شهر: يوليو 2014

سلافوي جيجيك عن تاركوفسكي

tumblr_n7uguvyt2P1rn1y6wo1_500

 

ما يجعل تاركوفسكي مثيرا للإهتمام هي هذه التركيبة الخاصة بأفلامه.فهو يستخدم لذلك عنصر مادي ذو قيمة مكثفة ما قبل سردية ، هذا العنصر هو الزمن. ففي أفلام أندريه نشعر فجأة بهذا الثقل و الهمود و الكآبة في الزمن ، فمفهوم الزمن لم يعد حياديا ، لم يعد هذا الوسط و الفضاء الذي تحدث فيه الأشياء فحسب.بل نشعر بامتلاء و ثقل هذا الزمن ، فما نراه في أفلام تاركوسفكي هو لا يعدو عن كونه محددات للزمان ، حتى الأشخاص يعاملهم بنفس الطريقة في أفلامه. فلو نظرنا إلى الوجه المميز لشخصية ستولكر ، فهو وجه شخص تعرض لإشعاعات ضارة و يظهر كأنما هو وجه متعفن و منهار. و هو هذا التحلل في بنية الواقع الذي يعطينا الإنطباع بالعمق الروحي ، فالشخوص في أفلام تاركوسفكي عندما يصلّون فهم لا يتوجهون للسماء ، بل يصلون باتجاه الأرض و يضعون أوجههم مباشرة نحوها أحيانا كما في فيلم ستولكر. هنا أعتقد أن تاركوفسكي يؤثر بنا كمشاهدين بمرحلة أعمق بكثير و أكثر ضرورية لخبراتنا من الإهتمام بالمعايير و الروحانيات و المحفزات لرفع ذواتنا فوق الأمور المادية و ما إلى ذلك. فلا شئ مميز بخصوص ” المنطقة ” في فيلم ستولكر ، ببساطة هي مكان يُوضع فيه حد معين للأشياء ، أنت من يضع هذا الحد و أنت من يصنع هذا المكان بلا حدود الواقع. و على الرغم من الأشياء تبقى كما هي في ” المنطقة ” إلا أنها تُدرك كمكان آخر تماما. بالضبط يمكن اعتبار ” المنطقة ” مكان بإمكانك أن تُسقط فيه إعتقاداتك ، مخاوفك و الأشياء التي تدور في أعمق خلجات صدرك، بصيغة أخرى ” المنطقة ” في حد ذاتها هي البياض في الشاشة السينمائية.

 

نص من ترجمتي لسلافوي جيجك

النص الأصلي من فيلم The Pervert’s Guide to Cinema

Advertisements

كيف فتحت ويكيليكس أعيننا على وهم الحرية – سلافوي جيجك

Zizek-Assange

 

جميعنا نتذكر ذكرى أحداث مهمة في عصرنا هذا ، مثل 11 سبتمبر ( ليس حادثة البرجين فقط في عام 2001 ، أيضا هو نفس اليوم الذي حدث فيه انقلاب عسكري على الرئيس التشيلي أليندي في عام 1973) ، يوم إنزال نورماندي إلخ. ربما يجدر بنا إضافة حدث جديد هو 19 من شهر يونيو.

معظمنا يحب التنزه خلال يومه لإستنشاق بعض الهواء النقي. و من الأكيد أن هناك أسباب وجيهة تمنع الغير قادرين على التنزه من الخروج ، ربما وظيفتهم ( قد يكونون عمال مناجم ، أو يعملون في أحد الغواصات تحت البحر ) ، أو ربما مصابون بمرض غريب يعرضهم للخطر في حالة خروجهم ، فحتى السجناء يُسمح لهم بالتنزه في الهواء النقي لبضع ساعات.

اليوم 19 يونيو ، يوافق ذكرى عامين على حرمان جوليان أسانج من هذا الحق، و بقائه حبيس الشقة التي بداخلها السفارة الإكوادورية في لندن. حيث إذا خرج من هذه الشقة فسيتم القبض عليه فورًا. فماذا فعل أسانج ليستحق كل هذا؟ بطريقة ما يستطيع الفرد منا أن يتفهم فكر السُّلطات ؛ فبنظرها أسانج و رفقاؤه فاضحو الأسرار يعتبرون بنظرها خونة، ليس فقط ذلك بل أكثر من مجرد خونة ( ذلك في عيون السلطات).

