إبتهال من أجل البقاء

zp_audre-lorde-in-berlin_1984_photograph-c2a9-dagmar-schultz

قصيدة مترجمة بعنوان : إبتهالٌ من أجل البقاء، للشاعرة والمفكرة والناشطة أودري لورد –

إلى أولئك الذين يعيشون منا على الشاطئ

واقفون على حافّة القرارِ الساكنة

يقفون وحيدين بموقفٍ عصيب

إلى أولئك الذين لا يتساهلون مع

حلمهم العابر لإتخاذ قرار ما

الذين يُحبون في الساعات بين الأفْجُر

الدخول والخروج عند المداخل

يتبصّرون ما بالداخل وما بالخارج

مرةٌ قبلْ ومرةٌ بعد

باحثين عن لحظةِ آنٍ بإمكانها إنجاب المستقبل

مثل الخبز في أفواهِ أولادنا

حتى لا تنعِكس أحلامُهم على موتِ أحلامِنا

إلى الذين هم منا

وقد دُمِغ الخوف على قلوبهم

مثل خطٍّ باهتٍ في منتصف جِباهنا

نتعلّم الخوفَ مع حليب الأمهات

ومن خلال هذا السلاح

من خلال هذا الوهم ومن أجل إيجاد الأمان

تأمّل أولئك الثّقلاء أن يٌخرسوا أفواهنا

هذه اللحظة وهذا الإنتصار بالنسبة لنا جميعاً

لم تكن تعني يوماً أنه مُقدّرٌ لنا البقاء

*

وعندما تشرق الشمسُ، نخاف

أنّها لن تبقى

وعندما تغْرُب الشمسُ، نخاف

أنّها لن تشرق في الصباح الآتِ

وعندما تمتلئ بطوننا، نخاف

من تعسّر الهضم

وعندما تخلو بطونُنا، نخاف

أنّ لا نأكلَ مرةً أخرى

عندما يُحبنا أحدهم، نخاف

أنّ هذا الحبّ سيتلاشى

وعندما نُصاب بالوحدة، نخاف

من رحيلِ الحبِّ بلا عودة

وعندما نتحدّثُ، نخاف

من أن لا يلقي أحدٌ لكلماتنا السّمع

وأن لا يُرحّب بها أحد

لكننا رغم ذلك، عندما نصمُت

ما زِلنا نخاف

لذلك، خيرٌ لنا أن نتحدث مُتذّكرين

أننا لم يكن مُقدّرٌ لنا البقاءْ

*

Advertisements

عن العزلة وأصول التوتاليتارية – جان لوك غودار

تجربتي الثالثة في ترجمة الفيديو، وهذه المرة مقطع للمخرج الفرنسي العظيم جان لوك غودار وهو يقدم مونولوج عن العزلة أصول التوتاليتارية مستوحىً من أعمال الفيلسوفة حنة أرنت. يُذكر أن المشهد مجتزء من فيلم ” ما زلنا هنا ” للمخرجة الفرنسية آن ميفييل من إنتاج عام 1997.

 

تحديقة عوليس – عبدالله حبيب

 

