حتى لا تقتلنا الذكورية

خاضت الحركة النسوية صراعًا طويلًا ضد خصوم كثر على مدى تاريخها، خاصةً مع تشكل النسوية كنظرية اجتماعية في أواخر القرن التاسع عشر. ولأنّه ليس بالضرورة أن تتقدم النظرية كنموذجٍ خطيّ تغيرت أوجه هؤلاء الخصوم بتغير النمط الفكري المرتبط بنوعية الهيمنة المسيطرة في تلك الحقبة؛ من رجال الدين إلى الدولة كجهاز إلى الطبقة المهيمنة وثقافتها البرجوازية.

ربما لذلك اعتبر اليسار في العوالم الثالثة أن النسوية هي مقاومة من ناحية المنهج ضد المُضطهِدين و خاصة تأثير الإمبريالية بأنواعها والثقافية منها بالذات؛ وهذا ما شكل اتحادًا بين نسويات العالم الثالث مع نسويات من أصول أفريقية ولاتينية وآسيوية في أمريكا وأوروبا باعتبار أن الإمبريالية وهيمنة العرق الأبيض هي مفهوم كوزموبوليتاني انطلاقًا من مفاهيم ماركسية .

لذلك نجد الخطاب يتشابه بين النسويات الراديكاليات الأمريكيات والأوروبيات مع نظيراتهن في العوالم الثالثة، وهذا التشابه قام بتنحية خطاب النسوية البرجوازية الذي لا يعبر عن المرأة بصفتها طبقةً مقهورةً إلّا في حالة معينة مثل ارتباط النسوية بالدولة وظهور بطريركية الدولة كراعٍ للحراك النسوي.

لذلك تعتبر الناقدة الأمريكية بيل هوكس النسوية بأنها:”التزام باجتثاث أيدولوجية الهيمنة التي تتخلل الثقافة الغربية على جميع المستويات -الجنس والعرق والطبقة، وهذا غيض من فيض- والتزام بإعادة تنظيم المجتمع، بحيث يمكن للمجتمع الداخلي تنمية ذاته وحيازة الأسبقية على الإمبريالية بأشكالها وعلى التوسع الاقتصادي والاستهلاكي من خلال هذه التنمية الذاتية”.

لذلك يجب أن نعيد صياغة بعض المفاهيم المتجددة التي أهملتها الترجمة العربية والنقد العربي الذي حصر ذاته في دائرة الجنسنة والمرأة في الإسلام والسياق المُعلمن لتحريرها دون دراسة جدية في أشكال الاضطهاد للمرأة إلا نادرًا، وكما قالت النسوية الأمريكية المعروفة أودري لورد:”يجب أن ننغمس في دراسة الذكورية حتى لا تخنقنا الذكورية ذاتها”.

نقد مفاهيم هرمية الاضطهاد:

بسبب هذا الاتفاق في الخطاب الراديكالي الرائج، أصبحت النظرية النسوية تعاني من مشاكل الاختزال وضيق الأفق مثل العناية المفرطة بتصنيف الاضطهاد وأنواعه ودرجاته من مكان لآخر ومن زمن لزمن بالرغم أن مضمون الاضطهاد ذاته باقٍ.

وهذا النموذج في التحليل والذي يسمى “هرمية الاضطهاد”تكمن إشكاليته في أنه سيضطر لتبرير الاختلاف في الاضطهاد بسبب واحد ربما الرأسمالية، أو مفهوم الجنوسة، أو الأمومة والعائلة، أو ربما الإرث التاريخي لهذه الثقافة مقارنة بتلك، أو أنه يضع سببًا للاضطهاد فوق سبب آخر بحكم الأسبقية في الحدوث أو العمق أو الأكثرية.