فأسانج اعتبر انفسه ” جاسوسا للشعوب “. فالتجسس للشعوب ليس خيانة بمفهومها البسيط ( التي تعني العمل كعميل مزدوج ، أو بيع الأسرار للعدو ) بل هي أكثر راديكالية. فهي تقوض المفهوم الدقيق للتجسس، أيضا المفهوم الخاص بالسريّة فهدفها في نهاية المطاف هو جعل الأسرار معلومة للعامة. فمن يعملون في ويكيليكس لم يعودوا يفضحون الأنشطة السرية الغير قانونية للشركات الخاصة ( من بنوك ، و شركات التبغ و النفط) و يسلمون هذه الأسرار للسلطات، بل هي كشف أسرار السلطات ذاتها.

في الواقع نحن لم نعرف أي شئ جديد من ويكيليكس فكل ما نُشِر قد توقعناه مسبقًا و افترضناه صحيحا ، لكن معرفة شئ بشكل عام يختلف تماما عن وجود واقع ملموس له. الأمر يشبه معرفة أن شريك علاقة جنسية يخون هذه العلاقة، فالشخص منا باستطاعته تقبل المعرفة المجردة لهذه الخيانة ، لكن الألم يزداد عندما يعرف التفاصيل الدقيقة لها ، أو عندما يحصل الشخص على صور موثقة لهذه الخيانة. فالسؤال المطروح هنا هل يجب على المواطن الأمريكي ألا يشعر بالعار إذا ما وُوجِه بهذه الحقائق ؟ فحتى الآن ردة الفعل للمواطن العادي هو البراء المنافق؛ فنحن كنا نفضل تجاهل الأعمال القذرة التي تنفذها الأجهزة السرية ، أما الآن فنحن لا نستطيع التظاهر بأننا لا نعلم عن هذه الأحداث شئ.

إنه من غير الكافي رؤية ويكيليكس كظاهرة معادية لأمريكا. فهناك دول مثل الصين و روسيا تمارس القمع أكثر من الولايات المتحدة. تخيل فقط ماذا كان يمكن أن يحدث لتشيلسي مانينغ (الجندي برادلي مانينغ الذي سرب كمية معلومات كبيرة لويكليكس و أصبح بعد ذلك تشيلسي مانينغ بعد عملية تحويل جنسي ) في محكمة صينية ؛ في الغالب لن تكون هناك محاكمة علنية ، ستختفي فقط.

الولايات المتحدة لا تعامل سجنائها بقسوة بسبب أولويتها التقنية ، فهي ببساطة لا تحتاح استخدام هذا الحل القاسي ( رغم انها أكثر من مستعدة على تنفيذه متى احتاج الأمر ). و لهذا السبب تعتبر الولايات المتحدة أخطر على حرياتنا من الصين؛ فأساليبها للتحكم لا تُستقبل و تُتلقى بهذه الطريقة بينما على الجهة الأخرى قسوة و عنف الصينيين مشاهدة للعيان. ففي دولة مثل الصين حدود الحرية واضحة للجميع بدون أي شكوك حولها. بينما في الولايات المتحدة الحريات الرسمية مُصانة، لذلك أغلب الأفراد يعيشون حياتهم كأفراد و لا يدركون حدود و مدرى حريتهم التي تتحكم بها آليات الدولة. فمن يسربون الأسرار يقومون بعمل أهم بكثير من سرد و إقرار ماهو بديهي من فضح للأنظمة التي تقمع علانيةً أمام الأشهاد ، بل هم يقومون بجعل العامة يرون اللاحرية الكامنة في الأوقات التي يظنون أنهم فيها أحرار.