ليس “عوليس” في عنوان الفيلم هو عوليس “إلياذة” هومر Homer، ولا “عوليس” جيمس جويس James Joyce أو نيكوس كازانتزاكي Nikos Kazantzakis (مادام المخرج مهتماً بالتاريخ والزمن في كافة أفلامه) كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى. في الحقيقة ليس هناك شخصية باسم “عوليس” في الفيلم الذي لا تدور أحداثه أصلاً في عصر الملاحم الإغريقية مثلاً، بل في تسعينيات القرن الماضي. وبذلك فإن الاسم الأسطوري العتيد “عوليس” قد يكون الكاميرا الملحميَّة التي تقدِّم لمدة ثلاث ساعات تقريباً رؤيا هومريَّة معاصرة لتاريخ حديث لكنه غارق في ضباب ملغز مثل ضباب الأسطورة الإغريقية القديمة. أو قد يكون “عوليس” هو التجسيد الرمزي في بطل العمل، أي شخصية المخرج السينمائي اليوناني الذي قام بدورها باقتدار استثنائي هارفي كيتيل، والتي ليس لها اسم في الفيلم نفسه؛ ولكن عندما ينتهي الفيلم، وتظهر “التترات” حاملة أسماء الممثلين مقابل أسماء الشخصيات التي قاموا بأدوارها فإننا نكتشف للمرة الأولى أن هارفي كيتيل قد قام بدور شخصية تدعى “أ”!. وبما أن “أ” هو أول حروف اسم “أنغِلوبولُس” المخرج، فربما كان “عوليس” الفيلم هو أنغِلوبولُس نفسه، خاصة وأن هذا المخرج معروف ببصماته البيوغرافية في أفلامه. ولكن، أليس من شأن تسمية شخص بحرف واحد فقط هو الحرف الأول من اسمه أن يُذَكِّر المرء تلقائياً بمبدع كبير آخر، أعني كافكا Kafka الذي أسمى إحدى شخصياته في عدة أعمال بالحرف الأول من اسمه: “ك”؛ نعم إنه “ك” الذي تاهَ في زمن “القلعة” الملغز مثلاً، والذي يتوه عندما تكون فكرة الرحلة- كما هو الحال في “تحديقة عوليس”- بنية للحبكة السردية. أنحن هنا، إذن، بصدد فيلم ٍهومريٍّ مُعَمَّدٍ ببصيرة كافكاويَّة؟. أعتقد أن الأمر كذلك.
يسرد فيلم “تحديقة عوليس”، إذن، قصة مخرج سينمائي يوناني يعود إلى بلاده في ليلة ماطرة بعد أن قضى خمساً وثلاثين سنة في المنفى في الولايات المتحدة ليشهد في مدينته الأم العرض الافتتاحي لفيلمه الأخير. نحن لا نعلم شيئاً عن هذا الفيلم، لكننا نعلم أن دخول قصة فيلم في فيلم يأتي بمثابة إلماح أصبح استخدامه مكروراً بعض الشيء في السينما الطليعية والبديلة منذ سينما “الموجة الجديدة” فصاعداً. لكن ينبغي هنا أن نحفل لهذا الأمر لجهة سياقيَّته من حيث ارتباطه بالثيمة الأساس للفيلم التي تنفي فوراً تهمة اللجوء إلى “الكلاشيه” الطليعي. كما أننا، في سياق الفيلم الأكبر الذي نشاهِدُ، نستطيع أن نحدس بمضمون الفيلم الأصغر ذاك حتى ولو لم، ولن، نشاهده، وذلك عبر مشاهدة عشرات من العربات المدرَّعة، ومئات من رجال الشرطة ومكافحة الشغب مدججين بالسلاح والدروع الواقية في شوارع المدينة التي يجري فيها عرض الفيلم الأصغر، ومن خلال معرفتنا- التي تحدث بالتزامن مع معرفة المخرج نفسه من طريق أحد أصدقائه- بأن جميع دور السينما في المدينة قد اعتذرت (أو أُجبرت على “الاعتذار”) عن عرض الفيلم.. تكفينا كل هذه المعطيات، إذن، من أجل استنتاج أن الفيلم مثير للجدل من الناحية السياسية. ولذلك لم يكن هناك بديل لإقامة العرض السينمائي في الهواء الطلق على الرغم من هطول الأمطار الغزيرة. ويا لهذا من مَجَازٍ حاذق وكثيف لدور الطبيعة في أفلام أنجيلوبولس (سأعود إلى هذه النقطة لاحقاً). 
لا تنقل لنا كاميرا الفيلم الأكبر شيئاً من أحداث الفيلم الأصغر على الإطلاق، بل تكتفي بأن ترينا التوتر الذي يتسبب به الثاني من خلال تقابُل المعترضين عليه ومؤيديه؛ إي تلك الحشود التي تشاهده تحت المطر باستغراق يبدو مغناطيسياً تحت المظلات الفرديَّة عبر ترتيب المشهد إخراجياً بشيىء من الأسلبة (stylization)؛ ذلك ان الفيلم الأكبر هذا لا يريد أن يُري ما هو مؤسَّس، بل يطمح إلى أن يَرى ما يتأسس. والإلماحة هذي تكفي المُشاهد الفَطِن. ومع فضاء السرد الذي يتسع تحت زخَّات المطر في لقطات تتساوى فيها درجات التركيز البؤري في المناطق الكلاسيكية الثلاث للكادر السينمائي (الخلفيَّة والوسط والمقدمة) فإننا نكون بصدد بعض خصائص لغة أنغِلوبولُس السينمائية: ضَمُّ الزمان والمكان الواقعين في خارج الكادر السينمائي إلى السرد (أو قذف السرد إلى خارج الشاشة)، وإضفاء الصبغة الملحميَّة على اللقطات الكبيرة من خلال استخدام تقنية التركيز البؤري العميق deep focus؛ وهما تقنيتان يقول أنغِلوبولُس في حوار صحفي قديم إنه تعلمهما بالتتابع من الياباني كِنجي مِزوغوتشي Kenji Mizoguchi-الذي تحدث بعض مشاهِدِهِ “خارج” الشاشة حقاً- والأمريكي التشريعي في هذه التقنية أرسُن ويلز Orson Welles في فيلمه الأشهر “المواطن كين” (1941). (وإن كان من الممكن لي الاستطراد فسأقترح بسرعة أن المصوِّر السينمائي الأمريكي العتيد غْرِغ تولَند Gregg Toland الذي لا تذكره إلا قِلّة اليوم، والذي تعاون مع ويلز في “المواطن كين”، يستحق أن يُذْكَرَ بنفس المقدار الذي يُذْكَرُ به ويلز الجدير بالتأكيد بكل احترام. لكن لا بأس في ذلك، فنظرية “المؤلِّف السينمائي”، مثل نظرية السرد ونظرية الأُمَّة ونظرية الدولة، لها ضحياها غير النظريين وغير القليلين أيضاً!)، إضافة إلى التعامل مع الطبيعة (المطر مثلاً) بوصفها عنصراً سردياً فاعلاً وليس ديكوراً مكانياً أو طبيعياً لتزويق السرد بصرياً.
وفي هذه الأثناء يلتقي المخرج السينمائي اليوناني العائد إلى وطنه بعد منفى طويل بامرأة غامضة لا نستطيع أن نعلم الكثير عن علاقته السابقة أو الحاليَّة بها من خلال حديثهما العابر في حنينه وتوتره، خاصة وأن الكاميرا تلتقط لقاءهما بحيادٍ لَقَطاتيٍّ. إن المُشاهدَ هنا مُغَيَّبٌ تماماً عن سؤال الزمن في العلاقة، بل إنه مضطر إلى التساؤل عما إذا كان لذلك أي أهميَّة. غير ان ما يتضح بعد قليل هو أن مناسبة عرض الفيلم الأصغر ليس بِكُلِّ ما أعاد المخرج السينمائي المنفي إلى بلاده في تلك الليلة “السينمائية” الماطرة (هذا إذا كان بين الأمرين أدنى علاقة أصلاً)؛ حيث نبدأ هنا في التعرف إلى ما هو واقع وراء هذا الأثر الطفيف من تقنية الـ”مَجَافِن” MacGuffin في أفلام هِتْشُكُكْ؛ بمعنى الذريعة الحدَثيَّة التي تقدم السرد للوهلة الأولى باعتبارها العنصر السردي الأهم، لكنها لا تلبث إلا أن تنسحب مفسحة المجال لعناصر سرديِّة أخرى سيتضح أن الأهمية تكمن فيها في إرباكها للقارب والصيَّاد والسمك جميعاً (وقد قلت إن ذلك الأثر “طفيف” فحسب لأن الذريعة التي تؤسس السرد هنا لن تنفصل لاحقاً عن جوهر الهاجس الثيماتي؛ فـ”المجافن” هنا ممزوج بـ “الليتموتيف” أو الفكرة الثيماتيَّة المهيمنة من حيث تعاقب ظهورها على الرغم من اختفائها أحياناً). 
يتضح لنا من السرد الفيلميِّ والتاريخي في “تحديقة عوليس”، إذن، انه في بدايات القرن العشرين، وبُعَيْدَ اختراع السينما في نهاية القرن التاسع عشر، كان الأَخَوان ماناكياس Manakias يجوبان منطقة البلقان بحريَّة وانطلاق تامَّين، ويصوران أفلاماً وثائقية حول أنشطة حياة الناس القاطنين فيها. حسن جداً، فالأمر يتعلق بتاريخ السينما في رقعةٍ ما من هذا العالم في نقطة يتعالق معها تاريخ المنطقة نفسه. ولذلك فإني لا أستطيع ابداً أن أغض النظر والسمع والذاكرة عن حقيقة أن اسم “الأخوان ماناكياس” يجلب، تاريخياً، صدى اسمياً للأخوان لوميير Lumière، مخترعا السينما. وفي هذا الصدى ما يقابل أهمية الأخوان ماناكياس التأسيسية على الصعيد البلقاني بأهمية الأخوان لوميير على الصعيد الفرنسي أو الأوروبي.
وفي دأبهما للتوثيق السينمائي للأنشطة الحياتية- اقتصاديَّة واجتماعيّة وثقافيَّة – في البلقان لم يكن الأخوان ماناكياس يُفَرِّقان أو يُمَيِّزان بين سكان المنطقة الواسعة بناء على اعتبارات الدين، أو اللغة، أو اللون، أو الإثنية، أو العرق، أو الطائفة، أو غيرها من الاعتبارات التي نعلم انها ستدخل لاحقاً في تشكيل النسيج الخصائصي للأُمّم التي انبثقت في البلقان؛ ذلك أنهما كانا يتحركان على أرض بلا حدود “سياسية” أو “وطنيَّة” أو “ثقافيَّة” بالمعانى المعاصرة لهذه الكلمات. وفي هذا السياق يتقاطع السرد عدة مرات في “تحديقة عوليس” مع إدخالٍ (insertion) لشريط وثائقي قديم بالأبيض والأسود في نسيج الفيلم الملوَّن نرى فيه نساء يغزلن النسيج بطريقة بدائيَّة كما كانت تفعل النساء في مختلف أنحاء الوطن العربي مثلاً. وليس أمامنا هنا سوى تصديق أننا نشاهد أحد أعمال الأخوان ماناكياس الوثائقية. لقد عاد المخرج إلى بلاده، إذن، لأن لديه مشروعاً لعمل فيلم وثائقي عن ذينك الرائدين السينمائيين في منطقة البلقان يوم كانت البلقان بلقاناً فحسب وليست دولاً وأمماً. وهو قد حصل على معلومات وثيقة مؤدَّاها أن ثلاثة من أشرطتهما التسجيلية السينمائية القصيرة التي لم تُحَمَّض بعد مفقودة، وانها ربما كانت موجودة في الأرشيف الوطني السينمائي في رومانيا، أو في البوسنة، وأنه مقتفٍ أثرها إلى هناك.
أوديسة التحديقة العوليسيَّة
يا له من بحث هائل ذاك الذي سيقود المخرج العائد من المنفى في رحلته الأوديسيَّة من اليونان إلى ألبانيا، ومقدونيا، وبلغراد، ورومانيا، وأوكرانيا، وصربيا، وكرواتيا، والبوسنة. لاشك أنكم لاحظتم معي أن بعض هذه “الدول” لم يكن موجوداً على خريطة “العالم” حين كان الأخوان ماناكياس يصوران أفلامهما الوثائقية في بدايات القرن الماضي وفي نفس المنطقة. بلى، لقد كان الناس هناك، وكانت المواشي هناك، وكانت الأنهار والبحار والأسماك والطحالب والقواقع هناك، وكانت الأحلام والشموس والنجوم والأقمار والخبز والأجبان والنبيذ والآلام هناك، وكان العشّاق وجراحاتهم هناك؛ كانت الأماكن هناك، لكن الدول والحدود السياسية لم تكن هناك؛ ويا له من فرق!. وفي البحث المضني هذا سيستمع المخرج السينمائي، وسنستمع معه بدورنا، إلى عدد كبير من اللغات واللهجات التي تتهجى تاريخاً ممزَّقاً ومسفوحاً في سرد المكان وذاكرة الزمن؛ إذ أن البحث عن الأفلام المفقودة حول الأنشطة الحياتية لسكان منطقة البلقان سيكون بحثاً من خلال السرد السينمائي عن تاريخ المنطقة التي يتشكل فيها الآن تاريخ جديد على أنقاض السرد التاريخي السابق، وعلى أنقاض الذاكرة القديمة.
وفي رحلته من اليونان إلى ألبانيا يستقل المخرج السينمائي اليوناني العائد من المنفى سيارة أجرة يقودها سائقٌ “زورباويُّ” الحساسيِّة والطباع من حيث توفر قنينة المشروب وكرعها أثناء القيادة على الطريق الجبليَّة الخطرة، ومن حيث توافر اللسان اللاذع بكميَّة وفيرة، ومن حيث امكانية الإدلاء بالحكمة البليغة والعفوية، ومن حيث فَوَرَان النزعة الصداقية الفائرة. “إن اليونان تموت!”، هكذا يتفجع السائق “الزورباويُّ” بحشرجةٍ أليمة كانت قد نَخَرَت صدر نيكوس كازانتزاكيس لزمنٍ طويل!. وفي هذه الرحلة التي يستفيق فيها “هوميروس” الإغريقي سينمائيَّاً يساعدُ المخرج السينمائي اليوناني المعاصر امرأة مسنَّة على عبور الحدود بين اليونان وألبانيا بحثاً عن أختها التي تقول انها لم ترها منذ سبع وأربعين سنة؛ فهي مثله منفيَّة أيضاً، وهي مثله تبحث عن زمن ضائع في ما استجدَّ على سرد المكان؛ إذ أن المرأة تلك، في بحثها عن أختها الضائعة والمفقودة، إنما تحاول العثور على مُعادِلها الشخصيِّ للسرد التاريخي الجمعي الذي أصبحت تفصله حدود بين الدول والأمم الجديدة. هذه الإشارة لإقامة الحدود ونفي الإنسان في سرد الأمة وتبرؤ الذاكرة هي قطعاً مُرَاد مشاهدتنا مع المخرج المسافر في الفيلم، وفي التاريخ أيضاً، عشرات من العمال الألبان الذين تم طردهم من مكان عملهم في اليونان إلى بلادهم التي لم يعد فيها “اشتراكية” موهومة ولا يوجد بها “رأسمالية” واهمة. إنها لحظة طاحنة ومطحونة معاً؛ فقد كان نظام تشاوتشيسكو Ceausescu قد أصرَّ على ضرورة هدم كل الدور العبادة اليهودية (المعابد) والمسيحية (الكنائس) والإسلامية (المساجد). غير أنه في ألبانيا تلك تحديداً ها هي المرأة العجوز تترجَّلُ من السيارة في ساحة المدينة الحدوديَّة حيث نسمع معها في الخلفية الزمانيّة لذاكرة الفيلم أذاناً يُرفع وآيات قرآنية تُتلى مُذَكِّرة بأحد مكونات السرد الثقافي لتاريخ المنطقة.
وبعد أن تكون السماء قد أمطرت لدى عودة المخرج السينمائي اليوناني المنفي إلى بلاده في بداية الفيلم، تواصل الطبيعة حضورها الغامر في السرد على اثر مغادرة السيارة إلى ألبانيا، حيث نرى عبر لقطات بانوراميَّة الجبال المغطاة بالثلوج وهي تشكل لوحة مقفرة، وشاحبة، و”باردة” في ما هو مثال نموذجي لدور الطبيعة في السرد لدى أنغِلوبولُس؛ حيث غالباً ما تقوم الطبيعة لديه مقام الشخصية الموازية، وذلك من حيث تعبير الطبيعة عما يعتمل في أعماق الشخصيات الآدمية التي تسافر فيها وعبرها وتجوس. وهذا يختلف تماماً عما يحدث في أفلام مخرج سينمائي كبير يهتم بالطبيعة اهتماماً خاصاً؛ أعني الياباني أكيرا كوروساوا Akira Kurosawa الذي يلجأ إلى الطبيعة من باب النذير والتكهن والاستباق والتنبوء، بمعنى أن هبوب عاصفة في أفلامه “الساموراييَّة” خاصةً يعني أن العاصفة القوية في هذا المشهد ستتبعها قريباً معركة ضروس في المشهد التالي أو الذي بعده (فيلمه الأشهر “الساموراي السبعة” (1954) مثلاً). لدى أنجيلوبولس، إذن، تفصح الطبيعة عن جوانيَّة الشخصيات ومناخاتها غير المرئيَّة، وأحياناً غير المعروفة، الغائرة، كما أنها تبوح بما يعتمل في روح المكان وذاكرته. وفي ذلك فإن عناصر الطبيعة في السرد السينمائي لدى أنغِلوبولُس عناصر شتائيَّة في الغالب: المطر أو الرذاذ؛ البَرَدُ أو الثلج؛ الصقيع؛ الضباب أو الغيوم؛ السَّديم؛ الوحل؛ والستائر البيضاء التي تحركها الريح في ما يبدو إنه لمسةُ تقديرٍ وعرفان (homage) إلى بيرغمَن Berman وتاركوفسكي المعروفين بولعهما بلقطات الستائر البيض التي يحركها الهواء. والحقيقة أن فيلم أنغِلوبولُس “منظر طبيعي في السديم” (1988) كان بمثابة عرض عملي للقوة الإبداعية في القدرة على إنطاق تلك العناصر بصورة بليغة للغاية.
وإشراك الطبيعة في السرد والذاكرة في “تحديقة عوليس” إنما يتم بصريَّاً عبر طرائق من قبيل الاعتماد على العدسات العريضة، ولقطات الرافعة في تحركها أفقياً ورأسياً، يميناً ويساراً، أماماً وخلفاً، على المِحور. وفي هذا فإن النَّفَس الملحمي لبصريات الفيلم عَزَّزَه الاقتصاد في القطع، وتكريس اللقطات الطويلة والكبيرة التي تنتقل مباشرة إلى تالياتها من دون كثير إضاءات تدريجية (fade-ins) أو أفولات تدريجية (fade-outs) للكادرات الأولى والأخيرة من كل لقطة. ولن يكون من الإنصاف الحديث عن الحضور الجمالي الاستثنائي للطبيعة لدى أنغِلوبولُس من دون ذكر الدور الذي قام به المصور السينمائي البارع يورغوس أرفانيتيس Yorgos Arvanitis (تماماً كما اعتقدتُ في مكان سابق من هذه المادة إنه من غير الإنصاف ذكر أرسون ويلز من دون الإشارة إلى غْرِغْ تولَند). 
وفي ألبانيا يتجه المخرج السينمائي اليوناني العائد من المنفى إلى رحلة عبر ذاكرة السرد والمكان والأُمَّة والزمان إلى مقر الأرشيف الوطني للسينما، لكنه لا يجد ما يعنيه كثيراً في ما يخص أشرطة الأخوان ماناكياس المفقودة، بل يجد بدلاً من ذلك المرأة الغامضة التي قابلها فور العودة إلى بلاده وقد تجسدت في شخصية امرأة أخرى. وسوف تواصل المرأة الغامضة هذي تناسخها المتجدد دوماً بظلال مختلفة لكل شخصية في المحطات القادمة من رحلة المخرج. إنها الإنسان نفسه وقد أصبح تمرئياً حنينيَّاً مثل السرد والزمان والمكان والأمة (وقد قيل كلام كثير في نظرية السينما سلباً وإيجاباً حول شَخْصَنَةِ الأمة في شخصية المرأة). والمرأة هذي، في الحقيقة، تُذَكِّرُ المرء إلى حدٍّ ما بالتمرئيات المختلفة لزوجة الراوي في فيلم “المرآة” لتاركوفسكي (1975)؛ غير أن المرأة ذي تجلب معها أيضاً أصداء وترانيم فِقْدٍ غائرٍ لعلاقات بعيدة من التاريخ الشخصي للمخرج الذي يعيد الآن التعرف على تعالق ماضيه مع ماضي وسرد وذاكرة المنطقة التي جاء منها. قد تكون تلك المرأة الحبّ الذي يجيء فجأة حيث نرى ما يأتي به من رغبة وحنان في لقطات مقرَّبة واسعة، ولقطات متوسطة، ويختفي فجأة في اللقطات البانوراميَّة الكبيرة التي يتضاءل فيها كل شيىء أمام الحضور الغامر للأرض، محرِّضاً على التنقيب عنه في سياق قراءة الوجدان الجمعي، وسرد الذاكرة الجمعيَّة. كما أن الحضور والغياب اللذين تجسدهما المرأة تلك في صورها وتجلياتها المختلفة إنما يحيلان إلى الطبيعة الجوهريَّة للحب، والعذاب والشفافية اللذين يغلِّفانه بحثاً، ولقاءً، وفراقاً.
أنغِلوبولُس وأوفيد 
وفي منطقة كونزتانسا الرومانيَّة (المكان) يلتقي المخرج بعائلته التي يراها ونراها معه وهي تحتفل بالسنة الجديدة للأعوام من 1945 إلى 1950 (الزمان)، ويحدث ذلك استرسالاً في لقطة واحدة مُتَّصِلة طويلة (sequence shot). ليس هناك “فلاشباك”، ولا تغيير لدرجة اللون أو درجة التركيز البؤري للحقل البصري أو نوعية الفيلم الخام المستخدَم في تصوير تلك اللقطة/المشهد، ولا مزجاً إحلاليَّاً (dissolve) وذلك من أجل الإيحاء بزمنٍ آخر. ليس هناك أي استخدام لأي من تقنيات الانتقال السردي أو الزمني التقليدية، وذلك لأن السرد هنا- ببساطة شديدة- لا “ينتقل” من زمن إلى آخر، بل يوحد زمنين تاريخيين في المكان وفي الزمن السينمائي، حيث أن المخرج حين يدلف إلى البيت القديم لعائلته بثيابه التي عرفناه بها في الفيلم، وبهيئته الفيزيقية والعُمْرِيَّة الحالية، فإنه إنما يدلف إلى الحاضر الأبدي للسرد السينمائي إلى الزمنين التاريخي والعاطفي اللذين كانا يؤثثان البيت من منتصف أربعينيات القرن الماضي وحتى نهايتها. إنها اللحظة الأكثر “كرونوتوبيَّة” بالمعنى الباختيني للكلمة بامتياز شديد في الفيلم، وهي لحظة تدفع الروح فوراً إلى التعلق بأحد أغصان أقرب شجرة في مقبرة من أجل الانتحاب حتى الصباح. والمُخرج بذلك يعود شاهد عيان للذاكرة على ما كان ومن كانوا، تماماً كما عاد العجوز المتقاعد إلى بيت طفولته ليجد كل شيىء كما كان عليه، بمن في ذلك البشر المحتفظون بنفس هيئاتهم الفيزيقية القديمة قبل عقود طويلة من الزمن ولكن في الزمن الحاضر، وذلك في فيلم إنغمار بيرغمَن “الفراولة البريَّة” (1957) الذي يشير معناه المستتر في السويدية إلى “الذهاب إلى مكانٍ بعيد”، والذي يسرد بدوره قصة “رحلة” إلى الماضي. لكن الدخول إلى المكان الأليف (بالمعنى الباشلاريِّ للتعبير) في “تحديقة عوليس” هو أيضاً دخول في منفى الزمن وذاكرة السرد والمكان التاريخي. ولعلها ليست صدفة ان منطقة كونزتانسا التي تقوم فيها هذه القيامة السرديَّة الآن هي نفسها المنطقة التي نُفِيَ إليها أوفيد Ovid الشاعر صاحب “تَحَوُّل الكائنات” (هكذا يقترح أدونيس ترجمة العنوان عوضاً عن الترجمة العربية القديمة له وهي “مَسْخُ الكائنات”)، وذلك يوم كانت المنطقة هذي تقع على أطراف الامبراطورية الرومانية البائدة.
وفي واحد من أقوى مشاهد الفيلم يسافر المخرج إلى بلغراد عبر نهر الدانوب في مركب شحن لا يحمل غيره سوى قبطانه وتمثال عملاق مهشَّم لِلينين Lenin ترقد أوصاله على طول سطح المركب، بينما المخرج متكىء إلى إحدى تلك المِزَق الخرسانيَّة وهو يقرأ كتاباً. يا للمشهد الرهيب حقاً الذي يقرأ فيه المبدع سرداً مهشِّماً ومهشَّماً ومغدوراً لمشروع تاريخي ضخم لم يُقَيَّض له الاكتمال؛ فمشروع الأمَّة والذاكرة الجديدة للسرد لمشروع غير مكتمل دوماً وأبداً على الرغم من كل شيىء. وفي ما قد يكون العاصمة الصربيَّة أو بوخارست يلتقي المخرج بصديقٍ صحفيٍّ قديم حيث يكرعان ذكرياتهما في حانة، ثم يخرجان في حالة تَرَنُّحٍ إلى الشارع المقفر وهما يشربان أنخاب شخصيات رحلت بعد أن تركت بصماتها على السينما والأدب والفكر الثوري في قصة وذاكرة القرن العشرين مثل أرسون ويلز، ودريير Dreyer، ودوستويفسكي Dostoyevsky، ومايكوفسكي Mayakovsky، وتشي غيفارا Che Guevara.
ويصل المخرج بعد ساعتين من الزمن الفيلمي إلى المحطة النهائية لرحلته، أي سراييفو التي نراها وهي تحترق بنيران الحرب المسعورة. “أهذه هي سراييفو؟!”، هكذا يسأل المخرج أحد المارَّة الهاربين من نيران القصف المجنون وذلك من باب الدهشة لفظاعة ما يحدث وليس من باب رغبة المسافر في التيقن من محطَّته. “أهذه هي سراييفو؟!” سؤال استنكاري يُلَخِّص حال المدينة وسردها الجديد، وذاكرتها الجديدة. وسأتجرأ هنا على القول بأن هذا السؤال البسيط والجارح الذي يستهلُّ الفصل البوسنيَّ من الفيلم يَبُزُّ كامل فيلم “تحت الأرض” (1996) للمخرج البوسني أمير كوستريكا Emir Kusturica الذي كان فيلمه المخيِّب للآمال من الناحية الأخلاقيَّة والسياسيَّة كرنفالاً باذخاً من الصور يتحاشى الإدانة، بل إنه يرينا صوراً من مآسي تلك الحرب- المُجْمَع على بواعثها الدينيَّة والعرقيَّة- في مجسَّمات لكنائس تحترق!. إنه “إلقاء اللوم على الضحيَّة” كما قال إدوَرد سعيد Edward Said في سياق مختلف ولكن ليس بالكامل. لقد كان “تحت الأرض” فيلماً جعل كوستريكا يستحق بجدارة مؤسفة اللقب الذي أطلقه عليه أبناء بلده: “رايفنشتالُ كرادتش!”، الأولى نسبة إلى المخرجة السينمائية الألمانية النازيَّة ليني رايفنشتال Leni Riefenstahl التي كان هتلر Hitler يتباهى بها باعتبارها “امرأتي الألمانيَّة المثاليَّة”، والثاني نسبة إلى مجرم الحرب الصِّربي رادوفان كارادِتش Radovan Karadžić. (وإن أنتم سمحتم لي مشكورين باستطرادٍ شخصيٍّ صغير فسأبوح إني كنت مقيماً في مسقط يوم فاز فيلم “تحت الأرض” بجائزة مهرجان كان السينمائي. ولأن أهل البوسنة كانوا يُذبحون ويُغتصبون ويُطمرون في المقابر الجماعيَّة في ذلك الوقت، ولأني معجب بأفلام كوستريكا السابقة خاصة “زمن للغجر” (1989) فقد سارعت إلى كتابة مقالة بعينين مغرورقتين بالرماد والدموع على شكل رسالة تهنئة لكوستريكا، حيث اعتبرتُ فوز فيلمه في المهرجان العتيد نصراً ثقافياً للبوسنة في الوقت الذي كان فيه أهلها يُبادون عبر تلك المجازر الرهيبة. لكن قبيل تسليم مقالتي/التهنئة للنشر في إحدى الصحف العمانية، والتي لم أتعرض فيها للفيلم نفسه لأني ببساطة لم أشاهده بل كتبت حول السياق الثقافي والفكري والسياسي الذي يتموضع فيه فوز الفيلم بجائزة عالمية كبرى، خطر لي فجأة انه من الحماقة أن أنشر مادة باعِثها فيلمٌ لم أشاهده حتى وإن كنت “أحترمُ” المخرج و”أَثِقُ” به. بهذا تراجعت في اللحظة الأخيرة عن نشر المادة. وحين سافرت إلى الولايات المتحدة بعد ذلك كان من أوائل الأشياء التي فعلتُ مشاهدة فيلم “تحت الأرض” التي سبَّبت لي ليلة طويلة من الغضب والخذلان والمرارة. لكني، على الأقل، شعرت بسعادة رمزيَّة أني لم أنشر تلك المادة التي مزَّقتُها في نفس الليلة من غير أدنى أسف).
لكن، عودة إلى سراييفو التي تحترق، في التاريخ وفي فيلم “تحديقة عوليس”، ثَمَّةَ في المدينة قبو يحتوي على ما أمكن إنقاذه من الإرشيف السينمائي. ومن ضمن محفوظات هذا الأرشيف توجد فعلاً الأشرطة السينمائية الثلاثة للأَخوين ماناكياس التي تم تصويرها في بدايات القرن الماضي التي يبحث عنها المخرج اليوناني العائد من المنفى، ولم يخطر ببال الأَخوان ماناكياس يومها انهما كانا يحفظان جزءاً من ذاكرة القرن التي ستهشم نفسها في تفاقم السرد البربري لدولة الأمَّة أو دولة الشعب في أوروبا، حيث يلتقي المخرج بالقَيِّم على الأرشيف الذي قام بدوره باقتدار معهود السويدي إرلاند جوزيفسُن Erland Josephson الذي يقترن اسمه ببعض أهم أفلام بيرغمَن. (وللمفارقة ذات المغزى فإن دور القيِّم على الإرشيف هذا كان في الأصل مناطاً بالممثل الإيطالي الطليعي جيان ماريا فولونتي Gian Maria Volonte الذي مات فجأة أثناء تصوير الفيلم، فاستُبدل بجوزيفسُن الذي كان قد حلَّ محل الممثل الروسي أناتُلي سولونيزين Anatoli Solonizyn الذي توفي فجأة عندما كان يتهيأ للقيام بالدور الرئيس في فيلم تاركوفسكي الوداعي “القربان” [1985] الذي لم يحضر تاركوفسكي عرضه الجماهيري الأول لأنه نفسه مات فور الانتهاء من عمل مونتاج الفيلم الذي كان قد أهداه إلى ولده. ولذلك أهدى أنغِلوبولُس “تحديقة عوليس” إلى ذكرى فولنتي).
لكن عودة إلى القيِّم على الأرشيف السينمائي في سراييفو فيتم اعتقاله، ويلاقي حتفه رمياً برصاص الإعدام من دون محاكمة، والذي نسمع دويه من دون أن نتمكن من رؤية وجوه القتلة بسبب الضباب الكثيف الذي هو أيضاً ضباب الذاكرة في الإنسان، وضباب النسيان والسرد السياسي والتاريخي الجديد، وإن كانت هويَّات أولئك القَتَلَة قد كشفها تجهيز أسيرهم للقتل بعبارات مقتبسة من الأدبيات المأتميَّة المسيحية. 
لقد حدث ذلك كله بصورة ملحميَّة، هومريَّة وكافكاويَّة، في الضباب الكثيف الذي يمتد من الكادر السينمائي في فيلم “تحديقة عوليس” ليغَلِّف بالكامل الفصل الجديد من سرد الأُمَّة حيث هناك إنسانٌ ونسيان، وحيث هناك، في المقابل، بَشَرٌ يُقتَلون، وحيث هناك سرد جديد وأمم جديدة وحدود دوليَّة يتم ترسيمها بالدم والنار على آثار خطوات الأَخوين ماناكياس اللذين كانا يتنقلان عبر أنحاء المنطقة نفسها لنقل سرد المكان عبر سرد السينما بلا جوازات سفر.

