعرض آرائنا في الأشياء من حولنا والتشكيك فيها، بل حتى التشكيك والتفكير في طريقة تفكيرنا ذاتها كعملية خاصة بالإدراك. من خلال هذا النوع من الطرح، يصبح أيضًا سؤال “ما هي السينما؟” سؤالًا فينومونولجيًّا، حيث هذه الاستنتاجات السينمائية للوعي والوجود كائنة ومتلقاة عبر إدراكنا للتجربة والحركة السينمائية.

لذلك يعتبر بازين “أن السينما لم تُخترع بعد”، فما السينما إلا إنزال مفاهيمنا الإدراكية حول السينما لمستوى المشعور به، لكن هذه الوِحدة -الفيلم- لم تخترع بعد. وهذا شيء خاص بالسينما وحدها وبأنطولوجية صورها فقط. فالسينما كما يعتبرها جاك رانسيير “تعبر عن صورة علمانية للفن”؛ بمعنى أنها تفصل ما بينها وبين الفنون الأخرى وما يسميه بالنظام الاستطيقي (aesthetic regime) بخط واضح ولا تكتفي بالاختلاف عن الفنون الأخرى لمجرد الاختلاف بالأدوات، بل تختلف مع نفسها أيضًا لتمتلك هوية اختلافية قادرة على التعبير عن طرف ثالث على حد تعبيره في استحضار واضح لمفاهيم جدلية هيجلية. وسأكتفي بهذا التفكيك لبازين بدلًا من الإطالة في التعريفات الأكاديمية للسينما والتي قد لا تخدم موضوعنا.

أما ماهي فلسفة السينما؟ فهو سؤالٌ صعب أن يُختصر جوابه، ليس فقط لأنها امتداد من فلسفة الجمال المتشعبة والتي يطول الحديث عنها، بل لأنها تغيرت وتطورت بتطور آليات وتقنيات السينما بشكل أسرع وأكثر من أي مجالٍ فنيّ آخر. فمن السينما الصامتة أو السينما-الحركة كما سماها وخصها جيل دولوز بمؤلف مهم، إلى السينما الزمنية وتقنيات التقطيع والمونتاج أو ما أسماه دولوز الصورة-الزمن في مؤلفه الثاني.

فالفلسفة السينمائية تبدأ من الصورة الصوتية المتحركة، حيث تنتج هذه الحركة للصورة ما يسمى “صيغة سينمائية”   ( Cinematic form ) ، هذه الصيغ تعتبر شبيهة بقنوات الاتصال فهي طريقة تواصل وحامل للمعلومة والدلالات اللغوية، وليس فقط قادرة على إيصال الرسالة وقادرة على الكشف عن “كيانات” مادية واجتماعية، بل إنتاجها أيضًا وهذا من خصائص السينما فقط ربما.

كل هذا يُنتج ما أسماه دولوز بالصورة-الإحساس والصورة-الفعل التي بالرغم من قدرتها الكلامية من خلال النص السينمائي؛ إلا أنها لدى دولوز ليس لها لسان ولا لغة؛ بل هي كتلة تشكيلية ومادة غير دالة، ليحيلنا دولوز إلى مرحلة السيميوتيك (علم الإشارة العامة) الذي يعرّفه بأنه منظومة الصور والإشارات المستقلة عن اللغة. ليصبح الفيلسوف السينمائي ليس مجرد مشاهد سلبي، بل مشارك في هذه الشبكة من الدلالات والإشارات اللغوية من أجل تكريس وترسيخ المبدأ أو تحليل الإشكال الذي يناقشه الفيلم عبر هذه المادة الإعلامية المعقدة من صوت وصورة وحركة وإضاءة ونص وألوان، إلخ.

لذلك عن طريق ما توصلنا له مسبقًا نستطيع القول إن فلسفة السينما بشكلها التحليلي هي دراسة هذه الصيغ السينمائية ودلالاتها، أو بصيغة دولوز هي ممارسة جديدة للصور وللعلامات.

