الأرثوذوكسيات الجديدة : الدراسات ما بعد الكولونيالية نموذجا ً


مقدمة :
تعتبر المناهج و طرق التحليل طريقة من طرق الرؤى الجديدة تجاه العالم و الوجود، و هي تأتي لتحل محل نمط فكري، او نموذجا ً إرشاديا ً، او نظاما ً ابستمولوجيا ً محل الآخر، فهي ليست مجانية او عشوائية، بل تسعى للبناء بعد الهدم.
في هذه المقالة سيتم التطرق لهذا “الدور” بالمعنى الفلسفي للكلمة، الذي تقوم به هذه المناهج، و ذلك من خلال الدراسات ما بعد الكولونيالية التي تم تدشينها بالشكل المنهجي المعروف حاليا ًمع الراحل و المأسوف عليه إدوارد سعيد (1935م -2003م)، حيث إن المناهج تأتي للهدم، هدم رؤية سابقة و مستقرة، فيما هي تقوم ببناء نمطية فكرية جديدة ما تلبث ان تتحول هي الأخرى لنمط جامد للتفكير، ينبغي الاحتذاء به، و المشي على هداه، و التفكير حسب النمط الذي تقترحه.
المناهج و“روح الحداثة” : 

لا تقتصر المناهج على حقبة ٍ زمنية معينة، بل لكل زمن ٍ مناهجه، و أساليبه المختلفة لمعالجة الإشكاليات الخاصة به، حيث ان المناهج تاريخية في جوهرها، فهي تأتي لإضاءة الكثير من الإشكاليات المعتمة، و خلق حلول غير متوقعة، و فتح نوافذ مجهولة.
فهي ليست طريقة يتم من خلالها معالجة النصوص و قراءتها و تحليلها فقط بالرغم من أهيمة هذا الامر، بل يتعدى ذلك الى إحداث تغيير في رؤية الإنسان للعالم، و إدراكه له، و التفكير فيه، ذلك ان المنهج الجديد لا يكتفي بالقيام بانعطافة ثانوية في هذه الرؤية، بل من الضروري ان يقوم بكسر هذه الرؤية، و القطيعة بينها و بين ما بعدها، بحيث أننا أمام منهج جديد تتبعه رؤية مغايرة لما سبق، و هذا لا يحدث بشكل ٍ عشوائي، أي اننا نحتاج لتحقيق ذلك لوقوع ثورة تفصل فاصلة بين الما قبل و الما بعد، و هو ما يصل الى القواميس اللغوية المستخدمة.

تقتضي “روح الحداثة”( ) التي تُعتبر “مشروعا ً غير مكتمل المعالم” كما يقول الفيلسوف الألماني هابرماس (1929م – ؟؟؟) في مقدمة “القول الفلسفي للحداثة” 1985م، العديد من الشروط و المحددات، غير انها تذهب لتغليب العقل بشكل عام في تفسير الظواهر العامة : الطبيعية و البشرية و غيرها، و هي بذلك تكون قد افتتحت عصرا ً بشريا ً جديدا ً، غير مسبوق. انها بذلك قد زحزحت العديد من الاصنام و أذنت بأفولها و انتهاء عهودها، و الدخول في عصور جديدة من التفكير و الممارسة، غير ان لهذا الجانب الحماسي و الجميل الكثير من الإشكاليات العالقة التي ينبغي طرحها، و التفكير فيها، ذلك ان إشكالية المناهج ليس بالمعنى الدراسي و التعليمي، بل بالمعنى الفلسفي و التكويني العام، تعتبر مخالفة لروح الحداثة، فهي تقوم بتقييد الرؤية الإنسانية و حصرها في نطاق فكري، و فلسفي محدد، و ضمن محددات لا يمكن الخروج منها، بمعنى آخر إننا أمام أطر ينغلق معها التفكير البشري، و يرى العالم فقط من خلالها، غير ان هذه الأطر ليست رجعية، فهي ضرورية و لا يمكن الاستغناء عنها، ذلك ان “المناقشة العقلانية و المثمرة مستحيلة ما لم يتقاسم المساهمون فيها إطارا ً مشتركا ً من الافتراضات الأساسية، او على الأقل، ما لم يتفقوا على مثل هذا الإطار لكي تسير المناقشة”( )، و هذا الإطار هو الإطار العقلاني بالطبع، الذي يمهد لمناقشات خصبة، و مثمرة، بين المتناقشين، مما يعني سهولة إمكانية العيش المشترك بين الجميع، بالرغم من الاختلافات الكبيرة بينهم.