 

بحث خاص بالأستاذ الناقد السينمائي عبدالله حبيب وأعيد نشره لأهميته.

في السياسة و الإستطيقا – جاك رانسيير

 

– هذه ترجمة للفصل الثالث من كتاب رانسيير الاختلاف: في السياسة و الإستطيقا

*سأشير لحقوق الإنسان كفكرة عامة دون استخدام علامات تنصيص، أما “حقوق الإنسان” فهي تعني التصور الليبرالي لحقوق الإنسان، أي حقوق الإنسان بمعناها الحديث.

 

السؤال المطروح من خلال العنوان حصل على شرعية جديدة خلال العقد الأخير من القرن العشرين . فقد جددت للتو الحركات المنشقة عن الاتحاد السوفيتي و أوروبا الشرقية حقوق الإنسان، أو “حقوق الإنسان”، وبعد فترة قصيرة، في السبعينات و الثمانينات ، و بما أن تعميم هذه الحقوق قد كان أحد أول أهداف ماركس الشاب، فإن هذا التجديد قد حصل على أهمية مضافة. و في الوقت الذي انهارت فيه الإمبراطورية الروسية، بدا و كأن هذه الحقوق قد أتت لتحصل على انتقامها، و بدأت تظهر كعنصر أساسي لحركة لا يمكن قمعها مؤدية إلى عالم ما ـ بعد ـ تاريخي تسير فيه الديمقراطية العالمية يدا بيد مع السوق العالمية للاقتصاد الليبرالي.

نعلم بأن الأمور لم تصبح بتلك الطريقة تماما. ففي السنين اللاحقة، فالمشهد الجديد للإنسانية، المحرر من التوليتاريا الطوباوية، تحول إلى حلبة مليئة بصراعات و مذابح عرقية جديدة، بأصولية دينية، و حركات عنصرية و معادية للأجانب. أثبتت أرضية الإنسانية ” ماـ بعد ـ التاريخية” بأنها تلك التي تحمل صورة جديدة للاإنساني. و اتضح بأن حقوق الإنسان هي حقوق من لا حقوق لهم، السكان المطاردين من ديارهم، الملاحقين حتى يخرجوا من أراضيهم، و المهددين بالتطهير العرقي. هذه الحقوق المزعومة، تقدم نفسها باستمرار على أنها حقوق الضحايا، حقوق من هم غير قادرين على ممارسة حقوقهم، أو حتى المطالبة بها باسمهم، و لهذا السبب بالنهاية، لابد من يقوم آخرون بتأييدها. ثمن فعل ذلك كان هو تحطيم صرح الحقوق الدولية، الذي تم القيام به باسم الحق الجديد ب “التدخل الإنسانوي” والذي ليس هو إلا الحق بالغزو.

ظهر ارتياب جديد: ماذا يكمن خلف هذا التحول من الإنسان إلى الإنساني، ومن الإنساني إلى الإنسانوي؟ الموضوع الحقيقي لحقوق الإنسان تحول إلى ذلك المتعلق ب” حقوق الإنسان” . و لكن الادعاءات التي تمت باسم هذه الحقوق بدت على أنها منحازة و مشوهة. لم يعد من الممكن إحياء النقد الماركسي، و كما يتضح، فإن صورة أخرى من الارتياب قد تم إحياؤها في محلها: بالتحديد، بأن ” الإنسان ” في حقوق الإنسان كان مجرد تجريد ، و بأن الحقوق الفعلية تنتمي ل “مواطنين” ، بأن الحقوق متصلة بمجتمع وطني.

هذا التصريح الجدلي نفسه، قام له أولا إدموند بيرك ضدا للثورة الفرنسية، و تم إحياؤه بعد ذلك، و لعل أهم ما تم بذلك الصدد، كان عبر حنة أرندت في كتابها الذي يحمل عنوان” أصول التوليتارية” في الفصل المخصص عن “التشوش في حقوق الإنسان”، تساوي حنة بين “تجريد” حقوق الإنسان و الموقف الواقعي للسكان اللاجئين في أنحاء أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى. فهي ترى بأن هؤلاء السكان حرموا من حقوقهم لأنهم كانوا مكونين من “ناس” فقط دون وجود أي مجتمع وطني لضمان تلك الحقوق. وجدت أرندت في هؤلاء “الناس” “الجسد الذي يطابق الطبيعة التجريدية ل”حقوق الإنسان”. وهي تعبر عن المفارقة كما يلي: حقوق الإنسان هي حقوق من هم ليسوا سوى “كائنات بشرية” ، و الملكية الوحيدة المتبقية لديهم تكمن في كونهم بشرا على تلك الصورة. بعبارة أخرى ، هي حقوق أولئك الذين لا يحملون أية حقوق، مجرد محاكاة ساخرة لكل الحقوق.

إمكانية وجود هذه المعادلة يكمن في تعريف أرندت للمجال السياسي على أنه حقل محدد مفصول عن ذلك المرتبط بالحاجة.

ضمن هذا الإطار، الحياة المجردة يمكن أن تعني “الحياة المنزوعة” ، “حياة خاصة” محاصرة ب ” تفاهتها، مقارنة بحياة العمل العام، التعبير، و المظهر. في الحقيقة، فإن نقد هذه الحقوق “التجريدية” هو نقد للديمقراطية. فهو مبني على فكرة أن الديمقراطية الحديثة أفسدت منذ البداية بسبب شفقة الثوار على الضعفاء. بعبارة أخرى، بسبب الخلط بين بين نوعين من الحرية، الحرية السياسية، في مقابل الهيمنة، و الحرية الاجتماعية، في مقابل الحاجة. بالنسبة لها، فإن حقوق الإنسان لم تكن ، كما ادعى بيرك، التصور المثالي للثوار الحالمين، بل هي الحقوق المتناقضة للفرد الخاص، الفقير ، اللاسياسي.

هذا التحليل المعبر عنه قبل خمسين سنة، يبدو مناسبا تماما ٥٠ سنة في ما بعد للتعامل مع “التشوش” المتعلقة بحقوق الإنسان على المسرح الإنسانوي. ولكن من المهم الانتباه لما يسمح بالتعمل مع هذا ” التشوش”، بالتحديد، تصور أرندت لحالة استثناء معينة. في فقرة صادمة من فصل ” التشوش في حقوق الإنسان ” تكتب ما يلي عن عديمي الحقوق ،( أن مأزقهم ليس هو أنهم غير متساوين أمام القانون، و لكن بأنه لا يوجد قانون لهم ، ليس بأنهم مضطهدون، و لكن بأنه لا يوجد أحد يريد اضطهادهم) .

إن نبرة الازدراء الواضحة في التعبير ” لا أحد يريد اضطهادهم” هي بالفعل شديدة الغرابة. إنه و كأن هؤلاء الناس مذنبون لأنه لا يمكن اضطهادهم، كونهم لا يستحقون حتى الاضطهاد. الرأي القائل بوجود وضع و حالة ” ما بعد الاضطهاد”، أبعد من تصورها من خلال الصراع و الاضطهاد، أو القانون و العنف، يحمل مخاطرة يجب أن نكون منتبهين لها،. لحقيقة وجود أناس يريدون اضطهاد هذا الشعوب اللاجئة و قوانين لفعل ذلك. فكرة ” ما بعد الاضطهاد” ترتبط أقل بالواقع و أكثر بالتقابل الصارم لأرندت بين حقل السياسة و حقل الحياة الخاصة، و الذي تسميه بالفصل نفسه “الخلفية المعتمة للعطاء”.  بعبارة أخرى، فأن هذه الفكرة تتناسب تماما مع السياسي ـ الرئيس  (politics ـ archi) (و يعرفها رانسيير لاحقا على أنها محاولة الحفاظ على السياسي من التلوث بالخاص، الاجتماعي، أو الحياة السياسية). لكن لاحقا، هذا الموقف، و بصورة متناقضة ، قدم إطارا للوصف و حجة ستكون مفيدة للاتسيس مسائل القوة و القمع. إنها تسمح بوضع هذه المسائل في مجال استثنائي لم يعد بعد الآن سياسيا، و لكنه ذو قداسة أنثروبولوجية متموضعة خارج الاختلاف السياسي. إن هذا التحول النظري من السياسي ـ الرئيس إلى موقف اللاتسييس ، هو سمة أساسية للتفكير الذي ظهر نتيجة للتأملات المعاصرة عن حقوق الإنسان، اللاإنساني ، و الجرائم ضد الإنسانية .

هذا التحول يتبين بوضوح من خلال تنظير جورجيو أغامبين عن السياسة الحيوية، كما هو واضح في ال” هومو ساكر” . يحول أغامبين معادلة أرندت ـ أو التناقض ـ عبر عدد من الإبدالات التي تساويها أولا بنظرية فوكو عن القوة الحيوية، و ثانيا من خلال نظرية كارل شميدت عن دولة الاستثناء. في الخطوة الأولى تعتمد حجة أغامبين على أن الاختلاف، الذي تراه أرندت، بين نوعين من الحياة، مبني أصلا على التفريق بين كلمتين يونانيتين، “زوي” و التي تعني الحياة الفسيولوجية المحضة، و “بيوس” التي تعني شكلا من الحياة، أو “بيوس بلوتيكوس” أي، حياة الأفعال العظيمة و الكلمات النبيلة.

من وجهة نظرهها، فإن حقوق الإنسان و الديمقراطية الحديثة مبنية على خلط هذين النوعين من الحياة، و الذي أدى بالنهاية إلى اختزال ال”بيوس” لمجرد “زوي”. يربط أغامبين هذا النقد لأرندت مع مجادلة فوكو حول “التحرر الجنسي”. يرى فوكو في كتاب ” إرادة المعرفة” و “يجب الدفاع عن المجتمع” بأن الرغبة في التحرر الجنسي و في التحدث عن الجنس، هي بالواقع آثار لجهاز قوة يحث الناس على الحديث عن الجنس. هذه الآثار لقوة من نوع جديد، قوة ليست بعد الآن الصورة القديمة للسيادة التي تحمل قوة الحياة و الموت للخاضعين لها، و لكنها قوة إيجابية للتحكم بالحياة البيولوجية. حسب فوكو، فإن التطهير العرقي، و الهولوكوست هما جزء أيضا من برنامج سياسي حيوي” أيجابي” أكثر من كونه إحياء للحق السيادي في القتل .

يستعمل أغامبين هذا التصور للسياسة الحيوية لتحويل قانون الديمقراطية الحديثة كما عرفته أرندت إلى الصورة الإيجابية للقوة. السياسة الحيوية تصبح شريكة للديمقراطية، أي أنها جزء من الاهتمام الفرداني شامل بالحياة الفردية و تقنيات القوة التي تبسط سيطرتها على تلك الحياة. من هنا يستمر أغامبين في نظريته. فبينما قارن فوكو بين القوة الحيوية الحديثة و قوة السيادة القديمة، يقارب أغامبين بينهما من خلال مساواة مفهوم فوكو عن ” التحكم بالحياة” مع مفهوم شميدت عن دولة الاستثناء. بالنسبة لشميدت، فإن السلطة السياسية، تجد أساسها في دولة الاستثناء، أي أن القوة السيادية هي القوة التي تسمح بالتقرير في دولة توقف فيها الوضع القانوني الطبيعي . ويعني ذلك باختصار بأن القانون يعتمد على قوة قرار هو خارج القانون. أغامبين ، بدوره، يعرف دولة الاستثناء على أنها من تمتلك قوة تقرير الحياة. ومن ثم يربط بين استثنائية القوة السيادية مع استثناء الحياة، تلك الحياة المحضة و العارية و التي، بالنسبة له ، تقع ضمن منطقة من عدم التبيين أو التمييز ، بين ال”زوي”و ال”بيوس”، بين الحياة الطبيعية و الإنسانية.

تحولت القوة السيادية و القوة الحيوية بذلك من تعارض إلى هوية. و التعارض بين سيادة الدولة و حقوق الإنسان يختفي كذلك. حقوق الإنسان جعلت الأمر يبدو و كأن الحياة الطبيعية هي مصدر و حاملة كل الحقوق، و الولادة هي مصدر السيادة. كانت هذه الهوية، المدعاة، محمية لزمن طويل عبر التعرف الولادة ـ أو الأصالة ( بمعنى الانتماء الجغرافي) مع الجنسية (الانتماء لدولة) أو صورة المواطن . ولكن انزياح الأعداد الهائلة من اللاجئين في القرن العشرين ، كما يبدو، حطم هذه الهوية، و من خلال نزع غطاء الجنسية، تم الكشف عن عري الحياة المحضة كسر لحقوق الإنسان.

 

و كذلك فإن برامج التطهير العرقي و الإبادة كشفت عن نفسها على أنها محاولة راديكالية للحصول على نتائج هذا الانفصال. سر الديمقراطية، سر القوة الحديثة، يبدو بصورته التامة حينها. قوة الدولة، الآن، يكمن في اهتمامها بالحياة المحضة، التي لم تعد حياة خاضع تريد القوة قمعه، و ليست حياة عدو تريد قتله، و لكن ، حسب أغامبين، مهتمة بحياة مقدسة-ـ حياة يتم أخذها حالة من الاستثناء، حياة ، ” ما بعد القمع”. الحياة المحضة هي حياة تقع بين الحياة و الموت، يمكن التعرف عليها من خلال حياة رجل مدان أو شخص ما في غيبوبة.

