الإمبريالية وفنّ النفاق

كتبَ الكاتب الماركسي المعروف الآن وودز مقالًا بعنوان: ” الإمبريالية وفن النفاق” يصف لعبة اللوم التي تمارسها قوى الإمبريالية تجاه بعضها البعض، فالأمريكيون يحمّلون روسيا المشاكل دائمًا في المناطق التي تقع تحت سيطرة الروس الذين بدورهم يحنون للحرب الباردة هذه الأيام وسياسات التكافؤ مع الولايات المتحدة، والروس يعتبرون أنّ دعم الولايات المتحدة للجماعات والدول المناهضة للسيطرة الروسية هو المشكلة دائمًا.

فالقوى الإمبريالية هذه لا تخجل ولا تتوارى أن تستخدم دماء الناس والشعوب من أجل تسيير تروس ماكينة البروبغندا الخاصة بها. إن الأزمة الاقتصادية في 2008 زادت من آمال روسيا في العودة للواجهة كقوة مكافئة للولايات المتحدة، وانتصارها السياسي على الولايات المتحدة في سوريا زادَ من جشعها في الرغبة بالسيطرة على أجزاء من العالم العربي والذي لا تعتبره روسيا ميدانًا للصراع مع الولايات المتحدة فقط، بل هناك إيمان لدى الروس بقدرتهم على الانتصار في الساحة العربية وتحقيق بعض المكتسبات وإعادة البعض ممّا تضرر من بعد ثورات الربيع العربي مثل الحليف الليبي.

كل هذا الهوس بالحفاظ على المصالح لا ينطلق من الرغبة بالهيمنة والسيطرة السياسية فقط؛ فهذا النموذج التحليلي للفهم ليس كافيًا لفهم مواقف الدول الإمبريالية من قضايا عدة مثل الحالة المصرية التي حير الموقف الأمريكي من الثورة المضادة بقيادة السيسي المحللين السياسيين بسبب تغاضيهم عن الفكرة الأساسية للإمبريالية المعاصرة، وهي التجسد كأعلى مراحل للرأسمالية وتشكلها كنظام منافسة اقتصادية وجيوسياسية وغضّ النظر عن حركة رؤوس الأموال القادمة من داعمي الثورة المضادة للداخل المصري الحلفاء للولايات المتحدة.

نستطيع الأخذ بأحداث حصلت خلال العام كأمثلة، ونلاحظ هذا النفاق المثير للسخرية؛ فمثلًا حادث الطائرة الماليزية MH17 المتوجهة من أمستردام إلى كوالالمبور والتي تسابقت أجهزة البروبغندا الإمبريالية بإلقاء التهم على بعضها البعض بعد ساعات قليلة من سقوط الطائرة بدون تحقيق وبدون وقت كافٍ حتى لمعرفة ملابسات الحادث وإحصاء الضحايا، حيث لم يُضع نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن أي وقت في وصف الحادثة بأنها “ليست حادثًا طبيعيًّا”، وأنه اعتداء سافر وأن الطائرة تمّ تفجيرها في السماء، ثم طالبت الخارجية الأمريكية من روسيا بعدم تصعيد الأوضاع في المنطقة، بينما قال المتحدثون في كييف إنّ الصاروخ انطلق من الأجزاء التي يسيطر عليها الموالون لروسيا.

لكن ما مصدر هذه المعلومات التي جعلت واشنطن أو كييف تصرح بهكذا اتهامات؟ أو حتى التصريحات الروسية التي ادعت أن الصواريخ صواريخ أوكرانية حاولت اغتيال الرئيس بوتين؟! هذا الكذب السافر وانعدام الخجل من المتاجرة بدم الضحايا الذين قضوا نحبهم في الطائرة هو الوجه الحقيقي للبروبغندا الإمبريالية وماكينتها الضخمة المخصصة للكذب والتلفيق وتبرير الجرائم، ويعلق آلان وودز على هذا الكذب ساخرًا من مصداقية الإمبريالية الأمريكية قائلًا: “إن الأميريكين دائمًا يظنّون أننا ننسى أدلة كولن باول الحاسمة عن وجود أسلحة دمار شامل في العراق”.