وهذا ما ينتقده الجيل المعاصر من الناقدات الأمريكيات خاصة من بعد منتصف القرن العشرين، واللواتي يؤكدن بأن الاضطهاد عملية”تقاطعية” intersectionality)) بين العرق والطبقة والجنوسة أو الجنسانية وليست تراكمية بالضرورة عموديًّا، فهي كما تصفها هوكس بأنها “أنظمة متشابكة للهيمنة”هذا النموذج الفكري (الباراديغم) في النظر لقضية النسوية هو ما يجب أن يُطرح ضد فكرة هرمية الاضطهاد التي لطالما سببت خللًا منهجيًا في الحراك النسوي مثل ما سببته من حيرة وارتباك في حراك النساء العاملات من أصول أفريقية ولاتينية في الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي. ففي أي الجهات عليهن المحاربة؟ وفي أي الجمعيات وأي الأخويات عليهن الانضمام؟ هل مع الرجال من نفس لون بشرتهن بحكم هيمنة البشرة البيضاء؟ أم مع النساء العاملات ذوات البشرة البيضاء بحكم أن الطبقة البرجوازية المُستغلة للعمال هي سبب النظرة الفوقية للمرأة العاملة باختلاف أصلها العرقي؟ فهرمية الاضطهاد تلقى قبولًا ربما لقدم الفكرة ولبديهيتها رغم أنّ النسويات المعاصرات أوجدن أدلة تاريخية تنفي مبدأ هرمية الاضطهاد بناء على ممارسات تاريخية تعود إلى القرن التاسع عشر، حيث تشير أنجلينا غريمكه إلى أن النسوة البيض تواطأن في اضطهاد العبيد الإناث اضطهادًا جنسيًّا فظيعًا، رغم أن هؤلاء النساء البيض لم يكنّ غير نساء مشرفات على الفتيات السود أي عاملات ويشاركن هؤلاء المضطهدات نفس الاستغلال الطبقي، ولم يكنّ يقمن بذلك بدافعٍ عنصريّ أيضًا، بل تقاطع بين ذلك كله.

السياسة الجنسية والسلطة وبطريركية الدولة :

من المفاهيم النسوية التي لا بد من إعادة النظر فيها هو مفهوم ”السياسة الجنسية” الذي بدأ مع أولى محاولات النسوية لنقد المفاهيم الفيبرية للدولة والمفاهيم الماركسية أيضًا من نواحٍ عدة يطول ذكرها، ويمكن تلخيصها في نظرية سيلفيا والبي في كتابها ”تنظير البطريركية” القائلة بأن احتكار الدولة للعنف في المفهوم الفيبري الذي جعل العلاقات الجندرية علاقات بطريركية لارتباط مفاهيم العنف بالذكورة وأن الدولة بالمفهوم الماركسي تغفل بطريركية الدولة (والتي هي عبارة عن مجموعة مؤسسات متمركزة تحتكر نوعًا من العنف) لمصلحة بطريركية رأس المال رغمًا أنهما لا ينفصلان.

بالعودة لقضية السياسة، فلطالما يُنظر للسياسة بأنها العالم الضيق للدبلوماسية والحروب ومجالات العمل القيادية، ويرتبط هذا التعريف بالنسوية فقط بالمشاركة النسائية في هذه المجالات.

ربما نعم فعلًا المشاركة النسائية هي جزء من الإشكال، لكنها نتيجة للسياسة الجنسية وليست هدفًا في حد ذاتها، فالسياسة بالنسبة لكيت ميليت في كتابها ”سياسات القسوة” تعني لها ”كلّ العلاقات المبنية على أسس السلطة وتراتبياتها”. فالإشكال الحقيقي هو مفهوم السلطة الأبوي في حد ذاته لا نتائجه، وأن التفرقة بناءً على الجنوسة ليست نتيجة للسياسة بشكلها السلطوي الأبوي، بل هي محاذية لها؛ فلا يمكن فصل الجنسنة عن السلطة بصفتها جوهرًا للسياسة.