في تحليله للهولوكوست، يشدد أغامبين على الاتصال بين شيئين: التجارب العلمية على “غير المستحقين للحياة” ـ و هم ال”غير طبيعيين”، المعاقون ذهنيا أو الأشخاص المدانون ـ و اليهود المخطط لإبادتهم، الذين وضعوا كمجموعة تم اختزالها تجريبيا إلى ظروف الحياة المحضة. ولهذا يمكن فهم القوانين النازية التي أوقفت البنود الدستورية التي ضمنت حرية الانتماء و التعبير على أنها التعبير الصارخ عن دولة الاستثناء و السر الخفي للدولة الحديثة. بالوقت نفسه، بدأ الهولوكوست بالظهور على أنه الحقيقة الخفية لحقوق الإنسان، أي حقوق الحياة العارية غير المتمايزة المرتبطة بالقوة الحيوية. و يمكن تصور “نوموس” (أصل القانون) الحداثة على أنه المعسكر، يندرج تحته معسكرات اللاجئين ، المناطق التي يوضع فيها اللاجئون غير الشرعيين من قبل السلطات الوطنية ، و معسكرات الموت النازية.

و هكذا فإن الصراع السياسي، فعليا، يتم استبداله بتناسب بين القوة السيادية و الحياة المحضة. يصبح المعسكر مساحة من “الاستحالة المطلقة للتقرير بين الواقع و القانون، القاعدة و التطبيق، الاستثناء و القاعدة “.إنها تصبح مساحة يبدو فيها الجلاد و الضحية، الجسد الألماني و الجسد اليهودي، كجزئين من الجسد ” السياسي الحيوي” نفسه. و لهذا فإن أي نوع من المطالبة بحقوق، أو أي صراع لتفعيل قوانين، محاصر منذ بدايته بقطبية الحياة المحضة و دولة الاستثناء، قطبية تبدو و كأنها مصير أنطولوجي: نحن جميعا ، كل واحد منا، موضوع في نفس موضع اللاجئ في المعسكر. الفروق بين التوليتارية و الديمقراطية تبدو خافتة و أي ممارسة سياسية تبدو و كأنها خاضعة أصلا للفخ السياسي الحيوي.

وجهة نظر أغامبين عن المعسكر على أنه (“نوموس” الحداثة) يبدو بعيدا عن عن وجهة نظر أرندت عن الفعل السياسي. اقتراحي هنا رغم ذلك هو، بأن الأيقاف الجذري للسياسي في حالة الاستثناء للحياة العارية لهو بالواقع النتيجة النهائية لموقف أرندت السياسي ـ الرئيس ، أي المحاولة للحفاظ على السياسي من التلوث بالخاص، الاجتماعي أو حياة سياسية. هذه المحاولة تخلي الساحة السياسية من ساكنيها عبر إزالة الفاعلين المجهولين دائما عنها، و بهذا دمج حالة الاستثناء السياسي بقوة الدولة، باعتباره ما يقف وجها لوجه مع الحياة العارية .

هذه المعارضة تتحول بعد ذلك إلى تكامل، إن إرادة الحفاظ على الحقل السياسي المحض تجعل السياسي يختفي بالنهاية في العلاقة المحضة بين قوة الدولة و حياة الفرد. و بهذا تتساوى السياسة مع القوة، و القوة نفسها تفسر أكثر فأكثر على أنها مصير سياسي ـ انطولوجي قاهر، وحده إله ما يمكنه إنقاذنا منه.

للهروب من هذا الفخ الأنطولوجي، فإن سؤال حقوق الإنسان، و بالتحديد السؤال حول موضوعها، و بالتالي موضوع السياسة، يجب إعادة بنائه ووضع السياسة في مكان مختلف تماما. إذا وضعنا هذا في اعتبارنا، لننظر مرة أخرى لحجة أرندت التي يؤيدها أغامبين مبدئيا ـ فيما يتعلق بحقوق الإنسان و المواطن. ترى أرندت بأن الأخير يقع في مأزق ، يمكن مواجهته كما يلي: أولا حقوق المواطن هي حقوق الإنسان، و لكن حقوق الإنسان هي حقوق الفرد غير المسيس أو حقوق من لا يملكون أي حقوق، و يعني ذلك بأنها (حقوق الإنسان) ليس لها أي قيمة. ثانيا، حقوق الإنسان هي حقوق المواطن، مرتبطة بحقيقة كونه مواطنا، له حالة أساسية ماـ مما يعني بأنها حقوق من يمتلكون حقوقا و بذك ننتهي بتكرار ما (قول شيئين يحملان نفس المعنى) .(tautology)

إذا، إما أن تكون حقوق الإنسان حقوق من لا حقوق لهم، أو أنها حقوق من يمتلكون حقوقا. أما أن تكون فراغا أو تكرارا ، و هي في الحالتين، حيلة مضللة، و هذا هو القفل الذي تقوم أرندت ببنائه. و لكن القفل محكم فقط إذا دفعنا ثمن إغفال افتراض ثالث يهرب من هذا المأزق. و يمكن عرض الافتراض كالتالي:حقوق الإنسان هي حقوق من لا يملكون الحقوق التي يملكونها، و يملكون الحقوق التي لا يمتلكونها. لنحاول فهم هذه الجملة، من الواضح أن ما تعبر عنه المعادلة لا يمكن حله بايجاد متغير واحد. حقوق الإنسان ليست حقوق فرد(موضوع) واحد، و الذي يمكنه أن يكون مصدر و حامل هذه الحقوق معا، و من يمكنه استعمال الحقوق التي يمتلكها فعلا. إذا كان الأمر كذلك، فمن السهل إثبات، كما تفعل أرندت، بأن هذا الفرد (الموضوع) لا وجود له. إن العلاقة بين الموضوع و الحقوق لا يمكن الاستغناء عنها بهذه السهولة. السبب هو أن العلاقة بين الموضوع و الحقوق علاقة تفعل من خلال إلغاء مزدوج، موضوع الحقوق هو الفرد ـ أو إذا كنا أدق، عملية أخضاع الفرد ـ الذي يصل بين صورتين من وجود هذه الحقوق. في الحالة الأولى ، فإن الحقوق نقوش، كتابة مجتمع حر و متساوي، و ليست مجرد حقوق مسندة لكائن غير موجود. الظروف الفعلية من عدم وجود حقوق يمكن أن تنفيها، و لكنها ليست مثلا أعلى تجريديا، موجود بعيدا عن ظرف معطى. و لكنها جزء من ترتيب معطى، و الذي لا يتكون فقط من ظرف من عدم المساواة، و لكنه يحتوي أيضا نقشا يعطي المساواة صورة مرئية.

في الحالة الثانية، فإن حقوق الإنسان هي حقوق من يصنعون شيئا من تلك النقوش، مقررين ليس فقط “استخدام” هذه الحقوق، ولكن أيضا بناء حالات تبرر استخدام هذه النقوش.إن الموضوع هنا ليس ببساطة أن نتفحص إذا ما كانت هذه الحقوق مثبتة أو منفية من خلال الواقع، و لكن أن نسلط الضوء على ما يعنيه إثباتها أو نفيها.الإنسان، المواطن لا يدلان على مجموعة من الأفراد. الإنسان و المواطن موضوعان سياسيان و بهذا ليسوا مجموعات واضحة، و لكن أسماء مضافة تطرح سؤالا أو نزاعا (دعوى)عمن يتضمنه هذا العد. و بالتالي، فإن الحرية و العدالة ليسا إسنادا ينتمي لأفراد معينين. الإسنادات السياسية هي إسنادات مفتوحة: تبدأ نزاعا حول ما تتضمنه، من تعنيه،و في أي حالات.

إعلان حقوق الإنسان ينص على أن كل الناس يولدون أحرارا و متساوين، و بهذا يطرح سؤالا حول مجال تطبيق هذه الإحالات. الإجابة، عند أرندت، بأن هذا المجال هو مجال المواطنة، لحياة سياسية مفصولة عن الحياة الخاصة، تحل المشكلة سلفا. المسألة هنا هي، أين نرسم الخط الذي يفصل حياة عن الأخرى. السياسة تتعلق بهذا الحد، نشاط يضعه باستمرار موضع تساؤل. خلال الثورة الفرنسية، امرأة ثورية، أوليمب ديغوغ، جعلت هذه النقطة شديدة الوضوح، من خلال كلامها المشهور عن أنه إذا كان يحق للنساء أن يذهبوا للسقالة (مقصلة الإعدام) ، عندها يحق لهم كذلك الذهاب لمجلس النواب.

النقطة التي أرادت توضيحهها هي أن النساء، و اللاتي كما يبدو ولدن متساويات، لسن متساويات كمواطنات. لم يكن يمكنهن التصويت أو الترشح في الانتخابات. المنع، كالعادة ، تم تبريره على أساس أن النساء لم يناسبن نقاء الحياة السياسية، لأنهن كن ينتمين لحياة خاصة، منزلية.كان يجب إبقاء الصالح العام للمجتمع بعيدا عن نشاطات، و مصالح الحياة الخاصة. وضحت محاججة أوليمب ديغوغ بأنه لا يمكن رسم الخط الفاصل بين الحياة المحضة و الحياة السياسية بهذه السهولة.

على الأقل توجد نقطة واحدة تكون فيها “الحياة المحضة” “سياسية”: حين تم الحكم على النساء بالإعدام كأعداء للثورة. إذا كان يمكنهم أن يخسروا “حياتهم العارية” بسبب حكم شعبي محفز سياسيا، فهذا يعني بأن حياتهم المحضة ـ حياتهم من حيث إمكانية قتلها ـ كانت سياسية. إذا كن مساويات للرجل تحت المقصلة، فلهن إذا الحق بالمساواة كاملة، من ضمنها المشاركة المتساوية في الحياة السياسية.

الاستنتاج لن يؤيده صانعوا القوانين، هم بالتأكيد لن يتمكنوا من سماعه. و لكن يمكن تفعيله من خلال عملية خطأ، من خلال بناء اختلاف (بمعنى عدم إجماع ). الاختلاف ليس تضارب مصالح،آراء، أو قيم؛ إنه انقسام في “الفهم الشائع” :خلاف حول ما هو معطى و الإطار الذي نرى فيه شيئا ما كمعطى.النساء كموضوعات سياسية، انطلقن لإعطاء تصريح من شقين. وضحن بأنهن محرومات من الحقوق التي يملكنها بسبب إعلان الحقوق، وكانت لديهن حقوق من خلال عملهن العام حرمهم منها الدستور، و بأنه يمكنهن تفعيل هذه الحقوق. لقد تصرفن كموضوعات لحقوق الإنسان بالطريقة نفسها التي ذكرتها. تصرفن كموضوعات ليس لديها الحقوق التي لديها، و لديها الحقوق التي ليست لديها. هذا ما أسميه الاختلاف: وضع عالمين في واحد. السؤال حول الموضوع السياسي لا يقع بين فراغ مصطلح إنسان و كثرة “المواطن” مع حقوقه الفعلية.الموضوع السياسي هو قدرة على تنظيم مشاهد اختلاف.

لو وجد معنى أيجابي لهذا المصطلح ، فهو في رفض كل الفروقات بين الناس الذين “يعيشون” في مجالات وجود مختلفة، إنكار التصنيفات حول من هو مؤهل و من هو غير مؤهل للحياة السياسية. فإن هذا الفرق بين الإنسان و المواطن ليس علامة لانفصال، يثبت بأن الحقوق إما مجردة من المعنى أو تكرار. إنها بداية فترة من الإخضاع السياسي. الأسماء السياسية هي أسماء مدعاة، امتدادتها و فهمها غير مؤكدين، و لهذا السبب فهي تتيح المجال لامتحان أو تحقق، الموضوعات السياسية (الأفراد) يشكلون حالات من هذا التحقق.

فهم يخضعون الأسماء السياسية ـ و يعني ذلك، امتداداتها و فهمها ـ للامتحان. فهي لا تقوم فقط باستحضار نقوشات الحقوق لمواجهة مواقف تكون فيها هذه الحقوق مرفوضة (أن تمنح)و لكنها تكون عالما تكون فيه هذه الحقوق صالحة، مع العالم الآخر الذي لا تكون فيه كذلك. هي تبني علاقة تضمين و علاقة إقصاء.

الاسم العام لكل الموضوعات التي تبني حالات التحقق هذه هو ال”ديموس” أو الشعب. في نهاية “هوموساكر” يؤكد أغامبين على ما يسميه “الغموض المستمر” لمفهوم الشعب،الذي يكون في الوقت نفسه مسمى الجسد السياسي و مسمى الطبقات الدنيا. وهو يرى في هذا الغموض علامة للترابط بين الحياة العارية و السيادة، و لكن الشعب ـ أو الناس ـ لا يعني الطبقات الدنيا، ولا الحياة العارية. الديمقراطية ليست قوة الفقراء، و لكن قوة غير المؤهلين لممارسة القوة. في الكتاب الثالث ل” القوانين” ، يعدد أفلاطون كل المؤهلات التي تكون، أو تدعي بأن تكون، مصدرا لسلطة شرعية. من ضمنها سلطة الأسياد على العبيد، كبار السن على الشباب، المتعلم على الجاهل و هكذا . في نهاية القائمة ، رغم ذلك، هنالك شذوذ عن القاعدة، “مؤهل” للقوة يسميه ساخرا اختيار الإله، معناه الصدفة المحضة : السلطة المكتسبة عبر الاختيار بالقرعة، المسمى بالديمقراطية. الديمقراطية هي قوة من لا يملكون أي مؤهل للحكم، سوى كونهم لا يملكون أي مؤهل. و كما أفسرها، الشعب ـ من خلال كونه موضوعا سياسيا ـ يجب التعرف عليه عبر مجموع من لا يملكون “مؤهلا”. أسميه عد من لم يتم عدهم ـ أو الجزء الذي لا ينتمي لأي جزء. إنه لا يعني السكان الفقراء، إنه يشير إلى جزء تكميلي، جزء فارغ، يفصل المجتمع السياسي عن تعداد أجراء المجتمع فقط.

حجة أغامبين هي جزء من التعارض الكلاسيكي بين وهم السيادة و محتواها الحقيقي. ولهذا السبب فهو يخطئ تماما في فهم منطق الموضعة السياسية (بناء موضوع سياسي، فرد خاضع).الموضوعات السياسية هم موضوعات إضافية تنص على عد من لم يتم عدهم كمكمل. السياسة ليست مجالا محددا من الحياة السياسية، مفصول عن المجالات الأخرى، بما أنه يعمل على فصل نفسه عن المجتمع ككل.

يمكن عد المجتمع بطريقتين متعارضتين. هنالك الطريقة البوليسية من خلال عده كمجموع أجزائه، أي المجموعات و المؤهلات التي تحملها كل منها؛ و هنالك الطريقة السياسية في عده و فيه يضاف المكمل للعدد، كالجزء للذين لا ينتمون لأي جزء، و يعمل ذلك على فصل المجتمع عن أجزائه، أماكنه، أعماله و مؤسساته. الطريقة البولسيية في العد مبنية على المجالات المحددة، و لكن السياسة عملية و ليست مجالا.

حقوق الإنسان هي حقوق الشعب، و الذي هو الاسم العام للموضوعات السياسية، و هي موضوعات، في مواضع معينة من الاختلاف، تقوم بتفعيل المؤهل المتناقض لهذا المكمل. عندما تنسب هذه الحقوق للفرد نفسه، فإن هذه العملية تختفي كليا. ليس فقط إنه لا يوجد إنسان في حقوق الإنسان، لا حاجة لأن يكون هنالك واحد كذلك. تكمن قوة هذه الحقوق في الحركة المستمرة بين النقش الأساسي للحقوق و المسرح الاختلافي الذي يضعها تحت الاختبار. و لهذا السبب كان الأفراد الخاضعين للدستور السوفيتي قادرين على الإحالة لحقوق الإنسان معارضين للقوانين التي تنفي فعاليتها. و لهذا السبب أيضا يمكن التذرع بها من قبل مواطنين لدول يحكمها قانون ديني أو أمر حكومي، المهاجرين غير الشرعيين المحجوزين في مناطق العبور بالدول الغنية، أو السكان في معسكرات النازحين. عندما يمكن لهذه المجموعات -ـ و دائما يوجد أفراد منهم يفعلون ذلك ـ أن تستخدم هذه الحقوق لبناء اختلاف ضد حرمانهم من حقوقهم المسموح لهم بها، هم يحملون بالفعل هذه الحقوق.