في مايو عام 2002 ، نُشر خبر عن مجموعة علماء في جامعة نيويورك قاموا بوضع شريحة كمبيوتر في دماغ فأر ، من خلالها يستطيع العلماء التحكم في عقل الفأر و تحركاته عن طريق بث إشارات أولية إلى دماغه ، مثل ما يحدث في السيارة التي يتم التحكم بها من خلال الريموت كونترول تماما. و هذه تعتبر المرة الأولى التي يتم بها السيطرة على إرادة الحيوان الحرة.

كيف كان شعور الفأر سئ الحظ بحركته و التي كان مُتحكم بها من الخارج عن طريق الريموت ؟ هل كان مدركا تماما أنه يتم التحكم به ؟ ربما هنا يكمن  الفرق بين المواطن الصيني و نحن المواطنون الأحرار في الدول الغربية الليبرالية. فالفئران الإنسية الصينية على الأقل تعلم أنها يتم التحكم بها ، بينما نحن الفئران الغبية نتنزه هنا و هناك دون أن نعلم كيف تتم مراقبة حركاتنا.

هل ويكيليكس تطارد حلما مستحيلا و وهما ؟ لا بالتأكيد ، و الدليل أن العالم تغير فعلا منذ انتشار تسريباتها. فنحن لم نعلم فقط عن النشاطات الغير قانونية للولايات المتحدة و الدول الكبرى فحسب. و أيضا ليس فقط قامت ويكيليكس بوضع العمليات السرية في وضعية دفاعية و ساهمت في وضع تشريعات و قوانين من أجل تقنين هذه العمليات بشكل أفضل. بل ويكيليكس تحصلت على ماهو أكثر من ذلك ؛ فالملايين من الناس العادية أصبحوا يدركون المجتمع الذي يعيشون فيه ، و هذا إشكال لا طالما تعاملنا معه بصمت كموضوع يُرى بأنه غير إشكالي أصبح اليوم إشكاليًا.

و لهذا أسانج اليوم يُتهم بإحداث هذه الأضرار الكبيرة رغم أن ويكيليكس لا تقوم و لا تترتب على تسريباتها أعمال عنف. كلنا نعرف هذا المشهد الكلاسيكي من أفلام الكرتون ، حيث تصل الشخصية الكرتونية هذه إلى هاوية لكنها تستمر بالركض ! تجاهلا منها أنها معلقة بالهواء ولا أرض صلبة تحتها ، فتبدأ بالسقوط ما إن تنظر للأسفل و تستوعب ذلك. و هذا ما تقوم به ويكيليكس تذكير من هم في السلطة بضرورة النظر للأسفل.

أيضا هناك ردة فعل الكثير من الناس الذين تم غسل أدمغتهم من قِبل الإعلام لتسريبات ويكيليكس ، يمكن تلخيصها في هذه الجملة المحفورة بالذاكرة من الأغنية الأخيرة من فيلم روبرت ألتمان ” ناشفيل ” : ” بإمكانك القول أنني لست حرًا لكن ذلك لا يقلقني “. ويكيليكس تجعلنا نقلق ، و للأسف الكثير من الناس لا يعجبهم ذلك.

 

مقالة كتبها سلافوي جيجيك بتاريخ 19 يونيو 2014 – http://www.theguardian.com/commentisfree/2014/jun/19/hypocrisy-freedom-julian-assange-wikileaks

حنة أرندت و القضية الفلسطينية

db_pics-hannah

 

