شهر: نوفمبر 2014

جان لوك غودار تجاوز السبعين وما زال بتمرده السينمائي والسياسي

«غودار».. أصيل إلى أبعد الحدود، إنه أحد أولئك المخرجين الذين لا يمكن آن تصبح السينما بعدهم تماماً كما كانت من قبل.. إنه لا يأخذ شيئاً واحداً على نحو يقيني، لا يؤمن ان هناك «ما يجب» و«ما لا يجب» حتى يُجرب بنفسه.‏ – راسل تايلور

يتفق كثير من المهتمين بالتأريخ السينمائي، حول اعتبار السينما الفرنسية اليوم، ولدت مع ظهور تيار جمالي، أطلق عليه اسم «الموجة الجديدة» التي عملت الصحافة على اقتراحها سنة 1958 للإشارة إلى خصوصية بعض الأفلام، التي بدأت تنتج في أواخر الخمسينيات على يد كل من «غودار» و«تروفو» و«رينيه» و«ريفيت» و«شابرول» وآخرين.‏
وأتى هذا التيار السينمائي الجديد بحساسية مغايرة تماماً للسينما الفرنسية لما بعد الحرب العالمية الثانية، سواء من حيث الموقف من السينما كأداة للكتابة، أو من حيث التصور الذي حملوه عن الإنسان والمجتمع والطبيعة والمرأة والجمال. والتقى داخل هذا الانتاج السينمائي كل من هذه الاعتبارات التاريخية والسياسية التي ميّزت فرنسا في هذه المرحلة (تأثيرات حركة التحرر الوطني على وعي النخبة الفرنسية باعتبار بلدهم دولةً استعماريةً). والقضايا الفكرية الجمالية (الفلسفية الوجودية، والماركسية). مع الأساليب الجديدة لتوظيف اللغة السينمائية (مفهوم المؤلف، حركة الكاميرا، أهمية المونتاج، أساليب السرد..).‏
ولم يؤدِ هذا التيار إلى التغيير في وجهة السينما الفرنسية فحسب، بل أدى كذلك إلى دفع كبير في تطور السينما العالمية.‏
(جان لوك غودار وآلان رينيه وفرانسوا تروفو) من أكبر أعلام الموجةالجديدة الفرنسية، ولكن غودار هو أيضاً أحد أعلام السينما في كل عصورها، لأن السينما بعده ليست كالسينما قبله. وتجربة غودار الذي بلغ الرابعة والسبعين من عمره خلال نصف قرن من العمل في السينما كان ناقداً ومنظراً ومخرجاً.. هي أغنى التجارب منذ «نهاية الحرب العالمية الثانية».‏
منذ أواخر الخمسينيات وحتى اليوم ما انفكت أفلام غودار تثير المناقشات والمنازعات الفكرية والجمالية. ووصف بأنه “الشخصية السينمائية الاكثر تعقيداً والاكثر خلقاً وابداعاً على مدى نصف قرن”. ويبدو انه سيظل يثير ويزعج ويدهش، وخلال ذلك يكسب المعجبين والأعداء على حدّ سواء، حتى آخر أفلامه «موسيقانا» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «كان» السينمائي.-. قام الى الآن بتحقيق ثمانين فيلماً منها 27 فيلماً طويلاً.- وأفلامه: «على آخر نفس» «الجندي الصغير» «حملة البنادق» «امرأة متزوجة» «ألفا فيل» «بييرو المجنون» «الصينية» «ويك اند» دفعته فيما بين عامي 1958 1968 إلى مقدمة المخرجين في فرنسا والعالم. وصار كل منها غذاء رئيسياً لمحبي السينما وعشاقها في صالات الفن والتجربة.‏ و. ليس ما يرويه غودار هو ما يثير الاهتمام بل الطريقة التي يروي بها ويصف بها هذا العالم هي المثيرة للاهتمام. نظرة على العالم يقدمها غودار في الفيلم, نظرة وخطاب فنان, يختلفان عما يمكن لمفكر او لسياسي ان يقولاه. ووجهة النظر التي يقدمها عبر اسلوبه السينمائي المميز هي وجهة نظر غير منتظرة: مبتكرة. وهو رائد الابتكار.
أظهر غودار منذ ظهور فيلمه القصير المسمى «شارلوت وحبيبها جول» 1958، والذي مثله ممثل مجهول آنذاك يُدعى «جان بول بلموندو» اهتماماً كبيراً جداً بالنصّ وكتابته، ومشاغل بشرت منذئذ بالسينما الجديدة. وتساءل غودار عن دور الكاميرا والفيلم في عملية إيهام المتفرج بالواقع، وجعل السينما غذاء لأحلامه، وقام بدراسات وتجارب مختلفة ومتعددة الوسائل لكسر هذا الايهام، بدءاً من رفض فكرة البناء السردي التقليدي، خاصةً بعد فيلمه الروائي الطويل الأول «على آخر نفس» ونسف فكرة الخط الروائي، واحباط شغف المتفرج بالحكاية، ومنعه من الاستسلام للحبكة القصصية والانقياد لها، مروراً باستخدام المنهج البريختي في الحفاظ على المسافة بين المشاهد والعرض، ومنع المتفرج من الذهاب نحو الشاشة والاندماج في الحدث، بل دفعه إلى التأمل والمشاركة الذهنية في فنّ رموز ما يشاهده.‏
فالمرء لا يعود مشاهداً فحسب منذ ان يدخل في لعبة الاكتشاف. فبطل فيلم «حملة البنادق» كشخص بدائي، يدخل مجال الاكتشاف، إذ سار على عادة هي ان يلمس كل ما يراه. ففي أول مرة ذهب فيها إلى السينما، يفجر البطل حدود هذه الجنة المصطنعة، فحين فتنته غادة حسناء كانت تستحم على الشاشة. نهض من مقعده، وصعد إلى المنصة، ورفع نفسه على أطراف أصابعه ليرى ما لم يره من أعلى «بانيو» الحمام. وينتهي به الأمر بأن يثقب الشاشة، ويستمر العرض على جدار متسخ أمام العيون المشدوهة للمشاهد الجاد في طلب المعرفة. هكذا انقطع تيار الافتتان. خلط الرجل ما بين المظاهر والأشياء. تلك خطيئته: شاء ان يمتحن المظاهر، ان يبحث عن الحقيقة خلف المظاهر.‏
هذه المرارة في مثالنا، نقع بها دوماً عند غودار.‏
وها هو (بلموندو).. يعبر عنها في فيلم آخر لغودار (شارلوت وحبيبها جول) على طريقته حين يقول: «ما هي السينما؟ إنها رأس كبير يفتعل التكشيرات في قاعة صغيرة. يجب ان يكون الإنسان شديد الغباء ليحب هذا! بلى، بلى! أعرف ما أقول! السينما فن مضلل».‏
من جانب محبّ للسينما وناقد مثل غودار ليست هذه الفكرة مزحة يضحك لها الآخرون، ان ضحكة غودار تخفي ما يمكن ان نسميه بالمرارة الأصلية، والنكتة عند غودار هي نكتة سوداء.‏
وغودار الناقد الذي بات سينمائياً يقارب بحساسية نقدية أفلامه: « أعتقد فعلاً ان جميع أفلامي الأولى ليس لها موضوع، وبعدها عاودت ذلك في مرحلة: فرنسا، دورة وانعطاف، ولينج بجلده من يستطع.‏
من قبل، كان الموضوع هو السينما، ربما باستثناء فيلم : «شيئان أو ثلاثة»، والذي كان موضوعه بالنسبة إلى منطقة باريس، دون ان أعرف جيداً.. ما الذي يمكن ان يقدمه ذلك كموضوع لفيلم. في حين ان «صنع في الولايات المتحدة، وبيرو المجنون» اللذين في المرحلة نفسها ليس لهما موضوع، فيما عدا كونهما السينما بذاتها، وطريقة السينما في معالجة الأشياء. ما هو جيد في السينما بالمقارنة مع الفنون الأخرى، وظل طويلاً يستثير دهشتي، هو ان المرء فيها يمكن ان ينطلق من لا شيء. ولا أفهم لماذا يؤلفون سيناريو طالما ان أحداً لن يقرَأَه، فيما عدا الممثلين، وقراءة محدودة بالأسطر، التي يجب ان يقولوها وبالأعمال التي سيقومون بها، ما يستهوي في السينما انه يمكن مباشرةً العمل فيها بالمتوفر… وبما هو في متناول اليد.‏
ان الناقد الذي يتحدث على هذه الصورة¬ كما نرى¬ بات سينمائياً أكثر منه كونه ناقداً. وفي مقابلة أجرتها معه (مجلة دفاتر سينمائية) في كانون أول 1963 يقول غودار: «اليوم اعتبر نفسي ناقداً، ناقداً أكثر من أي وقت مضى، ولكني بدلاً من كتابة النقد أقوم بصنع فيلم، تكمن فيه عناصر نقده. اعتبر نفسي باحثاً أنتج أبحاثي بشكل رواية أو أنتج روايات بشكل بحث، وعوضاً عن كتابتها أقوم بتصويرها. ولو اختفت السينما يوماً فسأقبل ببساطة التحول الذي لا بد منه نحو التلفزيون، أما إذا اختفى التلفزيون فسأعود إلى الورقة والقلم، فالاستمرارية واضحة بين جميع أشكال التعبير: إنها كلها أنا».‏
من هنا يمكننا رؤية غودار المبدع الذي يتمتع برؤية ثاقبة وحادة وملهمة عن السينما، الجامع والناشر الذي لا يتوقف لكل المراجع في مجال ثقافة الصورة المتحركة. سيساعدنا هذا على ان نمسك بالفكر الذي يكمن خلف فيلم «بييرو المجنون» لنقل: إنه كان يحاول خلق رواية مأساوية أو دفتر ملاحظات يُدون فيه عناصرها ويجد طرقاً عديدة في رؤية وتحريك نص مكتوب.‏
أحب غودار تصور الاشارات والكلمات، كانت بالنسبة له ¬على الأقل¬ هامةً بقدر أهمية الوجوه ومحتويات النصّ والحوار، التي تبقى بعد ان تساعد على جعل الخيال واقعياً. تكمن أهمية فيلم «عاشت حياتها» في ان غودار استبق الرؤية بأن الناس في الفيلم صاروا حقيقيين أو لا ينتمون إلى عالم الاشباح، عالم الحياة العادية، لقد استطاع غودار ان يبرز ويعرف الهشاشة في أنظمتنا العسكرية والثقافية.‏
كاميرا غودار ليست بعيدةً عن الواقع. إنه يستخدم الممثل، ولكن ليقحمه في الواقع الذي يصوّره من وجهة نظر تسجيلية.. إنه يحاول ان يفاجىء الحياة، يتقبلها وهي تتشكل أمام عينيه بكل ما فيها من مصادفات وظلال وعدم تماسك وتناقضات.‏
وهناك مراحل واضحة في مسيرة غودار، ونقاط انتقال أكثر وضوحاً. لقد أراد ان يبدأ من جديد بعد أحداث أيار 1968، وبدأ بالفعل من جديد انطلاقاً من رفض كامل ومطلق للسينما السائدة وأراد ان يبدأ من جديد بفيلم «كل شيء على ما يُرام عام 1972 ولكنه لم يبدأ بعده إلا مرحلةً من الصمت. كما حاول مرةً أخرى ان يبدأ عام 1980 بفيلمه «انقذ نفسك¬ الحياة» وهو عبارة عن هجاء رفضي وعنيف للمجتمع الرأسمالي. غودار لا يهمه ان يفضح المجتمع الرأسمالي الذي يرفضه، ولكن ان يعبر عن هذا الفضح بأسلوب يرفضه هذا المجتمع أيضاً. عندئذ لا تصبح هناك مسافة بين الشكل والمضمون، وإنما يصبح المضمون هو ذاته الشكل، والعكس أيضاً، وهو هنا يصطدم بالسينما السائدة بحثاً عن السينما الخالصة… وهو ما جاء أيضاً في تحفته الفنية «في مديح الحبّ» الذي عُرض عام 2001.. وفيها يتحدث غودار عن كل شيء بحزن عميق يطغى على الغضب الجارف في أفلامه الأولى، غير انه لم يفقد غضبه. إنه يصوّر الذين بلا مأوى في شوارع باريس، وفي الوقت نفسه الأثرياء الجدد. ويهاجم السينما التجارية: كل ما تحتاج إليه لعمل فيلم «فتاة ومسدس». ويمتدح فنّ السينما الحقيقية، ويناصر غودار حقوق الأقليات المضطهدة،، ويستنكر الاهتمام باليهود دون غيرهم، والتركيز على الهولوكوست اليهودي دون غيره من حروب الإبادة.‏
وهو في ذلك مثل عدد قليل من المبدعين المثقفين العالميين لا يخضع للابتزاز أياً كان مصدره، ويدافع عن الحرية مهما كان الثمن.‏
ويقدم غودار الذي في فيلم “موسيقانا” رؤيته الخاصة للحرب او للحروب التي تعصف بالعالم في ثلاثة فصول: الجحيم، المطهر والجنة..
منذ البداية يدخلنا غودار الى عالمه الخاص جدا حيث يمتزج الخيالي بالواقعي والتسجيلي بالتصويري في صورة صامتة متعددة تختصر كل الحرب : صورا لقتلى وجرحى ودبابات ونزوح ودمار وعنف والم بالاسود والابيض والملون. … الجلادون والضحايا, في مشاهد وثائقية اخذ بعضها من افلام وبعضها الاخر من وقائع. مشاهد ضبابية واجواء مفجعة صاحبتها موسيقى على البيانو حادة ومفجعة هي الاخرى
ويقدم غودار في هذا الفيلم على نسق فيلمه السابق “في مديح الحب”، رؤيته الفلسفية والفكرية والوجودية لموضوع الحرب عبر السينما والضوء والكتاب والسفر.
للكلام عن فلسطين يذهب الى ساراييفو ولم لا فالحرب واحدة والدمار والخراب الذي تحدثه واحد وغودار يجعل من ساراييفو ومكتبتها المحترقة المدمرة رمزا لمكان الحرب يحضر اليها محمود درويش، الشاعر الفلسطيني ويحضر اليها الهنود الحمر وصحافية اسرائيلية شابة تريد ان يعم السلام المنطقة.
ويقود غودار شخصياته الى جسر موستار الذي دمرته الحرب البوسنية، يجعلهم يتكلمون، يتكلم هو، يعلق على عبارة، يلعب بالمفاهيم .. يقلبها فتصبح معقولة اكثر، يظهر في الكادر، يفكر ويكتب كما يقف هو امام الكاميرا من حين الى حين.
ولا يبدو من الضروري البحث عن رابط بين الافكار المطروحة في الفيلم فهي تنساب كنهر هادر يتدفق وينعطف ويهبط ويسكن منهالا في حوض واحد هو حوض الحرب وشبحها المديد المعالم من فلسطين الى العراق والبوسنة رجوعا الى الحرب العالمية الثانية مرورا بالهنود الحمر.
ويضحك الجمهور كثيرا في الفصل الثالث من الفيلم، فصل الجنة حين ترد اغنية تقول “جنود المارينز الاميركيون يحرسون دروب الجنة” ويراهم المشاهد هناك بصدد الحراسة.
على الوقع المقلق لضربات البيانو الواحدة تلو الاخرى ينتظم الفيلم ويسير، يقول غودار ان الامل الوحيد موجود امام المهزوم ويقول محمود درويش ان الشعب الفلسطيني سيء الحظ لان عدوه يتمثل بالدولة اليهودية التي يدافع عنها الجميع ولكن هذا الشعب محظوظ ايضا كونه يملك عدوا تسلط عليه كل الاضواء.
هذه السخرية المرة تترافق مع نهج طرحي تساؤلي متواصل باحث ولا يترك للمشاهد مكانا للتسلية بل للتفكير في الحياة والمستقبل وامكانية الاصلاح وامكانية العودة ايضا اذ في احد المشاهد تلح الكاميرا على عنوان بالفرنسية على غلاف كتاب “بلا أمل في العودة”.
تصبح الصورة سؤالا او علامة للسؤال مطروحة على المخرج وعلى المشاهد وعلى العالم الذي يبتكر الحروب.
كل كلمة كل صورة كل تامل في السينما لخدمة الغرض الذي يليه والصورة التي بعده لتكتمل حلقات الفيلم في دوائر صغيرة تشكل الدائرة التي تقلب دولاب المعادلات والافكار عن الرابح والمهزوم وعن الحرب والسلام.
اللغة السينمائية المتفردة الى اقصى حد والباحثة عن ذاتها من قلب العمل، وفي داخله، الصورة هي ذاتها صورة قدوم الاسرائيليين الى فلسطين وصورة رحيل الفلسطينيين في البحر، الصورة هي نفسها، لكن الصورة الاولى حاضرة والصورة الثانية غائبة او مغيبة، مع ما يعنيه حضور الصورة الاولى من حضور الزامي للثانية.
ويطرح غودار على نفسه سؤالا ولكن من خلال طلاب سينما في ساراييفو:” برأيك سيد غودار هل ان الفيديو الرقمي فيه خلاص للنوع السينمائي؟”.
يصمت المخرج الذي يدرك ان ذلك صحيح، يصمت والجميع يعرف انه استخدم مثله مثل عدد من كبار المخرجين الامكانات التي تتيحها كاميرات الفيديو الرقمي الصغيرة.
انا المخرج تلك هي انا الآخر، الانا التي سبق ورايناها في رائعته السابقة “في امتداح الحب” انها الانا الباحثة عن سلام مثل تلك الصحافية الاسرائيلية التي تذهب الى ساراييفو لتلمس واقعا ممكنا للسلام في الشرق الاوسط، مساحة للمصالحة والسلام .. ولكنها تبقى في النهاية وحيدة من اجل السلام دون ان يؤيدها في فكرتها احد من الاسرائيليين.
قال غودار “موسيقانا” كي لا يقول حروبنا وهي موسيقى شارك في وضعها ثلاثة عشر موسيقيا بينهم التونسي انور ابراهيم.

