شهر: يونيو 2014

نقد العمومية بين ماركس و هابرماس

enemigos_254

 

ألغت الثورة السياسية الطابع السياسي للمجتمع البرجوازي إلى مكوناته البسيطة، إلى الأفراد من جهة ، و العناصر المادية و الروحانية من جهة و التي تشكل معنى الحياة و الوضع البرجوازي لهؤلاء الأفراد من جهة أخرى. إنها تعيد بناء العقل السياسي الذي تجزأ و تفكك في الطرق المظمة للمجتمع الإقطاعي بصورة واحدة، لقد جمعته من هذا الشتات و حررته من اختلاطه بالحياة البرجوازية و شكلته كبيئة للكيان العام، أي للدائرة العمومية في استقلال مثالي عن تلك العناصر الخاصة للحياة البرجوازية – هابرماس

 

 

 

يجب أن نبدأ بتعريف الفضاء العمومي و شرح دلالات العمومية قبل نخوض في نقد الماركسية لهذه المفاهيم. على حسب مفهوم هابرماس للفضاءات العمومية ، الفضاء العمومي هو مجال اللقاء بيني و بين الآخر وما يتثيره من توترات أخلاقية و سياسية و اجتماعية و إقتصادية. حيث أن الإنسان في هذا الفضاء و الذي لا يكتفي بمجرد الوجود في هذا الإطار بل مشاركة مفاهيم أساسية مثل الإشكالات و المُتع ، الحزن و السعادة ،  الإستبداد و الحرية ، الإغتراب و الإستلاب و استعادة الذوات. يحد هذا الوجود من الناحية الأنطولوجية على حسب هابرماس أي حد يجعل الإنسان ليس ” جديرا بكينونته ” . و أخلاقيا هو حد لكيفيات توجيه الإنسان لذاته فكرا و عملا لحقيقة الفعل الإنساني من جهة منطلقاته و غاباته و أساليب مداولته مع الآخر فيما يخص الشأن العام. أما سياسيا هو لنمط الإجتماع بين لأفراد و كيفينة تنظيمهم و كيفية استعمالهم لقدراتهم في هذا المجال و هل هم أحرار في ذلك أم لا ؟ أما اقتصاديا و هذه نقطة مهمة في النقد الماركسي هو حد لعلاقات الإنتاج و التبادل و طبيعة هذه العلاقات. و ثقافيا هو حد لحقيقة الإنسان في نتاجاته الرمزية و لكيفية توزع و عمل هذه النتاجات.

 

إن العمومية عند ماركس تأخذ دلالة جدلية أكثر واقعية و ترتبط بحقيقة المجتمع المدني و الدولة. فمفهوم المجتمع المدني عند ماركس أعمق حيث يرتبط بالتحولات التاريخية ، الإقتصادية و السياسية و الإجتماعية لذلك فإن ماركس يعتبر المجتمع المدني ” مسرحًا للتاريخ و دائرة للأحداث العامة. بإمكاننا تلخيص هذه الأوصاف بأن دور الفضاء العمومي هو لعب دور الوساطة بين المجتمع المدني و الدولة فإن ماركس سيتناول العلاقة بين المجتمع المدني و الدولة من ناحية البنى التحتية و أنماط التبادل التي تفرزها قوى الإنتاج في مرحلة تاريخية معينة. وبما أن المجتمع المدني لم يتطور إلا مع ظهور البرجوازية فبالتالي إن التصور الماركسي يربط بين ولادة المجتمع المدني و التطور الرأسمالي وهو الذي يحدد شكل الدول و طبيعة السيادة فيها. و يؤكد هابرماس ذلك بأن الفضاء العمومي هو وليد الدولة الحديثة و إن العمومية لم تتبلور إلا في المجتمع المدني. ففي الدولة البرجوازية أصبحت الدائرة الخاصة تتمتع باستقلالية تجلت في العناصر المكونة للحياة البرجوازية مثل الملكية و العائلة و نمط العمل. و بحسب هابرماس ” كان المجتمع البرجوازي القديم طابع سياسي مباشر، هذا يعني أن عناصر الحياة البرجوازية كالملكية و العائلة أو أسلوب العمل قد أصبحت تشكل عناصر حياة الدولة “. و يعتبر هابرماس أن هذا الفهم الماركسي كشف عن قدرة الدولة على تفتيت العلاقات بين البشر و إعادة هيكلتها أي فصل الفرد عن الدولة و تحويل علاقاته الخاصة إلى علاقة ” عمومي” بحياة الشعب.

