النسوية و الموسيقى – إدوارد سعيد (1)

Edwardsaid_AF

” إن العصور الرومنسية الأولى مليئة بهذا الفصل عن كل ماهو دنيوي ، حتى السياسي من الأمور . و المثير للإهتمام بهذه المفارقة ليس فقط بأنها تبدو إنسانية لأنها تحاول الوصول لهذا التنزّه ، بل لأنها تحاول و تطمح لأن تنزع إنسانية الإنسان بصفتها الدنيوية و تمنع تسييسه. سواءً استطاعت أوبرا ” Fidelio ” لبيتهوفن أن تظهر هذا البورتريه المُبرٍز للأنثوية كما أراد بيتهوفن ، أو أن شخصية ليونور – ليونور هي شخصية الزوجة في أوبرا فيديليو – تُظهر إنتقاصا للمرأة بطريقة هادئة و سلسة بلعبها دورًا تكميلي في هذه الأوبرا. فالموسيقى بحد ذاتها لديها ذات المفارقة ، هذه الأوبرا ذات الطموح المركّب بشكل معقد الأنماط و ذات الصمت المزعج في نفس الوقت ، غير قادرة على فهم المفارقة هذه حتى الآن في هذه الموسيقى لبيتهوفين. أعتقد أنه موضوع يستحق أن نضع في عين الإعتبار قدرة النسوية على تفكيك و حل هذا الغموض من عدمها ”  – إدوارد سعيد

إنها لحقيقة مثيرة للإهتمام عن النسوية ، و عن مكانة الموسيقى في الثقافة المعاصرة بشكل عام ، أنه لم تتم دراسة مكانة المرأة في عملية الإنتاج و الأداء الموسيقى بشكل مستفيض. فإن الموسيقى الكلاسيكية يسيطر عليها الرجال في كل المجالات ، الإقتصادية ، السياسية و الإجتماعية ، بينما في الواقع تلعب المرأة أدوارا بارزة و مختلفة في المجال الفني. فالدور التقليدي للمرأة هو دور جنية الإلهام أو عروس الشعر ( Muse ) ، و لاحقا أصبحت بدور المساهم و المساعد لكن من دون أن يكون هذا الشريك مساوٍ للشخصية الرئيسية (helpmeet) ، و هذا مثال ينطبق على بعض الملحنين الذكور الكبار و علاقتهم بالإناث مثل: روبرت شومان و زوجته كلارا شومان ، ريتشارد فاجنر و زوجته كوزيما. على الجانب الآخر كان بيتهوفن مثلا مشغول البال بفكرة المرأة كشئ مثالي مستحيل الوصول إليه ، بينما على النقيض من ذلك تمامًا نجد المرأة المُدمِّرة المجسدة للقوة الإغرائية بشكلٍ متكرر في التعبيرات الموسيقية عن المرأة في أعمال مثل : أوبرا ” Lulu ” لألبان بيرج ، و أوبرا ” Salome ” لريتشارد شتراوس.

إن صعود النساء كمؤديات موسيقيات من طبقات إجتماعية دنيا و ذوات أدوار فنية أقل ( راقصات إستعراضيات ، ممثلات ، عاملات جنس )  إلى أدوار رئيسية فنيا مثل أن تكون المغنية الرئيسة في الأوبرا و عازفات كبير على آلات موسيقية و معلمات للموسيقى مثل ما حدث في القرن التاسع عشر ، إنما هو حدث بارز في التاريخ الموسيقى. و بالإمكان مشاهد هذا في أعمال مثل: ” Frauenlibe und Leben ” لروبرت شومان ، ” Carmen ” لبيزت ، و حوارات ” des Carmélites ” لفرانسيس بوليك.