المصدر : https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=76190

 

Advertisements

عنف الإنسانويّة

image

 

مثل أيّ من القضايا الكبرى في الصحافة العالمية، كان تفشي وباء إيبولا قضية ذات وجهين، الوجه الذي يظهر غالبًا أمام الإعلام هو وجه منظمة الصحة العالمية ومنظمات الإغاثة وتصريحاتهما. لكن الوجه القبيح الذي غالبًا لا يتصدر الصحافة -ربما لأنه ليس مختصًا بالرجل الأبيض- هو العنف المُمارَس على الأهالي في المحاجر الصحية في الدول الإفريقية التي يتفشى فيها هذا الوباء. فقد ذكرت عدة وكالات أنباء وصحف مثل رويترز عن حوادث إطلاق نار وجثث مصابة بعيارات نارية في سيراليون، أيضًا ذكرت الغارديان أن قوات الشغب في ليبيريا قامت بإطلاق الذخيرة الحية على المتظاهرين مما أدى إلى إصابة العشرات ممن يقبعون داخل هذه المحاجر الصحية، والذين يشتكون من سوء ظروف المعيشة فيها واحتجازهم في بيوتهم أو في مناطق جمعتهم بها الحكومة بدون أسباب وبدون سابق إنذار.

يصف أحد المحتجزين في ليبيريا للقارديان الأوضاع قائلًا: “إنه عمل لا إنساني، كيف يحتجزوننا دون إنذار مسبق؟ كيف من المفترض أن نُطعِم أطفالنا؟”. إن هذا القمع على عكس ما قال هذا الليبيري هو قمع لأغراض إنسانية في الواقع؛ فقوات مكافحة الشغب تقتل وتصيب وتطلق الرصاص الحي على الآلاف من المحتجين من أجل حمايتهم وحماية الآخرين من الموت.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل هذا خرق لحقوق الإنسان وأعني هنا تحويل هؤلاء البشر لأعداد يتم احتجازها والتعامل معها على أساس بيولوجي لا قيمة لحياتهم اليومية؟ أم هو حماية للأغلبية من غير المصابين وشر لا بد منه لحفظ حياة المواطنين الليبيريين أوالسيراليونيين؟ هوبالتأكيد خرق لحقوق الإنسان من ناحية النصوص، ولكن هل هذا فعل إنساني بمعنى أنّه من أجل الإنسان والحفاظ على حياته؟ وهل هناك فرق بين الإنساني وحقوق الإنسان؟

إن الأوضاع الإقليمية والتدخلات الغربية في سوريا والعراق وتركيا ولبنان والتي تأتي تحت غطاء الإنسانية -والمقصود هنا جميع التدخلات العسكري منها وغير العسكري-، تجعلنا نعيد النظر في مفهوم يتكرر ذكره بصياغات مختلفة هو مفهوم الإنسانوية (humanitarianism)  وتبعاته كمفهوم يحلّ محل خطاب حقوق الإنسان الذي يفشل كخطاب مجرّد وكأفعال على أرض الواقع، وأيضًا نعيد النظر في التدخل الإنساني العنفي وفي حماية الإنسان بخرق حقوق الإنسان ذاته، كما حدث في محاجر إيبولا الصحية في إفريقيا.

تذكر ميريام تيكن أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة ستانفورد قصة حدثت لها شخصيًّا فتقول: “أثناء رحلتي إلى باريس للعمل الميداني عام 1999 اكتفشت عن طريق رئيس إحدى جمعيات حقوق المثليين، أن بعض المهاجرين غير الشرعيين يقومون بحقن أنفسهم بالإيدز من أجل الحصول على الإقامة الشرعية في فرنسا، والتي ينص قانونها بالسماح لمن يواجهون أمراضًا مميتة بالبقاء في البلاد”. لتصبح خيارات المهاجر غير الشرعي إما أن يعاني الاستغلال والخوف من التهجير والإقصاء والفقر، أو أن يعاني من المرض. أي إنسانية تحاول أن تُبقي عليها هذه المعادلة الأخلاقية؟  تنتقد ميريام هذا القانون الفرنسي معتبرةً أن وجود مادة تمنح الإقامة الشرعية للمهاجرين لـ”دواعي مرضية” أو إصابات بأمراض مميتة تشكل ما أسمته لاحقًا في أحد كتبها بـ “عنف الإنسانوية”، وأن هذه الإنسانوية تسببت في خلق هذه المعادلة الأخلاقية التي تبرر الضرر الجسدي من أجل الاعتراف بالحق السياسي تحت مسمى التعاطف الإنساني، أيضًا كونها أرضية للعنف بأشكاله. وتعلل ميريام هذا التجاهل لحالة مهددة حياتها بالخطر في وطنها ربما وتطلب اللجوء لفرنسا ومع ذلك لا تُعطى أوراق إقامة شرعية بأنّه هو الرغبة في إضفاء شرعية لما أسمته “عالمية الحياة البيولوجية” على حساب كل شيء، هذه العالمية التي تتغاضى عن التفاصيل والخصوصيات السياسية والاجتماعية للبشر.

إننا نحن هنا إذ نتحدث عن العنف نتحدث عن العنف الإنسانوي بأشكاله، العنف الشخصي المباشر مثل حالات حقن الإيدز في فرنسا، والعنف غير المباشر مثل تجريد الناس من هويتها الحقيقية وتصنيف الشخص كإنسان عارٍ من كل مميزاته ليصبح بشكل الضحية حتى تتمكن الإنسانوية ذاتها -من تسببت في تجريده من هويته الخاصة في المقام الأول- من إنقاذه أو حمايته.

الإنسانوية وحقوق الإنسان وعالمية الإنسان

ما سبق ذكره من أمثلة ما هو إلا مدخل للعواقب المترتبة على الخطاب الإنسانوي عندما تستخدمه الحكومات والجهات السياسية. ليس هذا وحسب، بل هو تعقيب على حلول المنطق الإنسانوي محل الخطاب الحقوقي وهزائمه.