يقودنا هابرماس لأحد استنتاجات ماركس بأن العمومية أصبحت تلعب وظيفة أيدولوجية في ظل الدولة البرجوازية فهي تتكثل في إيهام الأفراد باستقلاليتهم فإن ماركس يأخذ بعين الإعتبار التغييرات التاريخية التي عرفتها الدوائر العمومية حينها. و تكمن التغييرات التاريخية في انكسار القيود الإقطاعية في اوروبا و الذي أدى ردوه إلى  ظهور صناعة مرتبطة في نمط الإنتاج الرأسمالي و الذي كلما تزايد فائض انتاجه تزايد الوضع البائس للجمهور. لذلك فالنضال من وجهة نظر ماركس طبقي في المقام الأول و بالتالي الفهم الماركسي للعمل السياسي و العمل النضالي يهدف للتحرر من قبضة رأس المال ولا يمكن أن ينحصر في العمومية المتحققة في المجتمع الليبرالي. فالدولة عند ماركس تتوقف على نمط الإنتاج المتحكم في الحياة الإجتماعية و دائرة العلاقات بين البشر التي تحدد بدورها الحقوق المدنية للأفراد كحق الملكية و البتالي فإن احكام القانون المدني تعبر بشكل حقوق عن الشروط الإقتصادية لحياة المجتمع و تظهر الدولة حينها و كأنها فوق الجميع، بل ما إن توجد الدولة فعلا حتى تقدم نفسها على انها مستقلة عن الدائرة العمومية. و تتأكد هذه الصورة بالقدر الذي تتمكن فيه الطبقة المسيطرة من فرض هيمنتها باعتماد جهاز الدولة، لذلك فإن الدولة حينما تحولت إلى قوة مستقلة إزاء المجتمع انتجت أيدولوجيا وظيفتها إخفاء اواقع الصراع و الوقائع الإقتصادية. و أيضا تهتم كقوة بالجانب الحقوقي و السياسي فهي تجعل من الحقوق كل شئ و الإقتصادي لا شئ ، أي تفرغه أي الجانب الحقوقي من محتواه الالفعلي و تضفي الجانب السطحي و الشكلي على الحقوقي هذا. فالأيدولوجي الذي تنتجه الدولة هو ما يسمو على واقع الظروف الإقتصادية و يُظهر الدائرة العمومية على أنها فضاء من الحرية و الاستقلالية و تظهر حينها الحقوق على انها مجرد حقوق زائفة بل أنها ليست سوى حقوق البرجوازي في التملك و الثراء.

إذا العمومية و الإستقلالية هي مفاهيم أيدولوجية بالدرجة الاولى بل يذهب هابرماس إلى أبعد من ذلك في تحليل ماركس معتبرا أن ” الوعي بالاستقلالية ” أساسا هو وعي أيدولوجي هدفه إخفاء تسلط الدولة التي أصبحت جهازا بيد الطبقة المهيمنة اقتصاديا و سياسيا و المتحكمة في الفضاء العمومي و الموجِّهة للآراء و الأفكار فيه. و هذا النقد الماركسي لطبيعة الوعي العمومي قد أورده في نقد للاقتصاد السياسي حيث بيّن أن بنية الانتاج الرأسمالي لا يمكن أن تحقق الوحدة و الإجماع أو تفرز وعيا متناغما مع مصالح الأغلبية بل تفرز وعيا زائفا و معاكسا للواقع. إن ماركس في تقدير هابرماس قد كشف عن الوجه الحقيقي للعمومية المزعومة، بل أن النقد الماركسي في نظره قد وضح زيف الرأي العام الذي أصبح يلعب وظيفة أيدولوجية تبريرية. وما يكشف عنه الواقع هو تحول الفرد إلى أداة لمراكمة رأس المال و بالنتيجة فإن الإنسان المجرد و المعنوي لا يمكن ان يتحقق في شكل كائن بشكري و واقعي قادر على لعب دور المواطن إلا حينما يكون تابعا لسيطرة رأس المال. فالإنسان المواطن كائن مثالي و الفرد الواقعي هو الذي انغلق على فرديته و انقطع عن بنية المجتمع المدني و اصبح يفتقر إلى القدرة على الدفاع عن مصالحه المدنية الحقيقية و المهمة. و كما يرفض ماركس المماثلة بين العمومية و العقل و يعلل ذلك بأنه من المستحيل تكوّن نظام عادل يحول الهيمنة السياسية إلى ” استقلال عقلاني ” على أسس مجتمع مدني يقوم في حد ذاته على العنف. إذا إن الإنسان في الدائرة العمومية البرجوازية هو الإنسان المنطوي على ذاته و على مصالحه الخاص و رغباته الأنانية، و بذلك فهو منفصل عن العمومية، و الرابطة الأخير التي تجمعه بالآخرين هي رابطة المنفعة و الحاجة الخاصة أي حفظ ملكيته و ثروته، ولا مجال بالتالي للإنسان كمواطن بل يصبح الإنسان الحقيقي في الواقع ليس الإنسان كمواطن و لكن الإنسان كبرجوازي. و هذا الإنسان عضو المجتمع البرجوازي هو أساس الدولة السياسية و قد اعتُرف به بهذه الصفة في حقوق الإنسان. و بأن حق هذا الإنسان ينتفي لحظة دخوله الصراع في الحياة السياسية. لأن ذلك يتعارض مع المحصلة السياسية و يتناقض مع غاية الدولة التي تدعي ان شؤونها هي شؤون الشعب و أنها تهتم بقضايا الرأي العام.