أنت مجبر على الزعم، كما فعلت أرندت، بأن الحقوق الفعلية هي بالواقع حقوق معطاة للمواطنين من قبل دولهم نتيجة لانتمائهم لها، و أن ضمان هذه الحقوق مرتبط بحمايتها من قبل الدولة، لو فرضت بأن هذه الحقوق تنتمي لمواضيع ثابتة أو دائمة. هذا الافتراض يجبرك على إنكار حقيقة كل الصراعات الواقعة خارج إطار الدولة الوطنية الدستورية، و يجبرك على الزعم بأن الحقوق الوطنية هي حقوق “تجريدية” فقط، و تتضح هذه التجريدية في الظرف الذي يحرم فيه الإنسان “المحض” من هذه الحقوق.

إن الاستناج ، رغم ذلك، حلقة مفرغة، بما أنه يؤكد فقط ما كان مفترضا منذ البداية، بالتحديد بأنه هنالك انقسام بين من يستحق و من لا يستحق الاشتراك في السياسة. و لكن عملية التعرف على موضوع حقوق الإنسان من خلال الموضوع المحروم من حقوقه ليس فقط نظرية تدور في حلقة مفرغة، و لكنه أيضا، و دائما، إعادة تعريف للمجال السياسي، لعملية “لا تسييس” فعلية. اليوم تعرف هذه العملية باسم الاختلاف، الذي يتخطى معناه المحاولة البسيطة لحل النزاعات السياسية حلا عقلانيا و عمليا من خلال مظاهر من التفاوض و الاتفاق الذي تحصل من خلاله كل مجموعة على أكبر حصة ممكنة عند أخذ مصالح المجاميع الأخرى بعين الاعتبار. يتكون الاتفاق من محاولة رفض السياسية عبر طرد الموضوعات الإضافية و استبدالهم بشركاء حقيقيين، ، فئات اجتماعية و هووية و هكذا دواليك. النتيجة هي ، أن تتحول الصراعات إلى مشاكل تحل بالخبرات المتعلمة و تنظيم المصالح المتفاوض عليها. الاتفاق يعني إغلاق مساحات الاختلاف عبر وضع فسحات و رقع أية فراغات ممكنة بين المظهر و الحقيقة، القانون و الواقع.

بهذه الطريقة، فأن الحقوق “التجريدية” و المدعاة للأنسان و المواطن تتحول شرطيا إلى حقوق فعلية ـ تلك التي تملكها مجموعات فعلية تحمل هوية ثابتة و مكانة معترف بها بالمجتمع.

بهذه الطريقة، فإن الاختلاف السياسي حول المشاركة في المشترك العمومي يتم اختزاله إلى توزيع يحصل فيه كل جزء من الجسد الاجتماعي على حصته التي يستحقها. حسب هذا المنطق، فإنه يتم قولبة القوانين و الحقوق بدقة متزايدة حتى تناسب تنوع الفئات الاجتماعية و لتماثل سرعة التغيرات في الحياة الاجتماعية، و طرق الحياة الفردية. هدف هذه الممارسة التوافقية هو إنتاج هوية بين القانون و الواقع ، بحيث يكون القانون متطابقا مع الحياة الطبيعية للمجتمع. بعبارة أخرى فإن التوافق يتكون من اختزال الديمقراطية إلى طريق حياة أو روح المجتمع (صفاته المميزة) ـ مكان و طريقة حياة مجموعة معينة.

إن التوافق هو العملية المسببة للتقلص المستمر للمساحة السياسية في الوقت الحالي. فإن المساحة السياسية تظهر فقط في الهوة بين الحرفية التجريدية للحقوق و الجدل حول التحقق منها. هذا التقلص حدث لدرجة إن تظهر هذه الحقوق على أنها بالواقع فارغة، لا تحمل أي فائدة بالنسبة لنا. و عندما تكون تلك الحقوق بدون فائدة ، عندها و كما يفعل الأفراد الخيرون بملابسهم القديمة، فإنها تعطى للفقراء. عندما تبدو بدون فائدة، فإن هذه الحقوق تبعث خارجا مع الأدوية و الملابس لأناس محرومين من الأدوية، الملابس، و الحقوق. و نتيجة لهذه العملية، فإن حقوق الإنسان تصبح حقوق من لا يملكون حقوقا، حقوق الإنسان المحض الذي تعرض للقمع و ظروف الحياة غير الإنسانيتين.

حقوق الإنسان تصبح حقوق إنسانوية، أي أنها، حقوق من لا يستطيعون ممارستها، حقوق لضحايا محرومين تماما منها. مع ذلك، فإن هذه الحقوق ليست فارغة؛ الأسماء و الأماكن السياسية لا يمكن أن تصبح أبدا مجرد فراغ. فإن الفراغ يملأه دائما شخص أو شيء آخر؛ من خلال تحولها لحقوق من لا يستطيعون تفعيلها فإن حقوق الإنسان لا تصبح لاغية أو فارغة. لو لم تكن هذه الحقوق ” بالفعل” حقوق هؤلاء الضحايا، فإنها يمكن أن تصبح حقوقا لآخرين.

تحت رعاية محاضرات جامعة أوكسفورد عن حقوق الإنسان، المنظمة من قبل منظمة العفو الدولية عام ١٩٩٣، أعطى ليوتار محاضرة بعنوان ” حقوق الآخر”. موضوع المحاضرة ” حقوق الآخر ” يجب أن يفهم كإجابة عن سؤال، “ما الذي تعنيه حقوق الإنسان في سياق الموقف الإنسانوي؟” محاولة ليوتار كانت في إعادة التفكير بالحقوق من خلال إعادة التفكير في السؤال عن الخطأ. فبعد انهيار الامبراطورية الروسية و النتائج المحبطة لما كان يفترض بأنه الخطوة الأخيرة في طريق تحقيق الديمقراطية العالمية، فإن مسألة إعادة التفكير في “الخطأ ” أصبحت ملحة أكثر فأكثر. التفشي المتجدد للحقد و العنف العنصري و الديني ـ لجرائم جديدة ضد الإنسانية ـ و التي لا يمكن نسبها لأيديولوجيا معينة، يعني بأنه كان يجب أن يعاد التفكير بجرائم الإنظمة التوليتارية المنحلة . ظهر إدعاء جديد بأنها لم تكن التأثيرات المحددة للأيديولوجيات الفاشلة و” الأنظمة الخارجة عن القانون ” بقدر ما كانت تمظهرا لخطأ أبدي، خطأ لا يمكن تفسيره من حيث التعارض بين الديمقراطية وضد ـ الديمقراطية، الدولة الشرعية و الدولة غير القانونية ، و لكن ما ظهر على أنه شر مطلق ـ شر لا يمكن التفكير فيه أو التكفير عنه.

إن تصور ليوتار عن اللاإنساني هو واحد من أهم الأمثلة للإطلاق (تحويل فكرة ما إلى شيء مطلق) ما فعله ليوتارد بالفعل هو فصل فكرة اللاإنساني لجزئين. فهو يرى بأن صور القمع و القسوة، أو حالات المحن ، و التي يمكن أن نصفها بغير الإنسانية، هي بالواقع خيانة للاإنساني آخر، هذه المرة لا إنساني “خير”. اللاإنساني “الخير” هو الآخرية، جزؤنا الذي لا يمكننا أن نتسيده (نسيطرعليه)،و الذي يمكن أن نسميه الولادة، الطفولة، اللاوعي، القانون، أو الإله. اللاإنساني هو آخرية لا يمكن اختزالها، جزء من الغير قابل للترويض الذي يكون الإنسان، كما يرى ليوتارد، رهينة أو عبدا له. الشر المطلق يبدأ مع محاولة ترويض غير القابل للترويض مع محاولة إنكار حالة الرهينة هذه، و نفي اعتمادنا على قوة اللاإنساني لبناء عالم يمكننا أن نتسيده تماما.

السيادة التامة، كما يرى ليوتار، كانت الحلم الفعلي لحركات للتنوير و التحرير الثوري، و هي حية في الأحلام الحديثة عن التواصل المثالي و الشفافية. و لكن الكشف و التحقق الفعلي للحلم ظهر فقط في الهولوكوست النازي؛ اي في إبادة الناس الذين كانت مهمتم هي الشهادة على حالة الرهينة، إتباع قانون الآخرية، قانون إله خفي ، إله لا يمكن تسميته. و يتبع ذلك إذا، أن الجرائم “ضد الإنسانية” هي في الواقع جرائم تنتج من التأكيد على حرية بشرية تنكر الاعتماد الأساسي على ما لا يمكن ترويضه. من وجهة نظر ليوتار، فإن ردنا على هو الموقف “الإنسانوي” من الحقوق المرفوضة هو تأييد حقوق الآخر، حقوق اللاإنساني. فهو يؤكد على أن الحق في التعبير يجب يتعرف عليه من خلال واجب “إعلان شيء جديد “. و لكن “الجديد” الذي سيتم الإعلان عنه ليس سوى القوة سحيقة القدم للآخرو عجزنا عن تنفيذ واجبنا في الإعلان عنه. طاعة حقوق الآخر تقصي التنوع في الاختلاف السياسي باسم تنوع أكثر راديكالية.

و كما رأينا مع أغامبين، فإن هذا يعني تأبيد الخطأ و إبدال التعامل السياسي معه مع نوع من المصير الأنطولوجي الذي يسمح فقط “بالمقاومة”. و لكن على الرغم من ذلك فإن المقاومة ليست تجليا للحرية. المقاومة هنا تعني الإخلاص لقانون الآخرية، و بهذا استبعاد أية أحلام “بالتحرير الإنساني”. هذا هو الفهم الفلسفي لحقوق الآخر .و لكن يمكن فهمه أيضا بطريقة أقل تعقيدا و أكثر تبسيطا كما يلي : إذا كان من يعانون من القمع اللاإنساني لا يستطيعون ممارسة “حقوق الإنسان” التي هي ملجؤهم الأخير، فيجب على آخرين أن يرثوا هذه الحقوق و أن يمارسوها بدلا عنهم. وهو حق انتحلته بعض الدول، لأنها تدعي ـ و غالبا ضدا لآراء المنظمات الإنسانية نفسها ـ بأنها ستساعد السكان الذين تحولوا لضحايا. “الحق في التدخل الإنساني” إذا هو بمثابة إعادة الحقوق غير المستعملة المرسلة لمن لا يملكونها إلى من أرسلوها.و في عودتها، فإن هذه الحقوق تكتسب استخداما جديدا، استخدام يؤثر على المسرح العالمي تأثيرا مماثلا لما يحققه الاختلاف على المسرح الوطني: إلغاء للحدود بين القانون و الواقع، القانون و اللا قانونية. “حقوق الإنسان” المعادة هي حقوق الضحية المطلقة، و تسمى بذلك لأنها ضحية شر مطلق. الحقوق المعادة لمرسلها ـ المنتقم لها ـ شبيهة بقوة العدالة اللا نهائية ضدا لمحور الشر.

تم رفض تعبير “العدالة المطلقة” من قبل الحكومة الأمريكية كلفض غير ملائم بعد بضعة أيام فقط من تقديمه، و لكنه قد بدا مناسبا بالنسبة لي، العدالة المطلقة ليست فقط نوعا من العدالة يرفض مبادئ القانون الدولي، التي تحرم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى. إنها عدالة تمحي كل التمايزات التي عرفت مجال العدالة بشكل عام، و تلك هي ، التي بين القانون و الواقع، العقاب القضائي و الثأر الشخصي، العدالة/حفظ النظام و الحرب، كل تلك الفروقات تم اختزالها لصراع أخلاقي مطلق بين الخير و الشر.

سؤال الأخلاق موجود في أجنداتنا أكثر من أي وقت مضى. يرى البعض هذه الظاهرة كعودة للروح المؤسسة للمجتمع التي تحافظ على القوانين الإيجابية و الحرية السياسية. أنا أراها بشكل مختلف تماما. بالنسبة لي، فإن الصعود الجديد للأخلاق متعلق بانحلال كل الفروقات القضائية و مساحات الاختلاف السياسي في الصراع الأبدي بين الخير و الشر. إن النزعة الأخلاقية في الواقع “دولة استثناء”، و التي، على العكس مما يراه أغامبين، لا تعني إدراك جوهر مفترض للسياسي. بل أنها الناتج من مسح السياسي من خلال تزاوج السياسة التوافقية مع الشرطة الإنسانوية (كمؤسسة رقابية قادرة على العقاب). نظرية دولة الاستثناء و نظرية حقوق الآخر تحولان هذه النتيجة (مسح السياسي) إلى مصير أنثروبولوجي أو أنطولوجي و تقفي أثره لمرحلة ما قبل نضج الحيوان الإنساني ـ التي لا يمكن الهروب منها . ما أعرضه ، رغم ذلك ، هو أن المصير الأنطولوجي للحيوان الإنساني هو قصة تعمل فقط لتغطية المهمة الحقيقية أمامنا: و هي فهم لمن هي حقوق الإنسان و إعادة التفكير في السياسة بالوقت الراهن، الذي ينبع من نقصانها.

 

ترجمة الصديق حسين القطان.

لتطاردنا الصور الصادمة – جون غريناواي

Capture

 

” تضمنت مجموعة هذا الصباح صورة لما يبدو بأنه جسد رجل، أو امرأة، فالصورة مشوهة لدرجة أنه يمكن أن يكون شيئا مختلفا كجسد خنزير ربما. لكن هؤلاء بالتأكيد هم أطفالٌ أموات، وتلك بلا شك قطعةٌ من منزل. مزقته قنبلة فأضحى جدارُ جانبِ البيتِ مهدما، ولا يزال بداخله قفصٌ للطيور معلّق بداخل ما يبدو بأنه كان غرفة للجلوس .. “

– فيرجينيا وولف، ” ثلاث جنيهات “، يونيو 1938.

هناك شئ مغرٍ بخصوص الصور الفوتوغرافية في حين النص هو قطعاً موضوع ومادة للتأويل، فعالم الإعلام المرئي يمنح سلطة نادرة للصور، خاصة الصور الفوتوغرافية منها. ولنخلص ذلك كما فعلت الكاتبة والناقد سوزان سونتاغ، حيث النص يعطي غموضاً معيناً، نعزوه نحن للصور الفوتوغرافية بمقدار معين من الوضوح. فحيث تفشل الكلمات، يبدو أن الفوتوغرافيا تستطيع الكلام. وفي عالم يحمل ثقافة الإعلام الحديث، تبدو الصورة وكأنها تحمل طريقة للتحدث بشكل لا تستطيع الكلمات مقارعته. فعندما تحتدم المآسي والكوارث، فهي تحتدم من خلال الصور الفوتوغرافية، لا في صفحات التحليل والتفكير، ولا في التقارير التي توضح للقارئ حجم الأزمة.

ونظرا بأن أوروبا تعيش أكبر أزمات النزوح لأراضيها منذ الحرب العالمية الثانية، فإن إعادة النظر في أعمال سونتاغ عن الفوتوغرافيا تبدو منطقية في مساعدتنا على فهم صور العائلات اليائسة الفارة إلى ما يُتلقى عادة بأنه الأمان الأوروبي. فكما توضح الفيلسوفة جوديث بتلر في مقالها الممتازة المعنونة بـ “الفوتوغرافيا، الحرب، الغضب”، فإن سونتاغ كانت متشككة بعمق في مقدرة الفوتوغرافيا في تغيير سلوكنا، ففي أواخر سبعينات القرن العشرين جادلت سونتاع أن الصور الفوتوغرافية لم تعد تمتلك قوة إثارة الحنق والسخط ولا قدرة على التحريض. أيضا ناقشت سونتاغ أن الفوتوغرافيا تستطيع العمل كوسيط للأثر المترتب على المأساة، لكن سوزان عانت في رؤية كيفية تأثير الصور علينا بشكل أبعد من ذلك. فالصور تجعلنا نشعر،نعم،  ولكن ماهو أكثر أهمية، أن الصور ليست بالضرورة قادرة على جعلنا أن نفعل شيئا ما.

