الأنسنة و الأدب عند محمد اركون

par_arkoun_01

 

 

أما عن الناحية العربية أو الإسلامية فحدّث ولا حرج , فقد اختفى مفهوم النزعة الإنسانية من الساحة تدريجيا بعد ضمور الفكر العربي والإسلام و تقلص آفاقه و جمود شرايينه و أوردته. فالعصر الكلاسيكي كان قد شهد النزعة الإنسانية نظريا و عمليا. و اتخذت لديه من الناحية الأسلوبية صيغة الادب , بالمعنى الواسع للكلمة
و ليس بالمعنى الجمالي أو الفني الضيق. و قد اغتنى الأدب بالعناصر و المعطيات الفلسفية كما شرحته مطولا في كتابي هذا. بمعنى أن كتب الادب الكلاسيكية كانت تحتوي على البيان الأسلوبي و الفكار الفلسفية في آن معا. و لكن بعد زوال كتب الأدب و الفلسفة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة و الدخول في عصر الانحطاط اختفت النزعة الإنسانية و العقلانية العربية طيلة قرون عديدة أي حتى القرن التاسع عشر و ظهور عصر النهضة و محاولة الإتصال الجديد بكتب التراث المبدعة و بالحضارة الأوروبية في آن معا.    – محمد أركون

 

اهتم أركون بفكرة تغير معنى الأدب و اتجاهه الإنسانوي في الفكر العربي بعد القرن الخامس الهجري بعد مرحلة التوحيدي و بن مسكويه و ابن سيناء و الجاحظ , و أيضا اهتم بفكرة ارتباط إشكاليات الأنسنة و التأويل بالنص و تقديمها أو تأخيرها على الإنسان و ما يترتب عليه من فصل بين المستويات الثقافية. لكن أركون يلفت النظر لنقطة مهمة في السياق الثقافي العربي بأن مفهوم الأنسنة ليس فقط اختفى من الثقافة العربية مع عصور ” الإنحطاط ” الا أن المعنى الأصلي له في الثقافة العربية ألا وهو الأدب – سنأتي لتحديد معنى الادب قديما – تغير لمصطلح محصور في المحسوس من المعرفة  في الثقافة العربية كما وصفها كيحل مصطفى.

 

مفهوم الأنسنة و الأدب :

يميز هاشم صالح بين الصفة و الاسم فصفات مثل إنساني أو إنسي (Humanist) اشتقت في اللغات الأوروبية منذ القرن السادس العاشر. أما كلمة النزعة الإنسانية كمصدر (Humanism) اشتقت في القرن التاسع عشر مع ان هاشم صالح يفرق بين الأنسنة و النزعة الإنسانوية حيث أن الأولى بالنسبة له معنية بالاجتهادات الفكرية لعقلنة الوضع البشري و فتح آفاق جديدة لمعنى المساعي البشرية لإنتاج التاريخ , بينما الثانية تعني ذلك الموقف الذي يتحترم الإنسان بحد ذاته و لذاته و يعتبره مركز الكون و محورر القيم و التفريق بين المركزية الإنسانية و المركزية اللاهوتية. و في موسوعة  عبدالمنعم الحفني الفلسفية يظهر لفظ إنساني أو إنسي (Humanist) بمعنى ” تعهد الإنسان لنفسه بالعلوم الليبرالية التي بها يكون جلاء حقيقته كإنسان مميز عن سائر الحيوانات “. وفي المسار الثقافي الغربي يمكن تلخيص تعريف النزعة الإنسانية (Humanism) هي القائمة على الاعتراف بأن الانسان هو مصدر المعرفة.

و يعتبر اركون أن الأنسنة تماثل كلمة الأدب بالمعنى الأصلي للكلمة الشامل لا الحديث الضيق فعندما كتب ابن قتيبة مثلا  كتاب ” ادب الكاتب ” كان يعني ما اسماه أركون ” نزعة انسانوية ” أو هيومانيزم , فالتغيير الذي حدث لمعنى الأدب لأن الفكر العربي انفصل في القرن الهجري كما اسلفت في المقدمة عن هذا المستوى العام و الأعلى للثقافة الذي يجمع جميع العلوم الإنسانوية. فأركون يزعم بأنه بسبب ازدهار الثقافة العربية قبل القرن الخامس كان يفهم مثلا من معنى ” أدب الكاتب ” أي الإحاطة بالعلوم الانسانية الدالة على المجهود المبذول للرفع من الكرامة الإنسانية كما يذكر كيحل مصطفى , بينما حاليا يفهم منه النطاق الضيق الكلمة الشعر و الرواية و القصة و هذا حصر لا يستقيم مع المفهوم الاوروبي للكلمة التي كان يقصد بها لفظ الأدب. و لذلك نحتاج أن نعيد استخدام لفظ الأنسنة

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s