إن حقوق الإنسان وخطابها السياسي والذي تعود أصوله إلى الثورة الفرنسية وحركة التنوير وانتقال مفهوم الإنسانية بشكله الديني إلى شكله المُعلمَن بحسب تيكن، هي مضمونة -أي حقوق الإنسان-  ومثبتة بنص القانون من أجل المطالبات القانونية وتحميل خارقي هذه الحقوق مسؤولية أفعالهم. بينما الإنسانوية تُعنى بالواجب الأخلاقي لإنهاء معاناة الناس وإنقاذ من تتعرض حياتهم للخطر، ومن هذه الرومانسية في الخطاب يزعم الكثير أن أصول مفهوم الإنسانوية هي أصول دينية، وهنا أحد وجوه الاختلاف بين حقوق الإنسان والإنسانوية. وعلى الرغم من أن هذين الخطابين خطابان عالميان، إلا أنهما يعتمدان على أنواع معينة من الأفعال والإجراءات، وبالتالي وبالضرورة هما يحميان أنواعًا معينة من الإنسانية.

وتعود أصول الاختلاف بين مفاهيم حقوق الإنسان والإنسانوية إلى سياق العلمنة الأوروبية لمفاهيم الإنسان وانتقالها من مفاهيم ضيقة نسبيًا لمفاهيم عالمية عن الإنسان الكوني. يعتبر طلال أسد أنّ الخصائص المميزة للغرب الحديث ثلاثٌ: العلوم والتقنية الحديثة، الإنسانية المشتركة، النقد الذاتي. هذه الخصائص بدأت تتبلور في عصر النهضة، وأخذت هذه النهضة في التحول إلى نظرة مُعلمنة للعالم أصبح فيها الإنسان هو الفكرة المركزية فيها. أيضًا رحلات الاستكشاف الأوروبية وتقنيات صنع الخرائط في القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ أعطت الأوروبيين نظرة بانورامية للعالم والكرة الأرضية بأنها مسكن للإنسانية بشكل عامّ. وأيضًا ساهمت تشككية بعض الفلاسفة مثل بودان وليبس ودي مونتين في إرساء مبادئ للتسامح بين الأديان، فعندما تمت علمنة فكرة الحق الطبيعي في المسيحية أصبح هناك بالتدرج شيئًا فشيئًا توسّع لمفهوم الإنسانية لتمتد للمسيحيين وغير المسيحيين.

هذه الرؤية العالمية للإنسان هي ما صنعت الرغبة بنقل الشعوب “غير المتحضرة ” فيما بعدُ إلى مرحلة متحضرة من قِبل المستكشفين الأوروبيين في القرن الثامن عشر وقبلها عن طريق الاستعمار واستغلال الشعوب وتمدينها -ففي رأيهم كان التمدن هو المكافئ للتحضر- واستغلال ثرواتها في صنع نمط اقتصادي معين يصبّ في مصلحة هذا المتحضر الأوروبي.

الإنسانوية كأداة عنفية

إن رؤية الإنسان الذي يعاني جسديًّا كحامل لشرعية أكبر من الشخص المحروم أو المُضطهَد سياسيًّا تكشف عن رغبة في توحيد قيمة معينة للإنسان هي قيمته البيولوجية، وتأسيس لهذه الصورة: إنسانية موحدة عابرة للاضطهاد السياسي. فكما يقول جورجيو أغامبين: “إن الإنسانوية لا تستطيع استيعاب الإنسان إلا في صورةٍ معينة، في صورة الإنسان المجرد من كل خصائصه غير البيولوجية، وبالتالي صُنع نموذج مميز ومغاير عن الجوانب السياسية في حياة الشخص”.

إن صنع الإنسان العالمي هذا في حدّ ذاته عنفًا ليس جسديًّا نعم، ولكن تجريد الإنسان من تفاصيل حياته وتقديمه كضحية وتجاهل حقيقة مشاكله هو شكل من أشكال العنف بالتأكيد. مثالٌ جيد على هذه التعرية والتجريد للإنسان هو التعامل مع اللاجئين، تذكر ليسا مالكي: “بالطبع تقوم الإنسانوية بتحويل الأشخاص إلى ضحايا، ضحايا بشكل نقي”. هذا الأمر يجعلهم قابلين للتشكل في الخطاب الإنسانوي ليكونوا أهدافًا للشفقة والتبرعات، لا لأن يكونوا ضحايا في أعين القانون الذي يجعلهم قادرين على استرداد حقوقهم فعلًا.

وعلى الرغم من ذلك، تتعقد ممارسات الإنسانوية مع مرور الوقت وتجذرها كمفهوم في الخطاب السياسي والاجتماعي، فمثلًا يختلط هذا الخطاب البيولوجي بالخطاب السياسي، عندما تمارس السياسة والتدخلات السياسة -مثل حالاتنا في العالم العربي- باسم الإنسانية؛ عندها تظهر هذه الإنسانوية بوجه يتحمل المسؤولية السياسية والفعل السياسي معًا، عندئذ تتقلص صورة الضحية من الشخص المُراد إنقاذه بطريقة غريبة ومثيرة للاهتمام كما تصف تيكن؛ حيث تنتقل هذه القيمة البيولوجية للإنسان من الضحية للإنسانوي، ويصبح الفعل السياسي بحد ذاته عبارة عن تنازلات بيولوجية. مثال على ذلك التعامل في الإعلام الأمريكي مع الجندي الأمريكي بصورة ضحية تُقدّم لإنقاذ الإنسان العراقي مثلًا في 2003، والتعامل معه كحالة بيولوجية وضحية حاله كحال العراقي (الضحية الفعلية).

هذا التضخم لقيمة الحياة البيولوجية بالمجمل يجعلها تتساوى مع القيمة السياسية، ففي حالات المهاجرين الذين حقنوا أنفسهم بالإيدز أصبحت المسألة ثنائية بالنسبة لهم في الواقع؛ الحياة أو الموت في مقابل الاعتراف السياسي أم عدم الاعتراف.

كخلاصة للموضوع، إن تحول الإنسانوية لسياسة أو مصدر أخلاقيّ لفعلٍ سياسي يجعل من الصعب أن تكون إنسانًا ومواطِنًا ذا انتماء سياسيّ. ففي حالة المهاجرين غير الشرعيين، تمتزج مبادئ الحياة المجردة من خصائصها (حياة الضحية) مع السياسة؛ مما يجعل النظر للإنسان بصفته المجتمعية وبخصائصه في محيطه الاجتماعي مستحيلة. أما في حالة اللاجئين، فأنت إما أن تكون ضحية أو تبقى مشردًا ومجردًا من انتمائك السياسي. فالإنسانوية هذه تحتاج لمبرر كي تساعدك كلاجئٍ تحتاج أن تصوّرك بصورة معينة، صورة ضحية لا ضحية في عيون القانون والمجتمع السياسي الدولي بصورة سياسية، بل ضحية في شكلٍ ما، شكلٍ يتناسب مع خطاب الجمعيات الخيرية وجمعيات الإغاثة.

 

نشر في : صحيفة التقرير الإلكتروني

حتى لا تقتلنا الذكورية

خاضت الحركة النسوية صراعًا طويلًا ضد خصوم كثر على مدى تاريخها، خاصةً مع تشكل النسوية كنظرية اجتماعية في أواخر القرن التاسع عشر. ولأنّه ليس بالضرورة أن تتقدم النظرية كنموذجٍ خطيّ تغيرت أوجه هؤلاء الخصوم بتغير النمط الفكري المرتبط بنوعية الهيمنة المسيطرة في تلك الحقبة؛ من رجال الدين إلى الدولة كجهاز إلى الطبقة المهيمنة وثقافتها البرجوازية.

ربما لذلك اعتبر اليسار في العوالم الثالثة أن النسوية هي مقاومة من ناحية المنهج ضد المُضطهِدين و خاصة تأثير الإمبريالية بأنواعها والثقافية منها بالذات؛ وهذا ما شكل اتحادًا بين نسويات العالم الثالث مع نسويات من أصول أفريقية ولاتينية وآسيوية في أمريكا وأوروبا باعتبار أن الإمبريالية وهيمنة العرق الأبيض هي مفهوم كوزموبوليتاني انطلاقًا من مفاهيم ماركسية .

لذلك نجد الخطاب يتشابه بين النسويات الراديكاليات الأمريكيات والأوروبيات مع نظيراتهن في العوالم الثالثة، وهذا التشابه قام بتنحية خطاب النسوية البرجوازية الذي لا يعبر عن المرأة بصفتها طبقةً مقهورةً إلّا في حالة معينة مثل ارتباط النسوية بالدولة وظهور بطريركية الدولة كراعٍ للحراك النسوي.

لذلك تعتبر الناقدة الأمريكية بيل هوكس النسوية بأنها:”التزام باجتثاث أيدولوجية الهيمنة التي تتخلل الثقافة الغربية على جميع المستويات -الجنس والعرق والطبقة، وهذا غيض من فيض- والتزام بإعادة تنظيم المجتمع، بحيث يمكن للمجتمع الداخلي تنمية ذاته وحيازة الأسبقية على الإمبريالية بأشكالها وعلى التوسع الاقتصادي والاستهلاكي من خلال هذه التنمية الذاتية”.

لذلك يجب أن نعيد صياغة بعض المفاهيم المتجددة التي أهملتها الترجمة العربية والنقد العربي الذي حصر ذاته في دائرة الجنسنة والمرأة في الإسلام والسياق المُعلمن لتحريرها دون دراسة جدية في أشكال الاضطهاد للمرأة إلا نادرًا، وكما قالت النسوية الأمريكية المعروفة أودري لورد:”يجب أن ننغمس في دراسة الذكورية حتى لا تخنقنا الذكورية ذاتها”.

نقد مفاهيم هرمية الاضطهاد:

بسبب هذا الاتفاق في الخطاب الراديكالي الرائج، أصبحت النظرية النسوية تعاني من مشاكل الاختزال وضيق الأفق مثل العناية المفرطة بتصنيف الاضطهاد وأنواعه ودرجاته من مكان لآخر ومن زمن لزمن بالرغم أن مضمون الاضطهاد ذاته باقٍ.

وهذا النموذج في التحليل والذي يسمى “هرمية الاضطهاد”تكمن إشكاليته في أنه سيضطر لتبرير الاختلاف في الاضطهاد بسبب واحد ربما الرأسمالية، أو مفهوم الجنوسة، أو الأمومة والعائلة، أو ربما الإرث التاريخي لهذه الثقافة مقارنة بتلك، أو أنه يضع سببًا للاضطهاد فوق سبب آخر بحكم الأسبقية في الحدوث أو العمق أو الأكثرية.

وهذا ما ينتقده الجيل المعاصر من الناقدات الأمريكيات خاصة من بعد منتصف القرن العشرين، واللواتي يؤكدن بأن الاضطهاد عملية”تقاطعية” intersectionality)) بين العرق والطبقة والجنوسة أو الجنسانية وليست تراكمية بالضرورة عموديًّا، فهي كما تصفها هوكس بأنها “أنظمة متشابكة للهيمنة”هذا النموذج الفكري (الباراديغم) في النظر لقضية النسوية هو ما يجب أن يُطرح ضد فكرة هرمية الاضطهاد التي لطالما سببت خللًا منهجيًا في الحراك النسوي مثل ما سببته من حيرة وارتباك في حراك النساء العاملات من أصول أفريقية ولاتينية في الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي. ففي أي الجهات عليهن المحاربة؟ وفي أي الجمعيات وأي الأخويات عليهن الانضمام؟ هل مع الرجال من نفس لون بشرتهن بحكم هيمنة البشرة البيضاء؟ أم مع النساء العاملات ذوات البشرة البيضاء بحكم أن الطبقة البرجوازية المُستغلة للعمال هي سبب النظرة الفوقية للمرأة العاملة باختلاف أصلها العرقي؟ فهرمية الاضطهاد تلقى قبولًا ربما لقدم الفكرة ولبديهيتها رغم أنّ النسويات المعاصرات أوجدن أدلة تاريخية تنفي مبدأ هرمية الاضطهاد بناء على ممارسات تاريخية تعود إلى القرن التاسع عشر، حيث تشير أنجلينا غريمكه إلى أن النسوة البيض تواطأن في اضطهاد العبيد الإناث اضطهادًا جنسيًّا فظيعًا، رغم أن هؤلاء النساء البيض لم يكنّ غير نساء مشرفات على الفتيات السود أي عاملات ويشاركن هؤلاء المضطهدات نفس الاستغلال الطبقي، ولم يكنّ يقمن بذلك بدافعٍ عنصريّ أيضًا، بل تقاطع بين ذلك كله.