فمع ظهور الموجة الثانية من النسوية في ستينيات القرن الماضي، ظهر مصطلح ”الشخصي هو السياسي” المنسوب لكارول هانيستش والذي ظهر كخلاصة النشاط الفكري للحركة النسوية الراديكالية وتعاملها مع السلطة كوسيلة هيمنة. فمفهوم السلطة بالنسبة للفكر النسوي ما قبل منتصف القرن العشرين تقريبًا هو مفهوم ذو شقين أساسين: مفهوم اجتماعي واقتصادي مبنيان على أساس الجنوسة وتقسيم العمل بناء على الجنس، لكن مع التطور الفلسفي لمفهوم السلطة خاصة مع فوكو اعتنقت النسوية الراديكالية فكرة ”المقاومة الكلية للسلطة”، بحسب مصطلح إينيستا كينج.

وهو أنّ السلطة تعمل في جوانب الحياة العامة والخاصة كلها، وأن الحيز الخاص للشخص هو مكان لممارسة السلطة المُضطهِدة كما هو بالحيز العام، ولعل أول ذكر لهذه المسألة يعود لجون ستيوارت ميل حين قال: ”الأسرة مدرسة الاستبداد”.

من ثمّ، تم الأخذ بهذه الفكرة وإنزالها على أدق التفاصيل الجنسية مثل سلطة العنف الجنسي في حالات الاغتصاب والتحرش والمازوخية والسادية وأنواع العلاقات الجنسية التي تنعكس على شكل وقالب سلطوي يملك أحد الطرفين فيه سيطرة مباشرة أو غير مباشرة.

وهذه الفكرة التسلسلية التي تحلل مفهوم السياسة بأنّها عملية إنتاجية بمعنى: (تبدأ السلطة الأبوية في الحيز الخاص فمن ثم هذه السلطة الأبوية الخاصة تنتقل للحيز العام)، وهذا ما علينا استيعابه في نقدنا لمفاهيم البطريركية في الدولة والعائلة بغضّ النظر عن التحليلات الماركسية التي لا تفصل بين مفهومي الدولة والإنتاج عن العائلة.

عالمية اضطهاد المرأة :

لماذا تُوضع المرأة في مستوىّ أدنى من الرجل في كل الثقافات؟ ولماذا نجد أن هناك نساء خاضعات للرجال في كل المجتمعات؟ مهما وجدنا من مجتمعات غير حديثة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا تكون فيها للنساء سلطة وخصوصيات ومميزات مجتمعية؛ إلّا أنه لو دققنا في هذه المجتمعات سنجد نظرة ثانوية للمرأة بأشكال مختلفة.

وهذا ما كتبت عنه عالمة الأنثروبولوجيا شيري أورتنر كتابًا مهمًّا بعنوان: ”هل المرأة بالنسبة للرجل كالطبيعة بالنسبة للثقافة؟”. في هذا الكتاب تسلّم أورتنر بمسألة ثانوية المرأة وتعتبرها أمرًا مفروغًا منه.

لكن لا بد أن يكون هناك سبب مشترك بين جميع المجتمعات التي تضطهد المرأة تجعلها تُقدم على ذلك. أغلب من حللن هذا الإشكال انطلقن من مفاهيم ماركسية، خاصة من نظريات فريدريك أنجلز عن أصل العائلة التي تنص على أن ”الهزيمة العالمية” للمرأة حدثت عندما أصبحت المجتمعات قادرة على إنتاج قيمة فائضة كملكية خاصة، وتمرير هذه الملكية الخاصة كميراث وحصر المرأة بالأسرة، وبسبب قدرة الرجل الأكبر على إنتاج المزيد من القيمة هذه تم حصر المرأة بالمنزل واستغلال عملها غير المدفوع في منزلها وفي موضع اجتماعي مغلق من قِبل رأس المال للإنجاب من أجل استدامة القوة العاملة المهمة للرأسمالي تحت نظريته الشهيرة القائلة بأنّ ”تكاثر الجنس البشري نظام اقتصادي في غاية الأهمية”.