واظبت حنة أرندت الفيلسوفة الألمانية الشهيرة على نقد السياسة الصهيونية تجاه القضية الفلسطينية مرارا و تكرارا. على الرغم من أنها انخرطت في أنشطة لمنظمات صهيونية أثناء صعود النازيين للسلطة في ألمانيا و إن كانت لم تكن مهتمة بالشأن اليهودي كثيرا. و وقفت أرندت في سلسلة مقالات نشرت لها في أربعينات القرن الماضي وقفة قوية ضد الموقف السياسي المتبنى من قبل الحركة الصهيونية وقتها ، و الذي كان يدعو إلى إنشاء دولة لليهود على أرض فلسطين العربية بحكم أنه يتجاهل إرادة و حقوق الإنسان  الفلسطيني ومنهم اليهود الفلسطينيين أنفسهم، بينما أيدت الفيلسوفة السياسية حل الدولة الثنائي القومية. و هذا الإتجاه لم يكن حديثا وقتها فقد سبقها مجموعة من المثقفين اليهود الذين أسسوا جمعيات مثل جمعية ” بريت شالوم ” أو ” ميثاق السلام ” و جمعية ” إيحود ” أو ” الإتحاد ” التي كانت تحمل على عاتقها مهمة الوصول لإتفاق مع القادة العرب ينتهي بحل الدولة ذات القوميتين. لكن لم تبق هذه الجمعية كثيرا كونها كانت صغيرة الحجم و ذات طابع نخبوي ضمت مثقفين منحدرين من أصول يهودية مثل هوغو بيرغمان و هانز كوهين (كلاهما من براغ و و عرفوا بما يسمى بحلقة براغ) ، غيرشوم شولم ، يهودا ماغنس ، إرنست سيمون، مارتن بوبر، آرثر روبين.

و قد نشرت حنة مقالا شهيرا بعنوان ” إعادة نظر في الصهيونية ” حللت فيه برنامجين صهيونيين كانا يعبران عن الخط للصهاينة الجدد وقتها. الأول كان برنامج بلتيمور الصادر عام  1942 و الذي كان يدعو لإقامة كومنولث يهودي في فلسطين. بعد ذلك تم تنقيح و توسيع هذه الفكرة بعد الحرب العالمية الثانية من قبل المؤتمر اليهودي الأمريكي في مدينة أتلانتك ليصبح كومنولث يهودي ديموقراطي حر أيضا و لكن يشمل الأراضي الفلسطينية كلها بدون تقسيم. و كان تعليق أرندت أن ما يقوم عليه برنامج مدينة أتلانتك هو خطوة أبعد من برنامج بالتيمور الذي على الأقل تم التطرق فيه لما أسمته ارندت ” حقوق الأقلية للأغلبية العربية”. ففي برنامج أتلانتيك لم يأت ذكر العرب فيه ، و ذلك مما يعني خروجهم طواعية أو إكراها أو معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية. و من المبدأ ذاته عارضت أرندت قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، و حذرت من أنه سيؤدي إلى طرد الفلسطيين و انتهاك حقوقهم ، و حقوق اليهود ذاتهم. طبعا يجدر الذكر بأن أمنون راز كراكتسكين الباحث في المسألة يؤكد أن هذا الجهد لحنة أرندت إنما ينبع من إيمانها بالصهيونية و التزامها بها، الذي كانت تعتقد بأنه الوسيلة المثلى لإنقاذ الشعب اليهودي في ألمانيا و مكافحة معاداة السامية مع الصعود القوي للنازية. و طورت حنة أفكارها لاحقا في كتابها المعروف ” أصول التوليتارية ” و الذي اتخذت خطا فيه مغايرا من الناحية التحليلية فقد اعتبرت الصهيونية النشاط المناسب لإنقاذ اليهود بشرط ان يكون الخطاب الصهيوني نقيضا للخطاب للكولونيالي الغربي و ليس كما أصبحت الصهيونية لاحقا أسطورة سياسية – دينية ، و لهذا اعترضت على مسمى ” الشعب اليهودي ” أو تحويل اليهود إلى شعب حيث أنها فكرة أسطورية تقوم على القيم نفسها التي نُبذ اليهود بسببها.  و كان الحل بالنسبة لها هو فكرة الدولة الثنائية القومية بحجة أنها تكفل الحق للضحية و ” ترى القضية بعيونها ” و في نفس الوقت تناقض الخطاب الكولونيالي الغربي، أيضا هي تقدم خط جديد حيث كانت حينها الخطابات السياسية التي جمعت الإمبريالية و العداء للسامية هي استرتايجية متبعة عند القيادات اليهودية ، فقد عارضت التعاون السياسي بين القيادات اليهودية و الإتحاد السوفييتي المتحمسين لتقسيم فلسطين. و اعتبرت أرندت أن إعتماد الحركة الصهيونية على الإمبريالية هو نفسه ما حدث في المعاداة للسامية التي اعتدمت بدورها على قوى إمبريالية هي الأخرى و أن الفكر السياسي الصهيوني يفشل في فهم العداء للسامية كظاهرة تاريخية غير طبيعية ذات أصول قائمة على الواقع و الوعي الحديثين.