السياسة الجنسية والسلطة وبطريركية الدولة :

من المفاهيم النسوية التي لا بد من إعادة النظر فيها هو مفهوم ”السياسة الجنسية” الذي بدأ مع أولى محاولات النسوية لنقد المفاهيم الفيبرية للدولة والمفاهيم الماركسية أيضًا من نواحٍ عدة يطول ذكرها، ويمكن تلخيصها في نظرية سيلفيا والبي في كتابها ”تنظير البطريركية” القائلة بأن احتكار الدولة للعنف في المفهوم الفيبري الذي جعل العلاقات الجندرية علاقات بطريركية لارتباط مفاهيم العنف بالذكورة وأن الدولة بالمفهوم الماركسي تغفل بطريركية الدولة (والتي هي عبارة عن مجموعة مؤسسات متمركزة تحتكر نوعًا من العنف) لمصلحة بطريركية رأس المال رغمًا أنهما لا ينفصلان.

بالعودة لقضية السياسة، فلطالما يُنظر للسياسة بأنها العالم الضيق للدبلوماسية والحروب ومجالات العمل القيادية، ويرتبط هذا التعريف بالنسوية فقط بالمشاركة النسائية في هذه المجالات.

ربما نعم فعلًا المشاركة النسائية هي جزء من الإشكال، لكنها نتيجة للسياسة الجنسية وليست هدفًا في حد ذاتها، فالسياسة بالنسبة لكيت ميليت في كتابها ”سياسات القسوة” تعني لها ”كلّ العلاقات المبنية على أسس السلطة وتراتبياتها”. فالإشكال الحقيقي هو مفهوم السلطة الأبوي في حد ذاته لا نتائجه، وأن التفرقة بناءً على الجنوسة ليست نتيجة للسياسة بشكلها السلطوي الأبوي، بل هي محاذية لها؛ فلا يمكن فصل الجنسنة عن السلطة بصفتها جوهرًا للسياسة.

فمع ظهور الموجة الثانية من النسوية في ستينيات القرن الماضي، ظهر مصطلح ”الشخصي هو السياسي” المنسوب لكارول هانيستش والذي ظهر كخلاصة النشاط الفكري للحركة النسوية الراديكالية وتعاملها مع السلطة كوسيلة هيمنة. فمفهوم السلطة بالنسبة للفكر النسوي ما قبل منتصف القرن العشرين تقريبًا هو مفهوم ذو شقين أساسين: مفهوم اجتماعي واقتصادي مبنيان على أساس الجنوسة وتقسيم العمل بناء على الجنس، لكن مع التطور الفلسفي لمفهوم السلطة خاصة مع فوكو اعتنقت النسوية الراديكالية فكرة ”المقاومة الكلية للسلطة”، بحسب مصطلح إينيستا كينج.

وهو أنّ السلطة تعمل في جوانب الحياة العامة والخاصة كلها، وأن الحيز الخاص للشخص هو مكان لممارسة السلطة المُضطهِدة كما هو بالحيز العام، ولعل أول ذكر لهذه المسألة يعود لجون ستيوارت ميل حين قال: ”الأسرة مدرسة الاستبداد”.

من ثمّ، تم الأخذ بهذه الفكرة وإنزالها على أدق التفاصيل الجنسية مثل سلطة العنف الجنسي في حالات الاغتصاب والتحرش والمازوخية والسادية وأنواع العلاقات الجنسية التي تنعكس على شكل وقالب سلطوي يملك أحد الطرفين فيه سيطرة مباشرة أو غير مباشرة.

وهذه الفكرة التسلسلية التي تحلل مفهوم السياسة بأنّها عملية إنتاجية بمعنى: (تبدأ السلطة الأبوية في الحيز الخاص فمن ثم هذه السلطة الأبوية الخاصة تنتقل للحيز العام)، وهذا ما علينا استيعابه في نقدنا لمفاهيم البطريركية في الدولة والعائلة بغضّ النظر عن التحليلات الماركسية التي لا تفصل بين مفهومي الدولة والإنتاج عن العائلة.

عالمية اضطهاد المرأة :

لماذا تُوضع المرأة في مستوىّ أدنى من الرجل في كل الثقافات؟ ولماذا نجد أن هناك نساء خاضعات للرجال في كل المجتمعات؟ مهما وجدنا من مجتمعات غير حديثة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا تكون فيها للنساء سلطة وخصوصيات ومميزات مجتمعية؛ إلّا أنه لو دققنا في هذه المجتمعات سنجد نظرة ثانوية للمرأة بأشكال مختلفة.

وهذا ما كتبت عنه عالمة الأنثروبولوجيا شيري أورتنر كتابًا مهمًّا بعنوان: ”هل المرأة بالنسبة للرجل كالطبيعة بالنسبة للثقافة؟”. في هذا الكتاب تسلّم أورتنر بمسألة ثانوية المرأة وتعتبرها أمرًا مفروغًا منه.

لكن لا بد أن يكون هناك سبب مشترك بين جميع المجتمعات التي تضطهد المرأة تجعلها تُقدم على ذلك. أغلب من حللن هذا الإشكال انطلقن من مفاهيم ماركسية، خاصة من نظريات فريدريك أنجلز عن أصل العائلة التي تنص على أن ”الهزيمة العالمية” للمرأة حدثت عندما أصبحت المجتمعات قادرة على إنتاج قيمة فائضة كملكية خاصة، وتمرير هذه الملكية الخاصة كميراث وحصر المرأة بالأسرة، وبسبب قدرة الرجل الأكبر على إنتاج المزيد من القيمة هذه تم حصر المرأة بالمنزل واستغلال عملها غير المدفوع في منزلها وفي موضع اجتماعي مغلق من قِبل رأس المال للإنجاب من أجل استدامة القوة العاملة المهمة للرأسمالي تحت نظريته الشهيرة القائلة بأنّ ”تكاثر الجنس البشري نظام اقتصادي في غاية الأهمية”.

لكن ماذا عن المجتمعات غير الصناعية بعدُ؟ والتي لم يتفشّ فيها مفهوم فائض القيمة بعدُ؟ هنا تقول أورتنر بفكرة قرب المرأة للطبيعة حيث تقوم فكرة النظرة الثانوية للمرأة عمومًا بمقارنة المرأة بما هو دوني في جميع المجتمعات وهو الطبيعة في هذه الحالة، والطبيعة هنا بالمعنى الواسع لها وأما الثقافة تأتي بمفهوم تعزيز وإنتاج أنظمة وهياكل معرفية بأشكال غَرَضية من رموز وعادات وما إلى ذلك، هذا التعزيز يتم بأساليب تتفوق بها الإنسانية على المسلّم به من وجود طبيعي.

و لذلك لا يختلف مفهوم الطبيعة في الوعي أو في منتجات الوعي البشري عن الوسائل التي تحاول الإنسانية بها أن تؤكد السيطرة على الطبيعة ذاتها. فإن كل ثقافة بالضرورة تؤكد ضمنيًّا على الاختلاف بين الطبيعة وعملها وعمل الثقافة ومنتجاتها و هذا الغرض من إنتاج الثقافة أساسًا ألا وهو تجاوز الظروف الطبيعية وتحويلها لمقاصدها وأغراضها. لذلك تستنج أورتن أن كل ثقافة عند وصولها لمستوى معين من الوعي يتشكل إيمان لديها بأنها قادرة على جعل ماهو طبيعي اجتماعي وثقافي.

وإذا ما عدنا لموضوع المرأة  ووضعها في جميع الثقافات بمرتبة ثانية دائما بافتراض أنه يتم تعريف النساء بالطبيعة أو ربطهن رمزيًّا معها داخه الثقافة في هذا المجتمع والتي بالمناسبة غالًبا ما يصنعها الرجال، سنجد من الضروري أنه من البديهي إخضاع الطبيعة وبالتالي إخضاع المرأة بصفتها مشابهة للطبيعة؛ والإخضاع لا يعني الاضطهاد بالضرورة إنما يعني أبويةً بالضرورة.

لكن السؤال الذي كان يجب أن يسأل منذ البداية: لماذا تُرى المرأة أقرب للطبيعة؟ هذا السؤال معقد والإجابة عليه تحتاج لمؤلفات، وكان أول من تطرق لموضوع طبيعية المرأة هي سيمون دي بوفوار في كتابها الشهير: “الجنس الثاني”، حينما أسردت أسباب فسيولوجية وسيكولوجية معقدة في شرح المسألة.

يمكن تلخيص الأسباب في هرمية تراتبية :

أولًا: أن جسد المرأة فسيولوجيته ووظائفه والتغيرات الطارئة عليه يضعها في موضع أقرب للطبيعة مقارنة بالرجل المتحرر من ذلك.

ثانيا: جسد المرأة بالتالي يضعها في مكانة ومرتبة اجتماعية معينة لها أدوار معينة هي أدنى من الرجل بناء على السبب الأول، ومثال على هذا مسألة العائلة ووظيفتها البيولوجية لا الاجتماعية كما يشير ليفي شتراوس والتي تحيّد المرأة لموضع نقي وبسيط أقرب للطبيعة.

ثالثًا: أدوار المرأة الاجتماعية الآنف ذكرها تعطي بُنْية وهيكلة نفسية معينة والتي تُرى هي الأخرى بأنها أقرب إلى الطبيعة بتغييراتها وتأثرها المباشر أحيانًا بالتغييرات الفسيولوجية.

هذه بعض النظريات التي أعتقد أننا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر فيها. إنّ التعقيد الكامن في هذه الأفكار هو دليل على عمق اضطهاد المرأة لا فقط كيفية تحطيم أغلالها.

وطما قالت أودري لورد: ”إن لنوعية الضوء الذي نقوم به بالبحث في حياتنا تأثيرًا مباشرًا على النتيجة التي نحياها، وعلى التغييرات التي نأمل أن نُحدثها من خلال هذه الحياة، والأفكار التي نمارس بها سحرنا ونجعله يصبح واقعيّا إنما تتشكل ضمن هذا الضوء”.

نشر في: صحيفة التقرير الإلكترونية

الإمبريالية وفنّ النفاق

كتبَ الكاتب الماركسي المعروف الآن وودز مقالًا بعنوان: ” الإمبريالية وفن النفاق” يصف لعبة اللوم التي تمارسها قوى الإمبريالية تجاه بعضها البعض، فالأمريكيون يحمّلون روسيا المشاكل دائمًا في المناطق التي تقع تحت سيطرة الروس الذين بدورهم يحنون للحرب الباردة هذه الأيام وسياسات التكافؤ مع الولايات المتحدة، والروس يعتبرون أنّ دعم الولايات المتحدة للجماعات والدول المناهضة للسيطرة الروسية هو المشكلة دائمًا.

فالقوى الإمبريالية هذه لا تخجل ولا تتوارى أن تستخدم دماء الناس والشعوب من أجل تسيير تروس ماكينة البروبغندا الخاصة بها. إن الأزمة الاقتصادية في 2008 زادت من آمال روسيا في العودة للواجهة كقوة مكافئة للولايات المتحدة، وانتصارها السياسي على الولايات المتحدة في سوريا زادَ من جشعها في الرغبة بالسيطرة على أجزاء من العالم العربي والذي لا تعتبره روسيا ميدانًا للصراع مع الولايات المتحدة فقط، بل هناك إيمان لدى الروس بقدرتهم على الانتصار في الساحة العربية وتحقيق بعض المكتسبات وإعادة البعض ممّا تضرر من بعد ثورات الربيع العربي مثل الحليف الليبي.