Advertisements

في نقد مفهوم الإرهاب

بلا أدنى شك على ان الشئ المسمى ” 11 سبتمبر ” أعطانا انطباعا بكونه حدثا جللا. و لكن ، مالانطباع في هذه الحالة ؟ وما الحدث ؟ وما هو ” الحدث الجلل ” بوجه خاص ؟ فإنني أؤكد أن لدي تحفظات عدة حول هذه الألفاظ – جاك دريدا

 

مع الخطاب السياسي المتصاعد في الدول العربية عن وجوب ” مكافحة الإرهاب ” ضد جماعات تمارس العنف أحيانا أو لا تمارسه على الإطلاق لكنه خطاب عادة ذو غرض سياسي يقصد به تعزيز أحادية الممارسة السياسية و التخلص من المعارضة. و قبل أن ننقد هذا الخطاب سياسيا يجدر بنا أن نذهب إلى أعمق من ذلك و نتساءل عن ماهية هذا الإرهاب المقصود ، فإن فهم معنى الإرهاب يرسم معالم محددة لكيفية مكافحته. و نتساءل هل التعريف التي تقول به الأنظمة العربية صحيح أم لا و إذا كان صحيحا هل ينطبق على من هم يُكافَحون بحجة انهم يمارسونه ؟. و المحصلة الأهم من نقد مفهوم الإرهاب هي أنه اذا لم يكن هناك تعريف محدد ذو إطار أساسي يُرتكز عليه في فهم الإرهاب فما الذي يجعل الإرهاب يشكّل أي تهديد أساسا ؟ ، و بالتالي هل هو ظاهرة خارقة في التاريخ بمعنى اختلافها و شذوذها عن طبيعته؟

 

الإشكال في تعريف الإرهاب:

يُشتق مصطلح الإرهاب ( Terrorism ) من فعل الترهيب أو التخويف ( Terrorizing ). و لكن ماهي علاقة الترهيب بالسياسة ؟ و بالممارسة العسكرية ؟ أو حتى الممارسات العنفية للمدنيين ؟ من البديهي أنه ليس مرتبطاً بمحفّز سياسي . فليس شرطا أن يستخدم الترهيب بشكل ” إرهابي “  مثل أن يستخدم لغرض جنائي فكل رعب ليس بالضرورة نتيجة ” إرهاب ” لكن كلمة الإرهاب لها تاريخ سياسي يرجع للإرهاب الثوري الفرنسي و الذي مورس باسم الدولة و الذي طبق تماما مبدأ الإحتكار القانوني للعنف . ربما لا نستطيع حصر جميع تعريفات الإرهاب عند جميع المؤسسات و لكن بصفة عامة جميعها يرتكز على نوع الترهيب بحد ذاته و نوعه ، أيضا تتجاهل معظم هذه التعريفات أن الإرهاب من الممكن أن يكون ممن هم ضد السلطة أو من السلطة نفسها و هذا سنتحدث عنه بتوسع لاحقا .