كانت فكرة الدولة الثنائية القومية بالنسبة لأرندت كما يقول كراكتسكين فكرة ذات خصوصية زمانية ليست منطقية خارج إطار ذاك التاريخ. أيضا يجب أن نذكر بأن ثنائية القومية بالنسبة لحنة هي نوع من أنواع اليهودية المتسامحة أكثر من أن تكون اهتمام بالعرب و مصيرهم ،  و يدلل كراكتسكين على ذلك بأن أرندت أشادت و دعمت ” رابطة الدفاع اليهودي ” الذي كان يقودها مائير كاهانا العنصري المتطرف ضد العرب و أن دعم أرندت للرابطة ينبع من إيمانها بأن المصالح اليهودية هي الأهم.  ولكن ماهي فكرة الدولة الثنائية القومية عند حنة أرندت ؟ أسردت أرندت تواصيف فلسفية كثيرة لمفهومها للدولة الثنائية القومية – لا يسع المجال لذكرها – أهمها اعتبار وجود مفهوم صلب للدولة الثنائية القومية هو جزء من الحل. ففي فهم أرندت بأن هذه الدولة لا يجب أن يكون فيها فصل الدين عن الدولة بحكم إنها تضمن العدالة للأقليات الدينية – اليهودية حينها – بل في فصل الهوية القومية عن الدولة و التمييز بينهما ، فثنائية القومية تعني مجموعة من القيم التي لا تعني بالضرورة تسوية سياسية لكنها تعني في المقام الأول و أن تحرر اليهود الحقيقي هو من تحرر الفلسطينيين أيضا.

عوملت فكرة الثنائية القومية باستخفاف في إسرائيل بيد أنها فكرة حالمة لا تعكس الواقع ، إنما هي على أحسن الأحوال مساهمة ثقافية تعكس الجانب الأخلاقي للصهيونية. و لهذا السبب نفهم لمذا فيلسفوة سياسية بحجم حنة أرندت لم ثؤثر في السياسية الإسرائيلية ، فكتابات أرندت لم تناقش و لم تترجم للعبرية بحسب أمنون راز كراكتسكين، رغم أن ما تنبأت به من نتائج لقرار التقسيم هو ما حدث بالفعل و إقصاء العرب من فلسطين و طردهم و معاملة البقية كمواطنين من الدرجة الثانية من الذي بقوا في الأراضي المحتلة.

كأس العالم أفيون الشعوب

????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????

“كأس العالم هو نكسة وعودة للوراء بالنسبة لأي تغيير جذري في العالم. كأس العالم أصبح اليوم أفيون الشعوب”  – تيري إيجلتون

في حزيران/يونيو عام 2010، كتب الناقد الماركسي المعروف، تيري إيجلتون، مقالا بعنوان “كرة القدم: الصديق العزيز للرأسمالية”. كانت ردة الفعل على المقال بأن إيجلتون بالغ في تحميله لكرة القدم ما لا تحتمل، من حيث اعتبارها مجالا للانصهار الإنساني على كل المستويات، فبالنسبة لإيجلتون، كرة القدم هي نوع من أنواع تزييف الوعي، حيث يعتبر في مقاله “لو طُلب من كل مركز دراسات يميني بأن يأتي بمشروع من أجل إلهاء الناس عن الظلم السياسي الذي يتعرضون له، ويقدم لهم بديلا يعوضهم عن ضنك العيش والعمل الشاق لكانت الإجابة واحدة: كرة القدم”.