كل هذا الهوس بالحفاظ على المصالح لا ينطلق من الرغبة بالهيمنة والسيطرة السياسية فقط؛ فهذا النموذج التحليلي للفهم ليس كافيًا لفهم مواقف الدول الإمبريالية من قضايا عدة مثل الحالة المصرية التي حير الموقف الأمريكي من الثورة المضادة بقيادة السيسي المحللين السياسيين بسبب تغاضيهم عن الفكرة الأساسية للإمبريالية المعاصرة، وهي التجسد كأعلى مراحل للرأسمالية وتشكلها كنظام منافسة اقتصادية وجيوسياسية وغضّ النظر عن حركة رؤوس الأموال القادمة من داعمي الثورة المضادة للداخل المصري الحلفاء للولايات المتحدة.

نستطيع الأخذ بأحداث حصلت خلال العام كأمثلة، ونلاحظ هذا النفاق المثير للسخرية؛ فمثلًا حادث الطائرة الماليزية MH17 المتوجهة من أمستردام إلى كوالالمبور والتي تسابقت أجهزة البروبغندا الإمبريالية بإلقاء التهم على بعضها البعض بعد ساعات قليلة من سقوط الطائرة بدون تحقيق وبدون وقت كافٍ حتى لمعرفة ملابسات الحادث وإحصاء الضحايا، حيث لم يُضع نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن أي وقت في وصف الحادثة بأنها “ليست حادثًا طبيعيًّا”، وأنه اعتداء سافر وأن الطائرة تمّ تفجيرها في السماء، ثم طالبت الخارجية الأمريكية من روسيا بعدم تصعيد الأوضاع في المنطقة، بينما قال المتحدثون في كييف إنّ الصاروخ انطلق من الأجزاء التي يسيطر عليها الموالون لروسيا.

لكن ما مصدر هذه المعلومات التي جعلت واشنطن أو كييف تصرح بهكذا اتهامات؟ أو حتى التصريحات الروسية التي ادعت أن الصواريخ صواريخ أوكرانية حاولت اغتيال الرئيس بوتين؟! هذا الكذب السافر وانعدام الخجل من المتاجرة بدم الضحايا الذين قضوا نحبهم في الطائرة هو الوجه الحقيقي للبروبغندا الإمبريالية وماكينتها الضخمة المخصصة للكذب والتلفيق وتبرير الجرائم، ويعلق آلان وودز على هذا الكذب ساخرًا من مصداقية الإمبريالية الأمريكية قائلًا: “إن الأميريكين دائمًا يظنّون أننا ننسى أدلة كولن باول الحاسمة عن وجود أسلحة دمار شامل في العراق”.

موقف الإمبريالية من مسألة القرم أيضًا يعبّر عن قمة ازدواجية المعايير، فتدخل روسيا في أوكرانيا والذي تبرره بأسباب واهية كثيرة تعيد بالذهن نفس الأسباب الواهية التي قمع بها الاتحاد السوفييتي أوكرانيا قبل استقلالها في عام 1991. من هذه الأسباب، وصفُ الحكومة الأوكرانية بالفاشية لوجود عدد من المسؤولين الفاشيين فيها وهذا صحيح، ولكن ماذا عن الفاشيين الذين يستخدمهم بوتين في الداخل الروسي مثل فلاديمير جيرينوفسكي أحد رموز اليمين المتطرف ومؤسس ورئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي؟

على الجهة الأخرى، يشنُّ الإعلام الأمريكي حملة على التدخل الروسي في أوكرانيا بسبب أنه يعزز من صعود القوميين المتشددين الموالين لروسيا وقلقها من صعود فاشية ذات طابع روسي، رغم أنّ أغلب المتابعين لحالة صعود الفاشية في أوروبا يلاحظون التبعية للولايات المتحدة، بل هناك من يقول بأن صعود الفاشية مرتبط سياسيًّا بالولايات المتحدة مثل المفكر والاقتصادي المعروف سمير أمين الذي يشير إلى أن علاقة صعود الفاشية بالولايات المتحدة وإضعافها لحركات اليسار الأوروبي بدأت مبكرًا منذ 1990 كنوع من الإجهاز على الاتحاد السوفييتي المتهالك. فيشير المفكر الماركسي أنّ العلاقة بدأت منذ ترك الدول الموالية للولايات المتحدة للفاشيين والقوميين المتشددين من قاموا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية من دون عقاب من باب “المصالحة”، كما حدث في ألمانيا في 1990 تسبب في انتشار الخطاب الفاشي في المنطقة وخاصة أوروبا العجوز، وهؤلاء كانوا على استعداد للميل التام تجاه الولايات المتحدة الأمريكية منذ هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية أمام الاتحاد السوفييتي وتبعيّة أغلبيتهم للهتلرية التي يواليها رموز الفاشية الأوكرانيون والروس، وهؤلاء تم ترك كامل الحرية لهم في توسيع أفكارهم و نشاطاتهم بحكم عدائهم الشديد للشيوعية والذي يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، بالتالي لا يحق للولايات المتحدة أن تتحدث عن وجود فاشية في المنطقة كونها هي من صنعها بشكل أو بآخر.

أما بالنسبة للعالم العربي، فالعراق وفلسطين هما نموذجان مثاليان لرؤية لوحات كلاسيكية في فنّ النفاق. كتب مؤخرًا الصحفي الشهير روبرت فيسك مقالًا في صحيفة الإندبندنت بعنوان: “الولايات المتحدة في الإنقاذ – لأقليات معينة ولكن ليس المسلمين”، يوضح فيه ازدواجية المعايير الأمريكية.

هذه المعايير التي جعلت الولايات المتحدة تهب لنجدة أقليات محددة في العراق مثل الآزيديين والمسيحيين من تقدم الدولة الإسلامية الدموي بحجة “احتمالية حدوث مجزرة ” بحق هذه الأقليات، بينما تجاهل أوباما المسلمين الشيعة الذين بدأت بهم الدولة الإسلامية مسيرتها بالقتل ولم يقم بإرسال طائرات الدرونز الخاصة به لحماية هذا المكوّن الذي يشكل غالبية بالعراق أو حتى يستنكر قصف الطيران العسكري الحكومي العراقي لبيوت المدنيين في الفلوجة وتكريت وغيرها من المناطق.

إن عَوَر الإمبريالية الأمريكية هو ما يجعلها ترى كل جرم بحق المسلمين أمرًا يستحق الاستنكار والشجب فقط تماما كما فعلت في أفغانستان، بل يا ليتها اكتفت بذلك ولم تقصف الأعراس وتقتل المئات من المدنيين ظنًا منها أنها تجمعات لمسلحين كما يذكّرنا روبرت فيسك. والعَوَر ذاته هو الذي يجعل أوباما يندد بجرائم الإسلاميين المتطرفين في العراق وسوريا، بينما لا يتطرق للنظم الرجعية الحليفة له والتي ساهمت في صنع هذه الجماعات ومولتها أو سمحت بتمويلها.

تاريخيًا، يتذبذب الروس في نبرتهم تجاه القضية الفلسطينية وعدوان غزة الأخير بالتحديد، و هذا ما يسبب حرجًا لناعتي روسيا بالتقدمية في حنينٍ منهم للاتحاد السوفييتي الداعم للأنظمة المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني. إن التعامل مع وجهة النظر الروسية من القضية الفلسطينية هو أمر مركّب من ناحية تاريخية أولًا من حيث الاعتراف المبكر للاتحاد السوفييتي بالكيان الصهيوني، ومن حيث الخوض في صراع مع هذا الكيان لاحقًا من خلال دعم الأنظمة العربية.

أما اليوم في العالم العربي، هناك حالة غريبة من الفصل بين مفاهيم الإمبريالية وما يقوم به الاحتلال الصهيوني والتعامل مع “إسرائيل” كوحدة محتلة قائمة بذاتها منفصلة عن حركة هيمنة كبرى، وهذا ما يجعل مقاومة الاحتلال الصهيوني أصعب لأن الفكرة الكبرى، وهي معاداة الإمبريالية بكل أشكالها، تغيب عن الوعي العربي.

فروسيا داعمة محور “المقاومة” في العالم العربي هي في الواقع حليفة للكيان الصهيوني بطريقة فجة؛ ففي عدوان غزة الأخير ندد الموقف الروسي بحماس وطالبها بوقف العنف ضد الكيان الصهيوني مخالفًا كل معايير تقدميته المزعومة.

هذا التحالف مع الكيان الصهيوني وتكرار نظريات المؤامرة منذ بداية الربيع العربي في الحالة السورية ودعمها لنظام مبارك وبن علي كل هذا يجب أن يُفهم في سياق رغبة روسيا كقوة إمبريالية للحفاظ على النمط الرأسمالي القائم من خلال الحفاظ على أشكال الهيمنة السياسية في المنطقة، وذلك من خلال دعم أنظمة قمعية مثل النظام السوري.

يذكر سلامة كيلة في أحد مقالاته: “روسيا تريد تكريس النمط الاقتصادي القائم لكي تستطيع الربح، ومن ثم تريد استمرار التفكك والضعف الذي تعيشه المنطقة. هي تريد وراثة المنطقة كما صاغتها القوى الإمبريالية، وليس دعم التحرر من هذه الصياغة. في هذه الوضعية يتحدد موقع الدولة الصهيونية بالتالي كما كان في المنظور الإمبريالي القديم، وهذا ما تؤشر عليه الحرب على غز”.

إن النفاق الروسي بدعم بعض الأنظمة “الممانعة” ،هو ليس من باب دعم اتجاه فكري ينتمي لها سياسيًّا بل هو حفاظٌ على كون الأمور قابلة للسيطرة في مواجهة الولايات المتحدة، و ربما الحالة المصرية تُجسّد هذا الصراع حيث النظام التابع للولايات المتحدة اقتصاديًّا وإن تظاهر بمناهضتها أحيانًا وهو لا يستطيع الاستمرار دون معوناتها، يميل للتقرب من روسيا وإعادة جسور اقتصادية معها انقطعت منذ أيام السادات، في محاولة من قِبل روسيا الحفاظ على نظام الثورة المضادة القائم في مصر و إن كان هذا النظام منحازًا كليًا لمحور الاعتدال الذي يقف خصمًا في نفس الوقت أمام رغبات روسيا في المنطقة وحلفائها.

نشر في : صحيفة التقرير الإلكترونية

الأرثوذوكسيات الجديدة : الدراسات ما بعد الكولونيالية نموذجا ً


مقدمة :
تعتبر المناهج و طرق التحليل طريقة من طرق الرؤى الجديدة تجاه العالم و الوجود، و هي تأتي لتحل محل نمط فكري، او نموذجا ً إرشاديا ً، او نظاما ً ابستمولوجيا ً محل الآخر، فهي ليست مجانية او عشوائية، بل تسعى للبناء بعد الهدم.
في هذه المقالة سيتم التطرق لهذا “الدور” بالمعنى الفلسفي للكلمة، الذي تقوم به هذه المناهج، و ذلك من خلال الدراسات ما بعد الكولونيالية التي تم تدشينها بالشكل المنهجي المعروف حاليا ًمع الراحل و المأسوف عليه إدوارد سعيد (1935م -2003م)، حيث إن المناهج تأتي للهدم، هدم رؤية سابقة و مستقرة، فيما هي تقوم ببناء نمطية فكرية جديدة ما تلبث ان تتحول هي الأخرى لنمط جامد للتفكير، ينبغي الاحتذاء به، و المشي على هداه، و التفكير حسب النمط الذي تقترحه.
المناهج و“روح الحداثة” : 

لا تقتصر المناهج على حقبة ٍ زمنية معينة، بل لكل زمن ٍ مناهجه، و أساليبه المختلفة لمعالجة الإشكاليات الخاصة به، حيث ان المناهج تاريخية في جوهرها، فهي تأتي لإضاءة الكثير من الإشكاليات المعتمة، و خلق حلول غير متوقعة، و فتح نوافذ مجهولة.
فهي ليست طريقة يتم من خلالها معالجة النصوص و قراءتها و تحليلها فقط بالرغم من أهيمة هذا الامر، بل يتعدى ذلك الى إحداث تغيير في رؤية الإنسان للعالم، و إدراكه له، و التفكير فيه، ذلك ان المنهج الجديد لا يكتفي بالقيام بانعطافة ثانوية في هذه الرؤية، بل من الضروري ان يقوم بكسر هذه الرؤية، و القطيعة بينها و بين ما بعدها، بحيث أننا أمام منهج جديد تتبعه رؤية مغايرة لما سبق، و هذا لا يحدث بشكل ٍ عشوائي، أي اننا نحتاج لتحقيق ذلك لوقوع ثورة تفصل فاصلة بين الما قبل و الما بعد، و هو ما يصل الى القواميس اللغوية المستخدمة.