لقد تم إستبعاد و إقصاء النقد الموسيقي و علم الموسيقى بشكلٍ عام بشكل غريب من المجالات الرئيسية للنقد الثقافي. ففي حوارات نشرت مؤخرا بين بيير بيوليز و ميشيل فوكو يذكر الأخير أنه بالرغم من بعض الإهتمام المندثر و غير المُنتِج للمفكرين بعض الانواع الموسيقية مثل الجاز و الروك ، فإن أغلب المثقفين المهتمين بهايدغر أو نيتشه ، بالتاريخ ، بالفلسفة و الأدب ، يعتبرون الموسيقى موضوعًا نخبوي ، غير مهم أو صعب أنه يستحوذ على إهتماهم. فالخطاب الموسيقي أقل أهمية بالنسبة للمفكرين الغربيين من العوالم الغامضة للقرون الوسطى أو الثقافات اليابانية و الصينية. لذلك من المتوقع – على الرغم من غرابته – أن تفعل النسوية ذلك أيضا و تتجاهل هذا الباب المهم من أشكال النقد الثقافي. فبالرغم من أن النسوية من أكثر التوجهات إهتماما بأغلب العلوم بشكل عام و العلوم الإنسانية بشكل خاص إلا أنها لم تقدم ما يُذكر في مجال النقد الموسيقي. إن النسوية في الموسيقى تبدو كما بدت عليه النسوية الأدبية قبل عشرين عام: مشروع منفصل يطمح لتعريف النساء الموسيقيات في الماضي من أبرزن أنفسهن بصوتهن ،غير ذلك فلا يوجد شئ يستحق الذكر. لكنه من الخطأ وضع اللوم على النقد الموسيقي أو النظرية النسوية فقط  ، فالمشكلة أن الموسيقى اليوم هي مجال مهول و معقد يتم تنظيمه من خلال أساليب ذكورية كما في الماضي تماما. و هذا الواقع هو بدون إستثناء يذكر حقيقةً ، فصحيحٌ أن النساء يلعبن دور مهم و لكنه دور ثانوي.

و هذا صحيح و يسري على أغلب الأوبرا الحديثة و الحفلات حيث مشاكل إهتمام النسوية بالموضوع تظهر جليا. السؤال الذي يطرح دائما عن وجود أسلوب موسيقي نسوي عندما تؤدي فتاة ما لحنا على آلة موسيقية. ففي أكتوبر أدت أليشا دي لاروخا حفلا عزفت فيه موزارت مع كلاوس تينستد و فرقة نيويورك للأوركسترا. كانت مقطوعة موزارت التي عزفتها – موزارت الذي يعتبر ميال للحس الأنثوي كملحن على عكس بيتهوفن الذكوري في موسيقاه دائما – شاحبة و لم تكن ترن بالأذن و لم تكن رقيقة على الأذن أيضا ، على عكس الجزء الأسباني الخاص بها و التي لحنته. فعزفت دي لاروخا مع مجموعة مقطوعات إشتهرن بأداء عازفات إناث نظرا للحميمية التي بها  أكثر من أداء الرجال مقطوعات مثل سكارلاتي و شوبان و موزارت و حتى باخ ، مقطوعة بشكل مذهل و مغاير لأدائها لمقطوعة بيتهوفن تماما.

إن سؤال الأنماط الجندرية و الجنسانية في الموسيقى لسؤالٌ صعب. يبدو أكثر وضوحا في معزوفة رومنسية أو في موسيقى أوبيرالية ، حيث التعبيرات عن المرأة تشكّل خط و مسار المعزوفة من البداية للنهاية. مثال على ما سبق عندما أدى جوان سذرلاند أوبرا ” puritani ” لفينتشينزو بيليني في أوبرا المتروبوليتان ، فيا للغرابة ! برغم المشاهد الغريبة التي تقدمها هذه الأوبرا و التلاعبات الصوتية غير المنتهية لمؤديها ، و بخلوها من النص حقيقةً ، و بتوهيماتها التي لا معنى لها لإنلجترا في القرن السابع عشر. فهناك في منتصفها تقف فتاة مراهقة جنّ جنونها  في عشق رجل تعتقد بخيانته لها ، كانت في الخلفية هناك موسيقى العشاق المُشكّلة على قالب نغمة مطولة ثلاثية الإيقاع بشكل رتيب على قرار النغمة ( أدنى الدرجات الصوتية ) ، و المُطعّمة بمداخلات من الآلات النحاسية على شكل نغمة عسكرية. كل هذا يحدث في مشهد يكشف كل شئ جمل فنائية غنية و نشوة موسيقية مُعد لها مسبقا بعناية حيث تتفاوت طبقات الرجال و النساء ارتفاعا و إنخفاضا بشكل غير متباين كثيرا في محاكاة دائما لبعضهم البعض. هذا التباين الغنائي بالتأكيد يضيف منظورا جنسانيا يتطلب بعض النظر فيه ، ليس فقط قدرته على جذب إنتباه الكبير من الجمهور من الجنسين.

 

ترجمة للنصف الأول من مقال كتبه إدوارد سعيد في 7 فبراير عام 1987 في مجلة الأمة الأمريكية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s