هذه الحالة نراها في كأس العالم الذي يقام حاليا في البرازيل، والذي تمتد مبارياته من 12 حزيران/يونيو إلى 13 تموز/يوليو. وما تعطيه هذه المناسبة الرياضية من “هيجان جمعي” بوصف إيجلتون، يجعل الأغلبية تغض النظر عن الانتهاكات والمخالفات الصريحة لحقوق الإنسان في البرازيل بسبب إقامة هذه البطولة. إننا نرى سياسات رأسمالية بشعة وقمعية التي تمارسها الدولة، حيث تتضمن هذه الانتهاكات قمعا عنيفا للمظاهرات المناهضة لسياسات الحكومة الإقتصادية تجاه البطولة والتي خرج فيها ما يقارب المليون متظاهر. أضف إلى ذلك إخراج قسري للسكان من منازلهم لإقامة مرافق خاصة بالبطولة، كما سجلت وفيات بين العمال الذين بنوا هذه المرافق، والاتجار بالبشر، فضلا عن إقصاء صغار الباعة الجوالين لمصلحة شركات كبرى راعية وغير راعية للبطولة.

فبحسب جريدة الغارديان، لقي ثمانية عمال حتفهم في عمليات البناء، وعمل أكثر من مئة عامل في ظروف سيئة أشبه ما تكون للعبودية. وقد حصلت إضرابات عمالية عديدة، أشهرها إضراب عمال مترو ساو باولو الذي استمر لخمسة أيام أثناء بداية المونديال. وبدلا من الإصغاء للمطالب العمالية هذه، قامت البلدية بفصل أكثر من 40 عامل وتهديد المئات من العاملين بالفصل إذا لم ينهوا إضرابهم.

قمع المظاهرات
“على الرغم من تشديد الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف ومسؤولين كبار على أهمية احترام حقوق المتظاهرين، إلا أن هذه الرسالة الصحيحة يجب دعمها بتحقيقات شاملة في الحوادث التي حدثت منذ العام المنصرم حيث لم تحترم الشرطة حقوق الإنسان”. هكذا علقت مندوبة منظمة حقوق الإنسان في البرازيل، على أحداث العنف التي حصلت في مواجهات الشرطة مع المتظاهرين. وأضافت المنظمة أن العنف المفرط من قبل الشرطة هي مشكلة ليست بالحديثة، بل هي مشكلة قديمة فشلت التحقيقات في القضاء عليها. وبحسب منظمة العفو الدولية إن الشرطة البرازيلية غير مدربة لمواجهة هذا العدد الكبير من المتظاهرين وهذا ما ينتج عنه الممارسة العنفية الذي وقع نتيجتها ضحايا من غير المتظاهرين وكما سجلت إصابات بين الصحافيين. بالإضافة إلى ذلك، شنت حملة واسعة من الاعتقالات، حيث حرم المعتقلون من حقهم بالتواصل مع محاميهم وأهاليهم لفترة بعد اعتقالهم. هذا وتشير المصادر الحقوقية واللجان الثورية إلى وقوع عشرات الإصابات في كل تظاهرة من التحركات الشعبية التي بدأت العام الماضي.

طرد السكان من منازلهم
يقدر عدد الذين أخرجوا من منازلهم بـ 250 ألف مواطن برازيلي في المدن الـ12 المستضيفة للأحداث، بسبب أعمال البناء. وهو رقم لا يصل للكارثة الصينية عندما أُخرج 1.2 مليون مواطن صيني من منازلهم عام 2008 من أجل إقامة الألعاب الأولمبية عامذاك. ولكن هذا لا يعني عدم كارثيته في البرازيل. حيث عاش هؤلاء في مناطق عشوائية على أراضٍ تملكها الدولة لا القطاع الخاص. وهذه المناطق العشوائية ليست مناطق حديثة بل هي مناطق قديمة كان الحري بالحكومة البرازيلية استيعاب هذه المناطق واعتبارها من أحياء المدن الرسمية بدلا من أن إرسال الجرافات لتدمير هذه الأحياء السكنية بدون إخطار مسبق. وإن حكي عن تعويضات دفعتها بلديات هذه المدن البرازيلية للمتضررين من الهدم فهي غير كافية، حيث تقدر قيمة الممتلكات العقارية بـ 100 ألف ريال برازيلي مقابل تعويضات تقارب الـ 10 آلاف ريال برازيلي فقط.