هذا كله إذا اعتبرنا أن الإرهاب هو شيء مقصود بمعنى أنه متعمد و واعٍ. و هذا ما ينبه إليه دريدا بأن الإرهاب في الوعي البشري هو ” التسبب بالموت ” و ينقد ذلك قائلا و ماذا عن ” السماح بالموت ” ؟ أوليس السماح بالموت هو ” عدم الرغبة في معرفة أننا نسمح بالموت” فمئات الملايين من البشر يموتون من الجوع ، الإيدز و من عدم التداوي .. إلخ . ألا يمثل ذلك جزءًا مهماً من استراتيجية إرهابية ممنهجة ؟ فنحن نخطئ إذ نقول بأن كل الإرهاب ممنهج و واع و يحمل مانفيستو أو أجندة . ولأنه لا يسع الحديث عن هذا العنف الخفي و غير الواعي سوف نختص بالحديث عن الإرهاب المقصود على الأقل .

أحد أشمل و أعم التعاريف و الذي لا يخلو من النقودات بدوره هو تعريف الباحث في الإرهاب  السياسي رود ثورنتون للإرهاب بأنه ” فعل ذو هدف رمزي يراد منه التأثير في السلوك السياسي عن طريق وسائل غير معتادة تشمل عادة استخدام العنف”. تتضمن الرمزية هذه على الجانب الإيحائي الباعث على التعاطف مع هذا الفعل ” الإرهابي ” أو على برهنة القدرة على إحداث الضرر بالسلطة. يرتكز التعريف السابق على نقطة مهمة هي الطابع الفائق للفعل ” الإرهابي “  و الذي يميز ” الإرهاب ” عن جميع ممارسات العنف السياسي، فالأفعال الاعتيادية غير الخارجة عن المألوف لا تعتبر عملا إرهابيا ولا نستطيع الإتيان بحدث ” إرهابي ” و تكون عاديّة الفعل صفة من صفاته . لكن يظهر لنا إشكال آخر . أليست بعض الجرائم الجنائية فائقة و خارجة عن المألوف ؟ فما الذي يميز الفعل الإرهابي عن الجنائي ؟ فجريمة قتل وحشية لغرض سياسي هي فعل بالتأكيد خارج عن المألوف و قد تحمل رمزية معينة  فلماذا لا تعتبر إرهابا و قد احتوت على كل شروط التعريف السابق ؟

للتخلص من هذا الإشكال يلجأ بول ويلكنسون أحد أهم الباحثين في مجال العنف السياسي إلى تقسيم الإرهاب إلى أربعة تصنيفات : إرهاب سياسي ، إرهاب حربي ، إرهاب جنائي ، و أخيرا إرهاب نفسي . و لكن تستمر سلسلة الإشكالات فما هو الفرق بين الإرهاب السياسي و الحربي ؟ و هل الحرب إرهاب و كما طرح ويلكنسون سؤال كعنوان لأحد مؤلفاته ” هل يمكن أن تكون الدولة إرهابية ” ؟

 

 

 

الإشكال الأخلاقي في تعريف الإرهاب:

يمكن اعتبار هذا الإشكال العائق الأهم ربما لإيجاد مفهوم محدد للإرهاب حيث الموقف الأخلاقي منه يحدد حياديتنا في الوصف للفعل السياسي العنفي. فأحدهم قد يبرر بأن الممارسة العنفية مبررة أحيانا و بعضها غير مبرر لذلك تجد أن إطلاق وصف ” إرهابي ” سهل نوعا ما بسبب أنه يمثل موقفاً أخلاقياً تجاه قضية أو موقفاً أيدولوجياً بين حق و باطل. فنسأل هل المقاومة المسلحة في فلسطين هي جماعات إرهابية أم لا ؟ هل نيلسون مانديلا إرهابي ؟ هل كانت المقاومة الجزائرية في ستينات القرن الماضي إرهابية ؟يختم غرانت وردلو إحدى ورقاته عن الإرهاب قائلاً: ” أياً كانت مشاعر المرء الشخصية تجاه الأعمال الإرهابية ، أو أياً كان مقدار استفظاعه لها، فإنها ليست في مرجعية الإرهابي جائزة أو وحشية أو لا عقلانية. فالإرهاب ليس خالياً من البصيرة. إنه وسيلة واعية لتحقيق هدف معين ، و له أسبابه و جذوره و أهدافه ، و هي النقطة التي يتجاهلها المراقب لهذه الأحداث ، فهو يرى أن الإرهاب عملية عشوائية لا يشكل موت الناس فيها أي قيمة ، بل هم ضرر جانبي و هذا ليس صحيحا. و من أجل فهم هذه المفارقة الظاهرة لا بد من تدقيق التكوين التاريخي للإرهاب الحديث و الإلمام بأطروحاته و تحليل الوسائل التي تجعل الإرهاب الحديث استمرار لخط تاريخي من العنف و ظاهرة فريدة من ظواهر هذا العصر في نفس الوقت. “طبقا لغريسمان صاحب كتاب ” المعاني الاجتماعية للإرهاب ” لا يمكن تفكيك معنى الإرهاب ” الزلِق ” كما يصفه بدون التسليم و الإقرار بإشكالية ما أسماه بـ” حيادية القيمة ” (value-neutrality) هذه القيمة التي تجعل العمل العنفي عملية إرهابية عند البعض و مقاومة مسلحة مشروعة مثلاً عند البعض الآخر. الحل لدى غريسمان هو التخلي عن استخدام الإرهاب كوصف سلوكي لأن هذا الوصف السلوكي دائماً و أبداً سيحمل حكماً أخلاقياً في داخله. فيجب علينا أن ننتقل لمستوى آخر من التحليل و نرى كيف يتم نسبة القيم الأخلاقية للأفعال العنفية فنعتبر أن هذا عملاً إرهابياً أو نعتبره جزء من السياسة الخارجية. يستعير غريسمان من كينيث بروك عالم الاجتماع مصطلح التقمص أو التماهي (identification) الذي ينص على أن اقتناع المراقِب بالأشياء يتكون في وعيه عن طريق خلق صورة عن نفسه بآمال حيازة مكتسبات مادية أو عاطفية أو أكبر من ذلك مشابهة لما يريد أن يقتنع به. فبالنسبة للمراقب العادي تكون الشرعية هي ما يجعل تحقيق هذه المكتسبات صورة من صور التطابق مع الخصم وبالتالي أمراً جذاباً و ممكناً. و الشرعية هنا منتج اجتماعي إذا استمرينا في تجريده لدرجة الحكومات أصبحت الحكومات جسداً محسوساً ذو شرعية تماماً كمن يمثلها من أفراد ذوي أجساد محسوسة. بالتالي تصبح الشرعية هي المكتسب و المطلب لدى هذه المجموعات العنفية في مقابل شرعية تمتلكها الحكومات تستطيع من خلالها أن تشرعن أفعالها بسهولة ، فتتحول هذه المجموعات العنفية إلى باحثة عن هذه الشرعية من خلال اعتبار أنهم هم وحدهم الطريق الممكن للخلاص من الشرور و يؤكدون ذلك عن طريق تحولهم لنوع من أنواع البيروقراطية المشابهة للسلطة فتصبح هذه الجماعات جيشاً و أفراده جنود و كتائب أسوة بالبيروقراطية العسكرية. إنه من الواضح أن هناك شرعية لكل ما يشبه السلطة لذلك تعمل هذه الجماعات للوصول لهذا التطابق و التماهي و هنا يبدأ تشكل الموقف الأخلاقي لدينا من أفعال هذه الجماعات. فعندما يتطابق أو يتماهى الناس مع ضحايا الفعل العنفي ( بغض النظر عن الأدوار الإعلامية )  يصبح الفعل إرهاباً. أما إذا حدث التماهي مع الفاعل فإنه عنف مبرر ربما أو حيادي ليس ذو طابع شيطاني . و غالباً ما يحدث أن يتماهى الناس مع الضحايا لأنهم يمثلون عدداً أكبر من عدد هذه الجماعات دائماً و لأن عنف الدولة يقوم به أشخاص هم في الأساس مواطنون في جميع أجهزة الدولة القمعية: الشرطة ، الجيش .. إلخ ، فتصبح احتمالية أن يتشابه الضحية مع المواطنين هؤلاء أكبر بكثير من أن يتشابه مع الفاعل. فيصبح التماهي و التطابق مع الضحية إشكالياً لأنه غير ممكن أن تحظى به هذه الأقلية ذات الممارسات العنفية في مواجهة الناس الذي هم ذاتهم سلاح الخصم وهو السلطة. و هذا ما يولّد فرضيات مثل جنون و عصابية هذه الجماعات و تعطي انطباعا بيأسهم ، لكن هذه الأطروحة حسب جان بودريار في كتاب ” روح الإرهاب ” في حد ذاتها مريبة لأنها تعتبر ” الإرهاب ” غير ممثل للبؤس العالمي إلا من خلال هذا الفعل العنفي و تتجاهل ما قبل الفعل العنيف، و حتى لو اعترفنا بذلك و سلمنا به فهذا دليل على فشل النظام العالمي أيضا.