وهذه الشكوى لهي أمرٌ مشترك بين المنظمات المدنية والمنظمات الخيرية اليائسة من أجل جمع التبرعات لعدة أزمات طارئة حول العالم، ويبدو أن صورا معينة تجدا تعاطفا ضخما من العامة، ولكن على الجانب الآخر هناك بعض الأزمات أو الكوارث لا تلقى ذات الزخم والإهتمام الإعلامي. وعلى ما يبدو أن سونتاغ كانت محقة في تخوفها من فقدان الفوتوغرافيا قدرتها على صدم الجمهور ومن أن  الفوتوغرافيا تميل لإستسطاق* المعاناة لترضي رغبات المستهلك. هنا نحن نسلط الضوء على أزمة النازحين واللاجئين إلى أوروبا والصور الصادمة للطفل الغارق ذو الثلاث سنوات أيلان الكردي، والذي جرف الموج جسمه الصغير إلى شاطئ بودروم في مطلع هذا الشهر. حيث أصبحت هذه الصورة محمّله بالمعاني وهي تنتشر في الإعلامي الأوروبي، فقد ورد من خلال كلمات صحيفة “داس بيلد” الألمانية عنوان يقول: ” إيقاظ الملايين “. لتنهل التبرعات وتنطلق الحملات عبر أوروبا عن طريق أناس عاديين أعطوا من وقتهم ومالهم وحتى منازلهم الخاصة، ليساعدوا أولئك الذين وصلوا لتوهم إلى أوروبا. ليظهر لنا إشكالان في طرح سونتاغ، حيث أثرت صورة أيلان الكدري على الناس وأدت إلى تغيير سياسي مزلزل عبر أغلب أوروبا. لكن رغم ذلك يجد الكثيرن هذه الصورة تم إلصاقها بدوافع ليبرالية على صفحات الجرائد، بشكل صعب التصديق. فعلى الرغم من أنها زادت من الوعي بمدى وحجم مأساة اللاجئين، إلا أنه كان هناك شئ مقزز، بخصوص أن الشركات الإعلامية تقوم برفع مبيعاتها من خلال استخدام مثل هذه المآسي. واستجابة لهذه الإعتراضات، قامت صحيفة “داس بيلد” بخطوة شجاعة بإزالة جميع الصور من المطبعة والنسخ الإلكترونية من الصحيفة، تاركة مربعات رمادية تحلُ محل الصور التي كانت تشغل هذه المربعات.

وكما تشير جوديث بتلر، أن سونتاغ أعادت النظر في موضوع الفوتوغرافيا في عمل آخر لاحق هو “الالتفات إلى ألم الآخرين”، وفي هذا العمل تبدو أطروحتها وقد تغيرت بشكل كبير. فقد ابتعدت عن عقلانيتها القياسية المعتادة، لتعلن بأنه : “لتطاردنا الصور الموغلة بالبشاعة! “، صور المعاناة، والأناس العاجزين، كل هذا يقوم بتخديرنا، ولكنه قادر في ذات الوقت على أن يهزنا بطريقة قوية حتى بالنسبة لعالم ثقافة الإعلام المهزوز. قد تكون الصور المأساوية قد اختفت من صحيفة “داس بيلد” لكن أفعال الآلاف عبر أممٍ شتى تثبت أن هذه الصور بإمكانها إذا ما أقرينا بأن طي الصفحة لا يجدر به أن يطوي الصورة تلك من وعينا الجمعي. وفي مجموعة مقالاتها الأخيرة المتعلقة بالصور الصادمة، عبرت سونتاغ عن شعور عميق بالتردد بين الشعورين أولهما الغضب من الصورة ليس فقط لكونها جعلتها تشعر بالحنق، إنما لأنها أثبتت فشل أنه كيف من الممكن أن يؤدي هذا الشعور بالحنق إلى عمل سياسي فعّال.

ففي الكثير من الأحيان تهيج صور المعاناة والوجوه اليائسة قدراً كبيرًا من المشاعر، وأيضا عجزٌ سياسي عميق. فحجم الأزمة يقزّمنا بينما نشيح نحن بنظرنا عن تلك الصور ونحن نتساءل ماذا بإمكاننا أن نعمل حيالها ؟

تجيب سونتاغ على هذا السؤال بأن علينا أن نبدأ بالنظر لهذه الصور الصادمة وعلينا أن نثابر في فعل ذلك. نعم “لتطاردنا الصور الصادمة!” من خلال عملية المطاردة هذه، نستطيع البدء بفهم أن الفوتوغرافيا تستطيع أن تكون دعوة للتركيز، ولفحص ولنشر جهود تنظيم الجموع الرازحة تحت المعاناة التي تقدمها القوى المؤسسية.”

 

*الإستسطاق: إضافة بُعد إستطيقي للأشياء.

المصدر

العنف الجنسي وجسد المرأة، وكولونيالية المستوطن الإسرائيلي

 

«لم يقوموا فقط بإقتحام منازلنا، وسلب الحيز الخاص بنا، وطردنا، بل قاموا باعتقالي واقتيادي إلى قسم الشرطة في منطقة المسكوبية. وتم وضعي في الغرفة رقم 4 لوحدي لفترة طويلة. حتى جاء ضابط شرط ضخم وطويل البِنية ودخل غرفة التحقيق. كنت لوحدي وكنت أرتعدُ خوفاً خاصة عندما أغلق الباب، وبدأ يحرك الأشياء في الغرفة من حولي ويتفحصني من رأسي حتى أخمص قدمي. لقد أرهبني تماما، حيث كان قلبي يخفق بسرعة. وكانت عيناه تهتك جسدي، بينما كان يبحث عن شئ ما في الأدراج. بعد ذلك غادر الغرفة ليعود بعد خمس دقائق يحمل في يديه صندوقاَ. أخرج منه زوجاً من القفازات الزرقاء، ووضع واحدا على كلتا يديه بينما كان ينظر إليّ قائلا: “اقتربي مني”. واجبُ عليّ أن أقول أنني كنت أرتعد خوفًا عندما اقتحموا منزلنا وطردونا منه. وكنت متوترة وقلقة جدا عندما اعتقلوا ابني. لكن خوفي، جلّ خوفي من أن تتم الإساءة إلي، أن يتم اغتصابي بيديه الزرقاويتين وأكثر من ذلك ربما، كانت تلك أكثر اللحظات رعباً في حياتي».

كانت تلك كلمات سما، البالغة من العمر 36 عاماً، والتي فقدت الشعور بالحميمية والحيز الشخصي الذي اعتادته في منزلها الذي سُلب منها، من أجل أن تتعرض لتجربة من التهديد بالإساءة الجنسية لاحقا. إن رواية سما ليست بشاذة، فهي كإمرأة تعيش تحت ظل الإستعمار وتخضع لحالة متردية من الحرمان والتهجير فهي معرضة لإعتداءات يومية تِجاه جنسانيتها وحقوقها الجسدية. فالعنف الجنسي يعتبر مركزياَ في التشكيلِ العام للقوة الإستعمارية، فهو آليتها العنصرية للإستبداد والسيطرة، وركن من أركان منطقها الخاص بإقصاء الآخر. وهذا أمر بالغ الوضوح في التاريخ الإستيطاني في أي حالة إستعمارية، حيث هذه الآلية العنفية تستهدف تحديدا جنسانية النساء المواطنات الأصليات وأمانهنّ الجسدي بصفتهن «أعداء داخليين» ينظر لهنّ كمخلوقات حيويّة فقط بما إنهن منتجاتٌ للأجيال القادمة.

إن الكولونيالية الإستيطانية كبُنية وليست كحدث، تعمل من خلال منطق الإقصاء والذي يهدف لمحو وجود السكان الأصليين من على منطقة معينة وهو ما يعتبر غير قابل للإختزال في المنطق الكولونيالي الإستعماري. فهذا النوع من الكولونيالية إحلالي وتدميري، يهدف من خلال محو السكان الأصليين بشكل دائم من أجل إحلال مستوطنين ومجتمع ونظام إستيطانيّ جديد. ولقد دار جدل بين الأكاديميين بخصوص كون المنطق الكولونيالي الإستعماري قد يؤدي إلى مجازر بحق السكان الأصليين. ففي شكلهما الأوروبي، قام المنطق الكولونيالي الإستيطاني والمذابح أيضا بالإعتماد وتوظيف «القواعد المنظِّمة للعِرق» في منطقهما الخاص. فمنذ نشأة الدولة اليهودية ضُمِّن هذا الكيان في هذا المنطق الإستيطاني العِرقي. حيث يقوم هذا المنطق بتأسيس صورة للفلسطينيين على أنهم «الآخر الخطر» في مقابل اليهودي-الأبيض. وكما ذكر العديد من الكتاب، أن هذا المنطق العنصري كان موجودا في أذهان المفكرين الصهاينة الأوائل وفي أيدولوجيتهم الإستشراقية والتي أطّرت اليهود كحَمَلة للحضارة الأوربية في وجه الثقافة المتخلفة والرجعية في المنطقة. فمشروع «تحديثي» أو «حضاري» هو مهمة اعتمدت على مخيال صهيوني يقول بخصوصية للعامل اليهودي، والذي يقوم بزراعة أرض جرداء وقفر، ويصنع من هذه الصحراء أرضاً مزدهرة ومُخضرّة. لقد قام القادة الصهيونيون الأوائل بتأصيل ومأسسة الخرافة الصهيونية التي تقول «أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض» من خلال تطهير عرقي ممنهج للفلسطينيين في عام 1948. فالكيان الصهيوني ما زال يمارس طرد الفلسطينيين حتى الآن. فالمجزرة التي قام بها الكيان في قطاع غزة في شهر يوليو – أغسطس من عام 2014، وسياسات القبضة الحديدية القمعية التي تستهدف الفلسطينيين المقدِسيّين حتى وقت كتابة هذا المقال، كل هذه الوسائل إنما هي أساليب حديثة يستخدمها الكولونياليون المستوطنون لطرد الفلسطينيين حيث هم السكان الأصليين.

إن استهداف أجساد النساء الفلسطينيات وجنسانيّتهن، الذي نناقشه هنا، لهو عاملٌ بنيوي في تركيبة المنطق العنصري الخاص بالمشروع الإستيطاني الكولونيالي الإستبعادي للآخر الفلسطيني. فلطالما كان الإغتصاب والأشكال الأخرى من العنف الجنسي تجاه النساء الفلسطينيات عاملا من عوامل محاولات الدولة الكولونيالية الإستيطانية لتدمير واستبعاد الفلسطينيين من أراضيهم. وبالإضافة للإغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى ، يقوم المنطق العنصري للعنف الجنسي بتنشيط المخيال الصهيون والمشروع الإنتزاعي للأراضي الفلسطينية وتنميتها، وتحويلها لمجتمع يهودي. ومن هنا فإن حديثا عن العنف الجنسي ليس مُضمّناً في الممارسات الجنسية وفي سياسات الدولة الصهيونية فحسب، ولكن أيضا في طبيعة العنف الكولونيالي الإستيطاني ذاته.

ونحن كنسويات فلسطينيات، نؤكد على أن المخيال حركة الصهيونية لإختراق الخصوصية واستيطان الجسد الفلسطيني لا ينفصل عن المشروع الاستيطاني للأرض الفلسطينية، ومحو وجود السكان الأصليين من عليها. نقوم هنا ببناء منطقنا الخاص على أساس تأكيدات الأكاديمية أندريا سميث القائلة بأن المنطق العنفي للكولونيالي الجنسية « يؤسس الأيدولوجيا القائلة بأن أجساد المواطنين الأصليين بطبيعتها قابلة للإنتهاك، وبالتالي أراضي هؤلاء السكان الأصليين قابلة للإنتهاك والسلب». وهذا المنطق العنفي الكولونيالي الجنسي هو ما نجعله محوراً في تحليلنا للنكبة المستمرة لشعبنا. فنحن نتقفى أثر العنف الجنسي هذا، في شكله التاريخي وشكله الحاضر بصفته آلية واضحة وخفيّة، للبطريركية الكولونيالية تجاه المجتمعات الأصلية في فلسطين. فمنطق العنف الجنسي يهدف إلى تشظية العائلة الفلسطينية والحياة المجتمعية، كونها تشكل قناة الإتصال بالأرض الفلسطينية. إن المشروع الصهيوني بطبيعته مبنيٌّ على تدمير الجسد الفلسطيني والأرض الفلسطينية، وذلك لا ينفصل عن المنطق الكولونيالي الإستبعادي. فالعنف الجنسي ليس ببساطة منتج ثانوي للكولونيالية، ولكن «الكولونيالية ذاتها تتشكل من خلال منطق العنف الجنسي».

العنف الجنسي والإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين منذ النكبة

إن فهم الهجمات المكثفة على أجساد النساء الفلسطينيات في وقت تزايد الهجمات من قِبل النظام الإستيطاني الكولونيالي يستدعي تحليلاً نسوياً. تحليلٌ يجعل من النكبة نقطة انطلاق التحليل. فإسرائيل شُيدت على أطلال الأراضي الفلسطينية التي دمرتها، على آلام أهلها، وعلى آثار هجرتهم. وقد بُنيت أيضا على حساب الأواصر الإجتماعية المدمرة، وانتهاك حرمات منازلنا وأجسادنا.

فقتل وإغتصاب النساء الفلسطينيات كان عاملا مركزيا في نظرة الجنود الإسرائيليين ومجازرهم الممنهجة وتهجيرهم للفلسطينيين أثناء تدميرهم للقرى في 1948. ففي مجزرة دير ياسين على سبيل المثال:

تم جمع سكان القرية جميعهم في ساحة القرية. حيث تم صفّهم في صفٍّ واحد تجاه أحد الجدران وإطلاق النار عليهم. وكانت إحدى شهود العيان ذكرت أن أختها، والتي كانت حاملاً في شهرها التاسع، تم إطلاق النار عليها في عنقها من الخلف. ومن ثم قام المعتدون عليها بفتح بطنها بالسكين الخاصة بمحلات الجزارة وإخراج الجنين من بطنها. وعندما حاولت إحدى الفلسطينيات أخذ الطفل تم إطلاق النار عليها. وتم أيضا إغتصاب النساء أمام أطفالهن قبل أن تتم تصفيتهن وإلقائهن في بئر ساحة القرية.

وكان ديفيد بن غوريون مثله مثل أي زعيم صهيوني، ناقش وبشكل مفتوح إغتصاب وتعريض النساء الفلسطينيات للعنف الجسدي في مذكراته في عام 1948. وفي ذات التوقيت كان قد دعى وحرّض إلى قتل النساء الفلسطينيات والأطفال، باعتبارهم خطراً على المجتمع اليهودي الإستيطاني، أيضا قام بتسليم جائزة لكل أم يهودية تنجب الطفل العاشر. وقد حرصبن غوريون على أن الوكالة اليهودية لا الدولة هي من تشرف وتحفّز على عمليات «كثرة الإنجاب» من أجل ضمان إقصاء العرب من فلسطين. هذا التصنيم والتقديس لمفاهيم الخصوبة جعل الفلسطينيين – النساء منهم بالتحديد – هدفاً لخطاب قومي يسيّس تناسلهنّ بشكل حاد. فبالنسبة للصهاينة، النساء الفلسطينيات كنّ دوما، وسيظلّون كما رأينا في عدوان غزة الأخير، أهدافا لآلة القتل الصهيونية.

وكانت قد أقترحت الأكاديميات النسويات أن الدولة الصهيونية تقوم بتحشيد العنف تجاه أجساد النساء الفلسطينيات وجنسانيتهنّ من أجل تقوية البُنى البطريركية المحلية لتساعدهم في طرد الفلسطينيين من أراضيهم. أضف إلى ذلك تفشي عسكرة الإساءة الجنسية تحت الإحتلال الإسرائيلي. فلقد قامت الدولة الإسرائيلية وقواتها العسكرية باستغلال وتوظيف خطر العنف تجاه النساء الفلسطينيات، وقامت بتوظيف التصورات البطريركية للجنسانية ومفاهيم الشرف من أجل توظيف بعض الفلسطينيين كمتعاونين مع الإحتلال خلال الإنتفاضات ومن أجل ردع أي محاولة لإيجاد مقاومة منظمة. هذه الممارسة كانت تاريخياً منتشرة لدرجة أنها اكتسبت لفظاً خاصاً بها بالعربية وهو «الإسقاط السياسي» ويعني ذلك الإساءة الجنسية للفلسطينيين من أجل أهدافٍ سياسية. وما زالت أجهزة دولة الإحتلال الأمنية مستمرةً في إستخدام الهويات الجنسية للفلسطينيين والمفاهيم الإستشراقية للـ«الثقافة العربية» من أجل تجنيد المتعاونين وتشظية المجتمع الفلسطيني. وكانت المخابرات العسكرية الإسرائيلية، الوحدة 8200، قد كشفت من قبلُ هذه عن الحقيقة.