الاتجار بالبشر
في 12 حزيران/يونيو بدأت مباريات كأس العالم. وقد وصل مئات الآلاف إلى البرازيل، يقدرون بـ 600 ألف شخص من أجل حضور البطولة. مع هذا التوافد الكبير للبرازيل تظهر للسطح مخاطر الاتجار بالبشر واستغلال الأطفال في العمل الجنسي. وارتباط الاستغلال الجنسي بالأحداث الرياضية بهذا الحجم هو قديم ولكن الخطر في الحالة البرازيلية في الذات هو عدد الأطفال المُستغلين جنسيا في البرازيل بـ 500 ألف طفل. وبالرغم من ترخيص العمل الجنسي لمن هم فوق الـ 18 سنة في البرازيل إلا أن نسبة الأطفال العاملين في الصناعة الجنسية كبير، حيث يتلقون مبالغ زهيدة تقدر بدولارين فقط. أضف إلى ذلك، بيع بعض الأهالي لبناتهن من أجل العمل في الدعارة مقابل خمسة آلاف إلى عشرة آلاف دولار بحسب بعض المصادر.

سياسات رأسمالية وخرافة البنية التحتية
بالرغم من دفاع الرئيسة البرازيلية – التي بالمناسبة تنتمي إلى حزب العمال الذي يدعي انتماءؤه للطبقات الكادحة- عن المصاريف الطائلة على البطولة والتي تقدر بـ11  مليار دولار التي صُرفت على البطولة بأنه ستقام بنية تحتية لشباب الأجيال المقبلة حتى يستفيدوا منها، وأن الحكومة أنفقت أكثر من ذلك على قطاعي التعليم والصحة. فإن هذا الإدعاء يغفل حقيقتين؛ أولا، الخسائر التي تكبدها أبناء الطبقة المتوسطة والعاملة جراء إقامة هذه المرافق من تهجير وإبعاد و عنف. ثانيا، مساواة هذا النوع من البنى بالتعليم والصحة يبدو مضحكا قليلا فمرافق كأس العالم ليست ضرورية وليست بأولوية تعليم أطفال الأحياء العشوائية ولا علاجهم. نقطة أخرى تجدر الإشارة إليها هي أن الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا يتظاهر بأن ما يحدث في كأس العالم هو مسؤولية الدولة المنظمة فقط، برغم أن الفيفا ترغم البرازيل على بعض السياسات المتعلقة بالمصالح التجارية أحدها ذكرتها صحيفة الغارديان، أن الفيفا مثلا فرضت على الحكومة التراجع عن قرارها بخصوص منع بيع البيرة في الملاعب لأن الشركة المنتجة للبيرة “بودوايزر”  هي إحدى الرعاة للبطولة، وغيرها من شركات في مجالات الخدمات الرياضية والمنتجات الغذائية حتى التي لا تترك فرصة للباعة المتجولين. فالأخيرون مثلا يشتكون من أن الفيفا بالشراكة مع الشرطة المحلية والشركات الامنية الخاصة أنشأت منطقة عازلة ذات طابع عسكري بمحيط 2 كيلومتر حول المرفقات الرياضية تمنع الباعة المتجولون من الاقتراب منها، حيث لا يستطيع دخول هذه المنطقة إلا الشركات المستفيدة.

كأس العالم هو كرنفال رأسمالي، بمعنى أن السياسات الرأسمالية تنتعش فيه أيما إنتعاش، وهذا لا ينطبق فقط على البرازيل، و إنما على كل المحافل الرياضية الكبرى التي أقيمت مؤخرا والتي ستقام مثل أولمبياد 2016 التي ستنظمه البرازيل أيضا. ربما الإشكالية ليست في كرة القدم كما يزعم تيري إيجلتون، ولكن في الانفلات الحاصل لسلطات ونفوذ الشركات التجارية والراعية للاتحادات الكروية والمؤسسات المحلية والدولية المتعلقة بالرياضة.

 

نشر في موقع المنشور: http://www.al-manshour.org/node/5514