هل الجماعات الثورية و التحررية إرهابية ؟ هذا سؤال شائك إذ ما زلنا ندور في فلك القيمة الأخلاقية لكلمة الإرهاب و أنها ذات طابع سلبي. إذا سلمنا بذلك فنعم هم إرهابيون ، فالإرهاب الثوري هو حسب ويلكنسون ” تكتيكات منظمة لاستخدام وسائل عنفية من أجل تحقيق هدف الثورة السياسية ” و يقسمها إلى أنواع: جماعات العنف النقي التي تؤمن بالحلول العنفية دائما ، جماعات تحررية تستخدم العنف كسلاح إضافي ، الجماعات المشاركة في حروب العصابات. بينما العنف القمعي هو ” الاستخدام الممنهج للعنف من أجل قمع و إخضاع و قهر الأفراد أو المجموعات أو المؤسسات” . إذاً ما هو الفرق بينهما ؟ الشكل المؤسساتي لممارسة العنف في نطاق الدولة هو ما يعطي سهولة التبرير لأفعال الدولة الإرهابية في مقابل أن عنف الجماعات و الأفراد لا يعمل على كسب الشرعية مباشرة بل على استهداف الهياكل و العلاقات بين المجتمع و الدولة مثل رموز الدولة التاريخية و العمرانية و غيرها . و بهذا لا تنجح هذه الجماعات فقط في هز هيبة الدولة و إظهار قوتها في مقابل ضعف السلطة بل تكشف عن دورها المخلص و إثبات عجز المجتمع عن تقديم المساندة لهم بصفتهم أبناء لذات المجتمع مما يعطيهم هذه الشرعية التي تملكها الدولة من البداية . و من هنا ينبع التعاطف مع حركات المقاومة المسلحة غالباً .

 

 

إرهاب الدولة في مواجهة الإرهاب الثوري و الفردي:

علاقة إرهاب الدولة بالإرهاب الثوري أو الفردي علاقة معقدة من عدة نواحي منها أولاً أن هناك حقيقة أساسية هي أن العنف المُمَارس من قبل الدولة يولّد العنف المضاد. فتذكر مارثا هتشنسون المختصة في الاستعمار الفرنسي للجزائر أن عمليات الإرهاب التي مارستها القوات الفرنسية و التعذيب الذي مارسته ضد الجزائريين هي ما سبب العنف العشوائي المضاد بدافع الانتقام من قبل المقاومة الجزائرية بجانب المقاومة الممنهجة لطرد الفرنسيين. و تقتبس من أحد قادة المقاومة الشعبية في الجزائر رداً على اتهامات الفرنسيين بأن ممارسات التعذيب حصلت بسبب إرهاب الجزائريين أنفسهم ” عندما ندّعي أن العنف الأعمى الذي يُمارس على الجزائريين إنما هو فقط رد على عنف الجزائريين ، هذا الإدعاء يغض الطرف عن الحقيقة بأن المقاومة الجزائرية لم تبدأ العنف و لم تُفجر أي قنبلة قبل أن تسيل دماء الجزائريين “.