موقف الإمبريالية من مسألة القرم أيضًا يعبّر عن قمة ازدواجية المعايير، فتدخل روسيا في أوكرانيا والذي تبرره بأسباب واهية كثيرة تعيد بالذهن نفس الأسباب الواهية التي قمع بها الاتحاد السوفييتي أوكرانيا قبل استقلالها في عام 1991. من هذه الأسباب، وصفُ الحكومة الأوكرانية بالفاشية لوجود عدد من المسؤولين الفاشيين فيها وهذا صحيح، ولكن ماذا عن الفاشيين الذين يستخدمهم بوتين في الداخل الروسي مثل فلاديمير جيرينوفسكي أحد رموز اليمين المتطرف ومؤسس ورئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي؟

على الجهة الأخرى، يشنُّ الإعلام الأمريكي حملة على التدخل الروسي في أوكرانيا بسبب أنه يعزز من صعود القوميين المتشددين الموالين لروسيا وقلقها من صعود فاشية ذات طابع روسي، رغم أنّ أغلب المتابعين لحالة صعود الفاشية في أوروبا يلاحظون التبعية للولايات المتحدة، بل هناك من يقول بأن صعود الفاشية مرتبط سياسيًّا بالولايات المتحدة مثل المفكر والاقتصادي المعروف سمير أمين الذي يشير إلى أن علاقة صعود الفاشية بالولايات المتحدة وإضعافها لحركات اليسار الأوروبي بدأت مبكرًا منذ 1990 كنوع من الإجهاز على الاتحاد السوفييتي المتهالك. فيشير المفكر الماركسي أنّ العلاقة بدأت منذ ترك الدول الموالية للولايات المتحدة للفاشيين والقوميين المتشددين من قاموا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية من دون عقاب من باب “المصالحة”، كما حدث في ألمانيا في 1990 تسبب في انتشار الخطاب الفاشي في المنطقة وخاصة أوروبا العجوز، وهؤلاء كانوا على استعداد للميل التام تجاه الولايات المتحدة الأمريكية منذ هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية أمام الاتحاد السوفييتي وتبعيّة أغلبيتهم للهتلرية التي يواليها رموز الفاشية الأوكرانيون والروس، وهؤلاء تم ترك كامل الحرية لهم في توسيع أفكارهم و نشاطاتهم بحكم عدائهم الشديد للشيوعية والذي يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، بالتالي لا يحق للولايات المتحدة أن تتحدث عن وجود فاشية في المنطقة كونها هي من صنعها بشكل أو بآخر.

أما بالنسبة للعالم العربي، فالعراق وفلسطين هما نموذجان مثاليان لرؤية لوحات كلاسيكية في فنّ النفاق. كتب مؤخرًا الصحفي الشهير روبرت فيسك مقالًا في صحيفة الإندبندنت بعنوان: “الولايات المتحدة في الإنقاذ – لأقليات معينة ولكن ليس المسلمين”، يوضح فيه ازدواجية المعايير الأمريكية.

هذه المعايير التي جعلت الولايات المتحدة تهب لنجدة أقليات محددة في العراق مثل الآزيديين والمسيحيين من تقدم الدولة الإسلامية الدموي بحجة “احتمالية حدوث مجزرة ” بحق هذه الأقليات، بينما تجاهل أوباما المسلمين الشيعة الذين بدأت بهم الدولة الإسلامية مسيرتها بالقتل ولم يقم بإرسال طائرات الدرونز الخاصة به لحماية هذا المكوّن الذي يشكل غالبية بالعراق أو حتى يستنكر قصف الطيران العسكري الحكومي العراقي لبيوت المدنيين في الفلوجة وتكريت وغيرها من المناطق.