قدرة وحدود السينما على التعبير عن الفلسفة

تاريخيًّا، قلل العديد من المفكرين من قدرة السينما على التفلسف ويعترف بذلك كريستوفر فازلون أحد المدافعين عن السينما في هذا المجال في كتابه “الفلسفة تنتقل للأفلام” أنه: “منذ الحديث عن كهف أفلاطون، كان هناك تحامل على قدرة الصورة المرئية على التنوير الفلسفي”.

فعندما نتساءل عن إلى أي أحد بإمكان السينما التعبير عن الفلسفة؟ فمن وجهة نظري وهنا بالتأكيد لا أعمم قدرة الأفلام كلها على التعبير عن الفلسفة، فالكثير من الأفلام أفلام خفيفة تقصد نوعًا معينًا من المتعة أو أفلام تجارية لا تعبر عن محتوى يستحق الذكر. ربما يخطر مباشرة على بال أحدهم بأن مقدرة السينما على التعبير عن الفلسفة هي نفسها القدرة التعبيرية للفلسفة في الكتب والنصوص المقروءة، وهذا ليس صحيحًا.

فالسينما لا تعبر بفجاجة عن الفلسفة، وإنما تواجه الأسئلة الفلسفية بطريقتها الخاصة، وفعليًّا تلك هي الفلسفة: الاسم الجامع لجميع التساؤلات الإنسانية الأساسية. ففي كتابه الشهير “نقد العقل المحض”، أشار إيمانويل كانط إلى أن الفلسفة تحاول الإجابة على ثلاث تساؤلاتٍ رئيسة: ماذا باستطاعتي أن أعرف؟ وما يجدر عليّ فعله؟ وإلى ماذا آمُل؟ وهذه التساؤلات بداية جيدة لربط الفلسفة بالسينما.

فأفلام مثل أفلام تاركوفسكي التي تتساءل عن معاني الذاكرة والحلم والوطن والحنين إلى أفلام بيرغمان الأولى عن الأسئلة الوجودية عن اللاهوت والمغزى من الحياة إلى أفلامه المتأخرة عن العلاقات الإنسانية  والعاطفية… مثل هذه الأفلام، لا تمارس الفلسفة بشكل مباشر. فهي وسيلة تعبير عن الإشكال الأوليّ، فكما قال دولوز الذي انشغل بالسينما كوسيلة تحطيم لدوغمائية الفكر: “إنّ البحث عن وسائل جديدة للتعبير الفلسفي كان قد دُشّن من قبل نيتشه وينبغي اليوم أن تتمّ متابعته بالتجديد الذي شهدته بعض الفنون الأخرى مثل المسرح والسينما”.

سؤال آخر هنا: ما الفائدة من هذه الطريقة الجديدة في التعبير؟ هذا سؤال جيد لدى سلافوي جيجيك الذي لا يكتفي بالحاجة للتعبير عن الفلسفة، بل يبذهب للقول إن السينما تخبرنا عن الواقع في الحقيقة وتخبرنا كيف يعمل الإيمان بعُرف الواقع أو ما يسمّيه بـ “مفارقة الإيمان” ( paradox of belief)، فالواقع لدى جيجيك غير مكتمل وعدم الاكتمال هنا ليس بالمفهوم الكمّي، ولكن بالمعنى التحقّقي. فالواقع لن يتحقّق كليًا مهما يكن.

فيُصبح دور السينما وصف عدم الاكتمال هذا. فمثلًا، يتساءل جيجيك: لماذا ننبهر بالأفلام الخيالية -بغضّ النظر عن المؤثرات البصرية المُبهرة- رغم معرفتنا التامة بأن هذه المشاهد هي زيف وخرافة؟ هنا يصبح الحديث عن ما هو واقعيٌّ في الخيال وهو مكمّل للواقع غير المكتمل، وهنا قوة السينما الكبرى بالنسبة له، وكما يقول: “إننا نحتاج لفسحة من الخيال لنحدد بالضبط أين نحن في الواقع .”

