عنف الإنسانويّة

image

 

مثل أيّ من القضايا الكبرى في الصحافة العالمية، كان تفشي وباء إيبولا قضية ذات وجهين، الوجه الذي يظهر غالبًا أمام الإعلام هو وجه منظمة الصحة العالمية ومنظمات الإغاثة وتصريحاتهما. لكن الوجه القبيح الذي غالبًا لا يتصدر الصحافة -ربما لأنه ليس مختصًا بالرجل الأبيض- هو العنف المُمارَس على الأهالي في المحاجر الصحية في الدول الإفريقية التي يتفشى فيها هذا الوباء. فقد ذكرت عدة وكالات أنباء وصحف مثل رويترز عن حوادث إطلاق نار وجثث مصابة بعيارات نارية في سيراليون، أيضًا ذكرت الغارديان أن قوات الشغب في ليبيريا قامت بإطلاق الذخيرة الحية على المتظاهرين مما أدى إلى إصابة العشرات ممن يقبعون داخل هذه المحاجر الصحية، والذين يشتكون من سوء ظروف المعيشة فيها واحتجازهم في بيوتهم أو في مناطق جمعتهم بها الحكومة بدون أسباب وبدون سابق إنذار.

يصف أحد المحتجزين في ليبيريا للقارديان الأوضاع قائلًا: “إنه عمل لا إنساني، كيف يحتجزوننا دون إنذار مسبق؟ كيف من المفترض أن نُطعِم أطفالنا؟”. إن هذا القمع على عكس ما قال هذا الليبيري هو قمع لأغراض إنسانية في الواقع؛ فقوات مكافحة الشغب تقتل وتصيب وتطلق الرصاص الحي على الآلاف من المحتجين من أجل حمايتهم وحماية الآخرين من الموت.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل هذا خرق لحقوق الإنسان وأعني هنا تحويل هؤلاء البشر لأعداد يتم احتجازها والتعامل معها على أساس بيولوجي لا قيمة لحياتهم اليومية؟ أم هو حماية للأغلبية من غير المصابين وشر لا بد منه لحفظ حياة المواطنين الليبيريين أوالسيراليونيين؟ هوبالتأكيد خرق لحقوق الإنسان من ناحية النصوص، ولكن هل هذا فعل إنساني بمعنى أنّه من أجل الإنسان والحفاظ على حياته؟ وهل هناك فرق بين الإنساني وحقوق الإنسان؟

إن الأوضاع الإقليمية والتدخلات الغربية في سوريا والعراق وتركيا ولبنان والتي تأتي تحت غطاء الإنسانية -والمقصود هنا جميع التدخلات العسكري منها وغير العسكري-، تجعلنا نعيد النظر في مفهوم يتكرر ذكره بصياغات مختلفة هو مفهوم الإنسانوية (humanitarianism)  وتبعاته كمفهوم يحلّ محل خطاب حقوق الإنسان الذي يفشل كخطاب مجرّد وكأفعال على أرض الواقع، وأيضًا نعيد النظر في التدخل الإنساني العنفي وفي حماية الإنسان بخرق حقوق الإنسان ذاته، كما حدث في محاجر إيبولا الصحية في إفريقيا.

تذكر ميريام تيكن أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة ستانفورد قصة حدثت لها شخصيًّا فتقول: “أثناء رحلتي إلى باريس للعمل الميداني عام 1999 اكتفشت عن طريق رئيس إحدى جمعيات حقوق المثليين، أن بعض المهاجرين غير الشرعيين يقومون بحقن أنفسهم بالإيدز من أجل الحصول على الإقامة الشرعية في فرنسا، والتي ينص قانونها بالسماح لمن يواجهون أمراضًا مميتة بالبقاء في البلاد”. لتصبح خيارات المهاجر غير الشرعي إما أن يعاني الاستغلال والخوف من التهجير والإقصاء والفقر، أو أن يعاني من المرض. أي إنسانية تحاول أن تُبقي عليها هذه المعادلة الأخلاقية؟  تنتقد ميريام هذا القانون الفرنسي معتبرةً أن وجود مادة تمنح الإقامة الشرعية للمهاجرين لـ”دواعي مرضية” أو إصابات بأمراض مميتة تشكل ما أسمته لاحقًا في أحد كتبها بـ “عنف الإنسانوية”، وأن هذه الإنسانوية تسببت في خلق هذه المعادلة الأخلاقية التي تبرر الضرر الجسدي من أجل الاعتراف بالحق السياسي تحت مسمى التعاطف الإنساني، أيضًا كونها أرضية للعنف بأشكاله. وتعلل ميريام هذا التجاهل لحالة مهددة حياتها بالخطر في وطنها ربما وتطلب اللجوء لفرنسا ومع ذلك لا تُعطى أوراق إقامة شرعية بأنّه هو الرغبة في إضفاء شرعية لما أسمته “عالمية الحياة البيولوجية” على حساب كل شيء، هذه العالمية التي تتغاضى عن التفاصيل والخصوصيات السياسية والاجتماعية للبشر.

