شهر: مارس 2014

العنف و التسامح في فكر سلافوي جيجيك

slavoj zizek

” في الإتحاد السوفييتي عام 1922 قامت الحكومة بنفي منظم للمثقفين و الفلاسفة و الإقتصاديين المعادين للشيوعية إلى ألمانيا. من هؤلاء المنفيين كان نيكولاي لوسكي أحد أبناء الطبقة البرجوازية و كان يستمتع بحياة فارهة مليئة بالخدم و المربيات. لم يستطع لوسكي فهم من يريد تدمير حياته ؟ ماذا قام بفعله ليستحق هذا ؟ .. بينما لوسكي كان شخص لطيف مهتم بالفقراء و محاولا لتحسين الحالة الروسية. نحن نتحدث هنا العنف الجوهري في النظام ليس فقط العنف الجسدي بل هذا الإكراه الخفي و أشكاله المختلفة التي تُقوي علاقات السيطرة و الإستغلال. لم يكن هناك شر شخصي حياة لوسكي و هؤلاء , فقط هذه الخلفية غير الظارهة للعنف المنظم. أثناء ذلك كان أندري لوسكي ابن نيكولاي يُعنّف من قبل أحد ابناء الطبقة الكادحة بأن ” أيامكم أوشكت على الانتهاء ” و بحسن نيتهم – آل لوسكي – لم يستطيعوا أن يفهموا أصل هذا الإشكال و انه لا أصل له و لم يستطع أحد منهم فهم الأحداث على أنها مظهر للعنف الشخصي أو النسبي (Subjective violence) فقد فهموا الرسالة بشكلها الذي أرسلوه للعالم بشكله المقلوب انه العنف الذي لا أصل ولا مسوغ له (out of no where violence) الذي أشار إليه والتر بينيامين تحت مسى ” العنف الإلهي ” – سلافوي جيجيك

  • العنف الغَرَضي و الشخصي:

كانت هذه جزء فقط من المقدمة الطويلة التي وضعها الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك في كتابه ” العنف ” (Violence) ولا يُقصد هنا بالعنف السلطوي و إنما العنف بمفهوم حنة ارندت القائل بأن ” العنف سلاح الضعيف ” فالذي يريد من خلاله جيجيك يوضح عدة نقاط مختلفة أولها تجزئة العنف إلى ثلاث أنواع : غَرَضي , شخصي , رمزي. و أهم هذه النقاط أن الإنسانية إذا أرادت الاستمرار فإن الخطوة الأخلاقية هو تحمل مسؤولية هذا العنف الغرضي لا الشخصي (Objective violence) .و هنا يفرّق جيجيك بين المصطلحين بأن العنف الشخصي (Subjective violence)  ليس العنف من وجهة نظر شخصية أي بمعنى يمكن مناقشة عدم حدوثه بل يؤكد أنه بالإمكان أن يكون حقيقيا لكن في العنف الشخصي المُعنِّف هو شخص أو مُسبب معروف, بينما في العنف الغَرَضي  (Objective violence) هو العنف الخفي الذي هو جزء من صُلب النظام , فالعنف في مفهومه العام هو الإضطراب الحاصل للنظام القائم , لكن ماذا عن العنف الموجود في أصل النظام القائم ؟ العنف الحاصل اذا جرى كل شئ كما يجب ؟ العنف الذي ليس له فاعل ولا مُعنِّف بل هو النظام ككل ؟. مثال جيد على ما يقصده فيلسوفنا هنا هو سؤال من هو المسؤول عن جرائم الشيوعية ؟ هل هو ستالين ؟ لينين ؟ البيان الشيوعي ؟ روسو ؟ أو حتى أفلاطون ؟. مثال آخر عندما ننظر للملايين التي قضت نحبها بسبب عولمة الرأسمالية من مأساة المكسيك في القرن السادس عشر و الهولوكوست البلجيكي في الكونغو و غيرها , كل هذه الأحداث حدثت نتيجة عملية غَرَضية لم يخطط لها أحد فلم يوجد هناك ” مانفيستو ” رأسمالي  بل في الواقع إن ملك بلجيكا ليبولد الثاني في وقت الهولوكوست في الكونغو كان يعتبر إنسانويا عظيما.

 

  • التسامح كتصنيف أيديولوجي:

” لماذا نفكر في الكثير من المشاكل اليوم أنها مشكلة متعلقة بالتسامح ؟ لا مشكلة متعلقة بعدم المساواة , بالاستغلال , بالظلم ؟ ”  سلافوي جيجيك يعتبر أن التسامح كلمة ناقصة فهي لا تعني شيئا حاليا سوى عكس المضايقة ليؤكد جيجيك ان الفهم الصحيح للتسامح هو انه تصنيف أيديولوجي فالإجابة  المباشرة على الأسئلة السابقة هي في التعددية الثقافية للسياسة , حيث تصبح الفروقات السياسية المحكومة بعدم المساواة السياسية و الاستغلال الإقتصادي تُحيّد و تُصهرر ضمن الإختلاف الثقافي و الإشكال هنا ان الإختلاف الثقافي يعتبر شكل من أشكال ” اختلاف أساليب الحياة ” و هذا ما لا يمكن تخطيه فقط يمكن التعامل معها عن طريق ” التسامح ” و هذا ما أسماه والتر بينيامين ” تسييس الثقافات ” و لدى جيجيك سبب هذا التسييس الثقافي هو فشل دولة الرفاه أو المشاريع الاشتراكية ليحل التسامح كبديلا عنها. فيما بعد قام صامويل هنتجتون بوضع صيغة لهذا التسييس الثقافي باعتباره أن مشكلة الصراع في زمننا الحالي في في ” صراع الحضارات” في أطروحته الشهيرة التي أسماها جيجيك ” داء هنتجتون في زمننا ” كما يضعها صاميول بأن بعد الحرب الباردة تم إزالة ” الستار الحديدي للأيديولوجيا ” و استبدالها بستار الثقافات و التي تبدو مخالفة للمفهوم الفوكويامي القائل بنهاية التاريخ و انتصار الديموقراطية الليبرالية . سلافوي جيجيك يرى بأن التعددية الثقافية الخالصة غير ممكنة بشكلها الحالي و أن اليمينيين في أوروبا الذي يدعمون التسيد الثقافي داخل الدولة محقين فليس كافياً بوجهة نظره القول بأن بإمكان كل طرف الحصول على مجاله الثقافي ليعيش فيه و أن كل ما نحتاجه هو مساحة قانونية محايدة, فإذا أردنا فعلا القول بالتعدد الثقافي فنحتاج أكثر من ذلك نحتاج إلى عوامل مشتركة ظاهرة و واضحة و نحتاج لبناء ما يسميه هو ” أعراف توافقية يومية ” كما قال جورج أورويل في الثلاثينات.

 

 

Advertisements

الفن بين التسييس و الثورية عند هربرت ماركيوز

herbert-marcuse

“الهدف الأساسي من الخيال الفني هو شل قوى القمع و السلب و التغلب على الخصام الدائم مع الواقع” – هربرت ماركيوز

لنفهم اتجاه هربرت ماركيوز في تسييس الفن و ثوريته يجب أن نأخذ بعين الإعتبار مفهوم ” ذاتية الفن ” الذي يتحدث عنه هوركهايمر قائلا بأن الشعور الجمالي يتطلب حالة من الاستقلال المنفصلة من الخوف , المهانة , الكرامة لكن في نفس الوقت ذاتية الفن او الفن للفن تجرد الفن من السياق التاريخي و هذا ما يعني استحالة أن يقدم العمل الفني شيئا ذو قيمة معنوية. و هذا ما كتبه أدورنو بأن ” تعريف ماهو فن يرشده بصورة أولية ما كانه هذا الفن في ما مضى لكنه لا يجعل نفسه شرعيًا إلا عن طريق ربط نفسه بما أصبح عليه ,  و إلاعن طريق ترك نفسه مفتوحا على ما يسعى إلى أن يصير إليه  ,  وقد يكون بمستطاعه أن يصير إليه “. اذا نحن مُطالبين بفهم دور الفن في المجتمع و علاقته بالدولة ,و كان هربرت ماركوز نقد المفهوم الفني في الماركسية قائلا : ” متجاهلا وظيفته الأصلية بوصفه رفضا للواقع الراسخ و تباعُدًا عنه بينما في الرأسمالية يفقد الفن وظيفته كأداة نقدية و يندمج بالنظام القائم بدلا من أن يحاربه ” فهو يعبر عن الفن المُعبّر عن الإيدولوجيا بالزيف أقرب منه للفن لأنه لا يؤدي دوره كرفض للواقع.

  • نقد الاتجاه الفني للماركسية

يصف ماركيوز المفهوم الجمالي في الماركسية بأنه برغماتي, حيث أنه يعبر عن أداة في التنظير الإجتماعي. فمقولة لينين ” ان الدور الحقيقي للفن في المجتمع هو جزء من آلة الدولة الاشتراكية ” كانت مرفوضة من أغلب الفلاسفة الفرانكفورتية. و قدم ماركيوز نقدا خاصا في كتاب ” الماركسية السوفييتية ” بأن الفن وُضع في إطار لتقويم قيمة العمل الفني. هذا الإطار يتلخص في أن يكون مدى فعالية العمل الفني في بناء واقع اشتراكي منظم و مدى التركيز الايدولوجي و ثالثا هو تقييم العمل مرتبط  بالعامة كما كان يرى لينين بأن الأدب هو أدب البروليتاريا. و هذا ما يشرحه ألكسي ميتشكو في كتاب ” المبادئ الأساسية للادب السوفييتي ” بأن دور التخليق في الدولة الإشتراكية أصبح بيد الشعب و أنه الطابع أو السمة الرئيسية للثورة الإشتراكية و هذا ما يرفضه ماركيوز بشدة قائلا ” إذا كان معنى النظرة البروليتارية إلى العالم يعني تلك النظرة إلى العالم التي تسود بين صفوف الطبقة العاملة, فإن ذلك يعني في البلدان الرأسمالية المتقدمة , نظرة إلى العالم يشترك فيها قسم ضخم من الطبقات الأخرى ولا سيما المتوسطة منها و إذا كان ذلك يدل على الوعي الثوري , فلا شك إذًا أنه في الوقت الحاضى ليس برروليتاريا كسمة مميزة أو حتى بصورة سائدة , ليس لأن الثورة ضد الرأسمالية تزيد و تختلف عن مجرد ثورة بروليتارية فقط ! , بل كذلك لأن شروطها و آفاقها لا يمكن صياغتها بصورة وافية في إطار ثورة بروليتارية ”