كما تقتضي روح الحداثة أيضا ً عدم التشابه و ضرورة الاختلاف لتوليد الحديث من الأفكار و الجديد من الممارسات، و مع وجود هذه المناهج التفسيرية تواجه هذه الإشكالية الكثير من الصعوبات، فهي تجعل الرؤى تتقارب مع بعضها، مما يعني بأن الإنسان ينظر للكثير من الوقائع و الأحداث من خلال هذه المناهج التي تحُتم بالضرورة الانطلاق من مرجعيات ٍ متقاربة، و ربما تصل لحدود التطابق. الامر الذي يعني بأننا امام أرثوذكسيات ٍ جديدة، يتم خلقها من خلال العديد من الاسماء و النظريات التي تجعل التفكير محصورا ً في وجهة واحدة، و غاية محددة، و هو ما يجعلنا نأخذ الدراسات ما بعد الكولونيالية كنموذج لهذا النوع من الارثوذكسيات الجديدة التي تهدف لهدم الكثير من التصورات في حين انها في المقابل تبني العديد من المنظومات الشبيهة بها، و المصفوفات التي نفكر من خلالها.

أرثوذكسية الدراسات ما بعد الكولونيالية : 
اذا كان من الممكن الحديث عن هذه الدراسات او الآداب او الخطاب الذي انبثق منها لاحقا ً، فإننا من الضروري القول بأنها نشأت فيما بعد الحقبة الاستعمارية، تلك التي “تشكلت حياة ما يزيد على ثلاثة أرباع شعوب العالم اليوم”( ) من خلالها، و على إثرها، و بشكل ٍ خاص الاستعمار المحمول باللغة الانجليزية، الامر الذي أدى الى نشوء “قناع البنوة” أي ذلك الإنتساب الواعي الذي يهدف الى “محاكاة المركز منبثقة من رغبة لا تقتصر على نيل القبول، و إنما تمتد لتشمل أيضا ً التبني و الاستيعاب” (الرد بالكتابة، م س، ص19)، و هو ما أدى لنشوء المرحلة الثانية من تلك الآداب أنتجها “الأهالي” او “المنبوذون”، أي تلك الطبقة التي العليا التي تلقت تعليما ً إنجليزيا ً كما حدث في الهند او أفريقيا و غيرها.

مهما يكن الأمر، فإن الاثوذوكسية المقصودة في هذا الحقل من الدراسات، قد تكونت من خلال المواضيع التي تعالجها هذه الدراسات في هذه الآداب، حيث نجد انها قد ركزت على عدد ٍ معين من المفاهيم في هذه الآداب، مثل اللغة و المكان و الهيمنة و غيرها من المواضيع و المفاهيم التي تُعتبر مركزية جدا ً في هذا الشأن مثل مفهوم التمثيل Representation ، ناهيك عن مفهوم الاستشراق ذائع الصيت و الذي من الممكن تحويله الى الاستغراب كما هو عنوان حسن حنفي، الذي يهدف الى قلب العلاقة و الصورة بين المجتمعات من مدروسة الى دارسة، و من موضوع للبحث و التنظير الى ذات تستطيع القيام بكل ذلك، لتتحول بدورها الى موضع قوة. كما نجد ايضا ً ذلك التمييز بين مفهوم المركز و الاطراف، تلك التي تشير الى وجود مركز يعتبر “موطن المعرفة و الحداثة و العصرنة و التبلور في حين ان الأطراف الخاضعة للإستعمار، هي مرافئ الخرافة و التخلف، و اللاإكتمال و الفوضى”( ).

الاهتمام باللغة في هذا السياق و غيره من السياقات ليس عبثيا ً فهي تمثل أحد مظاهر الهيمنة التي تمارسها الامبراطورية، و ذلك من خلال التعليم و تدريس آداب هذه اللغة دون غيرها، و غرسها في مختلف الأجيال، الأمر الذي أنتج تبعية ثقافية عن طريق اللغة التي تعتبر هنا بمثابة “فضاء كلي و شمولي، يعمل على تغيير التركيب الفكري للدول المستعمِرة”( ). فمن خلالها يصبح التمايز كبيرا ً بين النخبة التي تستطيع الحديث بكل سلاسة بهذه اللغة، لغة المستعمر، و تلك التي لا تستطيع، مما يجعلها تفقد العديد من الامتيازات الضرورية في هذا السياق.
أنتجت هذه المواضيع او المفاهيم بدورها العديد من الأجيال و الأسماء الكتابية التي أصبحت لامعة فيما بعد،تلك التي مارست هذا النوع من الكتابة، عن طريق الكثير من الأساليب و الأدوات، و ربما الرواية تأخذ الكثير من المساحة الكبيرة في هذا الشأن، مما أنتج أيضا ً الكثير من السراطية التي ينبغي إتباعها و التقي دبها، لدرجة ٍ تصل الى التطبيق الحرفي للمنهج.