عن التأويل السينمائي

إن القراءة للفيلم كطرح فلسفي هو تأويل له بطريقة معينة، فلماذا نقول إنّ أحد أفلام  هيتشكوك يساوي بين الجنون والعقل؟ ونذهب لتحليلات فرويدية لفهم الفيلم بينما قد يكون المعنى مختلفًا تمامًا؟ وهل هذا التفسير يغطي جميع جوانب الفيلم فعلًا أما أنه تأويل لجزء بنى عليه المتابع تأويله الخاص؟ هذا النوع من التأويل الاجتزائي الذي رفضته سوزان سونتاغ صاحبة العمل المعروف “ضد التأويل ومقالات أخرى”، والتي ترفض التأويل بشكله الاجتزائي الذي يأخذ جانبًا معينًا ويبني عليه تفسيرًا لمتحوى العمل الفني. لتحليل هذا الإشكال كتب ديفيد بوردويل كتابًا هو من أهم المؤلفات في هذا المجال بعنوان: “صنع المعنى”، فيطرح سؤالين أولهما: كيف لشخص أن يفهم ماذا يعني الفيلم؟ وإلامَ يشير أو يطرح أو يناقش؟ حيث هناك دائمًا أشياء نسبية بخصوص الفيلم أو في أجزاءٍ منه وهذا ما يسمى بالأسلوب التفسيري ( exegetical model )  ألا وهو التأويل لاستخلاص المعنى الشبيه بتأويل النص المكتوب.

والسؤال الثاني: هل هو هذا الأسلوب الصحيح في تأويل الأعمال السينمائية؟ الإشكال هنا هو في معاملة السينما كنص أو ما يسميه بوردويل “قراءة السينما”؛ وهو أن السينما لها بُعد مختلف وضيق مقارنة بالنص المكتوب، حيث للقارئ القدرة الأكبر في تحديد المعنى لكون فسحة وحيز الخيال أكبر عندما يحول الرمز والحرف المقروء لصورة في خياله، بينما في الصور التأويل يكون مختلفًا يكون أشبه بتأويل لغوي، وسؤال مثل هل اللون الأحمر الذي أراه هو ذات الأحمر الذي تراه؟ على الجانب الآخر هناك الخط الآخر للتأويل السينمائي الذي يعتمد على افتراض أساسي ألا وهو امتلاك معرفة مُسبقة لما تعنيه الدوافع النفسية لفعل ما أو لقول ما، وهذا التحليل الذي يعتمد على التحليل النفسي هو خط حديث في هذا المجال مقارنة بغيره. من أهم متبعي هذا الخط هو سلافوي جيجيك الذي يتخذ من المعاني اللاكانية -نسبة لجاك لاكان عالم النفس المعروف- أساسًا ننطلق منه للتأويل. فنحن نعرف ماذا يعني الواقع واللذة والخوف والأيدولوجيا، إلخ.

ختامًا، أحب أن أستذكر رأي تاركوفسكي في التجربة السينمائية من كتابه “النحت في الزمن”، الذي يقول فيه:

“لماذا يذهب الناس إلى السينما؟ ماذا يأخذهم إلى غرفة مظلمة لمدة ساعتين ليشاهدوا عرضًا لمجموعة ظلال على ستار؟ هل يبحثون عن الترفيه؟ هل هم بحاجة إلى مخدر من نوعٍ ما؟ هناك الكثير من المنظمات حول العالم تستغل السينما والتلفزيون وأشياء أخرى.

نقطة البداية بالنسبة لنا هي أن لا نكون من ضمن هؤلاء، بل أن نكون ضمن أساسيات السينما المهمة، والتي تُعنى بحاجة الإنسان لتطويع ومعرفة العالم. وأنا أعتقد شخصيًا، أن الشخص منا يذهب للسينما من أجل الوقت: الوقت الذي ضاع منه أو قضاه وانتهى أو الوقت الذي حتى الآن لم يحصل عليه. فيذهب إلى السينما ليعيش تجربة، فالسينما تختلف عن بقية الفنون بأنها تحسّن وتوسّع وتكثّف التجربة الشخصية للإنسان، ولا تكتفي بتحسينها فقط، بل تطيل من مدتها وهذه قوة السينما”.

نشر في: صحيفة التقرير الإلكترونية