  • ثورية الفن

” الفن ليس إلا أسلوب حياة و أساليب الحياة عبارة عن انعكاس للواقع و خلق لاينقسمان عن بعضهما البعض” من هذا المبدأ الذي وضعه جارودي انطلق ماركيوز في مسألة ” ثورية الفن ” من خلال ربط الإزدهار الجمالي و الإضطراب باعتباره نضالا أيدولوجيا بدونه كل تحرير للعقل محاولة عمياء و مهزومة بذاتها. حيث ان الإفصاح عن الاستياء الشعبي يتم من خلال الفن و هذا ما يسميه ماركيوز بال(Receptive act) أو فعل التلقي و هو ليس الفعل مُتلقى بحد ذاته و إنما هو الفعل الناتج عن تغير الوعي نتيجة الرسالة الفنية في الأساس. يقول ماركيوز في كتاب البعد الجمالي : ” يمكننا تفسير الشكل الجمالي على أنه نتيجة لتحول تاريخي , سياسي , اجتماعي إلى مضمون ذاتي كقصيدة , مسرحية إلخ .. في هذه الحالة يتم تصعيد الجوهر الإنساني و الإمساك به في لحظة التلقي فيحدث التحول الجمالي عبر إعادة التشكيل للغة و الإدراك و الفهم بحيث يتم الكشف عن جوهر المجتمع في مظهره و طاقاته المكبوتة , و ذلك من شأنه أن يُعيد تقديم الحقيقة”.فالفن يعكس الواقع يخلص الإنسان من التفاصيل و يقف عند ماهو جوهري لينقذ الإنسان من الإنعكاس التام للاحاديث اليومية.

العقلانية: بين لوكاش و فيبر

Untitled-1

وصف ماكس فيبر مجتمع الحداثة بأنه ” قفص حديدي ” تبعا لنظريته القائلة بفقدان الحرية داخل ذلك المجتمع. و حدد فيبر اتجاهان أديا إلى عقلنة هذا المجتمع هما تمايز مجالات القيم الثقافية و الذي أدى إلى ” فقدان المعنى ” و الاتجاه الثاني ” استقلال الانظمة الثانوية للفعل العقلاني ” كما يسميها أستاذ الفلسفة السوداني هشام عمر النور و التي أدت لفقدان الحرية و تحويل مجالات الحياة الأخرى إلى أنظمة ثانوية تابعة لهذا الفعل العقلاتي لتُنحى الاخلاقيات و ارادة الأفراد لمصلحة البيروقراطية. و أن هذا التحول السيادي للعقل الغائي هو نتيجة لا مناص منها و جوهر ضروي في الحداثة طالما عقلنة المجتمع تحتاج لسيادة العقل الغائي بالضرورة لتجري الأمور بعيدا عن إرادة الناس و اختياراتهم. بينما يرى جورج لوكاش في رؤية سيادة الفعل العقلاني كأمر طارئ عليه و مؤقت و غير مرتبط بعقلنة المجتمع بشكل مباشر و إنما بأحد الممكنات التاريخية لهذه العقلنة قاصدا بها الرأسمالية. التي تعاني هي الأخرى مما اطلق عليه لوكاش ” التشيؤ ” يقصد بها اختلال التوازن بين العوالم الثلاثة العالم ” الموضوعي ” و العالم ” الاجتماعي ” و ” الذاتي ”  نتيجة استعمال الرأسمالية للتجارب و العلاقات الفردية كأداة. ففي كتابه الشهير التاريخ و الوعي الطبقي يقول بأن المجتمع هو تاريخ التحول المستمر للموضوعية كأنماط أو أشكال و التي بداخلها يتحقق التفاعل الإنساني و حديثه عن تشيؤ الطبقة البرجوازية لتلخص الموضوعية في نمط علاقات معين داخل المجتمع.

نفرّق بين فيبر و لوكاش بأن فيبر اعتبر الفعل المُعقلن داخل الأنظمة البيروقراطية  طابعا و عاملا وضروة لعقلنة المجتمع الحديث. بينما لوكاش يتفق مع فيبر في تعريفه للعقلانية و لكنه يختلف في الأدوات بأنه يهمش الفعل العقلاني و يربط عقلنة المجتمع بالرأسمالية.