إمكانية التفكير بدون أرثوذوكسيات : 
في هذا السياق المطروح سابقا ً، ينبثق السؤال المطروح ضمنيا ً : هل هناك إمكانية للتفكير بدون أرثوذكسية سابقة ؟ او بدون مثال سابق او مطروح ؟
نطرح هذا السؤال إذا أخذنا في الحسبان بأننا نتحدث عن مسارات فكرية تحاول نزع الهيمنة و كشف التلاعبات المختلفة : اللغوية و الفكرية و غيرها من جهة و محاولاتها فتح الكثير من الآفاق المختلفة من الجهة الأخرى، كما هو حاصل في تلك المسارات الفلسفية مثل : الهيجليون الجدد، و الكانطيون الجدد، و غيرها الكثير من المسارات المتعددة التي تتزايد يوما ً بعد يوم، و التي لا تقتصر فقط على الدراسات و البحوث بل تمتد أيضا ً الى العديد من الجوانب الحياتية المختلفة : الرياضية، الاجتماعية و السياسية و غيرها.
هل نحن أمام قدر إنساني لا مفر منه يلاحقنا أنى اتجهنا و أينما أوهمنا أنفسنا بأننا نفكر بكل حرية و بدون محددات سابقة ؟ و هل نستطيع التخلص من تلك العناصر الكامنة في ذاكرتنا و التي تؤسس لكل أرثوذوكسية مُقبلة ؟ ام إن هذا الحلم كالسراب في الكثير من تجلياته ؟
لا شك ان المثال السابق (بألف ولام التعريف الكبيرة) حاضر بقوة منذ الفكر الأفلاطوني المعُتمد على هذا النمط الفكري، وهو يحضر أيضا ً في كل المسارات و الاتجاهات، و يبدو ان الإنسان لا يمكنه مفارقته، او التخلي عنه ، فهو يمثل المرجع الذي يُحرك الحاضر و المستقبل إلى حد ٍ كبير، و ربما المثال التاريخي هو الأكثر حضورا ً في هذا الشأن، ففي هذا الحقل تحديدا ً، يحضر المثال السابق بشكل ٍ طاغ ٍ و كبير، إلى الحد الذي يحجب الرؤية و يوجهها في اتجاهات مغايرة، غير ان هذا المثال السابق لم يكن مهيمنا ً في الكثير من اللحظات التاريخية الفاصلة، بل قد تم وضعه على الأرفف، و تكدس الغبار على أغلفته و صفحاته، لذلك أصبح لِزاما ً البحث عن بديل، مغاير، مختلف عن السابق، و لكنه أيضا ً مع مرور الوقت سيصبح بمثابة مرجع، له أتباعه و أعدائه، جماهيره و من يقف ضده.

خاتمة : 
كخاتمة لما ورد سابقا ً، من الممكن القول بأن الدراسات ما بعد الكولونيالية بشكل ٍ خاص و الحداثة أيضا ً بشكل ٍ عام قد خلقت مرجعياتها، و طرقها التي ينبغي السير عليها، و ضرورة إتباع تعاليمها، و هي بذلك لم تستطع الإفلات من هذه النزعة البشرية القديمة المتجددة في وضع آباء للتفكير و السلوكيات، يتم اكتساب المشروعية من خلالهم في حالة الاتباع، و الثورية في حالة الخروج عليهم و التمرد على آياتهم.
فبدون هذه المرجعيات لا يمكن إستيعاب الفكرة بشكل ٍ عام، و هذا وضع طبيعي جدا، غير ان الإشكالية التي تحتاج لمراجعة عاجلة، تأتي عندما تتحول هذه المرجعية من طريقة فهم، الى أسلوب حياة، و عادة إيمانية تلازم الاتباع، مع ضرورة التقيد بها بشكل ٍ حرفي.

 

المصدر : http://alawan.org/article13605.html

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s