تقتضي “روح الحداثة”( ) التي تُعتبر “مشروعا ً غير مكتمل المعالم” كما يقول الفيلسوف الألماني هابرماس (1929م – ؟؟؟) في مقدمة “القول الفلسفي للحداثة” 1985م، العديد من الشروط و المحددات، غير انها تذهب لتغليب العقل بشكل عام في تفسير الظواهر العامة : الطبيعية و البشرية و غيرها، و هي بذلك تكون قد افتتحت عصرا ً بشريا ً جديدا ً، غير مسبوق. انها بذلك قد زحزحت العديد من الاصنام و أذنت بأفولها و انتهاء عهودها، و الدخول في عصور جديدة من التفكير و الممارسة، غير ان لهذا الجانب الحماسي و الجميل الكثير من الإشكاليات العالقة التي ينبغي طرحها، و التفكير فيها، ذلك ان إشكالية المناهج ليس بالمعنى الدراسي و التعليمي، بل بالمعنى الفلسفي و التكويني العام، تعتبر مخالفة لروح الحداثة، فهي تقوم بتقييد الرؤية الإنسانية و حصرها في نطاق فكري، و فلسفي محدد، و ضمن محددات لا يمكن الخروج منها، بمعنى آخر إننا أمام أطر ينغلق معها التفكير البشري، و يرى العالم فقط من خلالها، غير ان هذه الأطر ليست رجعية، فهي ضرورية و لا يمكن الاستغناء عنها، ذلك ان “المناقشة العقلانية و المثمرة مستحيلة ما لم يتقاسم المساهمون فيها إطارا ً مشتركا ً من الافتراضات الأساسية، او على الأقل، ما لم يتفقوا على مثل هذا الإطار لكي تسير المناقشة”( )، و هذا الإطار هو الإطار العقلاني بالطبع، الذي يمهد لمناقشات خصبة، و مثمرة، بين المتناقشين، مما يعني سهولة إمكانية العيش المشترك بين الجميع، بالرغم من الاختلافات الكبيرة بينهم.

كما تقتضي روح الحداثة أيضا ً عدم التشابه و ضرورة الاختلاف لتوليد الحديث من الأفكار و الجديد من الممارسات، و مع وجود هذه المناهج التفسيرية تواجه هذه الإشكالية الكثير من الصعوبات، فهي تجعل الرؤى تتقارب مع بعضها، مما يعني بأن الإنسان ينظر للكثير من الوقائع و الأحداث من خلال هذه المناهج التي تحُتم بالضرورة الانطلاق من مرجعيات ٍ متقاربة، و ربما تصل لحدود التطابق. الامر الذي يعني بأننا امام أرثوذكسيات ٍ جديدة، يتم خلقها من خلال العديد من الاسماء و النظريات التي تجعل التفكير محصورا ً في وجهة واحدة، و غاية محددة، و هو ما يجعلنا نأخذ الدراسات ما بعد الكولونيالية كنموذج لهذا النوع من الارثوذكسيات الجديدة التي تهدف لهدم الكثير من التصورات في حين انها في المقابل تبني العديد من المنظومات الشبيهة بها، و المصفوفات التي نفكر من خلالها.

أرثوذكسية الدراسات ما بعد الكولونيالية : 
اذا كان من الممكن الحديث عن هذه الدراسات او الآداب او الخطاب الذي انبثق منها لاحقا ً، فإننا من الضروري القول بأنها نشأت فيما بعد الحقبة الاستعمارية، تلك التي “تشكلت حياة ما يزيد على ثلاثة أرباع شعوب العالم اليوم”( ) من خلالها، و على إثرها، و بشكل ٍ خاص الاستعمار المحمول باللغة الانجليزية، الامر الذي أدى الى نشوء “قناع البنوة” أي ذلك الإنتساب الواعي الذي يهدف الى “محاكاة المركز منبثقة من رغبة لا تقتصر على نيل القبول، و إنما تمتد لتشمل أيضا ً التبني و الاستيعاب” (الرد بالكتابة، م س، ص19)، و هو ما أدى لنشوء المرحلة الثانية من تلك الآداب أنتجها “الأهالي” او “المنبوذون”، أي تلك الطبقة التي العليا التي تلقت تعليما ً إنجليزيا ً كما حدث في الهند او أفريقيا و غيرها.

مهما يكن الأمر، فإن الاثوذوكسية المقصودة في هذا الحقل من الدراسات، قد تكونت من خلال المواضيع التي تعالجها هذه الدراسات في هذه الآداب، حيث نجد انها قد ركزت على عدد ٍ معين من المفاهيم في هذه الآداب، مثل اللغة و المكان و الهيمنة و غيرها من المواضيع و المفاهيم التي تُعتبر مركزية جدا ً في هذا الشأن مثل مفهوم التمثيل Representation ، ناهيك عن مفهوم الاستشراق ذائع الصيت و الذي من الممكن تحويله الى الاستغراب كما هو عنوان حسن حنفي، الذي يهدف الى قلب العلاقة و الصورة بين المجتمعات من مدروسة الى دارسة، و من موضوع للبحث و التنظير الى ذات تستطيع القيام بكل ذلك، لتتحول بدورها الى موضع قوة. كما نجد ايضا ً ذلك التمييز بين مفهوم المركز و الاطراف، تلك التي تشير الى وجود مركز يعتبر “موطن المعرفة و الحداثة و العصرنة و التبلور في حين ان الأطراف الخاضعة للإستعمار، هي مرافئ الخرافة و التخلف، و اللاإكتمال و الفوضى”( ).

الاهتمام باللغة في هذا السياق و غيره من السياقات ليس عبثيا ً فهي تمثل أحد مظاهر الهيمنة التي تمارسها الامبراطورية، و ذلك من خلال التعليم و تدريس آداب هذه اللغة دون غيرها، و غرسها في مختلف الأجيال، الأمر الذي أنتج تبعية ثقافية عن طريق اللغة التي تعتبر هنا بمثابة “فضاء كلي و شمولي، يعمل على تغيير التركيب الفكري للدول المستعمِرة”( ). فمن خلالها يصبح التمايز كبيرا ً بين النخبة التي تستطيع الحديث بكل سلاسة بهذه اللغة، لغة المستعمر، و تلك التي لا تستطيع، مما يجعلها تفقد العديد من الامتيازات الضرورية في هذا السياق.
أنتجت هذه المواضيع او المفاهيم بدورها العديد من الأجيال و الأسماء الكتابية التي أصبحت لامعة فيما بعد،تلك التي مارست هذا النوع من الكتابة، عن طريق الكثير من الأساليب و الأدوات، و ربما الرواية تأخذ الكثير من المساحة الكبيرة في هذا الشأن، مما أنتج أيضا ً الكثير من السراطية التي ينبغي إتباعها و التقي دبها، لدرجة ٍ تصل الى التطبيق الحرفي للمنهج.

إمكانية التفكير بدون أرثوذوكسيات : 
في هذا السياق المطروح سابقا ً، ينبثق السؤال المطروح ضمنيا ً : هل هناك إمكانية للتفكير بدون أرثوذكسية سابقة ؟ او بدون مثال سابق او مطروح ؟
نطرح هذا السؤال إذا أخذنا في الحسبان بأننا نتحدث عن مسارات فكرية تحاول نزع الهيمنة و كشف التلاعبات المختلفة : اللغوية و الفكرية و غيرها من جهة و محاولاتها فتح الكثير من الآفاق المختلفة من الجهة الأخرى، كما هو حاصل في تلك المسارات الفلسفية مثل : الهيجليون الجدد، و الكانطيون الجدد، و غيرها الكثير من المسارات المتعددة التي تتزايد يوما ً بعد يوم، و التي لا تقتصر فقط على الدراسات و البحوث بل تمتد أيضا ً الى العديد من الجوانب الحياتية المختلفة : الرياضية، الاجتماعية و السياسية و غيرها.
هل نحن أمام قدر إنساني لا مفر منه يلاحقنا أنى اتجهنا و أينما أوهمنا أنفسنا بأننا نفكر بكل حرية و بدون محددات سابقة ؟ و هل نستطيع التخلص من تلك العناصر الكامنة في ذاكرتنا و التي تؤسس لكل أرثوذوكسية مُقبلة ؟ ام إن هذا الحلم كالسراب في الكثير من تجلياته ؟
لا شك ان المثال السابق (بألف ولام التعريف الكبيرة) حاضر بقوة منذ الفكر الأفلاطوني المعُتمد على هذا النمط الفكري، وهو يحضر أيضا ً في كل المسارات و الاتجاهات، و يبدو ان الإنسان لا يمكنه مفارقته، او التخلي عنه ، فهو يمثل المرجع الذي يُحرك الحاضر و المستقبل إلى حد ٍ كبير، و ربما المثال التاريخي هو الأكثر حضورا ً في هذا الشأن، ففي هذا الحقل تحديدا ً، يحضر المثال السابق بشكل ٍ طاغ ٍ و كبير، إلى الحد الذي يحجب الرؤية و يوجهها في اتجاهات مغايرة، غير ان هذا المثال السابق لم يكن مهيمنا ً في الكثير من اللحظات التاريخية الفاصلة، بل قد تم وضعه على الأرفف، و تكدس الغبار على أغلفته و صفحاته، لذلك أصبح لِزاما ً البحث عن بديل، مغاير، مختلف عن السابق، و لكنه أيضا ً مع مرور الوقت سيصبح بمثابة مرجع، له أتباعه و أعدائه، جماهيره و من يقف ضده.

خاتمة : 
كخاتمة لما ورد سابقا ً، من الممكن القول بأن الدراسات ما بعد الكولونيالية بشكل ٍ خاص و الحداثة أيضا ً بشكل ٍ عام قد خلقت مرجعياتها، و طرقها التي ينبغي السير عليها، و ضرورة إتباع تعاليمها، و هي بذلك لم تستطع الإفلات من هذه النزعة البشرية القديمة المتجددة في وضع آباء للتفكير و السلوكيات، يتم اكتساب المشروعية من خلالهم في حالة الاتباع، و الثورية في حالة الخروج عليهم و التمرد على آياتهم.
فبدون هذه المرجعيات لا يمكن إستيعاب الفكرة بشكل ٍ عام، و هذا وضع طبيعي جدا، غير ان الإشكالية التي تحتاج لمراجعة عاجلة، تأتي عندما تتحول هذه المرجعية من طريقة فهم، الى أسلوب حياة، و عادة إيمانية تلازم الاتباع، مع ضرورة التقيد بها بشكل ٍ حرفي.