إننا نحن هنا إذ نتحدث عن العنف نتحدث عن العنف الإنسانوي بأشكاله، العنف الشخصي المباشر مثل حالات حقن الإيدز في فرنسا، والعنف غير المباشر مثل تجريد الناس من هويتها الحقيقية وتصنيف الشخص كإنسان عارٍ من كل مميزاته ليصبح بشكل الضحية حتى تتمكن الإنسانوية ذاتها -من تسببت في تجريده من هويته الخاصة في المقام الأول- من إنقاذه أو حمايته.

الإنسانوية وحقوق الإنسان وعالمية الإنسان

ما سبق ذكره من أمثلة ما هو إلا مدخل للعواقب المترتبة على الخطاب الإنسانوي عندما تستخدمه الحكومات والجهات السياسية. ليس هذا وحسب، بل هو تعقيب على حلول المنطق الإنسانوي محل الخطاب الحقوقي وهزائمه.

إن حقوق الإنسان وخطابها السياسي والذي تعود أصوله إلى الثورة الفرنسية وحركة التنوير وانتقال مفهوم الإنسانية بشكله الديني إلى شكله المُعلمَن بحسب تيكن، هي مضمونة -أي حقوق الإنسان-  ومثبتة بنص القانون من أجل المطالبات القانونية وتحميل خارقي هذه الحقوق مسؤولية أفعالهم. بينما الإنسانوية تُعنى بالواجب الأخلاقي لإنهاء معاناة الناس وإنقاذ من تتعرض حياتهم للخطر، ومن هذه الرومانسية في الخطاب يزعم الكثير أن أصول مفهوم الإنسانوية هي أصول دينية، وهنا أحد وجوه الاختلاف بين حقوق الإنسان والإنسانوية. وعلى الرغم من أن هذين الخطابين خطابان عالميان، إلا أنهما يعتمدان على أنواع معينة من الأفعال والإجراءات، وبالتالي وبالضرورة هما يحميان أنواعًا معينة من الإنسانية.

وتعود أصول الاختلاف بين مفاهيم حقوق الإنسان والإنسانوية إلى سياق العلمنة الأوروبية لمفاهيم الإنسان وانتقالها من مفاهيم ضيقة نسبيًا لمفاهيم عالمية عن الإنسان الكوني. يعتبر طلال أسد أنّ الخصائص المميزة للغرب الحديث ثلاثٌ: العلوم والتقنية الحديثة، الإنسانية المشتركة، النقد الذاتي. هذه الخصائص بدأت تتبلور في عصر النهضة، وأخذت هذه النهضة في التحول إلى نظرة مُعلمنة للعالم أصبح فيها الإنسان هو الفكرة المركزية فيها. أيضًا رحلات الاستكشاف الأوروبية وتقنيات صنع الخرائط في القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ أعطت الأوروبيين نظرة بانورامية للعالم والكرة الأرضية بأنها مسكن للإنسانية بشكل عامّ. وأيضًا ساهمت تشككية بعض الفلاسفة مثل بودان وليبس ودي مونتين في إرساء مبادئ للتسامح بين الأديان، فعندما تمت علمنة فكرة الحق الطبيعي في المسيحية أصبح هناك بالتدرج شيئًا فشيئًا توسّع لمفهوم الإنسانية لتمتد للمسيحيين وغير المسيحيين.

هذه الرؤية العالمية للإنسان هي ما صنعت الرغبة بنقل الشعوب “غير المتحضرة ” فيما بعدُ إلى مرحلة متحضرة من قِبل المستكشفين الأوروبيين في القرن الثامن عشر وقبلها عن طريق الاستعمار واستغلال الشعوب وتمدينها -ففي رأيهم كان التمدن هو المكافئ للتحضر- واستغلال ثرواتها في صنع نمط اقتصادي معين يصبّ في مصلحة هذا المتحضر الأوروبي.

