حنة أرندت و القضية الفلسطينية

db_pics-hannah

 

واظبت حنة أرندت الفيلسوفة الألمانية الشهيرة على نقد السياسة الصهيونية تجاه القضية الفلسطينية مرارا و تكرارا. على الرغم من أنها انخرطت في أنشطة لمنظمات صهيونية أثناء صعود النازيين للسلطة في ألمانيا و إن كانت لم تكن مهتمة بالشأن اليهودي كثيرا. و وقفت أرندت في سلسلة مقالات نشرت لها في أربعينات القرن الماضي وقفة قوية ضد الموقف السياسي المتبنى من قبل الحركة الصهيونية وقتها ، و الذي كان يدعو إلى إنشاء دولة لليهود على أرض فلسطين العربية بحكم أنه يتجاهل إرادة و حقوق الإنسان  الفلسطيني ومنهم اليهود الفلسطينيين أنفسهم، بينما أيدت الفيلسوفة السياسية حل الدولة الثنائي القومية. و هذا الإتجاه لم يكن حديثا وقتها فقد سبقها مجموعة من المثقفين اليهود الذين أسسوا جمعيات مثل جمعية ” بريت شالوم ” أو ” ميثاق السلام ” و جمعية ” إيحود ” أو ” الإتحاد ” التي كانت تحمل على عاتقها مهمة الوصول لإتفاق مع القادة العرب ينتهي بحل الدولة ذات القوميتين. لكن لم تبق هذه الجمعية كثيرا كونها كانت صغيرة الحجم و ذات طابع نخبوي ضمت مثقفين منحدرين من أصول يهودية مثل هوغو بيرغمان و هانز كوهين (كلاهما من براغ و و عرفوا بما يسمى بحلقة براغ) ، غيرشوم شولم ، يهودا ماغنس ، إرنست سيمون، مارتن بوبر، آرثر روبين.

و قد نشرت حنة مقالا شهيرا بعنوان ” إعادة نظر في الصهيونية ” حللت فيه برنامجين صهيونيين كانا يعبران عن الخط للصهاينة الجدد وقتها. الأول كان برنامج بلتيمور الصادر عام  1942 و الذي كان يدعو لإقامة كومنولث يهودي في فلسطين. بعد ذلك تم تنقيح و توسيع هذه الفكرة بعد الحرب العالمية الثانية من قبل المؤتمر اليهودي الأمريكي في مدينة أتلانتك ليصبح كومنولث يهودي ديموقراطي حر أيضا و لكن يشمل الأراضي الفلسطينية كلها بدون تقسيم. و كان تعليق أرندت أن ما يقوم عليه برنامج مدينة أتلانتك هو خطوة أبعد من برنامج بالتيمور الذي على الأقل تم التطرق فيه لما أسمته ارندت ” حقوق الأقلية للأغلبية العربية”. ففي برنامج أتلانتيك لم يأت ذكر العرب فيه ، و ذلك مما يعني خروجهم طواعية أو إكراها أو معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية. و من المبدأ ذاته عارضت أرندت قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، و حذرت من أنه سيؤدي إلى طرد الفلسطيين و انتهاك حقوقهم ، و حقوق اليهود ذاتهم. طبعا يجدر الذكر بأن أمنون راز كراكتسكين الباحث في المسألة يؤكد أن هذا الجهد لحنة أرندت إنما ينبع من إيمانها بالصهيونية و التزامها بها، الذي كانت تعتقد بأنه الوسيلة المثلى لإنقاذ الشعب اليهودي في ألمانيا و مكافحة معاداة السامية مع الصعود القوي للنازية. و طورت حنة أفكارها لاحقا في كتابها المعروف ” أصول التوليتارية ” و الذي اتخذت خطا فيه مغايرا من الناحية التحليلية فقد اعتبرت الصهيونية النشاط المناسب لإنقاذ اليهود بشرط ان يكون الخطاب الصهيوني نقيضا للخطاب للكولونيالي الغربي و ليس كما أصبحت الصهيونية لاحقا أسطورة سياسية – دينية ، و لهذا اعترضت على مسمى ” الشعب اليهودي ” أو تحويل اليهود إلى شعب حيث أنها فكرة أسطورية تقوم على القيم نفسها التي نُبذ اليهود بسببها.  و كان الحل بالنسبة لها هو فكرة الدولة الثنائية القومية بحجة أنها تكفل الحق للضحية و ” ترى القضية بعيونها ” و في نفس الوقت تناقض الخطاب الكولونيالي الغربي، أيضا هي تقدم خط جديد حيث كانت حينها الخطابات السياسية التي جمعت الإمبريالية و العداء للسامية هي استرتايجية متبعة عند القيادات اليهودية ، فقد عارضت التعاون السياسي بين القيادات اليهودية و الإتحاد السوفييتي المتحمسين لتقسيم فلسطين. و اعتبرت أرندت أن إعتماد الحركة الصهيونية على الإمبريالية هو نفسه ما حدث في المعاداة للسامية التي اعتدمت بدورها على قوى إمبريالية هي الأخرى و أن الفكر السياسي الصهيوني يفشل في فهم العداء للسامية كظاهرة تاريخية غير طبيعية ذات أصول قائمة على الواقع و الوعي الحديثين.

كانت فكرة الدولة الثنائية القومية بالنسبة لأرندت كما يقول كراكتسكين فكرة ذات خصوصية زمانية ليست منطقية خارج إطار ذاك التاريخ. أيضا يجب أن نذكر بأن ثنائية القومية بالنسبة لحنة هي نوع من أنواع اليهودية المتسامحة أكثر من أن تكون اهتمام بالعرب و مصيرهم ،  و يدلل كراكتسكين على ذلك بأن أرندت أشادت و دعمت ” رابطة الدفاع اليهودي ” الذي كان يقودها مائير كاهانا العنصري المتطرف ضد العرب و أن دعم أرندت للرابطة ينبع من إيمانها بأن المصالح اليهودية هي الأهم.  ولكن ماهي فكرة الدولة الثنائية القومية عند حنة أرندت ؟ أسردت أرندت تواصيف فلسفية كثيرة لمفهومها للدولة الثنائية القومية – لا يسع المجال لذكرها – أهمها اعتبار وجود مفهوم صلب للدولة الثنائية القومية هو جزء من الحل. ففي فهم أرندت بأن هذه الدولة لا يجب أن يكون فيها فصل الدين عن الدولة بحكم إنها تضمن العدالة للأقليات الدينية – اليهودية حينها – بل في فصل الهوية القومية عن الدولة و التمييز بينهما ، فثنائية القومية تعني مجموعة من القيم التي لا تعني بالضرورة تسوية سياسية لكنها تعني في المقام الأول و أن تحرر اليهود الحقيقي هو من تحرر الفلسطينيين أيضا.

عوملت فكرة الثنائية القومية باستخفاف في إسرائيل بيد أنها فكرة حالمة لا تعكس الواقع ، إنما هي على أحسن الأحوال مساهمة ثقافية تعكس الجانب الأخلاقي للصهيونية. و لهذا السبب نفهم لمذا فيلسفوة سياسية بحجم حنة أرندت لم ثؤثر في السياسية الإسرائيلية ، فكتابات أرندت لم تناقش و لم تترجم للعبرية بحسب أمنون راز كراكتسكين، رغم أن ما تنبأت به من نتائج لقرار التقسيم هو ما حدث بالفعل و إقصاء العرب من فلسطين و طردهم و معاملة البقية كمواطنين من الدرجة الثانية من الذي بقوا في الأراضي المحتلة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s