 

المصدر : http://alawan.org/article13605.html

اليهود ، إسرائيل و الهولوكست – توني كليف

 

tony-cliff

 

ولادة الصهيونية:

لقد حررت الثورة الفرنسية اليهود. خلال القرن الممتد بين ١٧٨٩ واتحاد ألمانيا و إيطاليا، تلاشى الجيتو المادي والاقتصادي والفكري. كان ميندلسون وهاين وماركس، وهم جميعا يهود، شخصيات بارزة في الثقافة الألمانية. وكانت المعاداة للسامية، وحتى المذابح، موجودة، لكن في روسيا القيصرية والتي كانت لا تزال ترزح تحت نير الاقطاع وحيث لم يكن للرأسمالية الحديثة موطئ قدم. وحين أصبحت الرأسمالية قديمة ومتداعية – خصوصا بعد الكساد العظيم في الثلاثينات- انقلبت على جميع الإنجازات الديمقراطية التي حققتها في شبابها. عندها، لم يدفع باليهود للجيتوات فقط، بل أشد من ذلك، إلى غرف الغاز.
بين هاتين الفترتين، انتشرت معاداة السامية بشكل فظيع في فرنسا. ففي ١٨٩٥ أُتهم ضابط يهودي في الجيش اسمه دريفوس بالتجسس لصالح ألمانيا. وقادت هذه المحاكمة الكيدية والتخوينية لهستيريا غوغائية وجهت ضد اليهود. كانت هذه الموجة من معاداة السامية نتيجة ثانوية للمعركة بين الإمبريالية الفرنسية الصاعدة والإمبريالية الألمانية. في هذا الوقت كان يعيش في باريس صحفي معروف من فيينا اسمه ثيودور هرتزل. استنتج هرتزل من ردة الفعل هذه أن المعاداة للسامية كانت طبيعية وحتمية. و كتب في ١٨٩٥:
“في باريس – كما ذكرت سابقا – أصبحت أكثر تفهمًا لمعاداة السامية؛ لقد بدأت أفهمها من منظور تاريخي وأجد العذر لمتبنيها. والأهم من هذا، أدركت خواء ولا جدوى محاولات “مكافحة” معاداة السامية.”
انتقد هرتزل ايميل زولا وفرنسيين آخرين -وهم إشتراكيون في الغالب- ممن هبوا للدفاع عن دريفوس. فلقد احتج هرتزل بأن اليهود الذين “يطلبون الحماية من الاشتراكيين ومن مدمري النظام المدني المعاصر… لم يعودوا يهودًا، وهم بالتأكيد ليسوا فرنسيين أيضا؛ وعلى الأرجح سيصبحون قادة الأناركية الأوروبية.”
لقد جادل بأن حل معاداة السامية يكمن في مغادرة اليهود للبلدان التي لم يكن مرغوبٌ بهم فيها وإقامة دولة خاصة بهم. وفي هذا المسعى أعلن هرتزل أن “معادي السامية سيكونون أكثر من نعتمد عليه من أصدقائنا… سيكونون حلفائنا”. لهذا، ذهب لمقابلة وزير الداخلية القيصري فياتشيسلاف بيليف؛ الرجل الذي نظم مذبحة كيشنيف في ١٩٠٣. لقد لوح له بالطعم وهو أن إخراج اليهود من روسيا من شأنه إضعاف الحركة الثورية، التي كان يناصبها العداء.
إذا كانت الخصومة بين اليهود والأغيار طبيعية وحتمية كما يُزعم، فإنه من المؤكد أن الخصومة اللاحقة بين اليهود والعرب في فلسطين هي طبيعية وحتمية أيضا. بدايةً، عرّف هرتزل الصهيونية بأنها “إعطاء شعب بلا دولة دولة بلا شعب”. وعندما لُفت انتباهه إلى واقع وجود عرب في فلسطين، اعتبر هرتزل أن وجوب التخلص منهم هو أمر مفروغ منه. في ١٢ يونيو من ١٨٩٥ كتب: “علينا أن نُبعد أفراد الشعب المُعدم و الفقير وأن ندفعهم عبر الحدود من خلال ضمان حصولهم على أعمال في الدول التي سينتقلون إليها، مقابل رفض استخدامهم كعاملين في دولتنا.” كم هو تعبير فاضح عن نية التطهير العرقي!

اقتصاد صهيوني مغلق :

لم يرغب الصهاينة الذين هاجروا إلى فلسطين منذ نهاية القرن التاسع عشر بتأسيس اقتصاد شبيه باقتصاد البيض في جنوب أفريقيا. هناك، كان البيض هم الرأسماليون بينما كان السود هم العمال، أما الصهاينة فقد أرادوا أن يكون الشعب كله يهوديا. ومع معايير الحياة المنخفضة للعرب مقارنة بالأوروبيين وانتشار البطالة، الواضحة والخفية، على نطاق واسع، كانت الطريقة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف هي إغلاق سوق العمل اليهودي في وجه العرب. استعملت عدة طرق لتحقيق هذا الأمر. أولا، الصندوق القومي اليهودي، والذي امتلك نسبة كبيرة من الأراضي المملوكة لليهود ومنها -على سبيل المثال- جزء كبير من تل أبيب، وضع قانونا يلزم بتوظيف اليهود فقط على هذه الأراضي.
بالإضافة إلى أن اتحاد نقابات العمال الصهيونية (الاتحاد العام للعمال اليهود) الهستدروت فرض على جميع أعضاءه ضريبتين: واحدة من أجل الدفاع عن العمال اليهود، وأخرى لحماية المنتج اليهودي. كما نظم الهستدروت اعتصامات ضد مالكي البساتين الذين وظفوا عمالاً عرباً مما أجبر الملّاك على طردهم. كما كان من الشائع مشاهدة الشباب يمشون في السوق اليهودي بين النساء اللواتي يبعن الخضار أو البيض، فإذا وجدوا امرأة عربية بينهن، سكبوا زيت البارافين على الخضار وكسروا البيض.
أتذكر حصول اعتداء على مقهى في ١٩٤٥ في تل أبيب كاد أن يدمره بالكامل بسبب شائعة تقول أن عربيا كان يعمل في غسيل الصحون في مطبخه. أتذكر أيضا، حين كنت في الجامعة العبرية بين ١٩٣٦ و١٩٣٩، مظاهرات متكررة ضد الدكتور ماغنس، نائب رئيس الجامعة. كان يهوديا أمريكيا غنيا وليبراليا، وكانت جريمته أنه مستأجر لدى مالك عقار عربي.

الإعتماد على الإمبريالية:

لعلمهم أنهم سيواجهون مقاومة من الفلسطينيين، كان الصهاينة متأكدين أنهم سيحتاجون مساعدة من القوى الإمبريالية التي كان لها السطوة في فلسطين في ذلك الوقت.
في ١٩ من اكتوبر ١٨٩٨، ذهب هرتزل إلى القسطنطينية لمقابلة القيصر فيلهلم ( آخر إمبراطور ألماني ). كانت فلسطين في ذلك الوقت جزءا من الامبراطورية العثمانية والتي كانت بدورها شريكا لألمانيا. أخبر هرتزل القيصر فيلهلم بأن وجود مستوطنة صهيونية في اسرائيل سيزيد من النفوذ الألماني حيث أن مركز الصهيونية يقع في النمسا، وهي شريكة للامبراطورية الألمانية أيضا. كما لوح له بجزرة أخرى: “شرحت له أننا سنأخذ اليهود بعيدا ونسحبهم من الأحزاب الثورية.”
قرب نهاية الحرب العالمية الأولى وحين أصبح واضحا أن بريطانيا في طريقها للسيطرة على فلسطين، اتصل زعيم الصهاينة في ذاك الوقت، حاييم وايزمان، بوزير الخارجية البريطاني، آرثر بلفور، وحصل على تصريح منه، في ٢ نوفمبر ١٩١٧، يعِد اليهود بوطن في فلسطين. أوضح السير رونالد ستورز، أول حاكم عسكري بريطاني للقدس، أن “المشروع [الصهيوني] كان ميمونا، وأعطى بقدر ما أخذ عبر تشكيل أولستر [في إشارة إلى أولستر الإيرلندية] يهودية صغيرة ووفية لانجلترا في بحر من العروبة التي من المتوقع أن تكون معادية.” سيكون الصهيونيون رجال اورنج اوردر [Orangemen في إشارة إلى the Loyal Orange Institution or the Orange Order] فلسطين.
وخلال الحرب العالمية الثانية، كان من الواضح أن بريطانيا ستتوقف عن كونها القوة الرئيسية في الشرق الأوسط وستحل الولايات المتحدة مكانها. لذا، أسرع بن غورين، زعيم الصهاينة حينها، إلى واشنطن لتوطيد العلاقات معها. إن اسرائيل الآن أكثر مريدي الولايات المتحدة موثوقية وإخلاصا. إن حصول اسرائيل على مساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة أكثر من أي دولة أخرى، رغم صغرها الشديد، ليس بلا مقابل. كما أنها تحصل على مساعدات عسكرية أكثر من أي دولة أخرى في العالم.

الهولوكوست:

لفهمه لهمجية النازية، تنبأ تروتسكي بإبادة اليهود؛ ففي ٢٢ ديسمبر ١٩٣٨ كتب:
“من السهل تخيل ما ينتظر اليهود بمجرد اندلاع الحرب المستقبلية. وحتى بلا حرب، فإن التطور القادم للرجعية العالمية يشير إلى الإبادة الجسدية لليهود بلا ريب… إن الحشد الجسور للعمال ضد الرجعية وتكوين ميليشيا عمالية والمقاومة الجسدية المباشرة للعصابات الفاشية وزيادة الثقة بالنفس والنشاط والجرأة من قبل كل المضطهَدين هو فقط ما يمكن أن يتسبب بإحداث تغيير في علاقات القوى، وفي إيقاف الموجة الفاشية العالمية، وفي فتح فصل جديد في تاريخ الانسانية.”
حتى الحرب العالمية الثانية، لم تكن الأغلبية الساحقة من اليهود في العالم، خصوصا اليهود من الطبقة العاملة، من مؤيدي الصهيونية. وهكذا حينما جرت انتخابات المجالس في بولندا، حيث وجدت أكبر جالية من اليهود في أوروبا، في ديسمبر ١٩٣٨ ويناير ١٩٣٩ في وارسو، لودج، كراكوف، لفوف، فيلنا ومدن أخرى، تلقت البوند (the Bund)، المنظمة اليهودية للعمال الاشتراكيين المناهضة للصهيونية، 70٪ من الأصوات في المقاطعات اليهودية. وفازت البوند ب١٧ من أصل ٢٠ مقعدا في وارسو بينما فاز الصهاينة بمقعد واحد فقط.
كل هذا تغير جذريا بعد الهولوكوست، فبالكاد تجد يهوديا في أوروبا لم يفقد أحدا من عائلته/ا فيه. أتذكر أن إحدى عماتي من غدانسك زارتنا في فلسطين قبل الهولوكوست بوقت قصير؛ لم أقابل بقية عائلتها لكنهم اختفوا جميعا في الهولوكوست. وبنت عم لي انتقلت إلى أوروبا مع زوجها وطفلها ذو الخمس سنين قبل الحرب مباشرة؛ ثم قتلوا في غرف الغاز. واليوم، الأغلبية الساحقة من اليهود هم صهيونيون، وهذا مفهوم.

النكبة:

هذا هو المصطلح المستعمل من قبل الفلسطينيين للإشارة إلى إقامة دولة اسرائيل في ١٩٤٨. منذ ذلك الوقت وخلال الثلاث حروب التي قامت بين اسرائيل والعرب في ١٩٤٨ و١٩٦٧ و١٩٧٣، كان هناك تطهير عرقي هائل للفلسطينيين. هناك ٣.٤ ملايين لاجئ فلسطيني اليوم، أكثر بكثير من عدد الفلسطينيين الباقين في المناطق التي عاشوا فيها من قبل. وأرقام ملكية الأرض تشهد على إزالتهم: في ١٩١٧ امتلك اليهود ٢،٥٪ من الأرض، وفي ١٩٤٨، ارتفع الرقم إلى ٥.٧٪، واليوم الرقم يقارب ٩٥٪ في حدود ما قبل ١٩٦٧، بينما يمتلك العرب ٥٪ فقط.
إنها إحدى أكثر الحالات تراجيدية في التاريخ، حيث قام شعب مضطهَد كاليهود، والذي عانى من همجية النازيين، باضطهاد شعب آخر ومعاملته بهمجية، وهو الشعب الفلسطيني، والذي لم يكن له أي علاقة أو مشاركة في وقوع الهولوكوست.