إن عَوَر الإمبريالية الأمريكية هو ما يجعلها ترى كل جرم بحق المسلمين أمرًا يستحق الاستنكار والشجب فقط تماما كما فعلت في أفغانستان، بل يا ليتها اكتفت بذلك ولم تقصف الأعراس وتقتل المئات من المدنيين ظنًا منها أنها تجمعات لمسلحين كما يذكّرنا روبرت فيسك. والعَوَر ذاته هو الذي يجعل أوباما يندد بجرائم الإسلاميين المتطرفين في العراق وسوريا، بينما لا يتطرق للنظم الرجعية الحليفة له والتي ساهمت في صنع هذه الجماعات ومولتها أو سمحت بتمويلها.

تاريخيًا، يتذبذب الروس في نبرتهم تجاه القضية الفلسطينية وعدوان غزة الأخير بالتحديد، و هذا ما يسبب حرجًا لناعتي روسيا بالتقدمية في حنينٍ منهم للاتحاد السوفييتي الداعم للأنظمة المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني. إن التعامل مع وجهة النظر الروسية من القضية الفلسطينية هو أمر مركّب من ناحية تاريخية أولًا من حيث الاعتراف المبكر للاتحاد السوفييتي بالكيان الصهيوني، ومن حيث الخوض في صراع مع هذا الكيان لاحقًا من خلال دعم الأنظمة العربية.

أما اليوم في العالم العربي، هناك حالة غريبة من الفصل بين مفاهيم الإمبريالية وما يقوم به الاحتلال الصهيوني والتعامل مع “إسرائيل” كوحدة محتلة قائمة بذاتها منفصلة عن حركة هيمنة كبرى، وهذا ما يجعل مقاومة الاحتلال الصهيوني أصعب لأن الفكرة الكبرى، وهي معاداة الإمبريالية بكل أشكالها، تغيب عن الوعي العربي.

فروسيا داعمة محور “المقاومة” في العالم العربي هي في الواقع حليفة للكيان الصهيوني بطريقة فجة؛ ففي عدوان غزة الأخير ندد الموقف الروسي بحماس وطالبها بوقف العنف ضد الكيان الصهيوني مخالفًا كل معايير تقدميته المزعومة.

هذا التحالف مع الكيان الصهيوني وتكرار نظريات المؤامرة منذ بداية الربيع العربي في الحالة السورية ودعمها لنظام مبارك وبن علي كل هذا يجب أن يُفهم في سياق رغبة روسيا كقوة إمبريالية للحفاظ على النمط الرأسمالي القائم من خلال الحفاظ على أشكال الهيمنة السياسية في المنطقة، وذلك من خلال دعم أنظمة قمعية مثل النظام السوري.

يذكر سلامة كيلة في أحد مقالاته: “روسيا تريد تكريس النمط الاقتصادي القائم لكي تستطيع الربح، ومن ثم تريد استمرار التفكك والضعف الذي تعيشه المنطقة. هي تريد وراثة المنطقة كما صاغتها القوى الإمبريالية، وليس دعم التحرر من هذه الصياغة. في هذه الوضعية يتحدد موقع الدولة الصهيونية بالتالي كما كان في المنظور الإمبريالي القديم، وهذا ما تؤشر عليه الحرب على غز”.

إن النفاق الروسي بدعم بعض الأنظمة “الممانعة” ،هو ليس من باب دعم اتجاه فكري ينتمي لها سياسيًّا بل هو حفاظٌ على كون الأمور قابلة للسيطرة في مواجهة الولايات المتحدة، و ربما الحالة المصرية تُجسّد هذا الصراع حيث النظام التابع للولايات المتحدة اقتصاديًّا وإن تظاهر بمناهضتها أحيانًا وهو لا يستطيع الاستمرار دون معوناتها، يميل للتقرب من روسيا وإعادة جسور اقتصادية معها انقطعت منذ أيام السادات، في محاولة من قِبل روسيا الحفاظ على نظام الثورة المضادة القائم في مصر و إن كان هذا النظام منحازًا كليًا لمحور الاعتدال الذي يقف خصمًا في نفس الوقت أمام رغبات روسيا في المنطقة وحلفائها.

نشر في : صحيفة التقرير الإلكترونية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s