الإنسانوية كأداة عنفية

إن رؤية الإنسان الذي يعاني جسديًّا كحامل لشرعية أكبر من الشخص المحروم أو المُضطهَد سياسيًّا تكشف عن رغبة في توحيد قيمة معينة للإنسان هي قيمته البيولوجية، وتأسيس لهذه الصورة: إنسانية موحدة عابرة للاضطهاد السياسي. فكما يقول جورجيو أغامبين: “إن الإنسانوية لا تستطيع استيعاب الإنسان إلا في صورةٍ معينة، في صورة الإنسان المجرد من كل خصائصه غير البيولوجية، وبالتالي صُنع نموذج مميز ومغاير عن الجوانب السياسية في حياة الشخص”.

إن صنع الإنسان العالمي هذا في حدّ ذاته عنفًا ليس جسديًّا نعم، ولكن تجريد الإنسان من تفاصيل حياته وتقديمه كضحية وتجاهل حقيقة مشاكله هو شكل من أشكال العنف بالتأكيد. مثالٌ جيد على هذه التعرية والتجريد للإنسان هو التعامل مع اللاجئين، تذكر ليسا مالكي: “بالطبع تقوم الإنسانوية بتحويل الأشخاص إلى ضحايا، ضحايا بشكل نقي”. هذا الأمر يجعلهم قابلين للتشكل في الخطاب الإنسانوي ليكونوا أهدافًا للشفقة والتبرعات، لا لأن يكونوا ضحايا في أعين القانون الذي يجعلهم قادرين على استرداد حقوقهم فعلًا.

وعلى الرغم من ذلك، تتعقد ممارسات الإنسانوية مع مرور الوقت وتجذرها كمفهوم في الخطاب السياسي والاجتماعي، فمثلًا يختلط هذا الخطاب البيولوجي بالخطاب السياسي، عندما تمارس السياسة والتدخلات السياسة -مثل حالاتنا في العالم العربي- باسم الإنسانية؛ عندها تظهر هذه الإنسانوية بوجه يتحمل المسؤولية السياسية والفعل السياسي معًا، عندئذ تتقلص صورة الضحية من الشخص المُراد إنقاذه بطريقة غريبة ومثيرة للاهتمام كما تصف تيكن؛ حيث تنتقل هذه القيمة البيولوجية للإنسان من الضحية للإنسانوي، ويصبح الفعل السياسي بحد ذاته عبارة عن تنازلات بيولوجية. مثال على ذلك التعامل في الإعلام الأمريكي مع الجندي الأمريكي بصورة ضحية تُقدّم لإنقاذ الإنسان العراقي مثلًا في 2003، والتعامل معه كحالة بيولوجية وضحية حاله كحال العراقي (الضحية الفعلية).

هذا التضخم لقيمة الحياة البيولوجية بالمجمل يجعلها تتساوى مع القيمة السياسية، ففي حالات المهاجرين الذين حقنوا أنفسهم بالإيدز أصبحت المسألة ثنائية بالنسبة لهم في الواقع؛ الحياة أو الموت في مقابل الاعتراف السياسي أم عدم الاعتراف.

كخلاصة للموضوع، إن تحول الإنسانوية لسياسة أو مصدر أخلاقيّ لفعلٍ سياسي يجعل من الصعب أن تكون إنسانًا ومواطِنًا ذا انتماء سياسيّ. ففي حالة المهاجرين غير الشرعيين، تمتزج مبادئ الحياة المجردة من خصائصها (حياة الضحية) مع السياسة؛ مما يجعل النظر للإنسان بصفته المجتمعية وبخصائصه في محيطه الاجتماعي مستحيلة. أما في حالة اللاجئين، فأنت إما أن تكون ضحية أو تبقى مشردًا ومجردًا من انتمائك السياسي. فالإنسانوية هذه تحتاج لمبرر كي تساعدك كلاجئٍ تحتاج أن تصوّرك بصورة معينة، صورة ضحية لا ضحية في عيون القانون والمجتمع السياسي الدولي بصورة سياسية، بل ضحية في شكلٍ ما، شكلٍ يتناسب مع خطاب الجمعيات الخيرية وجمعيات الإغاثة.

 

نشر في : صحيفة التقرير الإلكتروني

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s