الحل:

الفلسطينيون لا يملكون القوة لتحرير أنفسهم.، ولا يملكون القوة لتحقيق أي إصلاح جدي حتى. هم ليسوا كالسود الذين حققوا إصلاحات مهمة جدا في جنوب أفريقيا؛ فتخلصوا من نظام الفصل العنصري وحصلوا على حق التصويت وانتخبوا رئيسا أسود. صحيح أن نظام فصل عنصري اقتصادي ما زال موجودا والثروة ما زالت متركزة في أيدي الأقلية البيضاء و-الآن- عدد قليل من السود الأغنياء.، أما الأغلبية من السود فيعيشون في فقر مدقع؛ لكن السود في جنوب أفريقيا أقوى من الفلسطينيين بشكل لا يضاهى. أولا، السود هم خمسة أو ستة اضعاف البيض في جنوب أفريقيا، بينما عدد الفلسطينيين مقارب لعدد الاسرائيليين (أغلبية الفلسطينيين لاجئون). ثانيا، يقع العمال السود في قلب اقتصاد جنوب أفريقيا، في حين أن الفلسطينيون هامشيون جدا من الناحية الاقتصادية. لقد كان الاتحاد النقابي الجنوب أفريقي (الكوساتو) اتحادا نقابيا ضخما لعب دورا مصيريا في تحطيم نظام الفصل العنصري؛ لا يملك الفلسطينيون منظمات واتحادات نقابية تقارن به.
إذا كان هناك وضع تنطبق عليه نظرية الثورة الدائمة لتروتسكي تماما فهو وضع الفلسطينيين. تجادل نظريته أنه لا يمكن تحقيق أي مطالب ديمقراطية أو تحرر وطني بلا قيام الثورة البروليتارية. إن مصير الفلسطينيين والآخرين في الشرق الأوسط يعود للطبقة العاملة العربية والتي تتمركز قواها بشكل رئيسي في مصر وبشكل أقل في سوريا والعراق ولبنان ودول أخرى. ومن المأساوي أن طبقة العمال العربية لم تستطع أن تحول إمكاناتها إلى واقع بسبب التأثير المدمر للستالينية التي هيمنت على الشرق الأوسط لفترة طويلة. كان الستالينيون هم من فتحوا الباب لحزب البعث وصدام حسين في العراق، والذين أتوا بالأسد وحزب البعث السوري للسلطة، والذين فتحوا الباب لعبدالناصر ولاحقا الإسلاميين في مصر.
إن ثورة الطبقة العمالية العربية ستضع نهاية للإمبريالية والصهيونية، ومن النفاق الادعاء بأن هذا يهدد اليهود في المنطقة. حينما كان نظام الفصل العنصري يحكم جنوب أفريقيا، ادعى مؤيدوه أن المؤتمر الوطني الأفريقي يسعى إلى سفك دماء البيض؛ ولم يحدث أي شيء من هذا النوع.

 

النص الأصلي: https://www.marxists.org/archive/cliff/works/1998/05/israel.htm

ترجمة: هديل محمد

النسوية و الموسيقى – إدوارد سعيد (1)

Edwardsaid_AF

” إن العصور الرومنسية الأولى مليئة بهذا الفصل عن كل ماهو دنيوي ، حتى السياسي من الأمور . و المثير للإهتمام بهذه المفارقة ليس فقط بأنها تبدو إنسانية لأنها تحاول الوصول لهذا التنزّه ، بل لأنها تحاول و تطمح لأن تنزع إنسانية الإنسان بصفتها الدنيوية و تمنع تسييسه. سواءً استطاعت أوبرا ” Fidelio ” لبيتهوفن أن تظهر هذا البورتريه المُبرٍز للأنثوية كما أراد بيتهوفن ، أو أن شخصية ليونور – ليونور هي شخصية الزوجة في أوبرا فيديليو – تُظهر إنتقاصا للمرأة بطريقة هادئة و سلسة بلعبها دورًا تكميلي في هذه الأوبرا. فالموسيقى بحد ذاتها لديها ذات المفارقة ، هذه الأوبرا ذات الطموح المركّب بشكل معقد الأنماط و ذات الصمت المزعج في نفس الوقت ، غير قادرة على فهم المفارقة هذه حتى الآن في هذه الموسيقى لبيتهوفين. أعتقد أنه موضوع يستحق أن نضع في عين الإعتبار قدرة النسوية على تفكيك و حل هذا الغموض من عدمها ”  – إدوارد سعيد

إنها لحقيقة مثيرة للإهتمام عن النسوية ، و عن مكانة الموسيقى في الثقافة المعاصرة بشكل عام ، أنه لم تتم دراسة مكانة المرأة في عملية الإنتاج و الأداء الموسيقى بشكل مستفيض. فإن الموسيقى الكلاسيكية يسيطر عليها الرجال في كل المجالات ، الإقتصادية ، السياسية و الإجتماعية ، بينما في الواقع تلعب المرأة أدوارا بارزة و مختلفة في المجال الفني. فالدور التقليدي للمرأة هو دور جنية الإلهام أو عروس الشعر ( Muse ) ، و لاحقا أصبحت بدور المساهم و المساعد لكن من دون أن يكون هذا الشريك مساوٍ للشخصية الرئيسية (helpmeet) ، و هذا مثال ينطبق على بعض الملحنين الذكور الكبار و علاقتهم بالإناث مثل: روبرت شومان و زوجته كلارا شومان ، ريتشارد فاجنر و زوجته كوزيما. على الجانب الآخر كان بيتهوفن مثلا مشغول البال بفكرة المرأة كشئ مثالي مستحيل الوصول إليه ، بينما على النقيض من ذلك تمامًا نجد المرأة المُدمِّرة المجسدة للقوة الإغرائية بشكلٍ متكرر في التعبيرات الموسيقية عن المرأة في أعمال مثل : أوبرا ” Lulu ” لألبان بيرج ، و أوبرا ” Salome ” لريتشارد شتراوس.

إن صعود النساء كمؤديات موسيقيات من طبقات إجتماعية دنيا و ذوات أدوار فنية أقل ( راقصات إستعراضيات ، ممثلات ، عاملات جنس )  إلى أدوار رئيسية فنيا مثل أن تكون المغنية الرئيسة في الأوبرا و عازفات كبير على آلات موسيقية و معلمات للموسيقى مثل ما حدث في القرن التاسع عشر ، إنما هو حدث بارز في التاريخ الموسيقى. و بالإمكان مشاهد هذا في أعمال مثل: ” Frauenlibe und Leben ” لروبرت شومان ، ” Carmen ” لبيزت ، و حوارات ” des Carmélites ” لفرانسيس بوليك.

لقد تم إستبعاد و إقصاء النقد الموسيقي و علم الموسيقى بشكلٍ عام بشكل غريب من المجالات الرئيسية للنقد الثقافي. ففي حوارات نشرت مؤخرا بين بيير بيوليز و ميشيل فوكو يذكر الأخير أنه بالرغم من بعض الإهتمام المندثر و غير المُنتِج للمفكرين بعض الانواع الموسيقية مثل الجاز و الروك ، فإن أغلب المثقفين المهتمين بهايدغر أو نيتشه ، بالتاريخ ، بالفلسفة و الأدب ، يعتبرون الموسيقى موضوعًا نخبوي ، غير مهم أو صعب أنه يستحوذ على إهتماهم. فالخطاب الموسيقي أقل أهمية بالنسبة للمفكرين الغربيين من العوالم الغامضة للقرون الوسطى أو الثقافات اليابانية و الصينية. لذلك من المتوقع – على الرغم من غرابته – أن تفعل النسوية ذلك أيضا و تتجاهل هذا الباب المهم من أشكال النقد الثقافي. فبالرغم من أن النسوية من أكثر التوجهات إهتماما بأغلب العلوم بشكل عام و العلوم الإنسانية بشكل خاص إلا أنها لم تقدم ما يُذكر في مجال النقد الموسيقي. إن النسوية في الموسيقى تبدو كما بدت عليه النسوية الأدبية قبل عشرين عام: مشروع منفصل يطمح لتعريف النساء الموسيقيات في الماضي من أبرزن أنفسهن بصوتهن ،غير ذلك فلا يوجد شئ يستحق الذكر. لكنه من الخطأ وضع اللوم على النقد الموسيقي أو النظرية النسوية فقط  ، فالمشكلة أن الموسيقى اليوم هي مجال مهول و معقد يتم تنظيمه من خلال أساليب ذكورية كما في الماضي تماما. و هذا الواقع هو بدون إستثناء يذكر حقيقةً ، فصحيحٌ أن النساء يلعبن دور مهم و لكنه دور ثانوي.

و هذا صحيح و يسري على أغلب الأوبرا الحديثة و الحفلات حيث مشاكل إهتمام النسوية بالموضوع تظهر جليا. السؤال الذي يطرح دائما عن وجود أسلوب موسيقي نسوي عندما تؤدي فتاة ما لحنا على آلة موسيقية. ففي أكتوبر أدت أليشا دي لاروخا حفلا عزفت فيه موزارت مع كلاوس تينستد و فرقة نيويورك للأوركسترا. كانت مقطوعة موزارت التي عزفتها – موزارت الذي يعتبر ميال للحس الأنثوي كملحن على عكس بيتهوفن الذكوري في موسيقاه دائما – شاحبة و لم تكن ترن بالأذن و لم تكن رقيقة على الأذن أيضا ، على عكس الجزء الأسباني الخاص بها و التي لحنته. فعزفت دي لاروخا مع مجموعة مقطوعات إشتهرن بأداء عازفات إناث نظرا للحميمية التي بها  أكثر من أداء الرجال مقطوعات مثل سكارلاتي و شوبان و موزارت و حتى باخ ، مقطوعة بشكل مذهل و مغاير لأدائها لمقطوعة بيتهوفن تماما.

إن سؤال الأنماط الجندرية و الجنسانية في الموسيقى لسؤالٌ صعب. يبدو أكثر وضوحا في معزوفة رومنسية أو في موسيقى أوبيرالية ، حيث التعبيرات عن المرأة تشكّل خط و مسار المعزوفة من البداية للنهاية. مثال على ما سبق عندما أدى جوان سذرلاند أوبرا ” puritani ” لفينتشينزو بيليني في أوبرا المتروبوليتان ، فيا للغرابة ! برغم المشاهد الغريبة التي تقدمها هذه الأوبرا و التلاعبات الصوتية غير المنتهية لمؤديها ، و بخلوها من النص حقيقةً ، و بتوهيماتها التي لا معنى لها لإنلجترا في القرن السابع عشر. فهناك في منتصفها تقف فتاة مراهقة جنّ جنونها  في عشق رجل تعتقد بخيانته لها ، كانت في الخلفية هناك موسيقى العشاق المُشكّلة على قالب نغمة مطولة ثلاثية الإيقاع بشكل رتيب على قرار النغمة ( أدنى الدرجات الصوتية ) ، و المُطعّمة بمداخلات من الآلات النحاسية على شكل نغمة عسكرية. كل هذا يحدث في مشهد يكشف كل شئ جمل فنائية غنية و نشوة موسيقية مُعد لها مسبقا بعناية حيث تتفاوت طبقات الرجال و النساء ارتفاعا و إنخفاضا بشكل غير متباين كثيرا في محاكاة دائما لبعضهم البعض. هذا التباين الغنائي بالتأكيد يضيف منظورا جنسانيا يتطلب بعض النظر فيه ، ليس فقط قدرته على جذب إنتباه الكبير من الجمهور من الجنسين.

 

ترجمة للنصف الأول من مقال كتبه إدوارد سعيد في 7 فبراير عام 1987 في مجلة الأمة الأمريكية.