إن الاغتصاب الفعلي والمجازي الرمزي لأجساد النساء الفلسطينيات، يتم تأطيره بأنه جوهرانياً مُجاز وممكن من قِبل الكيان الصهيوني، وأنه من صلب البنى التي تكون ذات المنطق الخاص بالعنف الجنسي الذي يجعل من المشروع الكولونيالي الإستيطاني ينشط ويستمر في انتهاك ومصادرة والأراضي من الفلسطينيين.

كشف القناع عن منطق العنف الجنسي

إن صمت الآلة الصهيونية بخصوص استخدام العنف الجنسي تجاه النساء الفلسطينيات ومجتمعاتهن قد أصبح واضحاً بشكل كبير منذ بدء شن الكيان الصهيوني عملياته العسكرية مؤخراً. فمنطق العنف المُجنسن أصبح جليّاً أكثر منذ بداية العمليات العسكرية لدولة الإحتلال. فمنطق العنف الجنسي الذي يُعتبر عاملاً مؤسِّسا في المشروع الكولونيالي الإستيطاني أصبح أكثر وضوحا في الإقتحامات العسكرية التي وقعت مؤخراً. حيث ترددت شعاراتٍ مثل «الموت للعرب» و«ليخرج العرب» بكثرة وأصبحت مستخدمة ومقبولة بشكل أكبر في المجال العام الإسرائيلي، كاشفةً عن سياسات موت تُوجه ضد الفلسطينيين في عمق وصلب ما يُسمّى بالديموقراطية اليهودية.
ففي الأول من يوليو، وبعد اكتشاف جثث ثلاث مستوطنين شبان كانوا قد اختفوا قبلها في الضفة الغربية المحتلة، قال البروفيسور الإسرائيلي مورديخاي كيدار الأستاذ في مركز بيجن والسادات للأبحاث السياسية في أحد البرامج الإذاعية: «إن الرادع الوحيد لخاطفي الأطفال “الإسرائيليين” وقاتليهم، هو معرفتهم بأن الذي يُعتقل منهم سيتم إغتصاب أمه او أخته، فهذه هي ثقافة الشرق الأوسط». ومن الواضح أن تصريحاته هذه تقترح إغتصاب النساء الفلسطينيات كسبيل وحيد لردع المقاومة الفلسطينية و«الإرهاب».
نحن الفلسطينيون ليس بغريباً علينا سماع تعليقات مثل تعليقات كيدار وهو يحرض على الإغتصاب كسلاح مضاد لحركات مقاومة الإستعمار. فعندما يتم هذا التحريض في برنامج على الإذاعة العامة، ويسمعه عامة الإسرائيليين، رجالا ونساءً، وبما في ذلك النسويات الإسرائيليات، مما يعكس العقلية الإستيطانية والتنشئة الإجتماعية تجاه الفلسطينيين. فحديث مثل هذا عن اغتصاب النساء الفلسطينيات من قِبل ما يسمى «أكاديمي» من أرقى الجامعات في إسرائيل يعطي انطباعاً عن الهيئة التي يرسمها المستعمرون عن المرأة المستعمرة. وعن تصور جنساني إستشراقي في خطاب يصف الفلسطينيين بالمتخلفين ثقافياً، ويصفهم بـ«الآخر» غير الإنساني.
وخشية من أن يظهر هذا الخطاب المُجَنسن عند كيدار بشكل خارج عن سياقه، من المهم القول بأن كيدار لم يكن الممثل الوحيد في مسرح العنف الجنسي. فالجنود الإسرائيليون وهم يهمّون في طريقهم لقتل الفلسطينيين في قطاع غزة كانوا يقرؤون شعارات داعمة لهم جهّزها بعض المدنيين من الإسرائيليين اليهود تقول بعضها: «اقتلوا أمهاتهم، وعودوا لأمهاتكم». وأيضا كان قد اجتمع اليهود الإسرائيليون على سفح تلة ليشاهدوا ويهللوا لقنابل الجيش الإسرائيلي وهي تسقط على غزة،  حيث كانت قد كتبت شابة يهودية على صفحة الفيسبوك الخاصة بها عن نشوتها الجنسية التي تشعر بها أثناء تسمّرها أمام مشاهد إعدام الفلسطينيين قائلةً: «يا لها من نشوة أن تشاهد قوات الدفاع الإسرائيلية تقصف المباني في غزة والنساء والأطفال ذات الوقت». أيضا حتى رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو تلقى تدوينة شاعت بين العامة الإسرائيليين في شبكات التواصل الإجتماعية، تُظهر امرأة محجبة كُتب عليها “غزة” وتبدو عارية من أسفل خصرها، حاملةً رسالة تقول: «احسم الموضوع داخلي هذه المرة ! .. توقيع، مواطنون مؤيدون للتدخل البري». هذا بالإضافة لعضو الكنيست إيليت شاكد وتصريحه للعامة بأن الأمهات الفلسطينيات يجب أن يقتلن.
إن اغتصاب أجساد النساء مثل اغتصاب الأرض، أصبح في مقدمة الهجمات الإقصائية تجاه الشعب الفلسطيني. ومع استمرار المجازر بحق الفلسطينيين في غزة، تُصعّد الهجمات ذات الطبيعة الجنسية والعرقية تجاه فلسطينيي الـ48 أيضا. فقد خرجن النساء للشوارع ليتظاهرن بجوار سائر أفراد مجتمعهن ضد المجازر المستمرة في قطاع غزة. من ثم اخذت المظاهرات منعطفاً جنسانياً، عندما صرخت الحشود المارة بـ«الموت للعرب» وسرعان ما تحول هذا الشعار إلى «حنين الزعبي عاهرة» حيث حنين هي عضوة مناضلة في البرلمان الإسرائيلي من أجل حقوق شعبها في الحياة. ولم تلبث الشرطة الإسرائيلية حتى هاجمت أجساد النساء الفلسطينيات، مع شركائهن من الرجل، وأخرجوا المظاهرات من حيفا والناصرة حيث تم اعتقالهم وضربهم من قِبل حشود عنصرية أخرى. أيضاً قامت مجموعة من الرموز الدينية والعسكرية بإصدار بيانات تُجيز قصف المدنيين الفلسطينيين أثناء الحرب من أجل الإجهاز على العدو. على صعيد آخر قام مجلس مستوطنة أور يهودا الواقعة على الشاطئ بتعليق يافطة تدعم الجنود الإسرائيليين حرّضت على اغتصاب النساء الفلسطينيات حيث تقول: «أيها الجنود الإسرائيليون، سكان أور يهود معكم! اسحقوا نسائهم وعودوا سالمين لأمهاتكم».
إننا ناقش منطق العنف الجنسي المشاهَد بوضوح في الهجمات الموجهة ضد الفلسطينيين خلال تاريخ الإحتلال الإسرائيلي، طبعا تاريخياً وخلال ما يحدث من هجمات مؤخراً تنتشر بين المستوطنين الإسرائيليين والمجتمع الإستيطاني بشكل عام. إن الدولة الصهيونية والمجتمع الاستيطاني هي عناصر غير منفصلة، فهما أمران مرتبطان من خلال ارتباط عضوي نفسي ومخيال سياسي يتخطى ويختلف عن الشكل المعتاد لتقسيم الدولة والمجتمع المدني. فكما يصف لورينزو فيراسيني هذه العلاقة بأن بالمستوطنين «يحملون سيادتهم معهم». فكلا أجهزة الدولة (ومن بينهم المسؤولون الرسميون المنتخبون، والأكاديميون، والمؤسسات العسكرية) والمجتمع الاستيطاني (وهذا يتضمن الجمهور الإسرائيلي المرتبط بالأيدولوجية الصهيونية) يجسدان آلة العنف الإستيطاني. ولا عجب في أن كلا أجهزة الدولة ومجالات الإستيطان غير الرسمية مارست بشكل واضح هجمات على جنسانية وأجساد وحياة النساء الفلسطينيات في سياق حربهم الأخيرة على قطاع غزة، وفي هجماتهم المتكررة في القدس، وفي تاريخ فلسطين كله.
إن المسؤولين الإسرئيليون وسياساتهم القمعية وتحريضهم ضد الشعب الفلسطيني كل ذلك يعمل على تقوية وتشجيع المجتمع الإستيطاني الإسرائيلي على تقمص قوة الدولة الصهيونية وعلى مهاجمة الفلسطينيين بوحشية. ويبدوا هذ جليّاً في اعتداءات المستوطنين وقوات الحماية العسكرية الحكومية والقوات الأمنية على أجساد النساء الفلسطينيات داخل المسجد الأقصى خلال الأسابيع الماضية في القدس. ومثال على هذا المشهد اليومي للعنف الجنسي هو إعتقال وضرب عايدة، وهي امرأة فلسطينية من القدس القديمة. والتي عندما حاولت الدخول للمسجد الأقصى، قامت الشرطة بالتهجم عليها بوحشية. وقامت الشرطة بتمزيق حجابها وسحلها من شعرها، بينما استمروا في ضربها خلال طرقات المدينة القديمة، وجرّها حتى دورية الشرطة. بعد ذلك تم أخذها إلى مركز الشرطة ، حيث تم استجوابها بعنف، وضربها واتهامها بالإعتداء على رجل شرطة. إن تعنيف جسد عايدة ووصمها بكونها مجرمة بشكل جوهراني، إنه لشكل من أشكال العنف الجنسي الجندريّ. وتقنين هذه الأشكال من العنف يجعل من النظام القانوني الإسرائيلي ذاته مُضمّناً في المشروع الكولونيالي الإستيطاني وآلته الإقصائية.
تتطور االوحشية والتجاوازات من قِبل الدولة الإستيطانية الكولونيالية إلى صيغ وضيعة. فحين تم اعتقال سميرة لمشاركتها في مظاهرات في القدس الشرقية المحتلة، حيث تم إطلاق سراحها بشرط قيامها وإكمالها لما يسمّى «خدمة المجتمع». حيث أجبرتها خدمة المجتمع هذه على مسح أرضية دورات المياه في مرافق للشرطة الحدود الإسرائيلية والجنود الإسرائيليين. وكما أوضحت لنا قائلة:

«لم أستطع تسديد الغرامة الكبيرة، وكنت بحاجة شديدة للخروج من السجن للعودة لأطفالي. ولم يكن بيدي خيار آخر سوى مسح أرضية دورات مياههم… وبمجرد كوني هناك، في حمامات الرجال، في حمامات رجالٍ إسرائيليين بالتحديد، شعرت بأنني أتعرض للإغتصاب. لكنني فعلتها لتجنب دفع الغرامة، ولكنني لم أستطع تخطي الشعور بأنني سمحت لم بإبقائي هناك، في دورات المياه، في دولة الرعب الدائم، حيث أرتعد خوفاً من أن أتعرض لإساءة جنسية، ومن ثم يتم رميي كمناديل الحمامات الورقية».

إن كلمات سميرة وتحليلها يوضّح الجوانب الجندرية والجنسانية المعقدة للآلة الإستيطانية الكولونيالية العنفية. ولكن كما استنتجت سميرة أخيرا: «أحياناً أشعر بأنني كنت عبدة لهم فحسب، وأحياناً أخرى أقول لنفسي لا، إن هذه مقاومة وصمود، إن هذه قوة… لقد فعلت ما كان علي فعله حتى أعود لأطفالي دون أن أُلمس ودون أتعرض لإعتداء جنسي… نعم إنه صعب ومعقد.. إن وضعنا صعب ومعقد». فحتى في وجه هذا العنف الكولونيالي الإستيطاني، فإن أشكال مقاومة النساء الفلسطينيات يوميا وبقائهن يوضح قوتهنّ وصمودهن بوضوح بالغ.

بالمجمل، إن العنف الجندري والجنسي ليسوا مجرد أداة للتحكم البطريركي، حيث التحكم البطريركي هنا المنتج الثانوي للحرب أو الصراع المحتدم. لا فالعلاقات الكولونيالية هي بحد ذاتها مقسمة جندرياً ومُجنسنة. فنحن نكافح هذا العنف الجنسي، هذا المنطق المُضمّن في المشروع الإستعماري الكولونيالي، الذي يتبع مبدأين متناقضين يعملان تزامنياً: الإنتهاك/العنف/الإحتلال ومبدأ السيادة/التطهير/الفصل. وهذا هو عينه هو المشروع الصهيوني الإستيطاني الكولونيالي المحتل والعُنفيّ تجاه أجساد الفلسطينيين وحياتهم، وأراضيهم والذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفصلها الحاد العنصري الجغرافي وبين الحدود المادية بين المواطنة اليهودية والفلسطينيين، أيضا محاولة تطهير الجسد الوطني اليهودي من الجسد الفلسطيني، والذي يُصوّر على أنه ملوَّث بيوسياسياً. وهكذا هو منطق العنف الجنسي، موجود في صلب النظام الصهيوني، يُفعّل ويُنشّط الهجمات التاريخية والحالية تجاه أجساد الفلسطينيين وحياتهم.
وهكذا فإن نضالنا من أجل سيادتنا كفلسطينيين داخل النشاط المقاوم للإستعمار كنسويات لهُو ضروري من أجل حماية أجساد النساء الفلسطينيات وجنسانيتهنّ، وعائلاتهنّ، وحقهم العام في الحياة. إنه نضال ضد الذكورية الفائقة لأجهزة الصهيونية العسكرية والإستيطانية والتي تؤطّر النساء الفلسطينيات بشكل جوهراني في شكل «الآخر» الخطِر – بشكل عنصري –  والمهدِّد، واللاتي يجب أن تُدمّر أجسادهن وتُنتهَك كونهنّ العدو الأبدي المنتج «للمزيد من الفلسطينيين». لا يمكن فصل هذا المنطق عن منطق الإقصاء الإستيطاني الكولونيالي.
فنحن كنسويات فلسطينيات نُعنى بسلامة حياة وأجساد النساء، واستمرارية شعبنا ومستقبلنا وأجيالنا، إننا ندعو النسويات في العالم لينضموا إلى نضالنا، ويتحدّينَ ثقافة الحصانة الممنوحة للمستوطِن المستعمِر وأن يرفعن أصواتهم ضد جرائم الدولة الإسرائيلة الجارية الآن.

 

نشرت الترجمت في مدونة ما العمل.

هنود فلسطين: جيل دولوز وإلياس صنبر

جيل-دولوز-وإلياس-صنبر

 

في عام 1982، قام الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بمقابلة المؤلف الفلسطيني إلياس صنبر مؤسس مجلة الدراسات الفلسطينية. وقاما بإيضاح دور وأهمية المجلة، أيضا قضية وجود الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين. وبشكل مخزي، وبعد ما يقارب الـ30 عاما من هذه المقابلة، ما زالت تدور نقاشات بهذا الخصوص وبشكل بائس يلائم الأجواء السياسية والثقافية اليوم.

“لقد انتظرنا وقتاً طويلاً حتى نرى مجلة عربية تصدر بالفرنسية، وبدلا من أن تأتي من شمال أفريقيا كم توقعنا جاءت من قِبل أشخاصٍ فلسطينيين. وهذه الصحيفة لها خاصيتين واضحتين، أنها تركز على مشاكل الفلسطينيين والتي تهم العالم العربي كله. وعلى الجانب الآخر هي تجمع التراث الأدبي العربي،والتاريخي والإجتماعي، وهو التراث الغني وغير المعروف بالنسبة لنا” – جيل دولوز، 1982.

