نقد العمومية بين ماركس و هابرماس

enemigos_254

 

ألغت الثورة السياسية الطابع السياسي للمجتمع البرجوازي إلى مكوناته البسيطة، إلى الأفراد من جهة ، و العناصر المادية و الروحانية من جهة و التي تشكل معنى الحياة و الوضع البرجوازي لهؤلاء الأفراد من جهة أخرى. إنها تعيد بناء العقل السياسي الذي تجزأ و تفكك في الطرق المظمة للمجتمع الإقطاعي بصورة واحدة، لقد جمعته من هذا الشتات و حررته من اختلاطه بالحياة البرجوازية و شكلته كبيئة للكيان العام، أي للدائرة العمومية في استقلال مثالي عن تلك العناصر الخاصة للحياة البرجوازية – هابرماس

 

 

 

يجب أن نبدأ بتعريف الفضاء العمومي و شرح دلالات العمومية قبل نخوض في نقد الماركسية لهذه المفاهيم. على حسب مفهوم هابرماس للفضاءات العمومية ، الفضاء العمومي هو مجال اللقاء بيني و بين الآخر وما يتثيره من توترات أخلاقية و سياسية و اجتماعية و إقتصادية. حيث أن الإنسان في هذا الفضاء و الذي لا يكتفي بمجرد الوجود في هذا الإطار بل مشاركة مفاهيم أساسية مثل الإشكالات و المُتع ، الحزن و السعادة ،  الإستبداد و الحرية ، الإغتراب و الإستلاب و استعادة الذوات. يحد هذا الوجود من الناحية الأنطولوجية على حسب هابرماس أي حد يجعل الإنسان ليس ” جديرا بكينونته ” . و أخلاقيا هو حد لكيفيات توجيه الإنسان لذاته فكرا و عملا لحقيقة الفعل الإنساني من جهة منطلقاته و غاباته و أساليب مداولته مع الآخر فيما يخص الشأن العام. أما سياسيا هو لنمط الإجتماع بين لأفراد و كيفينة تنظيمهم و كيفية استعمالهم لقدراتهم في هذا المجال و هل هم أحرار في ذلك أم لا ؟ أما اقتصاديا و هذه نقطة مهمة في النقد الماركسي هو حد لعلاقات الإنتاج و التبادل و طبيعة هذه العلاقات. و ثقافيا هو حد لحقيقة الإنسان في نتاجاته الرمزية و لكيفية توزع و عمل هذه النتاجات.

 

إن العمومية عند ماركس تأخذ دلالة جدلية أكثر واقعية و ترتبط بحقيقة المجتمع المدني و الدولة. فمفهوم المجتمع المدني عند ماركس أعمق حيث يرتبط بالتحولات التاريخية ، الإقتصادية و السياسية و الإجتماعية لذلك فإن ماركس يعتبر المجتمع المدني ” مسرحًا للتاريخ و دائرة للأحداث العامة. بإمكاننا تلخيص هذه الأوصاف بأن دور الفضاء العمومي هو لعب دور الوساطة بين المجتمع المدني و الدولة فإن ماركس سيتناول العلاقة بين المجتمع المدني و الدولة من ناحية البنى التحتية و أنماط التبادل التي تفرزها قوى الإنتاج في مرحلة تاريخية معينة. وبما أن المجتمع المدني لم يتطور إلا مع ظهور البرجوازية فبالتالي إن التصور الماركسي يربط بين ولادة المجتمع المدني و التطور الرأسمالي وهو الذي يحدد شكل الدول و طبيعة السيادة فيها. و يؤكد هابرماس ذلك بأن الفضاء العمومي هو وليد الدولة الحديثة و إن العمومية لم تتبلور إلا في المجتمع المدني. ففي الدولة البرجوازية أصبحت الدائرة الخاصة تتمتع باستقلالية تجلت في العناصر المكونة للحياة البرجوازية مثل الملكية و العائلة و نمط العمل. و بحسب هابرماس ” كان المجتمع البرجوازي القديم طابع سياسي مباشر، هذا يعني أن عناصر الحياة البرجوازية كالملكية و العائلة أو أسلوب العمل قد أصبحت تشكل عناصر حياة الدولة “. و يعتبر هابرماس أن هذا الفهم الماركسي كشف عن قدرة الدولة على تفتيت العلاقات بين البشر و إعادة هيكلتها أي فصل الفرد عن الدولة و تحويل علاقاته الخاصة إلى علاقة ” عمومي” بحياة الشعب.