لكن ماذا عن المجتمعات غير الصناعية بعدُ؟ والتي لم يتفشّ فيها مفهوم فائض القيمة بعدُ؟ هنا تقول أورتنر بفكرة قرب المرأة للطبيعة حيث تقوم فكرة النظرة الثانوية للمرأة عمومًا بمقارنة المرأة بما هو دوني في جميع المجتمعات وهو الطبيعة في هذه الحالة، والطبيعة هنا بالمعنى الواسع لها وأما الثقافة تأتي بمفهوم تعزيز وإنتاج أنظمة وهياكل معرفية بأشكال غَرَضية من رموز وعادات وما إلى ذلك، هذا التعزيز يتم بأساليب تتفوق بها الإنسانية على المسلّم به من وجود طبيعي.

و لذلك لا يختلف مفهوم الطبيعة في الوعي أو في منتجات الوعي البشري عن الوسائل التي تحاول الإنسانية بها أن تؤكد السيطرة على الطبيعة ذاتها. فإن كل ثقافة بالضرورة تؤكد ضمنيًّا على الاختلاف بين الطبيعة وعملها وعمل الثقافة ومنتجاتها و هذا الغرض من إنتاج الثقافة أساسًا ألا وهو تجاوز الظروف الطبيعية وتحويلها لمقاصدها وأغراضها. لذلك تستنج أورتن أن كل ثقافة عند وصولها لمستوى معين من الوعي يتشكل إيمان لديها بأنها قادرة على جعل ماهو طبيعي اجتماعي وثقافي.

وإذا ما عدنا لموضوع المرأة  ووضعها في جميع الثقافات بمرتبة ثانية دائما بافتراض أنه يتم تعريف النساء بالطبيعة أو ربطهن رمزيًّا معها داخه الثقافة في هذا المجتمع والتي بالمناسبة غالًبا ما يصنعها الرجال، سنجد من الضروري أنه من البديهي إخضاع الطبيعة وبالتالي إخضاع المرأة بصفتها مشابهة للطبيعة؛ والإخضاع لا يعني الاضطهاد بالضرورة إنما يعني أبويةً بالضرورة.

لكن السؤال الذي كان يجب أن يسأل منذ البداية: لماذا تُرى المرأة أقرب للطبيعة؟ هذا السؤال معقد والإجابة عليه تحتاج لمؤلفات، وكان أول من تطرق لموضوع طبيعية المرأة هي سيمون دي بوفوار في كتابها الشهير: “الجنس الثاني”، حينما أسردت أسباب فسيولوجية وسيكولوجية معقدة في شرح المسألة.

يمكن تلخيص الأسباب في هرمية تراتبية :

أولًا: أن جسد المرأة فسيولوجيته ووظائفه والتغيرات الطارئة عليه يضعها في موضع أقرب للطبيعة مقارنة بالرجل المتحرر من ذلك.

ثانيا: جسد المرأة بالتالي يضعها في مكانة ومرتبة اجتماعية معينة لها أدوار معينة هي أدنى من الرجل بناء على السبب الأول، ومثال على هذا مسألة العائلة ووظيفتها البيولوجية لا الاجتماعية كما يشير ليفي شتراوس والتي تحيّد المرأة لموضع نقي وبسيط أقرب للطبيعة.

ثالثًا: أدوار المرأة الاجتماعية الآنف ذكرها تعطي بُنْية وهيكلة نفسية معينة والتي تُرى هي الأخرى بأنها أقرب إلى الطبيعة بتغييراتها وتأثرها المباشر أحيانًا بالتغييرات الفسيولوجية.

هذه بعض النظريات التي أعتقد أننا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر فيها. إنّ التعقيد الكامن في هذه الأفكار هو دليل على عمق اضطهاد المرأة لا فقط كيفية تحطيم أغلالها.

وطما قالت أودري لورد: ”إن لنوعية الضوء الذي نقوم به بالبحث في حياتنا تأثيرًا مباشرًا على النتيجة التي نحياها، وعلى التغييرات التي نأمل أن نُحدثها من خلال هذه الحياة، والأفكار التي نمارس بها سحرنا ونجعله يصبح واقعيّا إنما تتشكل ضمن هذا الضوء”.

نشر في: صحيفة التقرير الإلكترونية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s