 

دولوز: على ما يبدو أن هناك نوع من النضوج في الجانب الفلسطيني. نضوج في النبرة ذاتها، وكأنهم تجاوزوا أزمة دولتهم الأولى، وكأنهم وصلوا لمرحلة من السكينة واليقين في أنهم أهل حق، مما يقف شاهدًا لحالة جديدة من الوعي. هذه الحالة الجديدة تسمح لهم بالحديث بطريقة جديدة، طريقة ليست بعدائية وليست بدفاعية أيضا، ولكن مساوية لنبرة حديث الآخرين. فكيف تشرح عدم تحقيق الفلسطينيين أهدافهم حتى الآن ؟

صنبر: لقد استشعرنا ردة الفعل هذه منذ صدور العدد الأول من المجلة. كان هناك عدد من الجهات الفاعلة التي قالت لنفسها عاجبة: “انظروا، إن الفلسطينيين يملكون مجلة مثل التي لديهم الآن ” و قد بددت المجلة هذه الصورة الراسخة في أذهانهم عن الفلسطينيين. لا تنس أن صورة المقاتل الفلسطيني الذي نتحمل مسؤوليته، كانتبالنسبة لكثير من الناس قد ظلت مجردة بشكل كبير. دعني أفصل مزيدًا في هذه المسألة، قبل أن نؤسس لحتمية وواقعية وجودنا، كان يتم تلقينا كمجرد لاجئين. وعندما أَسست حركات المقاومة الفلسطينية لفكرة أن صراعنا يجب أن يوضع في عين الإعتبار، عدنا من جديد لنقع في فخ التصوير الإختزالية لنا من قِبلهم.

تم تصويرنا بشكل مكرر ومعزول بشكل لا نهائي، على أننا ذوي نزعة عسكرية فقط، وتم تلقينا على أن هذا ما نقوم به لا شئ آخر. ومن أجل أن نترك ذلك التصور خلف ظهورنا فنحن نفضّل أن نكون ذوي نزعة عسكرية بشكل عام أكثر من أن نكون ميليشيويين بالمعنى الضيق للكلمة.

إني أؤمن بأن الدهشة التي سببها ظهور المجلة أيضا يأتي من حقيقة أن بعض الأشخاص يجب أن يبدؤوا بالإعتراف بوجود الفلسطينيين، وأن استذكارهم من أجل مبادئ مجردة لا يكفي. إذا كانت هذه المجلة تأتي من فلسطين، فإنها على الرغم من ذلك تؤسس لأرضية مشتركة يشغلها العديد من الأفكار، أرضية لا تخص الفلسطينين فقط بل أيضا العرب والأوروبيون واليهود .. إلخ.

فوق ذلك كله، بعض الأشخاص عليهم استيعاب أنه إذا كان يوجد هناك مجهود وعمل في مثل المجلة هذه، ومثل هذا التنوع في الآفاق فيها، فإن المجلة يتوجب عليها أن تضم لها أناس مستويات مختلفة من أرض فلسطين: رساموها، نحاتوها، عمالوها، فلاحوها، روائيوها، عمال المصارف، الممثلون، رجال أعمالها، أستاذة الجامعات .. بإختصار، مجتمع حقيقي. مجتمع يعطي المجلة قيمة حقيقية.

إن فلسطين ليست فقط الناس والشعب، بل هي الأرض كذلك. هي الصلة بين الناس وبين أرضهم المسلوبة، هي المكان حيث يشرُع الغياب والحنين الهائل للعودة. إن هذه الأرض لأرضٌ فريدة، فهي مبنية على كل عمليات التهجير التي عاناها شعبنا منذ عام 1948. فالمرء منا عندما يضع فلسطين في إحدى عينيه، يدرُسُها، يفحصُها ويمعن النظر بها، يتتبّع الحركات داخلها، يدوّن كل تغير مرتقب لها، يجمع كل الصور القديمة لها، بإختصار، إن المرء هذا لن يشعر بأنها فقدها أبدا بعد ذلك.

 

دولوز: هناك الكثير من المقالات في مجلتكم مجلة الدراسات الفلسطينية التي تستذكر وتحلل بطريقة مبتكرة الإجراءات التي على إثرها تم تهجير الفلسطينيين من مناطقهم. وهذا مهم جداً لأن الفلسطينيين ليسوا شعباً مستعمراً فقط بل هم مطرودين ومهجّرين من بلادهم. وفي الكتاب الذي تقوم أنت بكتابته، أنت تصر على المقارنة بين الهنود الحمر وبين الفلسطينيين.

هناك حركتين مختلفتين تماما داخل الرأسمالية ذاتها. الأولى هي معنية بجعل شعب ما يعمل على أرضه دون خروجه منها، حيث يتم استغلاله، من أجل إخراج فائض القيمة من عمله هذا، وهذا ما يسمى عادةً بالإستعمار. أما في الحالة الأخرى وعلى النقيض من الأولى تماما، فهذه الحالة معنيّة بإخلاء الأرض من قاطنيها من أجل تحقيق قفزةٍ ما إلى الأمام، حتى لو كان ذلك يعني تحويل هذا الشعب المستعمَر إلى قوة عمل في مكان آخر. إن تاريخ الصهيونية وإسرائيل شبيه بالتاريخي الأمريكي الذي سار بنفس الطريقة السابقة عن طريق خلق مساحات فارغة من السكان، وكيف تطرد هؤلاء السكان.

أيضا في مقابلة ذكر ياسر عرفات حدود لهذه المقارنة، وهذه الحدود هي ذاتها ما يشكّل أفق مجلة الدراسات الفلسطينية حيث هناك عالم عربي بالنسبة للفلسطينيين، بينما كان الهنود الحمر الأمريكيين مهجّرين بدون مأوى بديل ولا حول ولا قوة خارج المناطق التي تم تهجيرهم منها.

 

صنبر: إننا مهجّرون من نوعٍ مميز لأننا لم نُهجّر إلى بلادٍ أجنبية غريبة عنا، ولكن تم تهجيرنا إلى أرضٍ هي امتدادٌ لأراضينا. فقد نزحنا إلى أراضٍ عربية حيث لا يرغب أحد في تفرّقنا والفكرة أساسها بحد ذاته منحرفة وشاذة. هنا أنا أفكر في النفاق الإسرائيلي، عندما يقوم بمعاتبة بعض العرب الذين لم يسمحوا لنا بالإندماج معهم كفلسطينيين، وذلك يعني في لغة الإسرائيليين تذويبنا حتى نختفي. فهؤلاء الذين طردونا من أراضينا فجأةً أصبحوا مهتمين بعنصرية العرب التي يزعمون ضدنا. هل هذا يعني أننا لم نواجه بعض ما يناقض كلامي السابق في بعض الدول العربية ؟ طبعا لا، لكن ذلك لم يكن بسبب أننا عرباً، وكانت بعض هذه المواجهات مع العرب لا يمكن تفاديها حيث كان ذلك بسبب أننا كنا وما زلنا ثورة مسلحة. نحن أيضا الهنود الحمر بالنسبة للمستوطنين اليهود في الأراضي الفلسطينية. ففي أعينهم واجبنا ودورنا الوحيد هو الإختفاء والإختفاء فقط. إنه لمن الجليّ بالنسبة لكل هذا أن تاريخ تأسيس إسرائيل ينتِج ذات الخطوات التي أدت لوجود دولة الولايات المتحدة الأمريكية الآن.

 

ربما كان هذا من العوامل الأساسية من أجل فهم مفاهيم التضامن المتبادل. أيضا هناك عوامل دلالية على أن فترة الإنتداب  لم تكن بالنسبة لنا إستعمارا كلاسيكياً معتاداً، لم يكن بيننا ذلك التعايش الذي تجده ربما بين المستعمِر والمستعمَر. فالفرنسيون والإنجليز .. إلخ رغبوا بالإستيطان في أراض يتواجد عليها أهلها من السكان الأصليين. فإنه من الضروري تواجد المهيمَن عليه من أجل إستمرار فعل الهيمنة. مما يخلق فضاءات مشتركة ليحدد الشخص إذا ما كان يقبل بهذا المستعمِر أم لا، وأعني بالقبول أي الشبكات والقطاعات، ودرجات معينة من الحياة الإجتماعية يحدث من خلالها هذا التواجه بين المستعمِر (المستوطن) والمستعمَر. وقد كوّن ذلك واقعٌ لا يُطاق، كونه مدمِّرٌ، وإستغلاليٌ، ومتسلط. فكل هذا لا يغير من حقيقة أنه من أجل إستغلال هذا الساكن الأصلي فإنه على هذا الأجنبي (الغريب) أن يقوم بنوع من أنواع التواصل مع هذا الساكن الأصلي. كان هذا ما يحصل عادة حتى أتت الصهيونية، والتي انطلقت على النقيض من ذلك كله، فقد انطلقت من ضرورة غيابنا كسكانٍ أصليين، واستخدمت خصوصية أفرادها (عضويتهم في المجتمعات اليهودية) كحجر أساسٍ لنبذنا ومن ثم تهجيرنا، وكحجر أساس لعملية الإحلال والتبديل كما وصفها إيلان هاليفي بدقة. وهكذا بالنسبة لنا وُلد من يبدو أنه لزام علينا تسميتهم بالـ “المستوطنون المجهولون “، هؤلاء الذين وصلوا في ذات القفزة الواسعة التي أتت بمن أسميهم “المستوطنون الأجانب”.

“المستوطنون المجهولون” هم من كان نهجهم مبنيٌ على خلق خصائصٍ ذاتية كقاعدةٍ صلبة وكأساس لنبذ الآخر.أضف إلى ذلك، أنني أعتقد أنه في عام 1948 لم تكن تقع فلسطين تحت الإحتلال ببساطة، إنما اختفت بطريقة ما.

 

لقد قامت الحركة الصهيونية بحشد المجتمع اليهودي في فلسطين، ليس عن طريق الفكرة القائلة بأن الفلسطينيين سيغادرون هذه الأرض يوما ما، لكن عن طريق فكرة القائلة بأن هذه الأرض هي خالية في المقام الأول. بالطبع كان هناك بعض الأشخاص الذين وصلوا لفلسطين ولاحظوا عدم صحة ما يُقال عن خلو البلاد من أهلها الأصليين وكتبوا عن هذا الشأن ! لكن الغالبية العظمى من هذا المجتمع كانت تعمل وجها لوجه ضد من احتكت أكتافهم سوياً كل يوم كما لم يكونوا موجودين من قبل. والعمى هذا ليس عمىً جسديا، فلم يكن هناك أي مخدوع ولا حتى بأقل درجات الخداع، فالجميع كان يعلم من هؤلاء والجميع كان يعلم أن الشعب الفلسطيني على وشك الإختفاء، والكل كان مدركاً أنه من أجل أن يتحقق هذا الإختفاء يجب أن يعمل كما لو كان الفلسطينيون قد اختفوا وانتهى الأمر وأصبح ذلك واقعا. وذلك عن طريق غض النظر عن الآخر الذي لا جدال في وجوده طوال الوقت. ومن أجل نجاح هذا، و أعني بهذا أن النجاح في إخلاء الأراضي الفلسطينية من العرب يبدأ من إخلاء العرب في رؤوس وعقول المستوطنين بادئاً ذي بدء.

وحتى نصل إلى هذه المرحلة، قامت الحركة الصهيونية بإستخدام منظور عنصري جعل من اليهودية الأساس الأوليّ لهذا النفي والإقصاء للآخر. وتم دعم ذلك بإستخدام الإضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا من قِبل عنصريين آخرين، مما أعطاهم دليلا على نجاح نسختهم الخاصة من العنصرية.

أضف إلى ذلك أننا نعتقد أن الصهيونية كبّلت اليهود، فهي تحتجزهم في ذلك المنظور الذي تحدثت عنه آنفاً. وإني هنا أقول بأن الصهيونية تحتجز اليهود وليس أنها احتجزتهم في وقتٍ ما. وأقول ذلك لأنه ما إن انقضت مرحلة الهولوكوست حتى ظهر هذا النهج، والذي تحول إلى مبدأ أبديّ زائف يقول بأن اليهود في كل زمان ومكان دائما ما كانوا هم “الآخر” في تلك المجتمعات التي يتواجدون فيها.

واقعاً، ليس هناك أي شخص أو أي مجتمع من المجتمعات اليهودية يستطيع إدعاء ذلك – وهذا من أسباب سعدهم – أنه أو أنهم كانوا يشغلون على الدوم دور “الآخر”، ذلك الآخر البغيض المقصيّ. فاليوم، “الآخر” في الشرق الأوسط هم العرب، والفلسطينيون تحديداً. وتلك الضمانات التي تطلبها القوى الغربية من أجل هؤلاء الذين ادعاء إختفاءهم هو الشغل الشاغل في أيامنا، لهو قمة النفاق والسخرية. فنحن من يحتاج ضمانات لنا ضد جنون القيادات العسكرية الإسرائيلية.

وبغض النظر عن كل هذا، فإن منظمة التحرير الفلسطينية ممثلنا الوحيد قدمت حلاً لهذا الصراع: الدولة الفلسطينية الديموقراطية، تلك الدولة التي تمزق كل الحواجز الموجودة بين السكان بغض النظر عن هوياتهم.

 

دولوز: إن لمجلة الدراسات الفلسطينية بيان خاص بها، ويظهر في أول صفحتين من العدد الأول للمجلة والذي يقول: ” إننا بشرٌ مثلكم “. إنها لصرخة ذات معانٍ عدة، أول هذه المعاني أنها تذكير أو استغاثة. فلطالما أُلقي اللوم على الفلسطينيين كونهم يرفضون الإعترف بإسرائيل. حسنٌ، هذا ما يقوله الإسرئيليون بأن الفلسطينيين يريدون تدميرهم. لكن في الواقع إن الفلسطينيين ذاتهم صارعوا وكافحوا لأكثر من 50 عاماً من أجل أن يتم الإعتراف بهم.

من ناحية أخرى يقف هذا البيان، كمعارضة للشعار الإسرائيلي “نحن لسنا كمثلنا من الشعوب “، وذلك بحجة عِظم وتجاوز الإضطهاد والتنكيل الذي نال اليهود. ومن هنا تكمن أهمية العدد الثاني من المجلة والنصّين الذي احتواهما، واللذان كتبهما كتّابٌ إسرائيليون عن ردات فعل الصهانية على الهولوكست، وأهمية ودلالات هذا الحدث في إسرائيل، وعلاقته بالفلسطينيين وبالعرب كافة البريئين من الهولوكوست. فلطالما طالبت إسرائيل بأن يُعامَل شعبها بمعاملة “شعب خارج الظروف المعتادة”. غير ذلك تقوم إسرائيل بتأطير ذاتها في وضع يعتمد وبشكل كلي إقتصاديا وماليا على الغرب كما لم تفعل دولة من قبل كما يقول بوز إيفرون. ولهذا السبب يلجأ الفلسطينيون وبسرعة للخطاب المقابل المضاد، وهو أنهم يريدون أن يكونوا ماهم عليهم، وذلك بأن يصبحوا أناساً طبيعيون فقط.

وبخلاف التاريخ المتجه للنهاية فقط، هناك معنى آخر للتاريخ متعلق فقط بما هو ممكن الحدوق، وبتعددية هذا الممكن، وغزارة هذا الممكن عددياً في كل لحظة. أليس هذا ما تحاول المجلة إظهاره ؟ حتى مع كل هذا الزخم في التحليل للأحداث التي تحدث حاليا ؟

 

صنبر: بالتأكيد. إن مسألة تذكير العالم بوجودنا هي ذات معانٍ عدة، لكنها أيضا في غاية البساطة. إنها ببساطة ذلك النوع من الحقيقة التي عندما يتم الإعتراف بها بصدق، سيجعل من مهمة أولئك الذين يطمحون لإخفاء الشعب الفلسطيني صعبة جدا. لأنه في نهاية المطاف، ما نقوله ببساطة شديدة هو أن كل البشر يملكون “حقاً في امتلاك الحقوق” . وهذه جملة شديدة الوضوح، لكنها على درجة من القوة تمكّنها من أن تكون نقطة إلتقاءٍ وافتراق في جميع الصراعات السياسية. لنأخذ الصهاينة على سبيل المثال، ماذا لديهم ليقولوه بهذا الخصوص؟ لن تسمعهم أبدا يقولون بـ “أن الشعب الفلسطيني لا يملك أي نوع من أنواع الحقوق” فلا قوة مهما تعاظمت تستطيع دعم موقف وادعاءٍ كهذا، وهم يعلمون ذلك جيداً. ولكن على النقيض، بالتأكيد ستسمع إصرارهم وتأكيدهم على أنه “ليس هناك شعبٌ فلسطينيّ”.

ولهذا السبب، إن تأكيدنا وإصرارنا على وجود الشعب الفلسطيني، ولا أجد ضيراً في قول هذا، أقوى بكثير مما كان عليه في الوهلة الأولى.

 

نشر في موقع حكمة الثقافي