يقودنا هابرماس لأحد استنتاجات ماركس بأن العمومية أصبحت تلعب وظيفة أيدولوجية في ظل الدولة البرجوازية فهي تتكثل في إيهام الأفراد باستقلاليتهم فإن ماركس يأخذ بعين الإعتبار التغييرات التاريخية التي عرفتها الدوائر العمومية حينها. و تكمن التغييرات التاريخية في انكسار القيود الإقطاعية في اوروبا و الذي أدى ردوه إلى  ظهور صناعة مرتبطة في نمط الإنتاج الرأسمالي و الذي كلما تزايد فائض انتاجه تزايد الوضع البائس للجمهور. لذلك فالنضال من وجهة نظر ماركس طبقي في المقام الأول و بالتالي الفهم الماركسي للعمل السياسي و العمل النضالي يهدف للتحرر من قبضة رأس المال ولا يمكن أن ينحصر في العمومية المتحققة في المجتمع الليبرالي. فالدولة عند ماركس تتوقف على نمط الإنتاج المتحكم في الحياة الإجتماعية و دائرة العلاقات بين البشر التي تحدد بدورها الحقوق المدنية للأفراد كحق الملكية و البتالي فإن احكام القانون المدني تعبر بشكل حقوق عن الشروط الإقتصادية لحياة المجتمع و تظهر الدولة حينها و كأنها فوق الجميع، بل ما إن توجد الدولة فعلا حتى تقدم نفسها على انها مستقلة عن الدائرة العمومية. و تتأكد هذه الصورة بالقدر الذي تتمكن فيه الطبقة المسيطرة من فرض هيمنتها باعتماد جهاز الدولة، لذلك فإن الدولة حينما تحولت إلى قوة مستقلة إزاء المجتمع انتجت أيدولوجيا وظيفتها إخفاء اواقع الصراع و الوقائع الإقتصادية. و أيضا تهتم كقوة بالجانب الحقوقي و السياسي فهي تجعل من الحقوق كل شئ و الإقتصادي لا شئ ، أي تفرغه أي الجانب الحقوقي من محتواه الالفعلي و تضفي الجانب السطحي و الشكلي على الحقوقي هذا. فالأيدولوجي الذي تنتجه الدولة هو ما يسمو على واقع الظروف الإقتصادية و يُظهر الدائرة العمومية على أنها فضاء من الحرية و الاستقلالية و تظهر حينها الحقوق على انها مجرد حقوق زائفة بل أنها ليست سوى حقوق البرجوازي في التملك و الثراء.

إذا العمومية و الإستقلالية هي مفاهيم أيدولوجية بالدرجة الاولى بل يذهب هابرماس إلى أبعد من ذلك في تحليل ماركس معتبرا أن ” الوعي بالاستقلالية ” أساسا هو وعي أيدولوجي هدفه إخفاء تسلط الدولة التي أصبحت جهازا بيد الطبقة المهيمنة اقتصاديا و سياسيا و المتحكمة في الفضاء العمومي و الموجِّهة للآراء و الأفكار فيه. و هذا النقد الماركسي لطبيعة الوعي العمومي قد أورده في نقد للاقتصاد السياسي حيث بيّن أن بنية الانتاج الرأسمالي لا يمكن أن تحقق الوحدة و الإجماع أو تفرز وعيا متناغما مع مصالح الأغلبية بل تفرز وعيا زائفا و معاكسا للواقع. إن ماركس في تقدير هابرماس قد كشف عن الوجه الحقيقي للعمومية المزعومة، بل أن النقد الماركسي في نظره قد وضح زيف الرأي العام الذي أصبح يلعب وظيفة أيدولوجية تبريرية. وما يكشف عنه الواقع هو تحول الفرد إلى أداة لمراكمة رأس المال و بالنتيجة فإن الإنسان المجرد و المعنوي لا يمكن ان يتحقق في شكل كائن بشكري و واقعي قادر على لعب دور المواطن إلا حينما يكون تابعا لسيطرة رأس المال. فالإنسان المواطن كائن مثالي و الفرد الواقعي هو الذي انغلق على فرديته و انقطع عن بنية المجتمع المدني و اصبح يفتقر إلى القدرة على الدفاع عن مصالحه المدنية الحقيقية و المهمة. و كما يرفض ماركس المماثلة بين العمومية و العقل و يعلل ذلك بأنه من المستحيل تكوّن نظام عادل يحول الهيمنة السياسية إلى ” استقلال عقلاني ” على أسس مجتمع مدني يقوم في حد ذاته على العنف. إذا إن الإنسان في الدائرة العمومية البرجوازية هو الإنسان المنطوي على ذاته و على مصالحه الخاص و رغباته الأنانية، و بذلك فهو منفصل عن العمومية، و الرابطة الأخير التي تجمعه بالآخرين هي رابطة المنفعة و الحاجة الخاصة أي حفظ ملكيته و ثروته، ولا مجال بالتالي للإنسان كمواطن بل يصبح الإنسان الحقيقي في الواقع ليس الإنسان كمواطن و لكن الإنسان كبرجوازي. و هذا الإنسان عضو المجتمع البرجوازي هو أساس الدولة السياسية و قد اعتُرف به بهذه الصفة في حقوق الإنسان. و بأن حق هذا الإنسان ينتفي لحظة دخوله الصراع في الحياة السياسية. لأن ذلك يتعارض مع المحصلة السياسية و يتناقض مع غاية الدولة التي تدعي ان شؤونها هي شؤون الشعب و أنها تهتم بقضايا الرأي العام.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s