ثانيا ما زلنا لم نحدد ماهو الإرهاب فعلياً سواء من قبل الدولة أو غيرها ، فعندما سُئل جاك دريدا الفيلسوف الشهير عن أيهم أكثر إرهابا الدولة أم الأفراد قال : “هذا السؤال ضروري و محكوم عليه أن يظل بلا إجابة في آنٍ معاً . فهو ضروري لأنه يقدم نفسه على أنه رد ، فلجوئي إلى الإرهاب هو الملجأ الأخير لأن الآخر أكثر إرهاباً مني . فالأكثر الإرهاباً بطبيعة الحال هو الإرهاب الذي يقوم بتجريد الآخر من إمكانياته و يكون المعتدي الأول . هكذا تُتهم القوى الاستعمارية مثل الولايات المتحدة و إسرائيل و كل السلطات ذات الشكل الإمبريالي . و هذا تصور يصعب إقصاؤه لكن الإشكال يكمن في صيغة السؤال و إحالة الموضوع إلى المنطق الكمي “. يرفض دريدا أن يفرق بين إرهاب الدولة و اللادولة من نفس المنطق أن الإرهاب كمصطلح عصي على الفهم و غامض. للتخلص من هذا الإشكال  يلجأ ويلكنسون إلى تقسيم مصطح الإرهاب السياسي كما أسلفنا إلى أقسام منها : الإرهاب الثوري و الإرهاب القمعي. يختلف الإرهاب القمعي و الإرهاب الثوري في نوعية الترهيب ذاته ، فثورنتون يميز بين الترهيب التنفيذي و الترهيب التحريضي. الأول مختص بالسلطة و الثاني للراغبين بتقويضها. الفرق بينهما أن الترهيب التحريضي أياً كانت طبيعته يدور في فلك العنف و العنف المضاد و يبدو أكثر رمزية من العنف التنفيذي لذلك هو يسترعي انتباهنا أكثر رغم أنه أقل أهمية و ممارسة من إرهاب الدولة التنفيذي. ففوضويته جزء من رمزيته التي تجعله غير اعتيادياً بينما الترهيب التنفيذي الممارس من قبل السلطة بشكله المؤسساتي يبدو اعتيادياً كونه يظهر في أجهزة الدولة الأيدولوجية من تلفزيون و إذاعة و صحف بقالب شرعي من ضمن العنف الذي تحتكره الدولة ، و ليس كذلك فقط بل يصبح هذا الترهيب التنفيذي عقلاني بمعنى إذا لم تقم بالأسباب التي تدفع الدولة لممارسة الإرهاب ضدك فإنها لن تفعل ! و هذا التقسيم لويلكنسون يؤدي إلى استنتاج خطر فهو عندما يصف الإرهاب السياسي بأنه عنف ممأسس و متكرر نستطيع بسبب ذلك أن نقول بأن القصف العسكري على المدنيين ليس إرهاب أو فعلاً إرهابياً بل هو ترهيب فقط ، و يصبح إرهاب إذا أصبح مكرراً و ذو نمط ترهيبي مستمر.

 

 

الحرب و الإرهاب:

يشير دريدا إلى الفيلسوف الألماني الشهير كارل شميت قائلاً: ” من المستحيل حتى على الصعيد النظري أن نميز بين الحرب و الإرهاب ، إذا افترضنا أن الحرب لا تنشب إلا بين دولتين ، فإن الإرهاب هو صراع بين قوى لا تشمل قوة الدولة ذات السيادة، مع ذلك فإن التاريخ السياسي يمكن أن يتعارض بسهولة مع هذا التحديد لمصطلح الإرهاب. فالدول ذات السيادة فرضت دائماً الإرهاب على شعوبها أو على شعوب أخرى في وقت السلم و الحرب “.  لكن دريدا يضع فارقاً بسيطاً بين الحرب و الإرهاب هو الصدمة و الأثر المفاجئ ، فهو كان يطالب بضرورة طي صفحة أحداث الحادي عشر من سبتمبر فاستمرار الإعلام بالحديث عنه سيؤدي إلى استمرار الإرهاب بأشكال خفية مثل المشاعر المؤيدة للحدث و انتشار الحروب غير المرئية مثل القرصنة و الحروب الافتراضية على الإنترنت.  فينتقل الإرهاب من موضع الحدث الصادم مثل حادث الطائرتين إلى حدث غير مرئي و طفيف الخسارة لكن مستمر. ليصبح الإرهاب اعتيادياً في وعينا لينتقل لمرحلة الحرب المستمرة ، و التي ليست فقط مستمرة بل هي على نطاق أوسع فيقول ” نحن نعرف متى بدأ و متى انتهى 11 سبتمبر ، لكن التكنولوجيا المتناهية في الصغر هي أكثر قدرة بكثير . و لكننا نشعر بها في لا وعينا أي نعرفها مسبقا ، و هذا ما يبعث على الخوف ” . إذاً مسألة العنصر المفاجئ يجب أن توضع في الاعتبار فهو موجود في وعي الرأي العام . طبقا لأحد الباحثين الذي يضع هذا السيناريو في التفريق بين الإرهاب و غيره أنه إذا دخل لمجمع تجاري أو مدرسة و بدأ في إطلاق النار ثم مات في النهاية فيكون الرأي العام غالباً أنه مجنون أو مختل بينما إذا فعل نفس الفعلة ذاتها بتفجير قنبلة فإنه حينئذ يغدو إرهابياً .

 

 

نشر في موقع المقال : http://www.almqaal.com/?p=3464